الأسد هنا ليبقى: هكذا أبلغ الغرب المعارضة السورية

نشرتْ صحيفةُ التايمس اللندنيةُ اليوم مقالاً بالعنوانِ أعلاه. وهذهِ ليستْ المرةَ الأولى التي يُذكرنا فيها الغربُ أن الصهيونيةَ العالميةَ هي التي تقررُ من يَحكُمُنا. فاذا رَفضتْ حاكماً فسوفَ تسعى لإزاحتهِ بشيطنتهِ اعلامياً ودعمِ من يًقاتلهُ. أمّا إذا رَضِيتْ عن حاكمٍ فسوفَ تَدعمُهُ وتَتسترُ على كُلِّ إساءاتِهِ، بل قد تَسعى كَيْ تُبدلَ سيئاتِهٍ حَسَنات!

ولن أضَيعَ وقتي في الحديثِ عمَّا يُسمى بالمعارضةِ السوريةِ لأنها ليست سوى فُقاعةٍ من حَفنةِ العَضاريطِ الذين يعيشون على مَنصاتِ الرياض أو موسكو او القاهرة يأتمرون باسيادهمْ هناك ويعيشونَ على ما تَجودُ بهِ عليهِمْ فُتاتُ مَوائدِ الأعرابِ أو المخابراتُ الروسيةُ أو المخابراتُ المِصريةُ الصهيونية. وهم ليسوا سوى أدواتٍ مرحليةٍ سوف تختفي بانتهاءِ العملياتِ العسكرية. وأزْمةُ سُورية لن تَنتهي الا بِحلٍّ عَسكريّ لأن التمردَ العسكريَ لا ينتهي بتفاوضٍ فهو ليس كالحروبِ بين الدولِ تنتهي بمعاهداتٍ بين الأطرافِ فيعودُ كُلُّ طَرَفٍ لبلده. إنَّ حامِلَ السلاحِ ضِدَّ حُكومَتِهِ لا يُمكن له أن يُلقيَ السلاحَ ويعودَ لما كان عليه. فهو إما أن ينتصرَ أو يُقتلَ أو يجرحَ أو يُؤسرَ أو يُجلى.

لكنِّ حَديثيَ اليومَ يَقصُدُ عُمْقَ الفكْرِ العربيِّ وعَجزهِ عن رُؤيةِ الحَدَثِ التأريخيِّ خارجَ التجربةِ الذاتيةِ. والا كيفَ يُمكن تَفسيرُ أن ينتهيَ ماركسيٌ مثل ميشيل كيلو في الجلوسِ شريكاً للسعوديةِ الوهّابية المناقضةِ لكلِّ ما آمنَ بِهِ طيلةَ حياتِهِ والتي يبدوْ أنْ وصفها بالرجعية يغدوُ تواضعاً، دونَ أن يكونَ ذلك بسببِ موقفهِ الذاتيِّ لما لقيهُ من أذىً على يدِ أجهزةِ الأمنِ السورية؟

ولا بُدَّ للعربي أن يتوقفَ هنا ويَسألَ نفسه، تُرى لماذا تُقررُ الصهيونيةُ من يَحكُمُنا؟ أذلك بسبب قناعتِها بانها تَمتلكُ الحقَّ الإلهيَّ في تقريرِ مصائِرنا أم أنه بسببِ عَجزنا التَّام أم هو مزيجٌ من الإثنين؟

فكَمْ مرةٍ فَتحتُ فميَ مَشدوهاً وأنا اسمعُ عربيا متعلما يحاولُ أن يكون مُتحذلقا وهو يُحدثُ الناسَ بان هذا الأمرَ أو ذاك جزءٌ من مصالحِ الولاياتِ المتحدةِ في المِنطقة. ذلك لأني لم أسمعْ يوما واحداً منهم يتوقفُ ليسأل: تُرى لماذا يكون للولاياتِ المتحدةِ مصالحُ في ارضِ العربِ مما يُعطيها حَقًّ التدخلِ لحمايتها؟ تُرى أيكونُ لي، وأنا العربيُ البعيدُ عن العلمِ،  حَقٌّ في آخرِ ما وصلَ له العلمُ في الولاياتِ المتحدة أتمتعُ به دون أن يكون ذلك خاضعا لشروطٍ واسعارٍ يحددونها هُمْ  وقوانينَ حمايةِ مُلكيةٍ وما شابهَ من القيودِ التعجيزية؟

