اجتثاث البعث: ما هو، وما نتائجه، وما العمل؟

مقدمة

كنت أمس بصحبة عدد من الأصدقاء العراقيين وحين يلتقي العراقيون فلا بد أن يدور حديث، إن لم يكن كل الحديث، حول العراق. وحين يتحدث الناس عن العراق فلا بد أن يخوضوا في موضوع المقاضاة التي بدأناها بدعوى ضد توني بلير بتهمة جريمة غزو العراق.

وحين كنت أتحدث عن الجرائم الثابتة بحق العراق من جرائم حرب وإبادة وجرائم ضد الإنسانية استوقفني أحد أصدقائي العارفين ببواطن الأمور وظواهرها مبدياً جهله بتلك الحقائق ودعاني أن أخرج على الناس بها فربما تنفع وتنبه من كان غافلاً عما لحقه من ضرر وما يمكن له من سبيل في رد الضرر أو التعويض عنه إن أمكن التعويض عن كرامة مهدورة!

لهذا السبب أكتب اليوم في الموضوع الأول وهو الأكثر سهولة في اثباته للجريمة. لكني أود أولاً أن أوضح أمرين. أولهما أني سوف أحاول أن أحصر الأمر في القانون، وان كان صعباً فصل القانون عن السياسة، ليس لأني ليس لي موقف سياسي مما جرى ويجري فذلك معروف في ما أكتبه، لكني أفعل ذلك كي لا يأخذ بنا المغرض الى السياسة فينسينا هدفنا القانوني في الوصول للعدل. وثانيهما اني لن أكتب حول أي اجراء حول اجتثاث البعث اتخذ من قبل حكومات بغداد اللاحقة ذلك لأنه اذا ثبت أن الأصل كان غير قانوني فكل فرع نتج عنه سيكون غير قانوني مهما قالت أو لم تقل محاكم العراق.

ما هي قوانين اجتثاث البعث

صرح بول بريمر يوم 8 أيار 2003 بأنه يأمل أن يكون وصوله للعراق يحمل “رسالة” وليس أفضل من أن يكون “اجتثاث البعث” تلك الرسالة لتأمين استحالة عودة البعث للحكم. وليس عسيراً إلا على البهيمة أن يفهم ان ذلك هو الهدف الحقيقي لغزو العراق.

فكان أول ما عمله بريمر حين وصل العراق أن شرع يوم 16 أيار 2003 “النظام رقم واحد” الذي منح فيه نفسه مطلق السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في كل العراق. ثم أصدر في اليوم نفسه القانون رقم (1) في اجتثاث البعث والقانون رقم (2) في حل المؤسسات والذي تم بموجبه حل 26 مؤسسة دولة في العراق بما فيها الجيش والشرطة والأمن والمخابرات.

وحيث إن الهدف الصهيوني كان معداً لإلغاء المشروع القومي المتمثل في حزب البعث فإن قانون رقم (1) لإجتثاث البعث لم يكن يتيماً بل تبعته قوانين ولوائح طيلة فترة السنة التي حكم فيها بريمر حكما مباشراً. وهي كما يلي:

  • قانون رقم (4) في 25 أيار 2003 لإدارة أموال حزب البعث.

  • قانون رقم (5) في 25 ايار 2003 في إنشاء مفوضية اجتثاث البعث.

  • مذكرة رقم (1) في 3 حزيران 2003 في تنفيذ قانون اجتثاث البعث.

  • مذكرة رقم (7) في 4 تشرين الثاني 2003 في تفويض سلطة اجتثاث البعث لمجلس الحكم.

  • قانون رقم (62) في 26 شباط 2004 في التنحية وحجب البعثيين عن الوظائف العامة.

وهذه تشكل في مجموعها الإجراءات المباشرة المتعلقة باجتثاث البعث، هذا إلى جانب ما سواها من اجراءات أمنية أو مدنية نتجت عن الغزو والإحتلال.

ما الذي حوته اجراءات اجتثاث البعث؟

لا يمكن لي أن أعرض لكل ما ضمته الإجراءات المشار اليها أعلاه دون أن أنتهي بكتيب، وهذا لا يمكن أن ينفع القارئ الذي سيمل في نصف الطريق. فلا بد لي من أن أوجز الأمر بما يمكن أن يفي بالهدف دون إطالة ودون إضاعة جزء مهم.

