الفصل الثاني –  جذور الانقسام السياسي في الإسلام

 

لقد كان الصراع في الإسلام وما زال وسيبقى صراعاً سياسياً. وكل المحاولات التي جرت لتصوير ما جرى في الإسلام على أنه خلاف عقائدي أو فكري لم تكن موفقة بل كانت في الغالب محاولات تغليف للصراع السياسي وذلك لمنع الحرج الناتج عن إكتشاف الناس أن كل ما لحق بالإسلام من ضرر وخسارة كان بسبب الصراع على السلطة وليس كما صوره الفقهاء بأنه صراع حول تفسير ما أراده رب العزة.

ولكي نعرف جذور هذا الصراع السياسي لا بد أن نعود للبيئة التي ولد فيها الإسلام.

 

فمكة تختلف عن أية مدينة في التأريخ في أنها كانت وما زالت محج الناس بشكل منتظم ومستمر منذ آلاف السنين. ولم تحظ مدينة في التأريخ بهذا الشرف فكل حاضرة صعدت ثم سقطت إلا مكة كانت محج الناس ومحط أنظارهم قبل الإسلام وإزدادت بعد ذلك. فرغم أن العرب كانوا يأتونها لإسباب غير تلك التي أقام إبراهيم بيته من أجلها إلا أنها كانت تزار كما تزار اليوم وكانت مركز الدين ومركز التجارة ومنبر التباري في الشعر، أي بإيجاز كانت عاصمة العرب السياسية والفكرية والإقتصادية رغم عدم وجود نظام سياسي ليمسك بكل ذلك. فقوله تعالى “أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” لا يعني مكة بعد إعلان الرسالة المحمدية بل منذ رفع إبراهيم القواعد وستظل كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ويتضح من هذا أن من تمكن في مكة فإنما تكون له حظوة وقوة وجاه لإجتماع عوامل ذلك. وهكذا غدا شيوخ قريش حريصين على التمسك بذلك الوضع لأنه كان يمنحهم القوة والسلطة والنفوذ وفقدان موقعهم في مكة كان سيؤدي بكل ذلك.

ولد الإسلام في ظل ذلك. ولم يولد رسولنا الأكرم في بيت من البيوت المتنفذة من بطون قريش ذلك لأن بني هاشم كانوا أقل مالاً وأعز نفراً إذا ما قيسوا بمخزوم وزهرة وأمية على سبيل المثال. وقد كان شيوخ هذه البطون من قريش ينظرون لبني هاشم نظرة استصغار. لذا كان من الطبيعي، حين دعى الرسول الأكرم قريش لإتباعه، أن تثور ثائرة شيوخ تلك البطون القرشية المتعالية. لأنهم أدركوا أن نجاح الهاشمي سيؤدي لزوال نفوذهم وسطوتهم. كما إنهم اعتقدوا أن إنصراف العرب عن مكة إذا تمكن محمد (ص) منها كان سيقطع تجارتهم ويسلبهم المال وهو أداة القوة الأولى ولا شك.

وهكذا نرى أن أغلب قريش كانت معادية للدعوة المحمدية والتي اقتصرت أول الأمر على بني هاشم “وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلْأَقْرَبِين” ونفر من قريش وقليل من العرب من غيرهم ممن تجمعوا من كل طرف بانتظار الدعوة. وتبقى حقيقة الأمر أن الرسول الأكرم (ص) قضى كل حياته يدافع عن الإسلام والمسلمين ضد قريش حتى أن المرء لا يمكن إلا أن يسأل ترى بأي حق تمسكت قريش بالسلطة كما تمسكت بعد رحيله؟