لقد بَلَغَ عَجزُنا أننا غَدونا نَتحدثُ عن مَصالحِ الصهيونيةِ العالميةِ في أرضنا وكأنها من المُسلماتِ، دون حتى سُؤالٍ عن مَشروعيةِ هذه القناعة. وهذا هو الإستعمارُ الفكريُّ وهو أخطرُ أنواعِ الإستعمار. حيث يمكن فَهمُ الإستعمارِ العَسكريِّ والإستعمارِ الإقتصاديِّ وتلمسهما بشكلٍ سهلٍ. لكن الإستعمارَ الفكريَّ صعبُ الإدراكِ لعُمقِ تَجَذُّرِه. وهو حين يتمكنُ من العقلِ يُعمي الإنسانَ عن  رُؤيةِ المشروعِ المرسومِ له.

فما الذي فعلتهُ الصهيونيةُ في أرضنا منذ اتفاقِ سايكس بيكو حتى اليوم، وكيف تعاملَ الفكرُ العربي مع هذا الإستعمار وهل تعلمَ شيئاً من هذه التجربة.

فأولُ ما بدأتْ به هو تقسيمُ المِنطقةِ على وِفقِ خرائطَ وحدودٍ تهدفُ في الأساسِ زرعَ بُذورِ الإنقسامِ والفتنةِ لاحقاً متى شاءتْ أن تفعلَ ذلك. ثَمَّ نَصَبَتْ قاعِدَةَ استيطانٍ لها في وَسَطِ ارضِ العربِ في فِلسطين وجاءتْ بيهودِ الأرضِ لتحقيقِ إيمانٍ غيبيٍّ مُطلَقٍ لهم بقضيةِ إنشاءِ وطنٍ لهمْ في وَقتٍ لم يكن لدينا نحن قضيةٌ نجتمعُ حولها. ثم أقامت دويلاتٍ وهميةً من حُفاة وجَهلةِ الأعرابِ وسَمّتها دولاً وأعطتها مقاعِدَ في هيئة الأمم المتحدة وصِرنَا نفخرُ بتوسعِ الجامعةِ العربية، فقال شاعُرنا:

تمزقنا دويلات تلاقت بها الرايات ضما واحتضانا

ترقع راية منها باخرى وتستبقي أصائُلها الهجانا

وتفخر أنها ازدادت عديدا وتعلم انها ازدادت هوانا

وعارضتْ الصهيونيةُ كلَّ مشروعِ تقاربٍ أو وحدةٍ عربيةٍ سواء أكان ذلك بين العراق والأرد المواليين للغرب أم بين مصر وسورية غيرِ المواليتين للغرب.

ثم قامت بغزوٍ وتأديبٍ كلما أحستْ بخروجٍ عن الخَطِّ المرسومِ فكانت غزوةُ قناةِ السويسِ عام 1956 وكانت حربُ حزيران عام 1967 ثم حرب تشرين 1973 ثم غزوُ واحتلالُ لبنان عام 1982 ثم غزوُ العراق الأولُ عام 1991 ثم غزوُ واحتلالُ العراق عام 2003 ثم خرابُ وتقسيمُ ليبيا القائم ثم خرابُ وتفتيتُ سورية ثم إبادةُ شعبِ اليمن.

