الفصل الأول – ما هو الإسلام السياسي اليوم؟

لست أحاول إعادة كتابة التأريخ ذلك أن التأريخ في الأغلب ليس ما حدث فعلاً وإنما ما اقتنع الناس بحدوثه. وهذا يعني انه مجموع القناعات وليس بالضرورة الحقائق. إن هذا لا يعني بالطبع ان كل تلك القناعات خاطئة لكنه قد يعني أن منها ما هو كذب أو خيال أو تمن. إن هدفي في كتابة هذا هو محاولة فهم سبب ما يحدث اليوم في العالم العربي خاصة والإسلامي عامة. ذلك أن من غير المعقول أن يأتي الناس من أطراف الأرض لتدمير بلد لا علاقة لهم به. وقد لا يعرف عدد منهم أين يقع هذا البلد وسبب قدومهم اليه أكثر من أن أحداً ممن يدعون تمثيل الإسلام كان قد سمم أذهانهم بالكره لأهل سورية وشيعة العراق. إن فهم سبب ما يحدث اليوم قد يساعد على وقفه أو منع تجدد حدوثه مما قد يمكننا من الخروج من النفق المظلم الذي يجد المسلمون أنفسهم فيه اليوم.

 

فلو أن قوماً من أحد الأرضين السبع حطوا في كوكبنا غداً ولم يكونوا قد سمعوا بأي من الأديان عندنا…. ثم تعرفوا فيما تعرفوا عليه على الأديان وسمعوا بابا النصارى يتحدث عن الرب المحب والرحيم وسمعوا الزعيم البوذي “الدلاي لاما” يتحدث عن حرمة قتل النفس الحيوانية ثم سمعوا “القرضاوي” يحث الناس على قتل الآخرين بحجة أن ربه أمره بذلك، فهل يا ترى سيتخذ أياً منهم هذا الإسلام دينا؟

وأكاد أسمع أكثر من قعقعة وهمهمة تدور كلها حول القول بأن هذا ليس هو الإسلام الصحيح…لكنه لا يكفي الإدعاء بأن هذا ليس الإسلام الصحيح دون أن يقول لنا القائل ما هو الإسلام الصحيح إذن.

 

فليس كافياً أن يخرج عدد من رجال الدين المسلمين ليقولوا للناس إن ما يجري من قتل وخراب ليس هو الإسلام الصحيح. فاذا كان هذا ليس إسلاماً فمن أين جاء ولماذا نرى أن كل الذين يقتلوم ويزرعون الخراب في سورية والعراق وافغانستان وليبيا والصومال وتونس ومصر هم مسلمون؟ وكيف تجمعوا ومن جمعهم؟ إن أموراً كهذه لا تحدث بالصدفة. فإذا لم يكن الإرهاب أصيلاً في الإسلام كما يقال فإن على رجال الدين المسلمين وقادة المذاهب أن يخرجوا للناس بخطة توقف الإرهاب مبتدئين بتصحيح التعليم المعوج في المدارس والجوامع والذي منح الإستكبار العالمي خدمة مجانية لم تتمكن أساطيله وطائراته من تحقيقها. لكن الحقيقة هي أن رجال الدين اليوم لا يقدمون شيئاً أكثر من كلام فارغ ومجتر يخدش السمع عن أن “الإسلام الصحيح” هو ضد الإرهاب وضد القتل وضد …وضد. لكنهم في الوقت نفسه يمجدون كل ما فعله خلفاء المسلمين في الألف المنصرمة. إن الإدعاء برفض القتل والإرهاب لا يتوافق مع تمجيد سياسة الخلفاء المسلمين.

 

ذلك لأن المسلمين يعيشون في عالم متعدد الأعراق واللغات والأديان كما شاء تعالى أن يجعله على ما هو عليه من هذا الاختلاف حين شاء: “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”، “وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ”.. أي إن العالم لم يكن ولن يكون يوما على دين واحد أو لغة واحدة لأنه تعالى شاء كذلك ولعلة ليس هذا مجال البحث فيها. وليس للمسلم أن يحاول أن يتجاوز هذه الحقيقة بالقول إن تكليفه هو أن يحول العالم للإسلام لأنه تعالى شاء ألا يكون الأمر كذلك. إن الإقرار بهذه الحقيقة يقود إلى القبول بأن العالم الذي نعيش فيه يتوقع منا أن نقدم تفسيراً مقبولاً لسلوكنا سواء أكان ذلك فيما بيننا أم في تعاملنا مع الغير. والإحتجاج بان ما نفعله يتم بأمر إلهي ليس حجة لنا بل هو حجة علينا إذا لم نستطع أن نكون عقلانيين في التفسير والتسويغ.