  1. قضى القانون رقم (1) بما يلي:
  • يفصل كل عضو قيادة قطرية أو فرع أو شعبة أو فرقة من وظيفته ويمنع من اية وظيفة عامة في المستقبل. ويحقق معهم جميعاً حول أية جريمة وخطر على “قوات الإئتلاف” فان قام شك تم الإعتقال والتحقيق.

  • يحقق مع كل موظف في أي من الدرجات الثلاث الأعلى في كل مؤسسات الدولة حول علاقته بحزب البعث. فاذا تبين أن أياً منهم عضو في الحزب تم فصله من وظيفته حتى إذا كان عضواً بسيطاً.

  • يكأفأ كل من يتقدم بمعلومات تقود لإعتقال عضو من أعضاء القيادة القطرية أو الفرع أو الشعبة أو الفرقة.

  1. قضى القانون رقم (5) بما يلي:
  • إنشاء مفوضية اجتثاث البعث من عدد من العراقيين لا يتجاوز العشرين يعينهم حاكم العراق.

  • تقوم المفوضية بجمع المعلومات والتحقيق في ممتلكات الحزب ووجودها، وهوية ووجود البعثيين الذين أساؤوا واستغلوا، والتهم الموجهة للبعثيين، وكل المعلومات التي تخص القوانين (1) و (4).

  • تقدم المفوضية النصح للحاكم في طريقة حل هيكل الحزب وإيقاف كل تخويف من قبل البعثيين، وأساليب الكشف والتصنيف لأعضاء الحزب وأفضل السبل لوضع اليد على ممتلكات الحزب.

  • على كل شخص تطلب منه المفوضية أن يزودها بكل المعلومات التي يحق للمفوضية أن تطالب بها! ومن يمتنع عن ذاك يعرض نفسه لعقوبة سجن لسنة واحدة أو غرامة ألف دولار.

  1. نصت المذكرة رقم(1) على ما يلي:
  • يقوم قائد قوات الإئتلاف بالتحقيق حتى إذا اكتملت مقدرة مفوضية اجتثاث البعث شاركت أكثر في التحقيق ويبقى القرار بيد حاكم العراق.

  • يشمل التحقيق مقابلة كل موظف للتأكد من علاقته بحزب البعث، قرارات مستشاري هيئة الحكم الإنتقالي، شهادات عراقيين عملوا مع البعثيين، تقارير مفوضية اجتثاث البعث، تقويم شخصيات سياسية عراقية كبيرة، سجلات التكريم والترقية الحكومية للبعثي المقصود في التحقيق.

  • يعين قائد قوات الإئتلاف “لجنة مراجعة اعتماد” أو أكثر. وتتألف اللجنة من ثلاثة أعضاء أحدهم عسكري وواحد منهم عراقي تقوم بسماع شكاوى من يدعي أنه اتهم ظلماً بأنه بعثي. وتأخذ اللجنة في حسبانها استعداد المعترض للتبرئ من الحزب وعلاقته السابقة به وما إذا كان عضوا قيادياً أم عضواً عادياً، واذا كان قد ترك الحزب قبل 16 أيار 2003 وما لديه من كفاءات تعليمية، واذا أمكن له أن يثبت أنه دخل الحزب ليحصل على منصب ويدعم عائلته!

  1. نصت المذكرة رقم (7) على ما يلي:
  • يتولى مجلس الحكم الذي نصبه حاكم العراق مهمة اجتثاث البعث التي نص عليها القانون رقم (1) ومهمة تسوية ممتلكات الحزب المنصوص عليها في القانون رقم (4).

  • يحق لمجلس الحكم أن يفوض صلاحياته أعلاه للمفوضية العليا لاجتثاث البعث.

  • يضع مجلس الحكم الضوابط التي يجب بموجبها تحديد علاقة الشخص بالحزب أو أجهزة المخابرات ليتم تطبيقها على مستوى المحافظة.