ولعلَ من اوضحِ الفضائحِ في التأريخِ المعاصرِ هو أن الصهيونية تَمتلك الوقاحةَ في الحديثِ عن مساعيها لدعمِ نُظمٍ سياسيةٍ حُرّةٍ عِلمانيةٍ ثُم تَهدمُ كلَّ نِظامٍ عِلمانِيٍّ في أرض العرب وتدعمُ نظمَ الظَّلامِ الدينيةِ في دولِ مجلسِ التعاونِ الخليجيِ. ففي الوقت الذي كان فيه النصرانيُ يتمتعُ بكافةِ حقوقهِ الدينية في العراق وسورية العلمانييتينِ كان يُمنعُ على النصرانيِ أن يبنيَ له دارَ عبادةٍ في جزيرةِ العرب. لكننا مع هذا لانسمعُ اعتراضاً من الصهيونيةِ حول هذا ولا تشهيراً بالأعرابِ لكونهمْ أعداءَ العدالةِ والمناقضينَ لأبسطِ قواعدِ حقوقِ الإنسانِ التي تدعي الصهيونيةً أنها تسعى لنشرها في أرضِ العرب. تخيلْ الأمرَ معكوساً وقل لي ماذا كان الإعلامُ الصهيونيُ في العالم سيفعلُهُ لو أن صدامَ حسين أو بشار الأسد منع النصارى من الصلاة في عيد الفِصْح؟

واذا كان سهلاً فِهمُ ما تفعله الصهيونيةُ في أرضِ العرب فليس كذلك فهم ما يفعله العربي. ذلك لأن ظلم صدام حسين أو حافظ الأسد لا يمكن أن يكون كافيا لدعوة الصهيونية كي تأتي وترتب أوضاعنا. ذلك لأن الصهيوني حتى اذا افترضنا أنه ليس لديه مشروع، فإنه لن يأتي للمنطقة كجمعيةٍ خيرية. فكيف اذا كان لديهِ في الأساسِ مشروعٌ للمِنطقة. إن التخلصَ من ظلمِ صدام أو حافظ أو معمر عن طريقِ الغزوِ الخارجيِّ لن يتم بدونِ زوالِ الدولة. وزوالُ مؤسساتِ الدولة يعني ضياعَ الناس. وهكذا كان الأمرُ في العراق وليبيا واليمن وأوشك أن يكون كذلك في سورية لولا!

فكيف يمكن للعراقي أو السوري أو الليبي أو اليمني، على سبيلِ المثالِ، أن يعتقدَ أن الصهيونيةَ العالميةَ مُباشرةً أو عن طريقِ حكامِ دولِ مجلسِ التعاونِ الخليجيِ يُمكنُ  أن تريدَ له حقا أن يعيش في نظام “ديموقراطي” عادل ومتسامح وهي اي دولُ الخليجِ نفسُها لا تُؤمِّنُ أياً من ذلك لمواطنيها. فاذا كنت في بلد مثل إمارةِ المؤمنِ بالله شيخِ العذارى الكويتيِّ فانت تُسجن لستِ سَنواتٍ بسببِ تغريدةٍ واحدةٍ أما اذا كنت في جزيرةِ الأعرابِ فان زوجكَ لن تستطيعَ أن تقودَ سيارتَها من البيتِ للجامعة، برغمِ أن عائشةَ ركبتْ جَملاً من المدينة حتى البصرة وهي مسافة لا شك أطولُ وأوعرُ وأكثرُ عرضةً للمشاهدةِ من المسافةِ بين البيتِ والجامعةِ في الرياض!

ترى أيرضى ميشيل كيلو أن يعيشَ في بلدٍ كهذا؟ فاذا رَضيَ بذلك فَطُوبى للماركسيةِ العربيةِ الجديدة. أما اذا لم يرضَ فلماذا إذن يعتقدُ أنهم بتلك الدرجةِ من الغباوةِ ليبذلوا المالَ والجاهَ كي يخلصوهُ من بشارِ الأسد؟

إن الإيمانَ بمبدأ لا يتحققُ بالتفوهِ بكلامٍ ولا بالكتابةِ عنهُ لكنهُ مُمارسَةٌ مُضْنيةٌ ومُبتلاة. وهو يحتاجُ أولاً وآخراً للشَّجاعة. والشُّجاعة ليست قضيةُ عضلاتٍ أو بطولاتٍ في ساحٍ القتالِ فحسب لكنها مَوقفٌ فكريٌّ يتجاوزُ الحدودَ الذاتية، ولصعوبةِ تحقيقِ ذلك اصبحتْ الشَّجاعةُ نادرةً ولأن الشجاعةَ نادرةٌ فالإيمانُ بالمبادئِ ضعيفٌ ومن لا يمتلك إيمانا راسخا بمبدأ لا يَحقُّ له أن يقود.

