حل الجيش العراقي: ما هو، وما يمكن العمل حوله؟

مقدمة

ليس من قبيل المبالغة القول بأن جيش الإتحاد السوفيتي في القرن العشرين كان من أكبر جيوش العالم العقائدية في تربيته لسبعين عاماً على الفكر الشيوعي بشكل عام والماركسي بشكل خاص. إلا ان انتهاء النظام الشيوعي وقيام نظام يتطلع للرأسمالية ويحلم باللحاق بركب الصهيونية العالمية (لأن الصهيونية هي أعلى مراحل الإستكبار العالمي اليوم)، لم يؤد الى حل جيش الإتحاد السوفيتي، بل اكتفي بتغيير عدد من القادة وعاد الجيش نفسه يحمي روسيا الأم.

وكان الأمر كذلك عند قيام الثورة الإسلامية في إيران إذ أبقي على كل تركيبة الدولة بعد إزالة الرؤوس وهذا ما مكن إيران من تطوير ذاتها حتى أثناء حربها مع العراق إلى أن تمكنت من استبدال موظفين مخلصين للخميني ونظام حكمه تدريجياً بالمخلصين للنظام السابق.

وهذا أمر طبيعي لأن أي جيش في العالم يقوم لحماية الدولة التي أنشأته، وهو أولاً وأخيراً لا يعرف هدفاً غير ذلك. فاذا قامت قيادة سياسية بجعله في خدمتها فهو على أتم استعداد لخدمة قيادة سياسية غيرها ما دام الهدف هو حماية الوطن الذي ينتمي له.

وهذا حال الجيش العراقي منذ تأسيسه في عشرينيات القرن العشرين حتى حل يوم 16 أيار 2003. وهو أي الجيش العراقي لا يختلف، وإن كان بعثياً عشية حله، في ولائه للعراق عن ولاء الجيش الشيوعي لروسيا عشية انتهاء النظام السوفيتي فيها.

فلماذا حل الجيش العراقي إذن؟

حين أدركت الصهيونية العالمية أن مشروع سايكس بيكو لم ينفع للهيمنة على العالم العربي باشرت باتباع سياسات جديدة من تغذية انقلابات عسكرية واللعب على إثارة النعرات المذهبية البهيمية فأطلقت حركات الوهابية والإخوان المسلمين وحزب الدعوة تلتها طالبان والنصرة وداعش وما شابهها من هوامش الوجود الإنساني.

وكان الهدف من كل ذلك تغيير التصور بامكان قيام دول قومية والعدول باقناع الناس أن الحل الوحيد هو ما وضعه برنارد لويس، بناء على دعوة بريجنسكي عام 1980، لتقسيم المنطقة لدويلات طوائف تصبح فيها دولة الطائفة اليهودية الصهيونية أقواها وأظهرها.

لكن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق بوجود جيوش عربية قوية أو متماسكة بعض الشيء ذلك لأن الجيش، وكما اسلفت، يدين بالولاء للدولة ولقيادته العسكرية وهو حتى في البلاء يصعب تقسيمه على أسس مذهبية أو عرقية. فاذا امكن تفتيت حزب أو جماعة سياسية حاكمة فان ضمانة البلد تبقى في جيشه. وقد وقف جيش شاه إيران متماسكاً ضد الجيش العراقي في حربهما لسنوات ثمان. لذا اصبح الهدف الآني هو تفتيت الجيوش العربية أو حلها إن أمكن. فكان ذلك إذ بدء بالجيش المصري الذي تسلمته المخابرات الأمريكية وحولته في ثلاثين عاماً الى أداة بيدها مشغول بالتجارة والفساد ولا يترقى ضابط فيه لرتبة أعلى إلا بعد أن يكون قد قضى دورة أو دورات في أميركا ورضيت الصهيونية بولائه. وهذا الجيش الذي اقتحم خط بارليف وعبر القناة ليس بمقدروه اليوم أن يقاتل معركة محدودة مع الحبشة فكيف بالعدو الصهيوني!

أما ليبيا فجيشها لم يعد سوى مجموعات قبلية قروية تقاتل بأسلوب العصابات وعلى مستوى القرية أو المدينة في أحسن حال. ثم انتهى الأمر أن يقولوا إن حفتر أفضل من معمر ولا ندري لماذا؟

وجيش سورية الذي بقي أفضل سد عسكري متماسك أمام الصهيونية أستنزفوه بحرب ظاهرها بهائم المسلمين وحقيقتها أجهزة الصهيونية العالمية فعاد جريحاً يلعق جراحه ويلم أشتاته لخمسن عاما مقبلة، وبعدها لكل حادث حديث.

أما في العراق فقد كان النجاح متفوقاً. فقد حققت الصهيونية حلم كسينجر وبريجنسكي وبن غوريون وبرنارد لويس في حل الجيش العراقي بالكامل وأنهت وجوداً عسكرياً وتقليداً متوارثاً أثبت مقدرة على التماسك والولاء للدولة وشكل عبئاً مستمراً على الصهيونية.

