حسابات الربح والخسارة في الإتفاق بين إيران والكبار

مقدمة

حين تهدأ العواطف والحماس لا بد من وقفة لإلقاء نظرة موضوعية على الإتفاق بين إيران والدول الست، وما يعنيه لإيران وللعرب.

فقد هلل عدد من الساسة الإيرانيين وتبعهم الإعلام الأجير لإيران والذي يدعي، أحياناً، الموضوعية لتصوير الإتفاق على أنه نصر كبير لإيران.. فهل هو كذلك؟ هذا ما سأحاول أن أجيب عليه من ثلاث زوايا: تقنية وسياسية وقانونية وإن لم يكن بالضرورة بهذا التسلسل.

لكني قبل أن أبدأ بمحاولة التحليل لا بد أن أشير لموضوع في غاية الخطورة لأنه يكشف تخلف ما يسمى بـ “إعلام المقاومة”…. والذي ما انفك يخدم الإعلام الصهيوني وهو يحسب أنه يحسن صنعاً. ذلك لأن من تابع إعلام المقاومة في الأسبوع الماضي لا بد أنه سمع وشاهد أكثر من مرة كيف يتصدر الأخبار خبر غضب اسرائيل وهلعها وخوفها من الإتفاق من خلال نقل تصريحات مسؤولين في الدولة الصهيونية حتى تكاد تنتهي بعد سماع تلك التغطية وأنت تعتقد أن الإتفاق انتهى بجعل إيران قوة نووية ونزع سلاح إسرائيل النووي!

لست معنياً بما يكتب أو يذاع في الحياة أو الشرق الأوسط أو السياسة أو الرأي أو العربية أو ما شابهها من وسائل إعلام في خدمة المشروع الصهيوني منذ تأسست ويعمل فيها عدد من الكتاب منهم من يفهم ومنهم من لا يفهم، إلا أنهم يجمعهم رابط واحد وهو أنهم جميعاً عضاريط يعيشون على بطونهم ويكتبون ويحللون كما يريد سيدهم حتى ان قول المتنبي في كافور ينطبق عليهم كما لو أنه قيل اليوم، ومعذرة من أبي محسد أن أستعيره بتصرف فأقول فيهم:

وإن (ابن سعود في خيانته)              تطيعه ذي العضاريط الرعاديد

لكن يعنيني ما يكتبه ويقوله ما يسمى بإعلام المقاومة، فهو لم يفهم بعد كيف يسخره الإعلام الصهيوني لخدمته… فمنذ مائة عام والصهيونية تبكي الخطر الوهمي المحدق بها وهي تخلق الحقائق. واليوم لا يختلف الحال فهي إذا استطاعت أن تخدع إعلام المقاومة بأنها تشعر بتعرض أمنها للخطر نتيجة الإتفاق مع إيران، ترى كيف سيكون حال تعاطف الجمهورالصهيوني في أمريكا وأوربا مع هذا الإعلام المزيف؟ أليس نتيجة كل ذلك دعم مالي كبير وقرار من الكونغرس الأمريكي بتزويد إسرائيل بآخر طائرة أمريكية مقاتلة لتقتل أطفالنا في فلسطين ولبنان وسورية واليمن! أفيقوا من هذه السكرة فإذا لم يكن لديكم ما تقدمونه فالصمت أجدر من الخداع.

ما خلفية الإتفاق

إذا أردنا أن نفهم معنى ما جرى ويجري فلا بد من التذكير ببعض الحقائق السياسية والقانونية التي تحيط بالخلاف وما نتج عنه. ورغم أن الحقيقة تقضي بضرورة العودة إلى نجاح ثورة الخميني وسقوط حكم الشاه إلا أن ذلك سوف يخرجنا عن الهدف بعض الشيء ويطيل الطريق للوصول إلى تحليل مجز. فأكتفي هنا بالبحث عن خلفية الخلاف حول برنامج إيران النووي وإن كان هذا في حقيقة الأمر لا ينفصل عن خلاف سياسي أعمق وأوسع. ومن هذا الحقائق:

أولاً: إن حق إيران في التخصيب هو حق طبيعي وليس مكرمة من أحد. ولم يكن وزير الخارجية محمد جواد ظريف أميناً عند حديثه عن أن مجلس الأمن سوف يقر حق إيران في التخصيب. لأن الحق الطبيعي ليس لمجلس الأمن أن يسلبه ثم يعطيه.