وحين لم ينجح عداء قريش للرسول فإنهم عرضوا عليه المال والرئاسة فرفض. وحين عجزوا عن شرائه قرروا مقاطعته ومن معه إقتصادياً. ويبدو أن قريش هي التي علمت الغرب معنى وفائدة الحصار الإقتصادي. فقد كان نفي الرسول وأهله الهاشميين ومن معهم إلى شعب أبي طالب ومحاصرتهم ومنع أي شخص من التعامل معهم لثلاثة أعوام حيث قاسوا الأمرين دليلاً على العداء الذي كان شيوخ قريش من أمية ومخزوم وزهرة يكنونه لمحمد (ص) وبني هاشم. فلا يستغربن أحد من حصار بوش للعراق فقد حاصر أبو سفيان بني هاشم بالطريقة نفسها وبقسوة لا تختلف كثيراً. ولم تورد كتب التأريخ الكثير عن قصة “شعب أبي طالب”، إلا أن حوادث متفرقة في كتب السيرة والتأريخ إذا ما جمعت يمكن أن تعطي صورة عن الحصار الجائر المعبر عن كره قريش للهاشميين بشكل عام وللرسول بشكل خاص. وأعتقد أن سبب حجب هذه القضية عنا في كتب التأريخ هو منع الإحراج الذي كان سيببه كشف ما حدث والذي كان سيقود للكشف عن الدور المجرم الذي لعبه عدد من شيوخ قريش في الحصار الجائر ممن أدعوا الإسلام لاحقاً وتبوؤا مواقع متقدمة فيه. وهي ليست القضية الوحيدة في الإسلام التي أهملها التأريخ المدون للمسلمين.

هكذا نجد أن الصراع حول الإسلام كان صراعاً سياسياً حيث أشك أن أياً من شيوخ قريش كان يقاتل حقاً دفاعاً عن اللات والعزى، بل كان يقاتل دفاعاً عن موقعه الإجتماعي والسياسي والإقتصادي أولاً وأخيراً. فهل يعقل أحد أن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (جد معاوية لأمه) حين خرج في معركة بدر ليقاتل فيصرع على يد حمزة أو علي كان يقاتل ليموت دفاعاً عن هبل؟ وهذا الصراع الذي كان قائماً عند ولادة الإسلام امتد في عصر حضانة الدين الناشئ واستمر بشكل أو بآخر بعد ذلك ثم انتقل إلينا تراثاً وتأريخاً نعيش في آثاره بوعي أو بدون وعي، كما سنرى.

وحين ساد الإسلام ودخل رسولنا الأكرم مكة دون قتال دخلت بقية قريش في الإسلام طوعاً أو كرهاً أو رياءً، وهم الذين اشار إليهم رسولنا الأكرم بهذا التسلسل في قوله (من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل بيت أبى سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن). فكان منهم منافقون كما كان من أهل المدينة “وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ”. وكان طبيعياً أن يدخل المؤمنون البيت الحرام فهم أهله، أما الكفار من قريش فقد دخلوا بيت سيدهم أبي سفيان، وبقي المتحيرون وهم الذين قال لهم رسول الرحمة أدخلوا بيوتكم واغلقوا ابوابكم. وكان في أهل مكة منافقون ممن لن تعرف حقيقتهم ذلك لأن رسول الرحمة لم يشأ، وهو سيد المعرفة، أن يعرفنا بهم ربما كي لا يوقظ جروح قريش القديمة. وتأريخ صدر الإسلام يعج بالمنافقين وجاء ذكرهم في مواضع عدة في القرآن. وضرب لنا تعالى مثل ذلك في منافقي المدينة كما ذكرت.  وإذا كان المنافقون من حول الرسول الأعظم في مكة والمدينة فهل يكون من العجب أن نجدهم في كل تأريخ الإسلام وفي كل زمان ومكان؟

ولم يختف الصراع السياسي داخل قريش حتى في عهد الرسول الأكرم (ص) وإن كان ضعف على السطح كما يبدو إلا أنه ظل قائماً. وقد برز في مرض الرسول الأخير حين عاده شيوخ قريش في بيته يوم الخميس. وهناك عدة روايات عما حدث ذلك اليوم وهي تختلف في بعض التفصيلات لكن جوهر ما حدث ليس موضوع تنازع. فقد طلب (ص) دواة وقرطاساً ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده. عندها أدرك عدد منهم أنه ربما كان سيوصي بإمام بعده ولم يكونوا راغبين في ذلك لأن أية وصية من النبي الأكرم كانت ستحسم موضوع الإمامة بعده. فكثر اللغط في المجلس وبلغ حد الوقاحة بأحدهم أنه أهان الرسول الأكرم (ص) حين قال (إن الرجل ليهجر) وقال آخر لسنا بحاجة لوصية فعندنا كتاب الله سيغنينا عن ذلك. فغضب (ص) فطردهم قائلاً اخرجوا لا ينبغي عند نبي تنازع. فخرجوا جميعاً ولم يعودوا. وقبض (ص) يوم الإثنين ولم يكن أحد من الصحابة الذين طردوا من بيته قد رآه قبل صعوده للسماء. وقد وصف حبر الأمة عبد الله بن عباس ذلك الحدث الجلل بأنه “رزيئة الخميس”. فهل هناك قارئ للتأريخ يقدر أن يصف ما حدث ذلك الخميس بغير الحدث السياسي فضلاً عن أنه رد للأمر الإلهي: ” وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.

