الفصل الثامن – فوضى تفسير القرآن

انتهينا في الفصل السابق إلى استخلاص حقيقة مهمة أثبتها لنا التأريخ ومُفادها قبول المسلمين، منذ العام الأول لرحيل نبي الرحمة (ص)، بجواز قتل المسلم إذا منع الخليفة “عقال بعير”!

فهل يعجب المراقب اليوم أن يرى ثقافة التكفير والقتل تبعث بهذا الشكل المرعب بعد أن أُسِّسَ لها منذ العام الأول لوفاة الرسول (ص)؟

وهذا أمر في غاية الخطورة لأن استسهال قتل المسلم لا يمكن إلا أن يقود لشعور وقناعة ظاهرة أو باطنة بأن قتل غير المسلم لا بد أن يكون هيناً. وهكذا بدأت ثقافة القتل في الإسلام تنمو بشكل تدريجي كما سنرى في هذا الفصل.

فما أن انتهت “حروب الرّدة” حتى بدأ المسلمون يبحثون عن حروب جديدة خارج حدود جزيرة العرب. فبدأت صفحة “الغزو” الإسلامي التي صبغت تأريخ الإسلام منذ ذلك اليوم حتى إنتهاء الخلافة العثمانية في مطلع القرن العشرين.

وقد سبق أن بينت أن “الغزو”، والذي إعتاد تأريخ المسلمين أن يمجده حتى أنه سمى الحروب التي قاتل فيها النبي (ص) دفاعاً عن المسلمين “غزوات”، هذا الغزو ليس إلا كلمة ملعونة في القرآن الكريم حيث إنه تعالى لم يطلق لفظة الغزاة إلا على المشركين في قوله “يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ” ولم ترد كلمة الغزو أو الغزاة ولو مرة واحدة في صفة المؤمنين. فكيف أباح المؤرخون والفقهاء لأنفسهم أن يطلقوها على سيرة النبي الأكرم (ص)؟ انقر للمزيد “الفصل الثامن – فوضى تفسير القرآن”

قل ولا تقل / الحلقة الرابعة والثمانون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعأُ من الزنبور فاذا هو هي

ولا تقل: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعأُ من الزنبور فاذا هو اياها

وقد عرفت هذه المسألة بالمسألة الزنبورية. فهي الى جانب ما فيها من خلاف لغوي تكشف مقدار الرغبة حتى بين العلماء على الكذب والتلفيق من اجل نيل الحظوة أو الإبقاء عليها كما تكشف مقدرة العامة على الكذب من أجل إرضاء القوي والمتنفذ. والخص القصة أدناه نقلا عن ابن هشام الأنصاري والذي أوردها في كتابه “مغني اللبيب عن كتب الأعاريب”، لما فيها من قيمة لغوية وتأريخية.

قدم سيبويه على البرامكة وعزم يحيى بن خالد البرمكي على الجمع بين الكسائي وسيبويه فجعل لذلك يوماً. فلما حضر سيبويه تقدم اليه ابن زياد يحيى الفراء (وعرف عنه أنه كان يتتبع أخطاء سيبويه ويتعمد مخالفته، برغم أنه لما مات وجد تحت رأسه كتاب سيبويه)،  وخلف فساله الأثنان فرد عليهما سيبويه وهما يخطئانه. فقال لهما: لست أكلمكما حتى يحضر صاحبكما، فحضر الكسائي. فقال له الكسائي: تسألني أو أسألك؟ فقال له سيبويه: سل أنت. فساله الكسائي عن المسألة: أهي “فاذا هو هي” أم “فاذا هو أياها”. فرد سيبويه “فاذا هو هي” ولا يجوز النصب. وسأله عن أمثال ذلك نحو “خرجت فاذا عبد الله القائمُ أو القائمَ”. فقال سيبويه: كل ذلك بالرفع فقال الكسائي: العرب ترفع كل ذلك وتنصب.

فقال يحيى: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد سمع منهم أهل البلدين، فيُحضرون ويُسألون. فقال يحيى: أنصفت. انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة الرابعة والثمانون”

 الفصل السابع – حروب الرِّدَّة

إن البحث عن جذور ثقافة القتل وتمجيد تلك الثقافة على أنها جزءٌ من تراث الإسلام الحضاري هي الطريق الوحيد لمواجهة ما يجري في العالم اليوم على يد عدد من المسلمين من قتل وحشي وقطع رؤوس وبقر بطون واغتصاب وسلب ونهب باسم الدين. فإذا وجدنا أن هذا فعلاً ما أراده الإسلام، ولست أعتقد أن هذا سيحدث، فإن الإسلام لا مستقبل له في الأرض. أما إذا اكتشفنا أن القرآن ونبي الرحمة (ص) لم يقولا بما يقوله دعاة ثقافة القتل فإن الواجب العقلي والحضاري بل والديني يقضي باجتثاثهم من وسط الإسلام والتبرئ منهم علناً لا خجلاً ولا رياءً.

من أجل هذا أكتب ما أكتبه. وأعلم أني أغضب عدداً كبيراً من المسلمين. لكن هدفي ابعد من ذلك بكثير. إنه مسؤولية تأريخية لا بد من التصدي لها.

وأفضي من حيث انتهيت آخر مرة.

فقد قرأ كل طالب درس التأريخ العربي في المدرسة شيئاً عن “حروب الرِّدة” التي وقعت بعد أن رحل الرسول الأكرم (ص). وخلاصة ما رسخ في عقل كل طالب هو أن قوماً خرجوا عن سلطة الخليفة فأرسل لهم الجيوش فقاتلهم وأخضعهم لولاية الدولة، فمنهم من عاد للولاء ومنهم من قُتل ومنهم ولا شك من أظهر خلاف ما أضمر وسكت واستسلم. انقر للمزيد ” الفصل السابع – حروب الرِّدَّة”

قومي صغار

يَخْشى الصَّغائِرَ مثْلُهنَّ صِغارُ

ويَدُوسُ فوقَ الكُبْرَياتِ كِبارُ

ويَضِيعُ في لًجِّ الحَوادِثِ خَانِعٌ

يَشكُوهُ من فَرْطِ الخنُوعِ صَغَارُ

أوُلاءِ قَوْمِي لَمْ يَعدْ ليَسُوءُهُمْ

ذلٌّ وضَيْمٌ سَارِبٌ أو عَارُ

يا بُؤسَ هذي الأرض كيف تَضًمّنا

تَعْسَاً لِقَومٍ خَيْرُهُم أشْرارُ

عبد الحق