الفصل الثالث عشر – تخبط الناس في فهم الإسلام السياسي السني اليوم

إن مشكلة أكثر ما يكتب اليوم عن الصراع في العالم الإسلامي تدور حول حقيقتين. أولاهما هي أن من المستحيل إيجاد كاتب إسلامي يمتلك من الموضوعية ما يمكنه من أن يعرض بأمانة ما يجري كي يتمكن القارئ من استخلاص نتائجه منها. وثانيتهما هي أن أفضل المستشرقين يفتقر لفهم صادق للإسلام السياسي. فليس غريباً في ضوء هاتين الحقيقتين أن يجد الناس صعوبة في متابعة وفهم ما يجري في العالم العربي والإسلامي اليوم.

لست أنوي أن آخذ القارئ لرحلة تتابع تطور الإسلام السياسي حيث لا يمكن لبحث كهذا أن يغطيه فصل أو حتى كتاب، لكني أود أن أوضح بعض الأمور للقارئ المستقل فكرياً لتمكينه من فهم أفضل لما يجري.

  1. إن الانقسام في الإسلام ليس فقهياً وإنما هو سياسي ويعود تأريخه للقرن الأول الهجري. فأقدم الكتب التي تعرض تأريخ الإسلام حتى بشكل غير مباشر، مثل سيرة ابن هشام، تجعل الحاجة للتعمق في شرح هذه الحقيقة غير مجدية. فمن أراد ذلك فما عليه سوى أن يعود ويقرأ.

  1. لم يمر الإسلام بمرحلة تنوير كما حدث للنصرانية، وكل حركة أياً كانت بحاجة للمراجعة، والإسلام السياسي أو الاجتماعي حركة. وأدى ذلك الى انعدام ولادة تحليل مستقل لتأريخ الإسلام على يد الكتاب المسلمين والذين دأبوا في الغالب على الكتابة من زوايا نظر مذهبية ضيقة.

  1. لقد خضعت جميع مراكز البحث والجامعات والمعاهد في العالم الإسلامي لهيمنة انضباط فكري مذهبي وممنهج لعرض تأريخ الإسلام. ودليل ذلك يبدو جلياً في حقيقة أن الإسلام احتاج لعدة قرون وتدخل سياسي من نظام جمال عبد الناصر العلماني كي يوافق الأزهر على اعتماد المذهب الجعفري مذهباً من مذاهب الإسلام والسماح بتدريسه في جامعته الى جانب مذاهب أهل السنة الأربعة.

  1. إن الإسلام الشيعي اليوم تسوده حركة “ولاية الفقيه” (والتي تمثل الإعداد السياسي لقدوم المهدي) بينما يسود الإسلام السني الحركة السلفية التي تطمع أن تعيد دور الدولة الإسلامية الغابرة.

  1. إن الملاحظتين في الفقرة السابقة لا تعنيان أن أياً من الحركتين يمثل رأي أغلبية طائفته الشيعية أو السنية. لكن كلاً منهما قوي ومهيمن لأسباب تتجاوز حقه الطبيعي في التمثيل. لكن هذه هي حقيقة التأريخ فالنخبة هي التي تكتبه ولم تكتب الجماهير قط شيئاً.

  1. إن الإسلام الشيعي والذي يمثل أقلية في الإسلام ظل غريباً في أكثر دول العالم الإسلامي باستثناء إيران (ومنذ زمن قريب نسبياً) وعدد قليل من الدول. ذلك ان عدداً من الدول الإسلامية لا تعرف التشيع ولا تعرف الكثير عنه. وحتى في إيران وهي أكبر تجمع للشيعة في العالم فإن الشعور لم يقم بوجود دولة شيعية حتى مجيء الخميني وولاية الفقيه. فقد أيقظ الخميني بحركته توقعاً بين جمهور الشيعة بولادة مرحلة جديدة من حرية ممارسة ايمانهم الذي تعودوا على تهميشه أو حتى الخوف من إظهاره. وأدى ذلك الى أن الشيعة خارج إيران أصبحوا كلما تعرضوا لضغط أو تهديد أقرب شداً لحركة ولاية الفقيه. إن تنامي شعبية حزب الله في لبنان بعد العدوان الإسرائيلي عليه خير شاهد على ذلك.

  1. إن الحركة السلفية تدعو بشكل أساس للعودة للعصر الذهبي في أيام الدولة الإسلامية وهذه الدعوة تجد لها حنيناً رناناً بين جمهور كبير من المسلمين الذين يأسفون للوضع المتردي الذي آلت اليه أكثر دول المسلمين. إن الحركة السلفية والتي قد لا تمتلك فكراً واحداً متفقاً عليه أكثر من الدعوة للعودة للسلف الصالح هي حركة قوية لأنها مدعومة من قبل جمهور كبير من المسلمين وحكومات دول مجلس التعاون الخليجي.