وقد دأب جامعوا الحديث وواضعوا كتب التأريخ أن يسودوا آلاف الصفحات لتصنيف الصحابة والمسلمين الأوائل. وكثيراً ما تجدهم يصفون هذا الصحابي بأن الرسول الأكرم “قبض وهو راض عنه” مما سيجعله مقبولاً دون سؤال لدى كل المسلمين لاحقاً. فكيف يمكن أن الرسول الأكرم (ص) قبض وهو راض عن أولئك الذين كان أخر عهده بهم أنه طردهم من بيته؟ أما آن الأوان للتوقف بصدق والإجابة عن هذا السؤال والتوقف عن تنزيه الناس باطلاق صفة رضى الرسول عنهم؟

ثم ما لبث الصراع السياسي أن تفجر بعد قبضه (ص). ففي ذلك اليوم وبينما كان الرسول (ص) يدفن، عقد أخطر مؤتمر في تأريخ الإسلام. لكنه رغم خطورته وأثره على الإسلام منذ ذلك اليوم وحتى الآن فإن ما وصلنا عنه لا يتعدى نتفاً وحكايات متفرقة. فمن المعروف والمقبول أنه عندما يموت شخص ذو مكانة بين قومه فانه يحظى بالتوقير والتقدير الذي يليق بمكانته وأن يدفن الدفن المناسب والموقر. فكيف إذا كان الأمر يعني سيد العرب الذي أخرجهم من الظلمات الى النور؟ وكيف يمكن لشيوخ المسلمين أن يشرحوا للعامة في أي زمان أو مكان كيف انشغلوا عن دفن رسولهم بالبحث عن إمام يخلفه؟ أما كان لهم أن ينتظروا أن يبرد جسده الطاهر قبل التقاتل على القيادة من بعده؟ فلم ينتظر شيوخ المسلمين دفن رسولهم ونذيرهم، فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة للتداول في أمر القيادة من بعده. وحين سمع شيوخ قريش من المهاجرين سارعوا لحضور الإجتماع لقطع الطريق على الأنصار من حسم موضوع قيادة المسلمين، وكان بينهم من طردهم الرسول الأكرم (ص) يوم الخميس. كل ذلك بينما كان بنو هاشم مشغولين بدفن رسولهم الأكرم (ص). فاذا كان هناك من دليل على أن الخلاف في الإسلام كان وما زال سياسياً فإن توقيت وطبيعة ما جرى في “سقيفة بين ساعدة” خير دليل على ذلك.

لقد أراد شيوخ قريش تأمين ألا يترك شيوخ الأنصار لتقرير موضوع القيادة بعد الرسول وخلق أمر واقع يصعب بعد ذلك تغييره. إن الأهمية السياسية لمؤتمر سقيفة بني ساعدة وما جرى فيه كانت من الخطورة مما دفع القيادة السياسية في العقود الذي تلته أن تحجب عنا ما أمكن حجبه ليظل المؤتمر سراً من أكبر أسرار الإسلام. إلا أن القليل مما وصلنا عما دار في الإجتماع السياسي وما يدعمه مما حدث بعد ذلك يمكن أن يشكل صورة ولو غير كاملة عما حدث فيه.

طلب الحاضرون من الأنصار أن تكون الإمامة بعد الرسول في الذين نصروا فرد الحاضرون من قريش أنهم أولى بها. وسمع المسلمون في المدينة الأذان ببيعة ابي بكر بينما كان الرسول الأكرم يدفن. وخرج شيخ الأنصار سعد بن عبادة من الإجتماع غاضباً ورافضاً للبيعة. وبقي فيها حتى تولي عمر ابن الخطاب حين جرى بينهما حديث صاخب وذو دلالة فترك سعد المدينة ولم يعد إليها حيث قتل بعدها غيلة في وادي حوران في ظروف غامضة. ولم يكن سعد بن عبادة وحده من لم يوافق على بيعة أبي بكر من الأنصار وعدد من المهاجرين ممن كانوا منشغلين بدفن الرسول. ذلك أن التأريخ لم يقل لنا حقاً من وافق على البيعة بعد حدوثها إذا لم يكن حاضراً في السقيفة! ورغم أني لا أريد أن أخوض في التحليل التأريخي لكل مرحلة إلا أني لا بد أن أتوقف عند أهمية موقف سعد بن عبادة من بيعة أبي بكر خلفاً للرسول لأهميتها بالنسبة لهذا البحث ولأنها تمثل المشروع السياسي الذي تشكل منذ ذلك اليوم لاحتواء الإسلام.

