قل ولا تقل / الحلقة الحادية والخمسون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (م ج)

 

قل: افعل كذا على رِسْلِك

ولا تقل: افعل كذا على رُسْلِك

يقولون إفعل كذا وكذا على رُسلك (بضم الراء) وهو خطأٌ. فقد جاء في المقاييس لابن فارس في باب “رسل”:

“الراء والسين واللام أصلٌ واحدٌ مطّردٌ مُنْقاس، يدلُّ على الانبعاث والامتداد. فالرَّسْل: السَّير السَّهل……. وتقول: على رِسْلِك، أي على هِينَتِك؛ وهو من الباب لأنَّه يَمْضي مُرْسَلاً من غير تجشُّم…… وأمّا (الحديث): “إلاّ مَن أعطى في نَجْدَتِها ورِسْلِها” فإِنَّ النَّجْدة الشّدّة. يقال فيه نَجْدةٌ، أي شِدَّةٌ. قال طَرَفة:

تَحْسِبُ الطّرْفَ عليها نَجْدةً    يا لقَومِي للشَّبَاب المُسْبَكِرّْ

والرِّسْل: الرَّخاء. يقول(الحديث): يُنِيلُ منها في رَخائه وشِدّته.”

فقل: على رِسلك ولا تقل: على رُسلك.

 

قل: رأيت نَيِّفاً وعشرين رجلاً

ولا تقل: رأيت عشرين رجلاً ونَيِّفاً

كتب مصطفى جواد: “والنيّف أصله نيوف لأنه من ناف الشيء ينوف أي ارتفع فهو مثل الخير. والنيّف معناه ما زاد على العقد حتى تبلغ الزيادة العقدالتالي، تقول “عندي نَيِّفوعشرون ديناراً” أي لم تبلغ الزيادة العشرين، وتقول “عندي نَيِّف وثلاثون ديناراً” إذا لم تبلغ دنانيرك الأربعين. فالنَيِّف يستعمل العشرين الى ما فوقها حتى التسعين على هذا النحو اي يكون مقدماً على العقود العشرين والثلاثين والأربعين وما بعدها فإذا بلغ المائة وزاد قلت “عندي مائة دينار ونَيِّف” بتأخير النَيِّف عن العدد الكبير، وتقول “عندي ألف دينار ونَيِّف” و “عنده مليون دينار ونَيِّف” و “عندها ثلاثة آلاف ونَيِّف”.

وقد أخطأ الشيخ ابراهيم اليازجي اللغوي المشهور في قوله في رسالة “لغة الجرائد” يقال: “ومن هذه المادة يقولون نيف وعشرون ديناراً فيقدمون النيف والمسوع تأخيره، يقال عشرون ونيف ومائة ونيف”. انتهى قول اليازجي. قلت: إن قوله يقال مائة ونيف صحيح وقوله عشرون ونيف خطأ لما ذكر لك من أن النيف تقدم على العقود. قال ابو العباس المبرد في الكامل: “حدثني الحسن بن رجاء قال قدم علينا علي بن جبلة الى عسكر الحسن بن سهل والمأمون هناك بانيا على خديجة بنت الحسن بن سهل المعروفة ببوران، ونحن إذ ذاك نجري على نيف وسبعين ألف فلاح”. ولم يقل “على سبعين ألف فلاح ونيف” لأن العدد الكبير هو من العقود.

وقال المبرد في الكلام على زواج أم خارجة: “فكانت قد ولدت في العرب في نَيِّفٍ وعشرين حياً من آباء متفرقين”. ولم يقل “في عشرين ونيف”. ثم قال “وقد جاء الرقاد وهو من فرسان المهلب على فرس أدهم وبه نيف وعشرون جراحة وقد وضع عليها القطة. ونقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أن مروان بن الحكم قال لمعاوية بن ابي سفيان: “فرويداً رويداً فقد بلغ بنو الحكم وبنو نبيه نيفاً وعشرين…” ولا حاجة الى التطويل بذكر النصوص فالقاعدة راهنة.”