  1. لقد فشلت حركات الإسلام السياسي غير السلفي مثل حركة الإخوان المسلمين لعجزها عن زحزحة الحركة السلفية وهيمنتها. فحركة الإخوان المسلمين في طريقها للأفول كما اتضح ذلك في مصر وسورية وليبيا!

  1. إن هناك خرافة عن وجود حركات سلفية مسالمة ومعتدلة وحركات سلفية متشددة وصدامية. فكل السلفية تؤمن بأن لديها حقاً الهياً في فرض الشريعة التي جاء بها السلف الصالح على العالم كله وليس على المسلمين فحسب. إن الفرق في ممارسة الحركات السلفية لهذا الإيمان هو في درجة العنف فقط! إن صعود الوهابية للسلطة وهيمنتها على جزيرة العرب في القرنين التاسع عشر والعشرين لم يكن أقل عنفاً ودموية من عنف الدولة الإسلامية اليوم فلم تسلم حتى مكة من سيوف الوهابية!

  1. إن معركة السلفية هي أولاً وقبل كل شيء مع المسلمين الذين يعدهم السلفيون مرتدين. ويشمل هذا التصنيف كل المذاهب الإسلامية خارج أهل السنة والجماعة بل وحتى كثيراً ممن هم من أهل السنة والجماعة.

  1. إن هذه القناعة لدى السلفية حول مهمتها هي التي شدت الاستكبار الصهيوني العالمي لها ولدعمها وتغذيتها منذ نهاية القرن الثامن عشر عندما أسس الصهاينة، أو دعموا ولادة، الحركة الوهابية في جزيرة العرب.

  1. لا يوجد خلاف حقيقي بين أجنحة الوهابية حيث تحاول عمداً أن تبدو مقسمة. فليس هناك خلاف بين القاعدة وما يسمى بالدولة الإسلامية لأنهما في توافق على ما تبغيان. فقد تختلف إحداهما عن الأخرى حول القيادة وحدة المواجهة والمناورة لكن الهدف النهائي يبقى واحداً.

  1. إن الادعاء المصطنع حول تهديد الدولة الإسلامية لجزيرة العرب ورقة توت شفافة تجعل من الصعب فهم أن يقوم عدد من الكتاب بالبحث فيه. فليس هناك خلاف بين القاعدة والنصرة والوهابية فجميعها نتاج الحركة السلفية السنية التي تستمد عقيدتها السياسية من فكر ابن تيمية وتطمح لهدف واحد. إن القواعد التي فرضتها الدولة الإسلامية في الموصل والرقة هي نفسها التي تفرض في الرياض!

  1. لم يسبق أن أعلنت أي من الحركات السلفية أن أية دولة من دول مجلس التعاون الخليجي دولة غير إسلامية أو دولة مرتدة مما يقتضي تبديلها. فالخلافات الثانوية تحل بتبديل الوجوه كما حدث أكثر من مرة خلال العقود الخمسة المنصرمة حين حل أشخاص جدد من العائلة الحاكمة المستبدة نفسها حكاماً جدداً.

  1. إن استعمال أكثر الكتاب للفظة “جهاد” ومشتقاتها في وصف السلفية وأعمالها هو إهانة واضحة للإسلام وللغة العربية ويصب في مصلحة إرهابيي السلفية الذين يريدون استغلال جمال اللغة العربية وشرف النص القرآني لتسويغ أهدافهم الشريرة. إن على كل كاتب موضوعي وأمين أن يتوقف عن استعمال كلمة “جهادي” لوصف السلفيين وأن يستعمل الكلمة الصحيحة والمعرفة لهم وهي “الإرهابي”، حتى لا يتم تحريف كلمة جهاد النفس التي نص عليها القرآن فينتهي عامة المسلمين في الإرهاب طمعاً في الخلاص. “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين.”

إن فهم التطور في العالم العربي يجب أن ينظر اليه في ظل الضوابط أعلاه. اما الكتاب الذين لا يستطيعون أن يروا هذا فانهم سوف يزيدون في بلبة عقول الناس وتشويشهم.

هكذا بعد العرض القصير للأزمة في المشروع السياسي للإسلام السني فلا بد لي أن أعرض حركات الإسلام السياسي الشيعي في القرن الماضي والحاضر ودورها في تركيب المسرح الإسلامي في العالم العربي.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

رأي واحد على “الفصل الثالث عشر – تخبط الناس في فهم الإسلام السياسي السني اليوم”

  1. تحليل موضوعي ومحايد لقد فضحت هذه الحركات الإرهابية والظلامية والانظمة التي نعرف من أوجدها ودعمها فان هذه الأنظمة والحركات الطائفية هي بيادق بيد أعداء الامة العربية ونهضتها لتحقيق وحدتها وبناء مجتمع عادل والمساهمة في بناء الحضارة الانسانية9VePW

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image