فقد حوت كتب السيرة والتأريخ أكثر من خبر واضح عن مكانة سعد بن عبادة في الإسلام. وهي تجمع على أن سعد بن عبادة كان سيد الإنصار في المدينة. وكان الرسول الأكرم يعقد راية الأنصار لسعد بن عبادة في غزواته، وكان (ص) أدرى الناس بقومه ومن حوله. فاذا رضى (ص) عن أحد فقد رضي الله عنه وإذا غضب (ص) على أحد فقد غضب الله عليه!

 وسواء أرضي أحد شيوخ قريش عن سلوك سعد أم لم يرض فإن الحقيقة التي يجب الإقرار بها هي أن شيخ الأنصار ومعه عدد من أتباعه لم يرضوا عن القرار السياسي الذي تمت به أول بيعة بعد الرسول (ص). ولنا في مقتل سعد بن عبادة وقفة أخرى مع تأريخ الإسلام السياسي. فقد كتب الكثير عن مقتل عثمان بن عفان وقامت الحروب بحجة المطالبة بدمه. لكن شيئاً لم يكتب عن مقتل شيخ الأنصار الذي قاد قومه في كل حروب الدفاع عن الإسلام وثبت في أحد وحنين حين هرب شيوخ قريش في المعركتين خلافاً لأمر الله. أليس إهمال التأريخ الإسلامي لمقتل سعد بن عبادة هو أنه كان مخالفاً لشيوخ قريش التي استأثرت بالسلطة السياسية؟ أليس من حق أهله بل أليس من حق الأنصار أن يعرفوا لم قتل شيخهم ومن قتله ومن أنتفع من موته؟ أليس من حق المسلمين أن يعرفوا سر اغتيال شيخ الذين “آوَوا وَّنَصَرُوا” والذين لم يرتكبوا إثماً بحق محمد (ص) حتى يحتاجوا لاختلاق حديث (الإسلام يجب ما قبله)؟ أم أنها السياسة التي وجدت أن من الأفضل طي هذه الصفحة؟

ولا بد من وقفة عند مؤتمر سقيفة بني ساعدة لفهم بعده السياسي وتأثيره في تأريخ الإسلام حتى اليوم. فقد أسس الرسول الأكرم (ص) في الأسابيع الأخيرة من حياته جيشاً ليقاتل شرحبيل بن عمرو الغساني وحلفائه من الروم في جنوب بلاد الشام وليثأر لمقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة في معركة مؤتة عام 8 للهجرة. وقد عرف الجيش الجديد بـ “سرية أسامة بن زيد” حيث جعلها الرسول الأكرم بامرة أسامة بن زيد بن حارثة. وجعل رسول الله كل شيوخ المهاجرين والأنصار في جيش أسامة حتى تململ البعض، فقال (ص) ما فعلته عن أمري! بل إنه (ص) ذهب أبعد من ذلك فقال قولة لم يسبق له أن قال مثلها حين صرح قائلاً (لعن الله من تخلف عن جيش أسامة). وأول ما يجب تذكره هو أن سرية أسامة بن زيد بن حارثة قد تحركت من المدينة قبل أن يقبض الرسول (ص). فإذا كان الأمر كذلك فإن الصحابة من المهاجرين والإنصار كانوا خارج المدينة حين قبض (ص) فكيف عادوا بهذه السرعة وعقدوا مؤتمرهم السياسي في السقيفة؟ ولعمري لا أدري لم تلك العجلة في إختيار خليفة حتى قبل دفن الرسول؟ فهل يعقل أن أحداً كان يخشى على الدين؟ فإذا كان هناك من يخشى على الإسلام والمسلمين فلا بد أن ذلك لضعف في إيمانه. فالذي أرسل محمداً (ص) ثم قبضه كان كفيلاً بحماية دينه!