  1. قضى القانون رقم (62) بما يلي:
  • يقوم حاكم العراق بحرمان أي عراقي من المشاركة في الإنتخابات كمرشح أو قبول الترشيح أو أن يمسك بوظيفة عامة إذا كان الشخص عضواً في حزب البعث في إحدى درجات القيادة الأربع كما أثبت ذلك بحقه المجلس الأعلى لمفوضية اجتثاث البعث.

  • يلغى كل قانون أو تعليمات أياً كانت تتعارض مع هذا القانون.

ما الذي تعنيه إجراءات اجتثاث البعث

لا يحتاج المرء أن يكون رجل قانون كي يستخلص أن مجوعة الإجراءات أعلاه والمتعلقة باجتثاث البعث كان الهدف منها إنهاء المشروع القومي العربي في العراق والذي كانت حركة البعث تتصدره لعقود. إن حجة ارتكاب جرائم من قبل سلطة أو أفراد ليس تسويغاً لإزالة فكر أو عقيدة.

وهذا ما تحقق فعلاً من إجراءات اجتثاث البعث. فقد انتهى البعثيون ليس فقط خارج الوظيفة العامة وانما خارج حدود البشرية فقد سلبتهم الإجراءات وظائفهم ودخولهم وغيرت نظم حياتهم، ومزقت عوائل كثيرة، وشردت الآلاف منهم داخل العراق وخارجه واعتقل منهم من اعتقل وما زال في السجن دون تهمة أو جريمة، وقتل من قتل وجرح من جرح. وأخيراً وليس آخراً سلبتهم حقوقهم المدنية في الترشيح وقبوله وفي الوظائف العامة واشترطت من باب الإمعان في الإذلال أن يجوز العفو عن البعثي إذا تبرأ من تأريخه السياسي ولعن ماضيه وماضي حركته القومية.

ولا شك أن عدداً قد فعل ذلك وتبرأ من الحزب الذي دخله لمصلحة وخرج منه لمصلحة. ولا شك أن عددا كبيراً قد فعل ما فعل ورشى من أجل أن يجري التجاوز عن إضبارته فيعاد للوظيفة أو يعاد له تقاعده ويعرف كثيرون ممن يقرؤون هذا صدق ما أقول.

لكن هذا كله لايغير من حقيقة أن ما وقع في إجراءات اجتثاث البعث في العراق ليس له سابق في التأريخ السياسي العالمي. فهو في شموله لشريحة كبيرة من الناس دون ثبوت جريمة جماعية يشكل بنفسه جريمة ضد الإنسانية. كما انه خلق سابقة خطيرة لم يتصد لها مجلس الأمن في جواز الغزو وتغيير النظم السياسية في العالم إذا ما اختلف معها الكبار.

ما العمل؟

سألني صديقي ما يمكن للبعثي أن يفعله كي يدفع عن نفسه الضرر أو ينتصر لكرامته المهدورة إذن؟

وجواب ذلك في القانون، فقد خرج العالم الغربي من تجاربه في حربي القرن الماضي بتشريعات عديدة ثبتت قواعد ما اتفق على أنها قواعد القانون الدولي. ومن تلك القواعد ان الإضطهاد لشعب أو مجموعة من الناس على أسس عرقية أو دينية أو سياسية يعد جريمة ضد الإنسانية. وقد تم اعتماد هذه القاعدة في قانون محكمة الجنايات الدولية في ما عرف بدستور روما.

وقامت بريطانيا بالتصديق على دستور محكمة الجنايات الدولية ثم فعلت ما تفعله عند كل تصديق لمعاهدة في أنها شرعت قانوناً يجعل من جرائم محكمة الجنايات الدولية التي صادقت عليها بريطانيا جرائم تحت القانون البريطاني.

وهكذا أصبح ممكنا لأي بعثي تضرر من قانون اجتثاث البعث أن يقاضي بريطانيا تحت قانونها وامام محاكمها.

فهل يعقل أن كل الضرر والذل الذي عرضته أعلاه لا يحرك واحداً من نصف مليون عراقي، قال ابراهيم الجعفري للسفير البريطاني في بغداد، ان إجتثاث البعث قد شملهم؟

إذا كان الأمر كذلك فيا لبؤس هذه الأمة!

والسلام

عبد الحق العاني

5 آب 2017

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image