ألا يدرك الفلسطينيون استحالة المقاضاة أمام الجنائية الدولية؟

 

إن الشعب الفلسطيني وبعد ثلاثة أجيال من نكبته التي لا تماثلها نكبة في التأريخ القريب لم يستطع حتى اليوم أن ينتج قيادة سياسية واعية وقادرة على قيادته.

فلم يكتف القادة الفلسطينيون أنهم صموا آذاننا لخمس عقود بترداد أرقام قرارات مجلس الأمن التي برعوا في حفظها والتي لا تساوي الورق الذي كتبت عليه…. ولم يكتف أولاء بالكشف عن جهالتهم المذهلة بحقائق التأريخ التي تقضي أن للحروب حقوقاً وأن ما أخذ في حرب لا يرد مجاناً في سلم وأن الصهيونية العالمية لا يمكن أن تكون خصماً ووسيطاً في الوقت نفسه! وأن توني بلير مهندس غزو العراق وخرابه لا يمكن أن يعطي الفلسطينيين وطناً …  وووووو.

ونسمع اليوم كلاماً يردده بكثرة عدد من أولاء القادة مما يجعل لعبارة ان “السكوت من ذهب” معنى متميزاً. فهم اليوم يتحدثون وكأنهم يهددون باللجوء إلى محكمة الجنايات الدولية لمقاضاة الصهاينة …. وقد يجد المعتذرون لهم أعذاراً في انهم لا يفهمون بالقانون، لكن السؤال الذي لا بد منه هو أين هم المستشارون القانونيون واين خبراء القانون الفلسطينيين الذين يتسابقون في الظهور على شاشات التلفاز؟ وأين المحللون “الستراتيجيون” كما يسمون أنفسهم؟

ألم يقل أي من هؤلاء للقادة الفلسطينيين: إن هذا كلام عابث حيث لا يمكن لكم الوصول لمحكمة الجنايات الدولية، وإن الاستمرار في الخوض فيه إشعار وتفاخر بجهالة نحن في غنى عنها!

ولكي نعرف سبب استحالة وصول الفلسطينيين لمحكمة الجنايات الدولية لا يحتاج الإنسان لأن يكون خبيراً في القانون الدولي بل ولا أن يكون رجل قانون. فكل ما يحتاجه المرء هو الدخول لموقع محكمة الجنايات الدولية وقراءة دستورها الذي يسمى “دستور روما”.

تعالوا معي لنعرف سبب الاستحالة.

               1.إن العضوية في المحكمة هي للدول وحيث إن فلسطين ليست دولة ولن تصبح دولة ما دامت الصهيونية تمتلك حق النقض في مجلس الأمن الدولي. وفلسطين لن تكون دولة إلا إذا وافقت الصهيونية على ذلك وهي، اي الصهيونية، لن توافق على قيام هذه الدولة إلا بموجب ما تحدد هي من أن تكون دويلة منزوعة السيادة والإرادة.

               2.إن كون فلسطين ليست دولة بالمفهوم القانوني يعني عدم مقدرة السلطة الفلسطينية على الطلب من المدعي العام في المحكمة التحقيق في أي من جرائم الصهيونية بموجب المواد (13) و(14) من دستور المحكمة.

               3.إن توقع أن يقوم المدعي العام من تلقاء نفسه، وبموجب المادة (15)، بالتحقيق في جرائم الصهيونية أقرب للمستحيل فقد ارتكبت كل الجرائم التي تقع تحت سلطة المحكمة في غزو العراق وبعده ولم يكلف المدعي العام للمحكمة نفسه أن يدرس إمكانية إحالة أي منها للمحكمة.

               4.إن النظام السياسي العربي وما يتبعه من نظام قانوني أجير لا يمكن له أن يتوقع إن ينصفه القانون الدولي حين يمتنع عن المساهمة فيه أو الاعتراف به. فقد امتنعت كل الدول العربية إلا اثنتين بالتوقيع على دستور روما وقبول سلطة المحكمة وهذا أدى بالنتيجة إلى أن العرب ليس لهم دور في اختيار المدعي العام أو قضاة المحكمة والذين تنفرد الصهيونية الأوربية باختيارهم.

               5.ولو افترضنا من باب الجدل النظري أن يقوم المدعي العام في المحكمة، بسبب شعور متميز بوقوع ظلم في فلسطين، بالتحقيق في جرائم الصهيونية ويقرر إحالة القضية للمحكمة، فإن الصهيونية العالمية المتمثلة في الولايات المتحدة سوف تفعل المادة (16) من الدستور والتي تنص على ما يلي:

“لا يجوز البدء أو المضي في تحقيق أو مقاضاة بموجب هذا النظام الأساس لمدة اثني عشر شهراً بناءً على طلب من مجلس الأمن إلى المحكمة بهذا المعنى يتضمنه قرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ويجوز للمجلس تجديد هذا الطلب بالشروط ذاتها”.

               6.وهذا يعني أن تدعو الولايات المتحدة مجلس الأمن ليوافق، وسوف يوافق، على قرار يلزم المحكمة بالامتناع عن المضي في التحقيق أو المقاضاة. ذلك لأن الصهيونية لا يمكن أن تسمح باحتمال إدانتها. وسوف يجري تجديد هذا التأجيل كل سنة حتى يصبح الموضوع جزءً من التأريخً كما أصبحت قرارات مجلس الأمن في قضية فلسطين.

بعد كل هذا ألا يغدو الحديث عن اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية عبثاً وجهلاً ومضيعة للوقت؟

عبد الحق العاني

دكتوراه في القانون الدولي

6 تشرين أول 2014

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image