ثم لا بد من التساؤل: من حضر المؤتمر وماذا دار فيه؟ ذلك لأن معرفة الحاضرين مؤشر مهم على صدق الإدعاء بأن البيعة كانت بيعة دينية سليمة شارك فيها أكبر عدد من الصحابة. كما ان معرفة ما دار من جدل يغنينا عن التكهن عن الأسس التي بني عليها إختيار الخليفة، وهل كان هناك إعتبار ديني من سبق وتقوى وجهاد أم ان الجدل كان فعلاً كما رشح قد دار حول ما إذا كانت قريش أولى بالزعامة لأنها شجرة النبوة؟ وروي أن علياً بن أبي طالب، صهر النبي وابن عمه، لما أعلم ببيعة أبي بكر بعد إنتهائه من دفن النبي الأكرم (ص) أنه سأل عما دار في السقيفة وحين قيل له أن قريش احتجت أنها أولى بالزعامة لأنها شجرة النبوة قال: (تمسكوا بالشجرة واضاعوا الثمرة).

إلا أننا ما دمنا لم نحصل على تفصيل لما دار في المؤتمر فإننا ليس لدينا سوى الإستنتاج عما جرى بناءً على سلوك البعض ونتائج المؤتمر. والمؤشر السياسي الأكبر الذي خرج عن المؤتمر هو ما صرح به القرشي للهاشمي حين قال: (كرهت قريش أن تجتمع فيكم الخلافة والنبوة).

 

ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يصف هذا التصريح بأية صفة غير الصفة السياسية. ذلك لأن كره قريش كما وصفه المتحدث لا علاقة له بالدين وما إذا كان في بني هاشم من يصلح للخلافة لسبقه وجهاده وتقواه. أي بمعنى آخر إن شيوخ بطون قريش من غير بني هاشم قرروا ألا يكون خليفة النبي الأكرم (ص) من بني هاشم حتى إذا كان ذلك الهاشمي أهلاً للإمامة!

وهكذا كان فأول خليفة كان من تيم وثاني خليفة كان من عدي وثالث خليفة كان من أمية قبل أن تنتهي الخلافة في بني هاشم لأنه لم يعد بالإمكان التقدم على الهاشمي فإذا كانت قريش أولى بالخلافة لأنها شجرة النبوة فالهاشمي ثمرة تلك الشجرة ولا شك.

كما أن مؤتمر سقيفة بني ساعدة ثبت مبدءً خطيراً في تأريخ الإسلام الا وهو منع أي أنصاري من الوصول للخلافة حيث إن تثبيت مبدء أن قريش أولى بها لأنها شجرة النبوة أصبح سنة لم تنقض. وقد أصبح حق قريش في الخلافة قاعدة أساساً في الإسلام حتى اليوم. فعندما يريد أحد أن يدعي موقعاً في الحركات الإسلامية الجديدة فإن من الأتم له أن يدعي نسباً قرشياً. وهكذا نجد أن أبا بكر البغدادي (والذي يقال ان اسمه ابراهيم البدري رغم عدم وجود دليل على ذلك) حين نصب نفسه خليفة للمسلمين في ما يسمى “الدولة الإسلامية” فإنه ادعى نسباً للرسول الأكرم (ص) فنشر نسبه للحسين بن علي كما ما جاء على موقع الدولة في شبكة المعلومات.

وقد تم نتيجة ذلك المبدأ في استئثار قريش عزل الأنصار عن السلطة بشكل دائم، بل إن الأمر ذهب أبعد من ذلك حيث إن دور الأنصار في الإسلام حجم بشكل منتظم فساد أبناء الطلقاء من قريش في الوقت الذي غاب المجاهدون الذين “آوَوا وَّنَصَرُوا” عن المسرح. بل إن تأريخ الإسلام الذي كتب في العقود والقرون التي تلت أنسانا حتى اسماء الأنصار الأوائل. فكم مسلم اليوم لم يسمع بأبي سفيان الأموي القرشي والذي لم يسلم إلا بعد فتح مكة؟ لكن كم من مسلمي اليوم يعرف شيئاً ما عن أو حتى إسم البراء بن معرور الأنصاري وهو من أوائل المسلمين الذين “آوَوا وَّنَصَرُوا” بايع في العقبة الأولى وكان أول من وجه وجهه للبيت الحرام حتى قبل أن يصرح (ص) “فول وجهك شطر المسجد الحرام”؟ ومَنْ من المسلمين اليوم يعرف شيئاً عن أبي الهيثم مالك بن التيهان الأشهلي أول الأنصار الستة الذين بايعوا الرسول وشهد العقبتين وكان نقيب بني عبد الأشهل مع أسيد بن حضير؟ بل من من المسلمين اليوم قادر أن يحصي اسماء نقباء المدينة الذين اختارهم الرسول قادة وهداة لقومهم قبل الهجرة. وكانوا من أشرف الصحابة الذين آخا رسول الرحمة (ص) بينهم وبين عدد مشابه من المهاجرين وقال في حقهم عز من قائل “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”.

