قل ولا تقل/ الحلقة الثامنة

 

قل: الطبيب الخافِرُ وطبيب الخَفْر والجندي الخافِرُ وجندي الخَفْر

ولا تقل: الطبيب الخَفَر ولا الجندي الخَفَر

وذلك لأن الخافر أسم فاعل من خَفَرَه وخَفَرَ به وخَفَرَ عليه أي أمَّنه وحماه وأجاره وحرسه فيكون لفظ “الخافر” مستعملاً على سبيل المجاز للطبيب وعلى سبيل المجاز للجندي. أما “الخَفَر” فهو مصدر الفعل “خَفَرت المرأة تَخْفَرُ خَفَراً وخفارة أي استحيت أشد الإستحياء فهي خَفِرَة وخَفِير ومِخْفار”. ومن البديهي أن الذي يستعمل الخَفَر لا يريد خَفَر المرأة ولا يخطر ذلك بباله بل يريد صاحب النوبة والرقيب والموكل بالتدبر أو النظر أو الحراسة، ويجوز أن يكون الأصل في هذا الإصطلاح “الطبيب ذو الخَفْر” وهو بمعنى الطبيب الخافر باعتبار أن المراد باسم الفاعل هو النسبة الى الفعل، فقولهم “ذو الخفْر” هو رجوع الى الأصل، فينبغي أن يقال إذن “الطبيب ذو الخفْر” أو طبيب الخفْر باضافة الإسم الى فعل صاحبه وذلك أثقل من “الطبيب الخافر” وكذلك القول في “الجندي ذي الخفْر وجندي الخفْر”. فتسكين الفاء واجب لئلا يلتبس الخفْر الذي هو الحفظ والحراسة بالخَفَر الذي هو الحياء، ثم انه لا يجوز أن يكون الخَفَر جمعاً قياساً على حارس وحرس وخادم وخدم وطالب وطلب وقاعد وقعد وسامر وسمر وناشيء ونشأ، لأن المقصود خافر واحد لا جماعة ولا جمعية واستعمال الجمع مكان المفرد هو من اللغة العامية إذا كان المفرد غير مجزأ كقولهم، فلان أشقياء، وأبناء الثلاثين وفلان أرباب. (م ج)

قل: نُقول الموظفين ونقلاتهم

ولا تقل: تَنَقّلات الموظفين

وذلك لأن “التنقلات” جمع المصدر “التنقل” المشتق من “تنقَّل فلان” ومضارعه “يتنقَّل فلان” أي انتقل من شيء إلى آخر، ومن مكان لآخر، ومن بلدة إلى أخرى، عدة مرات بحسب رغبته وهواه، ومن ذلك قول الشاعر: “تنقل فلذات الهوى في التنقل” فتنقلات الموظفين ليست مكررة عدة مرات في تلك المرة، ولم تكن برغبة منهم وعلى هواهم. فالصواب “النقول والنقلات” أي نقلات الموظفين، ولكل موظف “نقلة” والنقلة مصدر المرة، كما تقول في الخرجة خرجات وفي السفرة سفرات وفي الطلعة طلعات وفي الحملة حملات وفي الدخلة دخلات وتقول في النقلة نقلات، لأن الموظف إذ ذاك نُقل نقلة واحدة وجمع النقلة نقلات كما ذكرت آنفا. فقل: نقلات الموظفين كما تقول: سَفرات الموظفين وحملات الجيش، والفرق بينهما أن النقلة مضافة الى مفعولها وتلك مضافة الى فاعلها. ولا تقل: تنقلات الموظفين بهذا المعنى، فتنقلات الموظفين تكون في أيام إجازاتهم واستراحاتهم، أو تفتيشهم وتحقيقاتهم، اي حينما ينتقلون مرة بعد مرة باختيار أو بإذن للإعتبار والإختبار. (م ج)

قل: القَطّاع (الصناعي)

ولا تقل: القِطاع أو القُطاع (الصناعي)

وذلك لأن القطّاع من اصطلاحات الهندسة القديمة وقد استعير للتقسيمات الإقتصادية باعتبار أن مجموع الإقتصاد دائرة والقطّاع يقطع جزءاً منها ويفرزه. قال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي الكاتب من أهل القرن الرابع للهجرة: “الشكل القطّاع – بفتح القاف وتشديد الطاء – قطعة من دائرة، راسها اما على مركزها واما على محيطها مثل هذين الشكلين.”

