الفصل العاشر – ابتداع الوهابية

 

لا بد أن نذكر أنفسنا أن هدف الكتابة في هذا الموضوع هو محاولة معرفة أصل ثقافة القتل في الإسلام، كيف نشأت وكيف تمكنت من عقول المسلمين حتى أصبح من المقبول أن يقف خطيب المسجد ليحدث الناس عن مجد القتل في سبيل الله كما يدعي. وقد تقودنا معرفة هذه الحقائق إلى إعادة النظر في ثقافتنا الموروثة من أجل تصحيح فهم التأريخ. ذلك لأنه بدون ذلك لن يكون لنا موقع قدم في العالم وسوف نبقى في موقعنا حين يسير الأخرون قدماً إن لم نقل نرجع للخلف وهذا هو عين التخلف!

وقد إنتهينا في الفصل السابق الى حقيقة بروز طبقة ممن سموا فقهاء كتبوا في أمور الدنيا أكثر من أمور الدين لكنهم تمكنوا من الهيمنة على عقول الناس واسترهبوهم حتى أنه لم يجرؤ مسلم أن يسأل في أمر لم يقره أولئك الفقهاء خوفاً من أن يتهم بالزندقة أو الكفر. وهذا يفسر سبب تخلف العقل الإسلامي عن إنتاج أي فكر مستقل. فرغم أن المسلمين قدموا الكثير في مجالات الطب والعلم خصوصاً في الرياضيات والبصريات إلا أنه لم يخرج من بين المسلمين فكر فلسفي يمكن أن يوضع في مصاف الفلسفات التي أنتجتها شعوب الأرض قبل الإسلام أو بعده. وهذا لم يكن لأن العرب لا يحسنون التفكر وتقليب الأمر، فقد أجادوا في دراسة الفكر الفلسفي اليوناني وشرحوه وعلقوا عليه مطولاً.1 وقد فعلوا أكثر من ذلك في أنهم حفظوا للبشرية التراث الفلسفي اليوناني ذلك أن الترجمة العربية لذلك التراث هي التي حفظته من الضياع وحين عادت أوربا بعد النهضة لدراسة الفكر اليوناني فإنها اعتمدت النص العربي مرجعاً أصيلاً لفهمه. فمساهمة العربي في شرح الفكر اليوناني والتعليق عليه مؤشر جيد على إمكانية العقل الإسلامي العربي على تقليب الأمور إلا أن سطوة الفقه واستبداد الفقهاء في أنهم أعلم بأمر السماء من غيرهم حجمت بل وأرعبت الناس من الخوض في الفلسفة، وهي أم العلوم، فلم يولد عن الإسلام فيلسوف واحد بفكر عربي إسلامي أصيل. انقر للمزيد “الفصل العاشر – ابتداع الوهابية”

قل ولا تقل / الحلقة الخامسة والثمانون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: لديك خِيارٌ واحدٌ

ولا تقل: لديك خَيارٌ واحدٌ

سمعت أحد المراسلين في احدى قنوات التلفاز وهو يقول “لديك خَيارٌ واحدٌ”، وهذا ليس أسوأ ما في الإعلام لكنه تذكير يومي بالعجمة التي استحوذت ليس على الكتابة فحسب بل على التفكير فأصبح المراسل والمعلق ومذيع الإخبار يفكر بلغة أجنبية فيكتب بها. فعندنا اليوم “خط أحمر” و “رقم صعب” و “دم بارد” وما شابهها من العبارات الاجنبية التي لا تعني شيئاً بالعربية!

فلم يرد في العربية كلمة “خَيار” بفتح الخاء.

فكتب ابن فارس في المقاييس: “الخاء والياء والراء أصله العَطْف والميْل، ثمَّ يحمل عليه. فالخَير: خِلافُ الشّرّ؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ يَمِيلُ إِليه ويَعطِف على صاحبه. والخِيرَةُ: الخِيار.”

 

قل: جاءت الملائكة ببِشَارَةٍ لزكريا

ولا تقل: جاءت الملائكة ببَشَارَةٍ لزكريا

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “البِشارَة (بالكسر): هي الخبر بخير أو بشر، فأمّا البَشَارة (بالفتح) فالجمال، والبُشَارَة (بالضم)  (فهي) أجرة المبشر كالعُمالَة.”

انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة الخامسة والثمانون”

الفصل التاسع – إرهاب الشريعة الفكري

لم يرد الفعل “فقه” ولا أي من اشتقاقاته سوى مرة واحدة في الكتاب الكريم وذلك في قوله تعالى “وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ”. إلا أنه رغم ذلك فقد ولدت أجيال من الفقهاء في القرون التي تلت التصريح بالقرآن، ولم يكن ذلك لأن أولاء انكبوا على التفقه بالدين كما كلف تعالى وإنما انصرفوا في الحقيقة للتفقه في أمور الدنيا وأمور الدولة وذلك لحاجة الأخيرة والحاكم لقواعد جديدة.

فلم تصلنا كتب أو رسائل للتفقه في قوله تعالى “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” حتى نفهم علة الخلق، ولم يصلنا تفقه في قوله تعالى “وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار” ولم يصلنا فقه في قوله “ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمًۢا” لنعرف علة خلقه لسبع سموات وسبع ارضين وأين هي. ولم يصلنا تفقه في سبب معصية إبليس ومن اين تعلم إبليس القياس وحده حين قال بقية الملائكة “قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ” ولم يصلنا فقه في نهيه تعالى عن السؤال عن الروح “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” ولم يكتب فقيه واحد في الفرق بين النفس والروح حتى أكاد أقول أن ما من فقيه عرف أن بينهما فرقاً! لكن الذي وصلنا رسائل في “طقوس” العبادات والنكاح والبيوع وهي كلها من أمور الدنيا. وليس هناك من عيب في أن توضع قواعد تنظم حياة الناس لكنها تظل كذلك أي تنظم أمور الدنيا وليس أمور الدين. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا سمي هؤلاء القوم بالفقهاء حين اشترط تعالى على الفقهاء أن يتفقهوا في الدين وهؤلاء نظروا في الدنيا؟ انقر للمزيد “الفصل التاسع – إرهاب الشريعة الفكري”