وهناك أكثر من حديث في فضل الأنصار منه في فضل المهاجرين وهو ما يقبله العقل ذلك لأن الأنصار اختاروا الإسلام طوعاً وتلقائياً بينما كانت أكثر بطون قريش تضطهد الرسول وأتباعه، ثم دعوهم وآووهم ومنحوهم الإقامة وشاركوهم ما لديهم بتضحيات كبيرة. وقد كان إحتمال النفاق بين الأنصار أضعف منه بين المهاجرين والذين لم يجهر عدد منهم بالإسلام الا بعد أن تيقنوا من حتمية انتصاره.

إن قرار قريش للإستئثار بالسلطة ظلم غير القرشيين وغمط حقهم فكتب تأريخنا على ذلك الشكل المزيف والمعيب. فإذا قال قائل إن التأريخ ليس مزيفاً فلا بد أن يكون السؤال أخطر وأهم وهو لماذا إذن أبعد الأنصار عن الخلافة والولاية؟ من قرر ذلك وما حجته؟ فهل كان لخالد بن الوليد، والذي قتل المؤمنين في أحد، مهما صلح إسلامه، أن يتقدم على أي أنصاري قاتل في أحد لو لم يكن خالد قرشياً فتشفع له وترفعه بطون قريش من مخزوم وأمية وزهرة وتيم؟

ثم تدخلت السياسة في الصلاة في شواهد عدة نختار واحداً منها. ذلك أن أغلب المسلمين يذكرون في صلاتهم العشرة البررة المبشرة بالجنة. فلماذا يا ترى كلهم من قريش؟ أيعقل أن رسول الله لم يبشر أنصارياً بالجنة حتى يذكر مع القرشيين؟ ثم أين عمار بن ياسر وهو أول مسلم بشره الرسول الأكرم(ص) بالجنة؟ بل إن عماراً أسلم قبل ثمانية من العشرة المبشرة بالجنة. ألا يقتضي السبق في الإسلام والسبق بالتبشير أن يكون أول المذكورين في الصلاة ذلك لأن السبق يحكم كل شيء “وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”. فالأنصار الذين بايعوا الرسول الأكرم (ص) في بيعة العقبة الأولى لهم السبق على أي قرشي أسلم بعدهم مهما علا شأن قومه ومهما كانت له المكانة الدنيوية في مكة (رب عبد في طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه). فإذا اعترض معترض على هذا فليأتنا بدليل من القرآن يدعم طعنه لا أن يدفع بما قاله أحد الفقهاء بفضل هذا الصحابي أو ذاك. كما لا يحق للمعترض أن يحتج بحديث موضوع مفاده (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام). وهذا الحديث كغيره من الحديث المختلق وضع لرفع شأن عدد من اشرار قريش الذين حاربوا الإسلام وآذوا المسلمين وقتلوهم ثم أعلنوا اسلامهم لاحقاً. فلو كان الأمر كذلك لما اختار تعالى محمداً (ص) نذيراً لأم القرى ومن حولها، ولفعل، وحاشاه أن يفعل، كما طلبوا “وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ”. ولو كان هذا حقاً فإنه تعالى يكون غير منصف ومنحاز وحاشاه أن يكون كذلك.

كما إن بيعة مؤتمر السقيفة أسست لسوابق خطيرة في الإسلام. فإذا أردنا أن نقفز فوق عقود من التأريخ فإن مما أصبح خلافاً يقال عنه أنه عقائدي (وإن كان عندي سياسياً) بين السنة والشيعة هو ما أخذه فقهاء السنة على الشيعة أنهم ادعوا أن الإمامة أمر إلهي وهي في نسل فاطمة. فقال فقهاء السنة أن الإمامة إختيار من المسلمين بشورى وبيعة. وليس عندي مشكلة في هذا الرأي العقلاني إذا تحقق فعلاً واختار فيه المسلمون أولياء أمرهم بالشورى والبيعة السليمة. لكن متى تحقق هذا في تأريخ الإسلام؟

فقد قال عمر بن الخطاب عن بيعة ابي بكر (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها) على ما أخرجه البخاري! ولا أعتقد أن عمر بن الخطاب كان يطعن بأهلية ابي بكر في الخلافة لكنه كان يشير الى خطورة ما حدث بالطريقة التي حدث فيها. فبيعة أبي بكر كانت اختياراً سياسياً!