ثانياً: إن إحالة الخلاف حول النشاط النووي الإيرانيلمجلس الأمن تم خلاف القانون الدولي. ذلك لأن ميثاق الأمم المتحدة والذي يحدد العلاقات بين الدول ذات السيادة يقضي ألا ينظر مجلس الأمن في أمر يعرض عليه إلا بعد استنفاذ كل السبل السياسية لحل الخلاف. فإذا تم ذلك فإن مجلس الأمن لا ينظر في القضية إلا إذا كانت تلك القضية تعرض الأمن والسلم الدولي للخطر.

ثالثاً: إن وكالة الطاقة الذرية (الوكالة) ليست في الحقيقة منظمة أممية بل هي الأداة التي أوجدتها الدول النووية في العالم من أجل الحفاظ على هيمنتها على التقنية النووية من أجل الإستئثار بالسلاح النووي. وهي بهذا تعمل في خدمة الإستكبار العالمي. لقد أثبتت تجربة العراق ذلك حيث عمل الصهيوني محمد البرادعي طيلة خدمته على تزوير الحقائق في تقديم تقارير يعلم صدقاً بكذبها حول البرنامج النووي العراقي من اجل ضمان بقائه في موضعه وربما من أجل حفنة من الدولارات من مصادر معروفة شأنه في ذلك شأن كل عضاريط العرب!

رابعاً: إن توقيع أية دولة في العالم الثالث على إتفاقية حظر إنتشار السلاح النووي (اتفاقية الحظر) خطأ تأريخي كما حدث في العراق وإيران. ذلك لأن خللاً في قواعد القانون الدولي تقضي أن من يوقع على معاهدة دولية يصبح أسيرها ويتحمل مسؤولية الخضوع لها وإشراف من وضعها عليه. وهكذا نجت الهند والباكستان واسرائيل من مراقبة ومحاسبة الوكالة لأنها لم توقع اتفاقية الحظر بينما دمر العراق وحجمت إيران بسبب توقيعهما على الإتفاقية. إني على يقين لو أن أحداً أخبر الخميني ما تعنيه مشاركة إيران في أتفاقية الحظر لأمر يومها بانسحاب إيران من الإتفاقية ولكانت الأمور قد سارت في طريق مختلف. فقد أمر الخميني عام 1982 بوقف بناء محطتي كهرباء بوشهر بانتظار الموقف الشرعي من المشروع النووي بجملته. فكيف كان سيكون موقفه لو أن أحداً أخبره ان موافقة إيران على اتفاقية الحظر يجعلها أسيرة القرار الأمريكي غير أن يأمر بالخروج منها كلياً. لكن إيران التي تمتلك أفضل العلماء والمهندسين في العالم الإسلامي تفتقر الى خبراء في القانون بسبب الثقافة الإسلامية التي لا تقيم وزناً كبيراً للقانون.

إن أية محاولة لفهم ما جرى حول المشروع النووي الإيراني يجب أن ينظر اليه في ظل الحقائق أعلاه وما سواها من حقائق متعلقة. وهذا يجعل الحديث عن تحقيق انتصار ما ساذجاً إذا لم يقترن بأن استعادة الحق كان بسبب أن خرقاً لهذا الحق قد وقع أصلاً وان لا خير في المتنازل عن الظلم أكثر من اعترافه بالخطأ وتصحيح ذلك الخطأ. فمجلس الأمن بأعضائه الخمسة الدائميين يجب أن يقدم إعتذاراً للشعب الإيراني عما ألحقه به من ضرر جراء الحصار الجائر الذي فرضه عليه، لا أن يقرر فقط رفع العقوبة وكان شيئاً لم يحدث!