ما هو قانون حل الجيش العراقي

وكي نفهم مغزى حل الجيش العراقي يجب أن نتذكر ان قرار حله هو القرار رقم (2) والذي صدر بعد القرار رقم (1) باجتثاث البعث بمدة أسبوع من تسلم بريمر مسؤولية حكم العراق في 16 أيار 2003. وهذا يعني ببساطة أن قرار حل الجيش العراقي لم يكن وليد حاجة أمنية كما ادعى البعض وإنما كان جزءاً من المشروع المعد للعراق في تفتيت الدولة وإنهاء المشروع القومي العراقي والذي كان البعث، بكل مساوئه، يمثل يده الضاربة.

وقانون حل الجيش العراقي (ولا فرق من الناحية القانونية بين تسميته قراراً أو قانوناً) لم يصد بحل الجيش لوحده بل هو جزء من قانون حل 26 مؤسسة في الدولة العراقية القائمة عشية الغزو. ومن اطلع على القائمة أدرك الهدف العميق خلف التغيير المطلوب في العراق. ذلك لأن المؤسسات التي حلت بالقانون هي مجموع المؤسسات التي كانت تعنى بأمن الدولة العراقية مما يعني أن المحتل أراد أن يقول للعراقيين وللعالم أنه غير معني بأمن العراق وأن مستقبل هذا الأمن سيتم بموجب ما يراه المحتل في مصلحته سواء أكان في ذلك خير العراق أم ضرره.

فما الذي نص قانون حل الجيش العراقي عليه؟

قضى القانون رقم (2) بما يلي:

المادة (1)

تعد المؤسسات (المؤسسات المحلولة) والواردة أسماؤها في الملحق المرفق بموجب هذا محلولة. ويمكن إضافة مؤسسات للقائمة في المستقبل.

المادة (3)

  1. يلغى بموجب هذا كل منصب أو رتبة أو عنوان أو موقع منح لأي مستخدم أو عامل سابقاً من قبل النظام السابق في مؤسسة محلولة.
  2. يسرح كل مجند من أي التزام بالخدمة. ويلغى التجنيد الإلزامي بانتظار ما تقرره حكومة العراق في المستقبل في ما إذا كان العراق الحر سيحتاج للتجنيد الإلزامي.
  3. يفصل من الخدمة من تأريخ 16 أيار 2003 كل منتسب أو عامل في أي مؤسسة محلولة أياً كانت صفته. ويبقى هذا المنتسب أو العامل في المؤسسة المحلولة مسؤولاً عن عمله أثناء مدة خدمته.
  4. سيحدد حاكم العراق لاحقاً مقدار التعويض الذي سيدفع للمنتسبين المفصولين باستثناء “كبار رجال الحزب” كما عرفهم القرار رقم (1) الصادر يوم 16 أيار 2003 باجتثاث البعث.
  5. يستمر دفع التقاعد للمنتسب والذي كان جارياً قبل يوم 16 أيار 2003 بما في ذلك أرامل الحرب والمعوقين، شريطة ألا يدفع أي تقاعد لأي من “كبار رجال الحزب”. ويحتفظ حاكم العراق وحكومات العراق اللاحقة بسلطة إلغاء أو تقليل أي تقاعد كعقوبة لسلوك غير قانوني وقع سابقاً أو يقع مستقبلاً. كما يحق لهما تعديل ترتيبات التقاعد لإزالة الإمتيازات التي منحها نظام البعث أو لأسباب مشابهة.
  6. وبرغم أية فقرة في هذا القانون أو أي قانون آخر أو تعليمات بما يتفق مع ما أصدره حاكم العراق في القرار رقم (1) لإجتثاث البعث، سوف لن تدفع أية دفعة بما في ذلك اكرامية إنهاء الخدمة لأي شخص يعد من “كبار رجال الحزب”. ولهذا الغرض يعد أي شخص حمل رتبة عقيد فما فوق من ضمن “كبار رجال الحزب”، مع السماح لأي شخص أن يتقدم وعلى وفق القواعد التي ستعد لاحقاً بطلب يثبت فيه بما يرضي حاكم العراق أنه لم يكن من “كبار رجال الحزب”.

المادة (4)

سيضع حاكم العراق لاحقاً الإجراءات لمنح مكافئات لأي شخص يدلي بمعلومات تقود لتحديد أملاك تعود للمؤسسات المحلولة.

المادة (5)

تنوي “هيئة الحكم الإنتقالي” في المستقبل القريب وضع خطط لتأسيس “جيش العراق الجديد” كخطوة أولى لتشكيل قدرة دفاع وطني للعراق الحر. وسيكون هذا الجيش المحترف تحت إدارة مدنية، غير سياسي، فاعلاً عسكرياً وممثلاً لكل العراقيين. وسوف تشرع “هيئة الحكم الإنتقالي” إجراءات المشاركة في الجيش العراقي الجديد.