 

فكيف يمكن لأي مسلم أن يرد على تساؤل غير المسلم اليوم عن علة ما يجري من قتل وخراب وتدمير في العالم الإسلامي وعلى أيدي المسلمين أنفسهم؟ هذا إذا افترضنا أنه غيرمطالب بأن يشرح هذا الأمر للمسلمين أنفسهم لأنهم ربما رضوا به واقعاً حقيقياً للإسلام.

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للغير سبب قدوم الشيشاني أو الأفغاني أو اليمني أو حتى البريطاني المولد إلى حلب لكي يقتل أناساً لم يسبق له أن عرفهم أو أن اساؤوا له؟

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للغير سر هذا الحقد، الذي لا يمكن حتى وصفه بالوحشية لأنه لا يوجد وحش على سطح الأرض يفعله، هذا الحقد الذي يدفع إنسانا أن يبقر بطن آخر ويخرج أحشاءه وهو يدعي أنه يصلي خمسة أوقات للرب نفسه الذي أخبره عن خسارة إبن أدم حين لم يحسن دفن أخيه!؟

 

وكيف يمكن للمسلم أن يفسر للغير كيف يقتدي آلاف آلاف المسلمين برجال يدعونهم للقتل والإغتصاب وذبح الأطفال بحجة أن هذا أمر الله؟

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لغير المسلم من هو هذا الرب الذي خلق الناس وفرقهم ثم طلب منهم أن يقتلوا بعضهم بعضاً؟ ألا يغدو هذا الرب عابثاً إن كانت تلك مشيئته حقاً؟

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لغير المسلم أو للتأريخ حسب سبب أن يقوم آلاف من الناس بإرسال المال لقوم لا يعرفونهم من أجل أن يقتلوا آخرين لا يعرفونهم أيضاً ولا يرسلون جزءً من ذلك المال لآلاف آلاف الجياع من أهل الأرض؟ فهناك الآلاف من أغنياء العبث في الجزيرة والخليج ما زالوا يرسلون المال للقتل والخراب منذ تأسيس القاعدة في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي.

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للناس علة هذا التخلف الخيالي لعموم المسلمين فألف ألف ألف منهم لا ينتجون شيئا وخمسة ألف ألف فنلندي أعطوهم الهاتف النقال الذي يقضون معظم وقتهم في تافه الحديث عبره، رغم أن فنلندة لم تكن يوما دولة حتى الحرب العالمية الأولى بينما يتحدث المسلمون عن دولهم التي احتلت العالم قبل ألف عام؟

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للأفريقي (والذي خرج للدنيا قبل أقل من قرن) سبب أن العالم الإسلامي هو المكان الوحيد في العالم الذي ما زالت فيه حكومات مستبدة تحكم بنظرية الحق الإلهي التي رفضتها البشرية حيث يقوم بعض الأعراب بالتحكم بأموال وأنفس وحقوق وحريات آلاف الآلاف من المسلمين؟

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لغير المسلم سبب أنه رغم أن الإسلام منح المرأة قبل أكثر من ألف عام استقلالها الاقتصادي في حق الإرث فإنها وبشكل مطرد تصبح اليوم سلعة وأسيرة، فما حدث لها في العراق، وكانت تتمتع بشبه مساواة مع الرجل في حكم البعث، خلال العقد المنصرم من حكم “اللطامة” و”الصحوة” و “البشمركة” و”اللصوص” والذي أعادها للعصر الحجري خير شاهد على ذلك؟

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح للباحث غير المسلم سبب أن رئيس الأركان الأمريكي يستطيع في اي وقت أن يزور أية دولة إسلامية (باستثناء إثنتين اليوم) دون دعوة رسمية أو ترتيب مسبق خلافاً لكل أعراف العلاقات الدولية ثم يجتمع برئيس تلك الدولة سواء أكان ملكاً (مثل عبد الله سعود) أو رئيس جمهورية (مثل ميشال سليمان) أو شيخ محمية نفط (مثل حاكم قطر) بينما لا يستطيع رئيس أركان اية دولة إسلامية أن يزور واشنطون إلا بدعوة رسمية مسبقة ولا يلتقي بأعلى من جنرال أمريكي فإذا أرادوا رفع قدره جمعوه مع وزير الدفاع لنصف ساعة؟