ولو أن الحياة تبقى لحي لعددنا أضلنا الشجعانا

تُرى أيمكنُ أن يكون العقلُ العربيُ بهذه الدرجةِ من السطحيةِ والتخلفْ؟

لقد علمتني التجربةُ السياسيةُ في العقودِ الخمسةِ الماضيةِ أن أي عملٍ تقومُ به الصهيونيةُ هو ضِدُّ مصالحِ العربِ بل وحتى ضدَّ حقهمْ في الوجودِ وهو ما يعني ضرورةَ أن اقفَ ضِدهُ مهما كان الهدفُ الذي تدعيهِ الصهيونية من وراءِ عملها. وبالضرورةِ يُصبح كلُّ مشروعٍ سياسيٍ أو حركةٌ أو حزبٌ  تعاديه الصهيونية، حقّاً وفعلاً، مما يَجبُ علي أن أدعمَهُ وأتولاه.

وهكذا يجبُ أن يكونَ الموقفُ الشجاعُ لكل عربي مؤمنٍ بقضيةِ وجوده. وليس يَعنيني في هذا من لا انتماءَ له كما هو حالُ الأعرابِ، فالبداوةُ لا تعرف انتماءً. لكن الذي يَعنيني أني أجد غيرَ البدوي ضعيفَ الإنتماءِ، قليلَ الإيمان.

لماذا يُريدُ الغربُ رحيلَ الأسد؟ الأنهُ غيرُ ديموقراطي؟ فمن من حكامِ العربِ الآخرين ديموقراطي؟ أم أنه غيرُ علماني؟ وهو أكثرُ الحكامِ العربِ عِلمانية ويشهدُ له نصارى الشامِ بذلك؟ أم أنه غيرُ متعلمٍ وهو الذي تعلمَ في بريطانيا بينما عددٌ من حكامِ العرب لا يُحسنون حتى القراءةَ والكتابة. أم انه لا يُؤمن بالرأسمالية برغمِ أنه دخلَ الإقتصاد الحر؟ أم لأنه قتل ناساً من شعبه، وأيُّ حاكمٍ، ليس في أرض العرب بل في الأرض كلها، لا يُقاتلُ من يحملُ السلاحَ ضِدّه؟  ألا يقتلُ الأعرابُ اليومَ أطفالَ اليمنِ لأن آبائهمْ تحالفوا مع إيران؟ أم أم أم!!

إن الحقيقةَ هي أن السببَ ليس أيا من ذلك. إن السببَ الوحيدَ هو أن بشار رفضَ عرضَ الصهيونيةِ بعد غزوِ العراقِ عام 2003 بقبولِ مشروعِها الجديدِ لأرضِ العرب والذي ليس هذا مجالُ الخوضِ في تفصيلهِ. فقررتْ الصهيونيةُ يومها أن يبدأ الإعدادُ الفعلي لتغييرِ النظامِ السياسي في سورية كما فعلت في العراق.

لهذا وَحدَهُ أقفُ مَعَهُ برغمِ كَلِّ مساوئِ البعث. فما دامت الصهيونيةُ تقولُ بضرورةِ رحيلِه فلا بد أن يكون بقاؤُه خيراً للأمة العربية.

إن عدمَ مطالبةِ الصهيونيةِ العالميةِ برحيلِ ايِّ حاكمٍ عربيِّ آخرَ غيرَ بشار الأسد يَعني أن كلَّ الحكامِ العربِ الآخرين إمّا صهاينةٌ أو أنَّ الصهيونيةَ راضيةٌ عنهم.

فطوبى للأمة النائمةِ المهزومةِ!

عبد الحق العاني

26 آب 2017

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image