وحين أدركت الوفاة أبا بكر فإنه أوصى بالخلافة من بعده لعمر بن الخطاب، فكانت أول سنة للوصية والتي ما لبثت أن تحولت لوراثة بعد عقود. لكن أغلب فقهاء المسلمين يجمعون على أن النبي الأكرم (ص) لم يوص لأنه لم تكن حاجة للوصية ما دام الصحابة موجودين والقرآن بين أيديهم. فلماذا أوصى أبو بكر؟ أكان أحرص على الإسلام من سيده الأكرم (ص)؟ ألم تكن وصية أبي بكر قراراً سياسياً ليقطع فيه الطريق على بني هاشم؟ وأين الشورى في اختيار أبي بكر لعمر؟

وحين أوشك عمر بن الخطاب على الموت أوصى بتشكيل لجنة من ستة يجري اختيار الخليفة من بينهم. ولم يكن لوصية عمر أية علاقة بالشورى أو البيعة العامة. وكان الأعضاء الستة جميعاً من قريش، فلم يكم فيهم أنصاري واحد مهما كان سبقه في الإسلام وتقواه رغم ان الأنصار شكلوا نصف الأمة. ولم يكن في اللجنة مهاجر غير قرشي – كالمقداد بن الأسود وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر وكلهم من المسلمين الأوائل الذي أسلموا قبل إسلام عدد من أعضاء اللجنة وقبل إسلام عمر بن الخطاب نفسه. فكيف يمكن أن توصف تلك اللجنة إلا أن تكون سياسية لإبقاء القيادة في قريش؟

ولم تتوقف المشكلة في اللجنة التي أوصى بها عمر في كونها غير استشارية وكلها من قريش، بل إن فيها أكثر من قضية تدعو للتوقف والنظر. فقد أوصى عمر أن يكون الخليفة من بين الستة، فاذا لم تتفق اللجنة على اختيار أحدهم خلال ثلاثة أيام وجب قطع رأس كل من لم يوافق على الإختيار. فإذا انقسمت اللجنة نصفين كان لإبنه عبد الله بن عمر حق تقرير الإختيار. فاذا لم يجر ذلك فالخليفة يكون من النصف الذي فيه عبد الرحمن بن عوف. ويقتل أعضاء النصف الثاني المعترض.

فأوجد عمر بها سابقة جديدة في الإسلام تشرع قتل المسلم إذا اختلف مع آخرين في عملية اختيار خليفة أو قائد وهو إجراء لا قاعدة له لا في القرآن ولا في سنة ثابتة عن النبي الأكرم (ص).

وهذه الإجراء الذي وضعه عمر سياسي بالكامل. ذلك لأن أية لجنة لا بد أن تكون فردية إذا أريد أن يكون فيها أغلبية وأقلية. كما أن إعطاء الغلبة لنصف عبد الرحمن بن عوف كان قراراً سياسياً محسوباً لإعطائه صوتين وتهميش صوت علي في اللجنة. ثم لماذا يراد منا أن نقبل أن الخمسة من أعضاء اللجنة الذين أسلموا بعد عمار بن ياسر كانوا أحرص على الإسلام من عمار؟ أليس إختيارهم وتركيبة اللجنة كان قراراً سياسياً ليس فقط لإبقاء الخلافة في قريش وإنما حتى لتأمين عدم وصولها لبني هاشم؟ وحيث إن عمر كان يعرف أن علياً وعبد الرحمن لا يمكن أن يكونا في الجهة نفسها لما بينهما فإنه كان قد حسم في وصيته استحالة وصول الخلافة لعلي. ولم يغب ذلك عن علي فقد نقل عنه توقعه للنتيجة.

وحين انقسمت اللجنة على أسس سياسية عرض عبد الرحمن بن عوف البيعة على علي (على كتاب الله وسنة نبيه وسيرة الشيخين) وحين رد علي بقبولها على (كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد في الأمر) فان ابن عوف انصرف عنه وعرضها على عثمان بن عفان الذي قبلها. فكانت ثالث خلافة لبطن جديد من قريش من أمية في شخص عثمان بن عفان. ومن أمتلك المقدرة على القراءة السياسية السليمة فما عليه سوى أن يراجع التأريخ ليفهم كيف تم إستبعاد علي ولماذا رفض البيعة على سنة الشيخين ولماذا رفض بن عوف حق علي في الإجتهاد كي يخلص الباحث من كل ذلك بأن تلك السابقة السياسية الخطيرة أرست قاعدة أخرى من القواعد السياسية في تأريخ الإسلام والتي تنسحب على حياتنا حتى اليوم!