الجانب التقني للإتفاق

إن جوانب الإتفاق التقني يمكن تلخيصها بالجدول أدناه لسهولة المتابعة. وقد تم إعداد هذا الجدول بناءً على ما أعلن من الجانب الأمريكي ولم ينفه الجانب الإيراني. لكن هذا لا يعني بأي شكل الدقة التامة في تمثيل هذا الجدول لما اتفق عليه حقاً فقد تظهر تفاصيل أكثر لاحقاً أو قد تكشف الحروف الصغيرة لملحقات الإتفاق تفصيلا أوسع. إلا انه برغم ذلك يمكن القول ان الجدول أدناه قريب جداً مما تم الإتفاق عليه.

الفقرة مطالب إيران مطالب الدول الست الإتفاق وأثره
حق التخصيب الحق الطبيعي بالتخصيب الذي حققته بنسبة 20% رفض قيام إيران بأي عملية تخصيب قيام إيران بتخصيب محدد النسبة والمكان.
مستوى التخصيب تخصيب بمستوى 20% لخدمة الأبحاث والنظائر المطلوبة للعلاج الطبي. منع إيران من أي تخصيب. السماح لإيران بتخصيب لا يتجاوز 3.67% لمدة 15 سنة.
عدد أجهزة الطرد المركزي الإبقاء على الأجهزة البالغ عددها 20 ألف جهاز. تدمير كل أجهزة الطرد المركزي. الإبقاء على 5060 جاز طرد مركزي في موقع ناتانز فقط ومن أقدم أنواع اجهزة الطرد.
موقع ناتانز الإبقاء على نشاط الموقع في التخصيب والتطوير لأجهزة الطرد المركزي. تعليق كل أنشطة التخصيب والتطوير. تشغيل 5060 فقط من أجهزة الطرد من النوع الأول القديم غير المطور. وقف كل أنشطة تطوير أجهزة الطرد المركزي.
موقع فوردو الإبقاء على موقع فوردو للتخصيب والأبحاث غلق الموقع. منع التخصيب في موقع فوردة لمدة 15 عاماً.تحويل المركز للبحث العلمي والفيزيائي السلمي فقط وتمكين 1044 جهاز طرد لإنتاج نظائر مشعة للإستعمال الطبي.
موقع آراك الإبقاء على مفاعل آراك لإنتاج البلوتونيوم من اليورانيوم الطبيعي دون تخصيب. غلق مفاعل أراك. تدمير قلب مفاعل أراك لمنع تشغيله لإنتاج البلوتونيوم حتى إذا كان ذلك لعمل محطات الكهرباء.
إنتاج الماء الثقيل الإستمرار في إنتاج الماء الثقيل. إيقاف إنتاج الماء الثقيل. منع إيران من بناء مواقع انتاج ماء ثقيل جديدة لمدة 15 عاماً. تصدير كل ما ينتجه الموقع الحالي للماء الثقيل خارج إيران.
خزين إيران من المخصب إحتفاظها بخزينها البالغ 20 طناً. سحب كل خزين اليورانيوم المخصب. السماح لإيران بالإحتفاظ بـ  300 كغم والمخصبة بنسبة 3.67% من أصل 20 طناً وسحب ما تبقى من خزينا المخصب والبالغ 98%.
البحث والتطوير النووي الحق الكامل في البحث والتطوير النووي السلمي. منع إيران من القيام بأي بحث في تطوير أجهزة الطرد المركزي والمفاعلات. منع إيران والتي كانت قد نجحت بطاقات ذاتية من تطوير أجهة الطرد المركزي بما يتجاوز ما عرفه العرق وباكستان من القيام بتطوير أجهزة الطرد المركزي لمدة 15 عاما.منع مطلق ولأجل غير محدود من قيام إيران بأية عملية معاملة الوقود النووي المحترق أو أبحاث تصميم وإنشاء مفاعلات الأبحاث ومفاعلات الطاقة الكهرونووية.