وكتب الحريري: “ويقولون: مائة ونَيْف، بإسكان الياء، والصواب أن يقال: نَيِّف بتشديدها، وهو مشتق من قولهم: أناف ينيف على الشيء إذا أشرف عليه فكأنه لما زاد على المائة صار بمثابة المشرف عليها، ومنه قول الشاعر:
حللت برابية، رأسها            على كل رابية نيف

وقد اختلف في مقدار النيف، فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين وقال غيره: هو من الواحد إلى الثلاثة. فأما البضع فأكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر. وقيل: بل هو دوننصف العقد، وقد أثر القول الأول إلى النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: “وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين” وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى أهل فارس لأنهم أهل أوثان، فلما بشر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين، سر المسلمون بذلك حتى إن أبا بكر رضي الله عنه بادر إلى مشركي قريش، فأخبرهم بما نزل عليهم فيه، فقال له أبي بن خلف: خاطرني على ذلك، فخاطره على خمس قلائص، وقدر لهم مدة ثلاث سنين، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: كم البضع فقال: ما بين الثلاثة إلى العشرة، فأخبره بما خاطر فيه أبي بن خلف، فقال: ما حملك على تقريب المدة قال: الثقة بالله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: عد إليهم فزدهم في الخطر وازدد في الأجل، فزادهم قلوصين، وازداد منهم في الأجل سنتين، فأظفر الله تعالى الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقا لتقدير أبي بكر رضي الله عنه.”

وكتب الحنفي: “قال الحريري والجوزي: يقولون: مائة ونَيْفٌ، بإسكان الياء. والصواب تشديدها. أقول: يمكن تخفيفها على مثال سَيْد ومَيْت، وأمثاله كثيرة. وقد قال صاحب القاموس: وقد يُخَفّفُ.”

قل: مائة دينار ونّيِّفٍ

ولا تقل: مائة دينار وغير نَيِّفٍ

كتب الزبيدي: “يقولون مائة دينار وغير نيِّفٍ وإنما غلطوا في ذلك لأنهم حسبوا أن النيِّفَ بمعنى اليسير، وإنما النيف الزيادة. من قولهم أناف على الشيء إذا أشرف عليه، كأنه لما زاد على العدد أناف عليه أي أرف. وامرأة نِيافٌ وناقة نِياف أي مشرفة.

قال الهذلي:

…………………..    نِيَافاً من البيضِ الحِسانِ العَطابِلِ

وأنشد الفرَّاء:

كُلُّ كِنازٍ لَحمُهُ نِيافِ      كالعلمِ الموُفى على الأعرافِ

قل: جاء بعدد ينيف على كذا

ولا تقل: جاء بعدد ينوف على كذا

وكتب اليازجي: “ويقولون جاء بعدد ينوف على كذا أي يزيد والصواب ينيف من أناف الرباعي ويقال أيضاً ينيف بالتشديد”.

قل: فلان شديد الغَيْرَةِ على أهله

ولا تقل: فلان شديد الغِيرَةِ على أهله

فكتب إبن قتيبة: “هي الغَيرَة ” بفتح الغين”.

وكتب الزبيدي: “يقولون فلان شديد الغِيرَة على أهله والصواب “الغَيرَة” بالفتح، يقال “غَارَ الرجل يغارُ غَيْرَة و غِياراً”.

وقال اللحياني: فلان شديد الغَيرَة على أهله، ورجل غَيُورٌ من قومٍ غُيُر، وامرأة غَيرى من نسوةٍ غيارى، وأنشد:

………………..                            ضَرائرُ حِرْمِيٌّ تفاحَشَ غارُها”

قل: قد أَهَمَّنِي الأمر

ولا تقل: قد هَمَّنِي الأمر

وكتب إبن السكيت: “قد أَهَمَّنِي الأمر، إذا أَقْلَقَك وَحَزَنَك، يقال: قد هَمَّني المرض: أذابني.” إنتهى

وحيث إن ابن السكيت كان يكتب للعلماء في عصره فإنه أوجز. فإذا عدنا للمعجمات لمعرفة الفرق بين “أهم” و “هم” نجد الجوهري يوافق ابن السكيت فقد كتب في الصحاح:

“الهَمُّ: الحُزنُ، والجمع الهُمومُ… وأهَمَّني الأمرُ، إذا أقلقك وحزَنك… ويقال: هَمُّكَ ما أهَمَّكَ… وهَمَّني المرضُ: أذابني.”