وهذه التسمية من باب تسمية الكل بالجزء كما قالت العرب “الحائط” للبستان مع أن الحائط هو جداره، وكما سمى العصريون عدة أشياء بالمنطقة من غير أن يشترطوا الإستدارة في الشيء المسمى وذلك خطأ قبيح لأن المنطقة كالحزام فتستعمل للإستدارة لا للإنبساط، فقولهم “المنطقة الإستوائية” من الأرض صحيح، لأن الخط دائر مع خط الإستواء كالنطاق وإن كان متصوراً وقولهم “المنطقة المحرمة” من البلاد خطأ لأنها لا استدارة فيها.

أما القِطاع آلة القطع أو طائفة من الليل والدراهم فلا محل بها في إرادة هذا المعنى. (م ج)

قل: تعرّفت الشيء والأمور، وتعرّفت إلى فلان واعترفت به واستعرفت اليه، وقالت العامة تعرّفت بفلان

ولا تقل: تعرّفت إلى الشيء والأمور ولا تعرّفت عليها.

وذلك لأن لغة العرب تميز في هذا الفعل بين الإنسان وغيره، كما تميز بين مدلولي صيغة الفعل “تفعَّل” ولكن مدلوله غير مدلول “تعرّفت الى فلان” أي تفعّل أيضا مع مخالفة مدلول هذا الفعل لمدلول ذلك. فلغة العرب لغة اشتقاقية وأوزان أفعالها أي صيغ أفعالها محدودة معدودة والمعاني كثيرة، فلم يكن بد من أن تدل الصيغة الواحدة والوزن الواحد على أكثر من معنى واحد لوفاء بالمعاني وأدائها، ومن تلك الصيغ المشتركة المعاني “تفعّل” التي جاء على وزنها “تعرّف” فقولنا “تعرّفت الشيء والأمور” هو “تفعّل” الذي بمعنى أوقعت أصل الفعل على المفعول أي أوقعت المعرفة عليه بعد أن كان مجهولاً. وأقول بعبارة أخرى هو بمعنى “أصبه بالمعرفة”. أما قولنا “تعرّفت الى فلان” ففيه تعرّف بمعنى أظهر الفعل من نفسه خاصة مرة بعد مرة أي أظهر معرفة نفسه بتكرار لتأكيد الفعل، فهو لازم ملازم لفاعله، وشواهد الأول أعني “تعرّفته” كثيرة، أنا ذاكرها بعد النصوص اللغوية.

قال الجوهري في الصحاح: “تعرّفت ما عند فلان أي تطلّبت حتى عرفت وتقول: ائتِ فلاناً فاستعرف اليه حتى يعرفك” وكرره مؤلف لسان العرب ناقلاً. وذكر قول طريف العنبري:

تعرَّفوني أنني أنا ذاكمُ              شاكٍ سلاحي في الفوارس معلمُ

وتعرّفه قد أورده الفيروزأبادي في القاموس كإيراد الجوهري في الصحاح. أما الواقع اللغوي فمنه ما ورد في أخبار الخوارج من الكامل للمبرد من قول  القائد العظيم المهلب بن أبي صفرة لهريم بن عدي المجاشعي: “إني لا آمن أن يكون قطري كاذباً بترك موضعه فاذهب فتعّرف الخبرَ”. وقول بعض الفصحاء في موضع آخر منه: “يتعرفه النصر ويساعده الظفر”. ومنه قول بعض الفصحاء في أخبار ابن مسحج في الأغاني: “وما منعني من عنقه إلا حسن فراستي فيه ولئن عشت لأتعرّفن ذلك”. ومن قول بعضهم في أخبار ابن المولى: “فلما أفاق ابن المولى من علته ونهض دخل عليه يزيد بن حاتم متعرّفاً خبره”. ومنه قول الجاحظ في كتابه الحيوان: “جعلها في موضع امتحان اخلاصهم وتعرّف صدق نياتهم”.

وأما قولهم “تعرّف فلان الى فلان” فقد ورد في كتب اللغة الموثوق بها المعتمد عليها مثل لسان العرب وفي تعابير الفصحاء، فقد جاء في كتاب الأغاني في أخبار معبد المغني الكبير الشهير: “غنيت فأعجبني غنائي وأعجب الناس وذهب لي به صيت وذكر فقلت: لأتين مكة فلأسمعن من المغنين بها ولأغنينهم ولأتعرّفنّ اليهم”. وقال الأديب الكبير أبو هلال العسكري في جمهرة المثال: “لا الملك معرفة ولا البحر جار أي لا تتعرّف الى الملك ولا تجاور البحر”.