العقوبات الإقتصادية الرفع الكلي المباشر لكل العقوبات الإقتصادية. الرفع التدريجي للعقوبات الإقتصادية. رفع العقوبات الإقتصادية هذا العام بعد تصديق مجلس الأمن للإتفاق وثبات إلتزام إيران به مع شرط العودة للعقوبات إذا خرقت إيران الإتفاق.
العقوبات العسكرية الرفع الكلي للعقوبات العسكرية الإبقاء على العقوبات العسكرية. الإبقاء على العقوبات العسكرية عامة لمدة خمس سنوات. ولمدة ثمان سنوات للعقوبات على تقنية الصواريخ.
التفتيش النووي كانت إيران قد وافقت عام 2013 على “البروتوكول الإضافي” الذي يجيز للوكالة التفتيش في أي وقت واي مكان. حق التنفتيش لأي موقع في أي زمان أو مكان. إثبات حق الوكالة بتفتيش اي موقع في أو وقت تشاء.ليس واضحاً مدة التفتيش لكن كلاً من جون كيري ووزير الطاقة الأمريكي أكدا أن التفتيش دائمي وليس محدوداً بزمن.
التفتيش العسكري رفض إيران تفتيش اي موقع عسكري كما حدد السيد الخامنئي. حق تفتيش أي موقع عسكري مشتبه بالقيام بنشاط نووي. ليس واضحاُ تفصيل الإتفاق لكن حق تفتيش المنشآت العكسرية قد تم الإتفاق عليه وإن كان مشروطاً بموافقة إيرانية وتأخير 24 ساعة للتنفيذ.
تقرير الوكالة عن النشاط العسكري رفض إيران الإفصاح عن نشاطاتها السابقة والمرصودة قيام الوكالة بالتحقيق في أي نشاط ذي بعد عسكري بما في ذلك التحقيق مع العاملين من العلماء والمهندسين. تكليف الوكالة بتقديم تقرير قبل نهابة عام 2015 حول النشاط العكسري النووي مما له أثر على رفع العقوبات. وتشمل سلطة الوكالة التحقق من أسئلة محددة واستجواب علماء ومهندسين.
مطالب آخر ساعة _ قدمت الدول الست مطالب في الأسبوع الأخير من المفاوضات مما لم يتم الإتفاق عليه في إتفاقية  الإطار في لوزان في نيسان 2015. الإتفاق على منع إيران من اي نشاط في مجال التعدين والصواعق وأنظمة التفجير المتطورة.

 

إن نظرة سريعة على الجدول أعلاه، والقريب جداً مما تم الإتفاق عليه، يعطي المتابع حتى إذا لم يكن مهندساً أو خبيراً في التقنية النووية أن يستخلص بشكل لا يقبل الجدل أن إيران فقدت، بسبب الاتفاق مع الدول الست، سيادتها النووية والتي كانت تصر على أنها لن تفرط بها. ويمكن تلخيصها بشكل أساس كما يلي:

–         تخلت إيران عن حقها الطبيعي في الأبحاث النووية مما سيفقد علماءها الرغبة في الإستمرار في البحث والتطوير.

–         تخلت إيران عن حقها في تطوير أجهزة الطرد المركزي والذي كانت قد تفوقت فيه بجهد مهندسيها وعلمائها. مما يعني أنها ستضطر للإستجداء بعد 15 عاماً من تقنية الآخرين.

–         تخلت إيران عن خزينها من اليورانيوم المخصب والذي كلفها المال الكبير في وقت ضائقة اقتصادية.