وما أن قتل عثمان بن عفان على يد أهل مصر (وليس على يد بني هاشم) حتى دخل الإسلام في أكبر فتنة له لم تنته إلا بعد وفاة علي بإستقرار الدولة لبني أمية لثمانين عاماً؟

وقد آن الأوان للنظر في خلافة عثمان نظرة موضوعية مجردة بعيداً عن العواطف وعلاقات الزواج والمصاهرة. فمهما كانت طريقة الإختيار فإن السؤال الذي يجب أن يسأل هو: أحق لعثمان أن يكون خليفة رسول الله؟ ولن أبحث في أية من ميزات للرجل أو ما قدمه للإسلام من دعم مادي كما جاء في كتب التأريخ إذ أنها لا تعنيني كثيراً في أمر صلاح أي رجل لإمامة المسلمين بعد الرسول الأكرم (ص). فما يصلح للأرض قد لا يصلح للسماء والإمامة من أمور السماء. إذ أني معني بما يقرره القرآن في صلاح المؤمن والذي أعتقد أن المسلمين لا يختلفون على حجية القرآن في أية قضية. وهناك آيات في الكتاب العزيز إذا ما قرأت مجتمعة ستثبت عدم جواز إختيار عثمان لخلافة رسول الله.

فقد أمر تعالى المسلمين بعدم الفرار في الحرب فقال عز من قائل في سورة الأنفال: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ*  وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ” (أنفال:15-16)

ثم ذكر تعالى عباده بما حدث في حنين فقال العليم العلام في سورة التوبة: “لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ” (التوبة:25-26)

فليس هناك خلاف على غضب الله ولعنه لمن يهرب في أية مواجهة مع أعدائه وهذا ينطبق على من فر في حنين كما جاء في سورة التوبة. لكن كتب التأريخ أجمعت على أن عثمان بن عفان كان أحد الذين هربوا في معركة أحد ومعركة حنين. فكيف يمكن لمن وقع عليه غضب من الله أن يصبح “أمير المؤمنين”؟

فأين تمت البيعة بعد الشورى التي تحدث ويتحدث عنها فقهاء المسلمين؟ أكانت في بيعة أبي بكر أم في بيعة عمر أم في بيعة عثمان أم في بيعة علي أم في الخلافة الوراثية التي أرساها بنو أمية فصارت سنة حتى يومنا هذا؟ وكيف يؤخذ على الشيعة إيمانهم أن الخلافة في الأمة من نسل فاطمة بينما فعل السنة ذلك تماماً حين جعلوا الخلافة وراثية في بني أمية وبني العباس وبني عثمان؟ أليست هذه هي السياسة بعينها فليس في الصراع بين السنة والشيعة حول مفهوم الخلافة والإمامة أي خلاف عقائدي أو فكري كما يزعم فقهاء الطرفين في كتب التأريخ، إنما هو صراع قبلي سياسي كان قائماً في قريش قبل الإسلام وانتقل للإسلام وما زال سائداً بين المسلمين حتى اليوم؟

لقد كان الصراع في الإسلام وما زال بين موالين لبيت علي وموالين لبيت عائشة. أدري أن هذه المقولة ستثير الكثيرين حتى عدداً من أصدقائي لكن الوقت قد حان لكي نلقي نظرة موضوعية على تأريخنا. هذا ما سأحاول أن أكتبه لاحقاً. قبل أن أعرض كيف أصبحت الشريعة سياسة والفتح الإسلامي سياسة وإن حاولوا أن يضفوا عليها طابعاً دينياً.

وأرجو مخلصاً من الصديق الذي يغضبه ما أقول أن يقف ويسأل نفسه بأمانة ما في الحدث أو الحديث أو المقاربة التي وردت في المقال ما هو مختلق أو غير متطابق بموضوعية مع البحث التأريخي. فإن وجد ذلك فليرده لي. وإن لم يجد فليمسك غضبه حتى أنتهي مما أريد قوله وعندها نتحاور.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image