إلا أن كلا من ابن منظور والفيروزأبادي خالف ابن السكيت والجوهري فأجاز قيام “هم” مقام “أهم” فكتب صاحب القاموس:

” الهَمُّ: الحَزَنُ، ج: هُمومٌ، وما هَمَّ به في نفسه. وهَمَّه الأَمْرُ هَمّاً ومَهَمَّةً: حَزَنَه، كأَهَمَّه فاهْتَمَّ”.

قل: مِنْ تَوَضَّأَ للجُمعةِ فبِها ونِعْمَتْ

ولا تقل: مِنْ تَوَضَّأَ للجُمعةِ فبِها ونَعِمَتْ

وكتب البستي: “قولُهُ، صلّى الله عليه وسلّم: “مِنْ تَوَضَّأَ للجُمعةِ فبِها ونِعْمَتْ”: مكسورة النونِ ساكنة العينِ والتاء، أي نِعْمت الخلّة. والعَوامُّ يروونَهُ: ونَعِمَتْ، يفتحونَ النونَ ويكسرونَ العينَ، وليسَ بالوجْهِ. ورواهُ بعضهُم: و نَعِمْتَ، أي نَعَمَكَ اللهُ.”

قل: وثَمّتَ ما يدُلّ على ذلك

ولا تقل: وثَمّتَ هناك ما يدُلّ على ذلك

وكتب عبد الهادي بوطالب: “ثَمَّة اسم إشارة للمكان البعيد. و”هناك” مرادفة لها. فالجمع بينهما في تعبير واحد تكرار لا مبرر له. لكني سمعت في بعض محطات الإذاعة من يجمع بينهما في نسَق واحد، فيقول: “وثَمّتَ هناك ما يدُلّ على ذلك”. ولفظ ثَمةَ لا يتغير لأنه ظرف مكان مبني على الفتح. فتبقى التاء الأخيرة منه مفتوحة. ولهذا اللفظ مرادف آخر هو ثَمَّ. وقد جاء في القرآن الكريم: “وإذا رأيت ثَمَّ رأيتَ نعيما ومُلْكا كبيرا”.

وقد يأتي قبل ثَمَّ حرف مِن (وهي حرف جر)، لكن لكون ثَمَّ مبنيا على الفتح لا تعمل فيه مِنْ: ونقول: “ومِنْ ثَمَّ حصل ما حصل”. فيصبح معناها لهذا السبب حصل ما حصل. ولا علاقة بين ثَمَّ (بفتح الثاء والميم المفتوحة المشدَّدة) وبين ثُمَّ (بضم الثاء وفتح الميم المشدَّدة) فهذا حرف عطف يدل على الترتيب والتراخي (تباعد الفرق الزمني). ومثالها من القرآن قوله تعالى: “وبدأ خَلْق الإنسان مِنْ طين، ثم جَعَل نسْلَه من سُلالةٍ من ماءٍ مَهِين، ثم سَوَّاه ونفخ فيه من روحه”.

قل: رأيته أمس

ولا تقل: رأيته أمسا

وجاء في ملحق أوهام الخواص: “ويقولون: رأيته أمسا، تشبيها بقولهم: رأيته البارحة، فيوهمون لأن لفظة أمس التي تعنياليوم الذي قبل يومك مباشرة لا تبنى على الفتح بحال إن كانت بهذا المعنى.

وللعرب فيها ثلاث لغات:

أولاها: البناء على الكسر مطلقا، وهو لغة أهل الحجاز، فيقولون: مضى أمس بما فيه وزرته أمس، وعجبت من أمس: أي بالرفع والنصب والجر على التوالي.

ومنه قول الشاعر:

منع البقاء تقلب الشمس ** وطلوعها من حيث لا تمسي
اليوم أعلم ما يجيء به ** ومضى بفعل قضائه أمس
والثانية: إعرابه إعراب ما لا ينصرف في حالة الرفع فقط، وبناؤه على الكسر في حالتي النصب والجر وهي لغة جمهور بني تميم، فيقولون: ذهب أمس ( بغير تنوين )، وقابلته أمس، وعجبت من أمس، فيكسرونه فيهما.
والثالثة: إعرابه إعراب ما لا ينصرف مطلقا، ومنه قول الشاعر:

لقد رأيت عجبا مذ أمسا ** عجائزا مثل السعالي خمسا
يأكلن ما في رحلهن همسا ** لا ترك الله لهن ضرسا
أما إذا أريد بأمس يوم من الأيام الماضية، أو إذا دخلته أل التعريف، أو إذا جمع، أو إذا أضيف أعرب بإجماع، ومنه قوله تعالى: “فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس”. فالكسرة في أمس كسرة إعراب لدخول أل التعريف عليها مع وجودحرف الجر.