–         فقدت إيران حقها في إكمال دورة التخصيب من اليورانيوم الطبيعي حتى وقود المحطات الكهرونويية مما يعني أنها ستعتمد على الخارج في تجهيز الوقود، وكل من يعتمد في وقوده على الخارج يكون أسير ذلك الخارج.

–         وافقت إيران على برنامج تفتيش دون سقف زمني لم تخضع له دولة في حالة سلم ولم يتجاوز حجمه وسعته سوى التفتيش في العراق والذي تم بعد هزيمة العراق في حرب 1991.

–         وافقت إيران على اختراق مؤسستها العسكرية بالموافقة على تفتيش عدد من مؤسساتها والذي وإن كان مشروطاً سوف يفتح الباب للدخول والتجسس عليها من خلال المفتشين والذي أثبتت تجربة العراق أنهم جميعاً وكلاء لأجزة الصهيونية العالمية.

–         فتح الإتفاق باب دخول الفتنة الصهيونية إيران من خلال دعم طرف على حساب طرف كما سأبين أدناه.

الجانب السياسي للإتفاق

إن الأثر السياسي للإتفاق بين إيران والدول الست له ثلاثة أبعاد داخلي وخارجي وهما غير منفصلين تماماً إلا أنه يمكن النظر لكل منهما على حدة، أما البعد الثالث فانه يتعلق بالصهيونية وما تخطط له حقاً وتطمع أن تحققه من هذا الإتفاق.

إن ما دأبت عليه الصهيوينة العالمية خلال القرن الماضي حين تفشل في غزو بلد ما هو محاولة إختراقه من الداخل وإيجاد قواعد لها فيه لإحداث التغيير إن أمكن أو خلق الفوضى إذا عجز التغيير. وليس خافياً على من يتابع الوضع السياسي في إيران أنه فيها تيارين سياسيين أولهما يمثله المرشد السيد علي الخامنئي والذي ورث سلطته ومجده من مجد الخميني مؤسس الجمهورية والذي أقام القاعدة السياسية للدولة على مبدأ ولاية الفقيه الذي يعد الصهيونية العالمية عدواً حقيقياً للإسلام وللشعوب الأخرى المستضعفة. ولم يخرج السيد الخامنئي عن ذلك…. وهكذا وقف مع حزب الله ومع سورية ومع حماس. إلا أن السيد الخامنئي وما يمثله من موقف سياسي ورغم تأييد الحرس الثوري له ليس في واقع الحال المعبر الحقيقي عن رغبة الشعب الإيراني.

ويواجه تيار ولاية الفقيه التيار، الذي تسميه الصهيونية التيار الإصلاحي، والذي يمثله سياسياً هاشمي رفسنجاني وتدعمه أكثر المراجع الدينية في إيران ومرجعية النجف المتمثلة في علي السيستاني. فهذا التيار لا يعتقد أن لديه مشكلة مع الصهيونية العالمية وان الهدف هو إقامة دولة شيعية على غرار دولة الشاه. وقد نجح هذا التيار في الشارع الإيراني فجاء برئيسي جمهورية وهما خاتمي وروحاني. وليس هذا مكان ولا وقت التفصيل حول هذا الإختلاف لكن من لا يصدق فما عليه سوى أن يراجع عدد التصريحات التي نهى فيها روحاني الحرس الثوري عن إعطاء التصريحات السياسية المحرجة له ولسياسته. لكن الأهم من كل ذلك تصريحات وتلميحات السيد علي الخامنئي والتي تأتي في أوقات حاسمة وكان آخرها ما قاله قبل يومين في تعقيبه على الإتفاق من ضرورة توخي الحذر في نص الإتقاق وليس غائبا إلا على الساذج ما أراده الخامنئي في تصريحه.