ما الذي يعنيه قانون حل الجيش العراقي؟

إن من الواضح مما جاء أعلاه ان قانون حل الجيش العراقي هو عقوبة جماعية للجيش العراقي وتأريخه العسكري ورداً، وإن كان متأخراً، على مساهمة أبطال الجيش العراقي ضد إسرائيل منذ قام عمر علي ورفاقه عام 1948، وبطاقات محدودة، في تلقين الصهاينة درساً، مروراً بتأسيس وتدريب جيش التحرير الفلسطيني الى المشاركة في حربي حزيران 1967 وتشرين 1973.

وسواء أتفق العراقيون أم لم يتفقوا على ما فعله المحتل إلا أني لا أعتقد أن كثيراً من العراقيين يختلفون على أن حل الجيش العراقي كان خطأً جسيماً، وان بقاءه بقيادات جديدة كان سيوفر على العراق كثيراً من القتل والدم والخراب الذي لحقه منذ 2003 لأنه كان سيكون بمقدوره حماية الناس والممتلكات. لكن هذا لم يكن يوماً هدف المحتل.

وإذا كان هناك عراقي ما يزال يعتقد أن حل الجيش العراقي كان عملاً سليماً فعليه أن يقرأ ما كتبه الفريق البريطاني “ماك كول” والذي كان نائب قائد قوات التحالف في العراق، والذي لا يمكن أن يوصف بأنه كان متعاطفا مع البعث، قائلاً:

“لقد إرتكبنا في وضع “خطط السوق” لما بعد الحرب في العراق خطأين كبيرين وهما حل الجيش واجتثاث البعث”. (تقرير شلكوت، الفصل 9.3 الفقرة 262)

ولا بد لي من باب الأمانة التأريخية، وليس لأن أحد البعثيين كتب لي بعد مباشرتي دعوى غزو العراق ضد توني بلير أن من الأفضل لي أن أنشغل في الدفاع عن إيران، أن أضيف أن إيران لعبت دوراً كبيراً في حل الجيش العراقي من باب الثأر والإنتقام لما ألحقه بها جيش العراق من ضرر وهزائم، دون أي حساب لما يشكله الفراغ العسكري على الأمن القومي الإيراني نفسه. لكني رغم تثبتي لهذه الحقيقة أعد دور إيران ثانوياً فما كان لها أن تفعل ذلك لو لم يقع الغزو والإحتلال!

ما العمل؟

ليس لدي شك أن عدداً من ضباط الجيش العراقي رتبوا أوضاعهم بوسائل متعددة فعاد من عاد منهم للخدمة كما فعل عدد غير قليل من البعثيين، وحصل عدد منهم على تقاعد حرم منه بموجب القانون. ولست أريد أن أضع نفسي في موضع الحاكم الإخلاقي على سلوك الناس ذلك أني على يقين أن ظروفا قد تلجئ الإنسان لما لا يرتضيه وقديماً قيل (وما حيلة المضطر إلا ركوبها).

لكني أعرف أن هناك عدداً من ضباط الجيش العراقي لم يفعلوا ذلك وظلوا محرومين من التقاعد وفقدوا حق التمتع برتبهم العسكرية وهي تراث العسكري في حياته ومماته. فما يمكن لهم أن يفعلوه إن لم يكن من باب استرداد الحق فليكن من باب الرد على الكرامة المهدورة؟

وجواب ذلك كما كتبت سابقا في  مقالي حول “اجتثاث البعث” هو في القانون، فقد خرج العالم الغربي من تجاربه في حربي القرن الماضي بتشريعات عديدة ثبتت قواعد ما اتفق على أنها قواعد القانون الدولي. ومن تلك القواعد ان الإضطهاد لشعب أو مجموعة من الناس على أسس عرقية أو دينية أو سياسية يعد جريمة ضد الإنسانية. وقد تم اعتماد هذه القاعدة في قانون محكمة الجنايات الدولية في ما عرف بدستور روما.

وقامت بريطانيا بالتصديق على دستور محكمة الجنايات الدولية ثم فعلت ما تفعله عند كل تصديق لمعاهدة في أنها شرعت قانوناً يجعل من جرائم محكمة الجنايات الدولية التي صادقت عليها بريطانيا جرائم تحت القانون البريطاني.

وهكذا أصبح ممكناً لأي عسكري فصل من الجيش أو حرم من تقاعده أن يقاضي بريطانيا تحت قانونها وأمام محاكمها.

فهل يعقل أن كل الضرر والذل الذي عرضته أعلاه لا يحرك واحداً من آلاف الضباط الذين ألغى الإحتلال وجودهم العسكري والإنساني!

والسلام

عبد الحق العاني

13 آب 2017

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image