ونظيره قول الشاعر:

مرت بنا أول من أموس ** تميس فينا ميسة العروس

وأموس: جمع أمس، وهي مجرورة بالكسرة لهذا السبب.

وقول نصيب بن رباح:

فإني وقفت اليوم والأمس قبله ** ببابك، حتى كادت الشمس تغرب
والشاهد في لفظة أمس، أنه ظرف معرب لدخول أل التعريف عليه.”

قل: افترص الفُرصة (بضم الفاء) وانتهزها واهتبلها

ولا تقل: (افترص) الفِرصة (بكسر الفاء)

وكتب مصطفى جواد: “وذلك لأن عامة علماء اللغة ورواتها القدامى والمؤلفين فيها ذكروا أن الوجه الصحيح والتلفظ المليح هو “الفُرصة” على وزن الحُفرة والغُرّة. قال الجوهري في الصحاح: ” الفُرْصَةُ: الشِربُ والنوبَةُ. يقال: وجد فلان فُرْصَةً، أي نُهْزَةً. وجاءت فُرْصَتُكَ من البئر، أي نوبتك….. وانتهز فلانٌ الفُرْصَةَ، أي اغتنمها وفاز بها. وأفْرَصَتْني الفُرْصَةُ، أي أمكنتني. وأفْرَصْتُها: اغتنمتها.” وقال الفيومي في المصباح المنير: “والفُرصة اسم من تفارص القوم الماء القليل لكل منهم نوبة فيقال: يا فلان جاءت فرصتك أي نوبتك ووقتك الذي تسقي به، فيسارع له وانتهز الفرصة اي شمر لها مبادراً، والجمع فُرص مثل غُرفة وغُرف”.

وقال ابن منظور في لسان العرب: ” الفُرْصةُ: النُّهْزَةُ والنَّوْبةُ، والسين لغة، وقد فَرَصَها فَرْصاً وافْتَرَصَها وتَفَرَّصها: أَصابَها، وقد افْتَرَصْتُ وانتَهَزْتُ. وأَفْرَصَتْكَ الفُرْصةُ: أَمْكَنَتْكَ. وأَفْرَصَتْني الفُرْصةُ أَي أَمكَنَتْني، وافْتَرَصْتُها: اغتَنَمْتُها”.

ولم يصرح أحد بأن الفِرصة بكسر الفاء جاءت مجيئاً راهناً بمعنى “الفُرصة” لأن الفِرصة لها معنى خاص بها. قال مؤلف لسان العرب: “والفِرْصةُ والفَرْصة والفُرْصَة؛ الأَخيرتان عن كراع: القطعةُ من الصوف أَو القطن، وقيل: هي قطعة قطن أَو خرقة تَتَمسَّح بها المرأَة من الحيض. وفي الحديث: أَنه قال للأَنصارية يصف لها الاغتسال من المحيض: خُذِي فِرْصةً مُمَسَّكةً فتطهَّري بها أَي تتبَّعي بها أَثر الدم، وقال كراع: هي الفَرْصة، بالفتح، الأَصمعي: الفِرْصةُ القطعة من الصوف أَو القطن أَو غيره أُخِذَ من فَرَصْت الشيءَ أَي قطعته”.

وقال الفيومي في المصباح المنير: “الفِرصة مثال سدرة قطعة أو خرقة تستعملها المرأة…” ثم أن القياس يؤيد السماع فالفُرصة بمعنى المفروصة كالنُقطة بمعنى المنقوطة واللقمة بمعنى الملقومة والحُفرة بمعنى المحفورة والخُزمة بمعنى المخزومة والحُمة بمعنى المحمومة والجُبة بمعنى المجبوبة. أما الفِرصة فمنظور فيها الى الهيأة كالرِزمة والقِطعة والفِرقة والشِقة والغِدرة أي القطعة من اللحم المطبوخ البارد، فلا تضع فرصة ضبط الفُرصة على الوجه الفصيح.”

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

15 حزيران 2015

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image