إن أذكياء السياسة الصهيونية يعتقدون أن بامكانهم كسب الشارع الإيراني من خلال تحريك الإقتصاد وفتح الإستثمار الأوربي مما يجعل النظام الإقتصادي الإيراني مرتبطاً بالنظام الرأسمالي ارتباطاً يجعل من العسير فكه مما يقود بالنتيجة الى انتصار تيار رفسنجاني سلمياً وعودة إيران لحضن الصهيونية كما كانت في عهد الشاه، وعندها لن تكون هناك حاجة للإتفاق النووي الحالي فقد سبق للصهيونية أن منحت شاه إيران وقوداً بتقنية بلغت 93% لمفاعل طهران وكانت ستبني له عشرين محطة كهرونويية!

إن هناك خطراً حقيقياً في أن يفجر الإتفاق الأخير الخلاف بشدة بين التيارين خصوصاً حين يطلب تفتيش المؤسسات العسكرية والتي سيرفض الحرس الثوري والجيش السماح لها. فماذا سيحدث؟ وأين سيقف السيد الخامنئي؟ هل سيقف عند خطوطه الحمر التي ألزم بها نفسه، أم سينحاز ضدها؟ فإذا رفض التفتيش العسكري أليس هذا ما تريده الصهيونية لفرض الحصار بشكل تلقائي وذلك بعد أن تكون إيران قد دمرت قلب مفاعل آراك وعطلت أجهزة الطرد المركزي وتخلت عن خزينها من اليورانيوم المخصب؟؟

أما البعد الخارجي فسوف يتم اختبار صدق ما تدعيه الصهيونية كما عبر عنه الرئيس باراك أوباما من فتح صفحة جديدة مع إيران بهدف تحقيق الإستقرار والسلام في الشرق الأوسط.

فإذا كان الهدف صادقاً وليس فقط لذر الرماد في العيون من أجل نزع سلاح إيران فان أوباما يمكنه أن يتم ظهوره بمظهر رجل السلام في أن يأمر السعودية ومشيخة الإمارات في التوقف فوراً عن القتل والخراب غير المعقول في اليمن ودعوة الأطراف اليمنية للجلوس والإتفاق على حل سلمي للتعايش ما بينهم. إن من سخرية القدر أن تلعب دويلة وهمية مثل مشيخة أعراب الإمارات بمصير دولة عريقة مثل اليمن إلا أن هذا يحدث في أرض العرب عندما تتصور بعض أشباه الدول أنها أصبحت شجرة تذرق عليها العصافير!

أما الأكثر أهمية في رغبة الصهيونية فتح صفحة جديدة مع إيران فيتمثل في وقف خراب سورية والذي سيكون شاهداً صادقاً على حسن النية. ذلك لأن بين إيران وسورية علاقة على المستوى السوقي تعود لعام 1980 حين وقفت سورية مع إيران ضد غزو العراق لها واحتجت ان الحرب أضرت بالصراع العربي الصهيوني كما أن سورية اليوم هي المنفذ الطبيعي لدعم إيران لحزب الله. وهذا بايجاز يعني أن إيران لن تتخلى عن سورية ما دام الخامنئي يمسك بزمام الأمور فاذا زال هذا الحال فعلى سورية وحزب الله العفاء! لقد تبين للصهيونية أن إيران لن تتخلى عن سورية وأن البديل لنظام البعث هو الفوضى القائمة في العراق مما يعرض كل حلفاء الصهيونية للضرر وهذا يعني بالضرورة وجوب التخلي عن مشروع إسقاط النظام في سورية في الوقت الحاضر ومحاولة الوصول لحل سلمي يؤمن مصالح الأطراف بحدود معينة.