 

وكيف يمكن للمسلم أن يشرح لنفسه سبب أن تتمكن السفيرة الأمريكية في بيروت مثلاً أن تجتمع مع اي سياسي، من رئيس الجمهورية حتى رئيس بلدية، متى شاءت وأن تزور تاجر السياسة نبيه بري في مجلس النواب ثم تقف بعد الإجتماع لتشتم حزب الله والمقاومة البطلة من أمام المجلس نفسه الذي يعتد نبيه برئاسته على الطريقة اللبنانية؟ فهل سمع أحد أن سفيراً عربياً زار مجلس العموم البريطاني واجتمع برئيسه؟ وإذا فرضنا أن ذلك حدث يوماً فهل سيمكن لهذا السفير أن يقف أمام مجلس العموم ويتدخل في السياسة الداخلية البريطانية ويشتم حزباً وينتقد آخر؟ أما كان سيطرد خلال أربع وعشرين ساعة ويجعل الإعلام قصته حديث أنس في أماسيّ لندن الراقصة؟

 

وكيف ثم كيف بعد كل هذا الذل يستطيع المسلم أن يلتفت إلى أبنائه ليقول لهم اننا المقصودون في قوله تعالى “كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ”. فما هو الخير في أمة بعض حالها كما في اعلاه؟

 

ثم كيف يمكن للمسلم أن يقول لأبنائه ان المسلمين هم المؤمنون الذين ذكرهم رب العزة في كتابه الكريم والذين يرثون الفردوس، وهو لا يقدر أن يشرح لهم كيف يكون هذا وقد قال تعالى في المؤمنين: “وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا”. فكيف جعل تعالى لحفنة من الكافرين اليهود الذين لفظتهم أوربا سبيلاً وألف سبيل على المسلمين الذين ادعوا أنهم المقصودون في قوله تعالى “مؤمنين”؟ وكيف يمكن أن يسمح من أخذ على نفسه العهد ألا يجعل للدون سبيلاً على من منحه من رحمته اسمه “المؤمن”؟

 

كيف وكيف وكيف وهناك الكثير من الأسئلة فهذا غيض من فيض.

 

فقد آن الأوان للمتنورين من المسلمين أن يقفوا وقفة تصارح صادقة مع أنفسهم وأن يراجعوا التأريخ ليعرفوا سبب ما نحن فيه. ذلك لأن ما يحدث اليوم والحال المتردي والذليل الذي يعيش فيه ألف ألف ألف مسلم ليس وليد الصدفة وليس بسبب عدوان النصارى واليهود علينا حسب بل إن سببه عميق عمق التأريخ الإسلامي وهو يتداول من جيل لجيل من خلال البيت والمدرسة والمسجد في تكرار لمسلمات باطلة وتمجيد للعدوان والكفر باسم الدين.

 

فمن ذلك نجد أن ذبح الأحياء ليس جديداً عند المسلمين فقد سبق أن زاوله قادة لهم ثم كتب التأريخ عنهم أمجاداً. وما زالوا يسمون اليوم “السلف الصالح” مما يعني أن سلوكهم يتطابق مع “الدين الحنيف” ويجدر الإقتداء بهم كما يرى أغلب رجال الدين اليوم.

 

وقد تجاوز المسلمون عن سيئات ذلك السلف دون أن يدركوا انه تعالى قضى أزلاً ” أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا”. فكما احتجوا سابقاً بأن “الإسلام يجب ما قبله” وهذا ليس صحيحاً لا في النقل ولا في العقل، فإنهم تستروا على جرائم المسلمين وغلفوها بغلاف الدفاع عن الدين رغم أن الدين لا يمكن أن يرضى بالعدوان لأنه تعالى قضى في كتابه: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ”.

 

إن الهدف من هذا الكتاب هو الدعوة لنظرة عقلانية في الإسلام…. ماذا حدث فعلا وكيف كتب تأريخه وكيف آل إلى ما هو عليه اليوم.                                                              

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image