أما “تعرّف به” فقد نقل الأستاذ رينهارد دوزي المستشرق في معجمه المستدرك للغة العربية بالعربية والفرنسية من كتاب تأريخ الموحدين لإبن صاحب الصلاة قوله: “حين دخل بغداد وتعرّف بسلطانها” فهذا شاهد “تعرّف به” ونقل من مرجع آخر قول القائل “تعرّف بالناس”. والظاهر أن “تعرّف به” أي صار معروفا عنده هو من التعابير العامية ومن العامية ما هو فصيح ولا يزال عوام بغداد يستعملونه في كلامهم  كقولهم “اتعرّفت بي” وتأويله اللغوي أن المتعرف كان مجهولاً فلما اتصل به صار معروفاً، فإذا كان ذلك بالنسبة للمجرور كان التعبير صحيحاً وإذا كان بالنسبة للفاعل كان من سوء التعبير. (م ج)

قل: هذا يرمي الى الإصلاح ويستهدفه

ولا تقل: يهدف الى الإصلاح

وذلك لأن “هدف للشيء” لا يؤدي هذا المعنى، وله معنى آخر لا تستغني عنه اللغة العربية ومن أجله أشتق الفعل من الهدف. قال الزمخشري في أساس البلاغة: “وهدف للخمسين وأهدف: قارب”، وجاء في لسان العرب: ” ويقال: هل هدف اليكم هادف أو هبش هابش؟ يستخبره هل حدث ببلده أحد سوى من كان به؟…. وهدف الى الشيء: أسرع”.

وجاء في القاموس “وهل هدف اليكم هادف: هل حدث ببلدكم أحد سوى من كان به… وهدف اليه: دخل وهدف للخمسين قاربها كأهدف. وجاء في المعجم الوسيط: “هدف الي هدفاً: دخل وهدف للخمسين قاربها…. وهدف الى الشيء: جعله هدفاً له، مولد”. وهذا المولد خطأ لأن جميع معاني “هدف” المتقدمة على هذا المعنى تعني قرب الوصول والدخول وما أشبهها، على حين أن “رمى” الى الشيء لا يعني القرب منه ولا إصابته وانما يعني الإجتهاد والسعي لإصابته، فالهدف يكون بعد الرمي وهو مقاربة النجاح، يقال “رمي الى النجاح فهدف له” أي قاربه.

أما “استهدفه” فمعناه اتخذه هدفاً، وقد ورد في كلام الإمام علي (ع) على احدى الروايتين، وهي في قوله: “دار بالبلاء محفوفة… وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها”. قال عز الدين بن ابي الحديد: “ومستهدِفة بكسر الدال: منصبة مهيأة للرمي، وروي مستهدَفة بفتح الدال على المفعولية كأنها قد استهدفها غيرها أي جعلها أهدافاً”. ونقل ذلك فخر الدين الطريحي ولم يشر اليه قال في مجمع البحرين: “فيه أغراض مستهدِفة بكسر الدال: المنتصبة [1]، واستهدفت أي طلبت اتخاذ هدف وهو كل شيء مرتفع من تراب أو رمل، ومنه مستهدَفة بفتح الدال”.

وقال أسامة بن منقذ: “وكان قد هدف من العرب الينا خلق كثير” أي قصد الينا. وأسامة كان من رجال القرن السادس للهجرة، ولا يقوم كلامه لمناهضة كلام العرب الفصحاء الذي ضمنته معجمات اللغة. (م ج)

قل: الشيء الذي ذكرته آنفاً أو سالفاً أو المذكور آنفاً

ولا تقل: الشيء الآنف الذكر

جاء في مختار الصحاح “وقال كذا آنفاً وسالفاً” وهو أسلوب القرآن الكريم، قال تعالى: “ومنهم من يستمع اليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً؟”. فالصواب “المذكور آنفاً”، و “المذكور سالفاً” وهو أدل على المعنى إذا أريد زمن مضي الشيء. قال الراغب الأصبهاني: “واستأنفت الشيء: أخذت أنفه أي مبدأه، ومنه قول –عز وجل-: ماذا قال آنفاً أي مبتدأً”.

وجاء في كليلة ودمنة “وعجزت رأيي في سيرتي بما تكلمت به آنفاً”. وقال أشعب في ذكر زيد بن عمرو بن عثمان زوج سكينة بنت الحسين (ع) انه قال له: “غنني ويحك غير هذا فإن أصبت ما في نفسي فلك حلتي هذه وقد اشتريتها آنفاً بثلاثمائة دينار”.