إن على الصهيونية التي أعلنت على لسان نائب الرئيس الأمريكي أن حلفاءها في تركيا وقطر والسعودية يدعمون الإرهاب في سورية أن تطلب منهم وقف الدعم وغلق الحدود وأن تكف هي عن تدريب المرتزقة الذي تسميهم “المعتدلين”. فإذا وقع ذلك أمكن الوصول الى اتفاق مع إيران لتغيير سياسي في سورية يأتي ببعض عملائها للمشاركة في الحكم بعد إنهاء انفراد البعث به والذي أصبح أمرا مستحيلاً لا يؤمن به حتى البعث الذي عجز عن حماية نفسه وحماية الدولة وحماية المواطن مهما كانت الحجة بحجم الهجمة!

يبقى هناك جانب آخر لا يتعلق بايران وانما بالصهيونية وما تخطط له، وهو في غاية الخطورة.  فلو افترضنا حسن النية لدى أوباما، وان لم يكن ذلك ثابتاً عندي، فقام كما صرح بنقض قرار الكونغرس والذي سيصوت على رفض الإتفاق. ثم تم تطبيق القرار بعد تقرير الوكالة عند نهاية العام الحالي بعدم وجود ما يؤشر لنشاط عسكري نووي في إيران. ثم قامت إيران بالتزاماتها في تدمير قلب مفاعل آراك وتخلت عن خزينها من المخصب وعطلت أجهزة الطرد المركزي ومكنت الوكالة من كل منشآتها من استخراج اليورانيوم الطبيعي حتى تخصيبه بالنسبة المحددة ووزعت علماءها على مؤسسات أخرى بعد إنتفاء الحاجة لهم في المشروع النووي لتحجيمه كما قرر الإتفاق.

ثم مرت سنة وأخرى وانتهت ولاية أوباما وجاء رئيس جديد من الجمهوريين الذين عارضوا الإتفاق وأراد الرئيس الجديد نقض الإتفاق فاحتج باطلاً بأن إيران خرقت الإتفاق بقيامها بأعمال نووية في موقع عسكري يعرف جيداً أن إيران لن تسمح بتفتيشه. ورفضت إيران تنفيذ ذلك الطلب. سيكون أمام الولايات المتحدة سبيلان أحدهما أن تدعي بخرق إيران للإتفاق وتدعو لتطبيق الحصار القديم بشكل تلقائي. فإذا تعذر ذلك دعت مجلس الأمن كما فعلت في حالة العراق وجاءت بتقارير من الوكالة ومن ما تدعيه أجهزة المخابرات تدعم مزاعمها بخرق إيران للإتفاق. وليس غريباً أن يصدق مجلس الأمن أي ادعاء أمريكي فقد سبق أن صدق أكذوبة كولن باول حول معامل السلاح الكيميائي العراقي المنقولة على الشاحنات! فإما أنها ستحصل على قرار ضد إيران تحت الفصل السابع من الميثاق أو أنها ستفشل وعندها سوف تلجأ مع عدد من حلفائها في حلف الأطلسي لفرض حصار جديد أو القيام بعمل ما ضد إيران. فما الذي يمكن لإيران عمله بعد أن تكون قد نفذت التزاماتها التي لا يمكن عكسها؟

إن خلاصة القول هي أن الإتفاق وضع إجراءات في حالة خرق إيران للإتفاق لكنه أغفل بالكامل ماذا يحصل لو أن الطرف الآخر خرق الإتفاق كما يحدث لو أن الولايات المتحدة ادعت باطلاً واعتدت على إيران، فكيف يمكن يومها إنصاف إيران التي كانت قد أوفت بجانبها من الإتفاق وتخلت عن أجزاء من برنامجها مما لا يمكن إعادته أو تعويض الضرر المادي المترتب على ذلك الإلتزام.

إن الأسابيع والأشهر القادمة هي التي ستكشف حقيقة الهدف من الإتفاق وفرص نجاحه. وعندها فقط سوف تتكشف أبعاد الربح والخسارة لإيران… أما الصهيونية فلم يحن بعد عصر خسارتها!

 

عبد الحق العاني

17 تموز 2015

 

 

 

 

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image