وقال ابن فارس في كتابه مقاييس اللغة في الكلام على مادة أ ن ف: “الهمزة والنون والفاء اصلان منهما تتفرع مسائل الباب كلها، أحدهما: أخذ الشيء من أوله، والثاني أنف كل ذي أنف وقياسه التحديد، فأما الأصل الأول فقال الخليل: استأنفت كذا أي رجعت الى أوله وائتنفت ائتنافاً، ومؤتنف الأمر: ما يبتدأ فيه. ومن هذا الباب قولهم: فعل كذا آنفاً، كأنه ابتداؤه، وقال الله تعالى: قالوا ماذا قال آنفاُ. (م ج)

قل: تدرس الولايات المتحدة خطط سَوْق جديدة للشرق الأوسط

ولا تقل: تدرس الولايات المتحدة إستراتيجية جديدة للشرق الأوسط

كما شاع استعمال كلمة “استراتيجية” الأعجمية في وسائل الإعلام حتى لا يمكن أن يتحدث محلل أو كاتب في شأن سياسي دون أن يستعمل هذه الكلمة. بل ذهب البعض أبعد من ذلك فاتخذ لنفسه صفة “الخبير الإستراتيجي”، ولعمري لا أدري إذا كان من يدعي تلك الصفة أو من يقدمه للناس يعرف حقاً ما يعني أن يكون المرء “خبيراً إستراتيجياً”.

والكلمة الدخيلة على العربية هي الإنكليزية (Strategy) والتي أستعملت لأول مرة في الإنكليزية عام 1810 مأخوذة عن الكلمة الإغريقية stratēgos  رغم أن الإغريق لم يستعملوا الكلمة بالمعنى الذي يستعمل اليوم. ويعرف معجم Merriam Webster  وهو المرجع المعروف كلمة (Strategy)  كما يلي:

“هي علم أو فن استخدام القوى السياسية أو الإقتصادية أو النفسية أو العسكرية للأمة أو مجموعة أمم لتحقيق الدعم الأكبر للسياسات المتبناة في الحرب أو السلم”.

وحيث إن المتحدث العربي يستعمل الكلمة الإنكليزية دون أن يُعَرّفها فلا بد أن يستعملها بالمعنى الإنكليزي للكلمة.

فهل يعقل أن جيوش المسلمين من جيوش النبي الأكرم (ص) حتى سقوط بغداد في 1258 لم تكن بحاجة لهذه العمليات، وإذا كانت لها حاجة لذلك، ولا شكل، فهل يعقل أنها لم تعبر عنها بلسانها؟

لقد كان من جملة مساهمات الجيش العراقي المشهودة في عصره الذهبي في القرن العشرين قبل أن يحله المغول الأمريكيون تعريف المصطلح. وهكذا عرب الجيش العراقي كلمة (إستراتيجية) بـ ( خطط السّوْق).

ويؤيد هذا الإختيار الجيد ما جاء في لسان العرب في باب (سوق):

وسُوقُ القتالِ والحربِ وسوقَتُه: حَوْمتُه، وقد قيل: إن ذلك مِنْ سَوْقِ الناس إليها.

وقال ابن فارس في مقاييس اللغة في باب (سوق):

“قال رؤبة: وسُوق الحرب: حَومة القِتال”

ولا شك بأن استعمال كلمة “سَوْق” هو أخف على الأذن العربية وأوضح في نقل المعنى من استعمال (استراتيجية).

هذا وإن التعريب لأية كلمة أو عبارة يؤدي وظيفة أخرى لا تؤديها إستعارة الكلمة من لغة أخرى وتلك هي أن اختيار الكلمة العربية البديلة يفتح الباب لإشتقاق استعمالات أخرى تتعلق بتلك الكلمة، فمن ذلك نجد أن تعريف “إستراتيجية” يمكننا من استعمال الفعل “ساق” كي يؤدي معنى عملية تنفيذ “خطط السوق” وهو ما لا يمكن في اللغة الإنكليزية لأن اللغة الإنكليزية ليست لغة اشتقاقية كاللغة العربية فهي حين تستعير كلمة من اللاتينية أو الإغريقية تجد نفسها غير قادرة على إشتقاق فعل منها. وهكذا تثبت العربية مرة أخرى جمالها وعبقريتها.

فقل: خطط سَوْق

ولا تقل: إستراتيجية. (ع ع)

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

8 آب 2013



[1] الصواب “منتصبة” لأن المفسر نكرة.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image