قل ولا تقل / الحلقة السابعة والثمانون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: نظرية المعرفة للعلوم الأساسية في الفكر العربي
ولا تقل: ابستمولوجيا العلوم الأساسية في الفكر العربي

نشر مركز دراسات الوحدة العربية كتاباً بعنوان “ابستمولوجيا العلوم الأساسية في الفكر العربي والفكر العربي المعاصر”. ولعمري لا أدري كيف يمكن للعجمة أن تعزز الوحدة العربية. فأول ما يوحد القوم لسانهم ومن لا يحرص على سلامة اللسان لا يمكن أن يحرص حقاً على وحدة الأمة.  فإذا لم يكن بالإمكان إصدار الكتاب بعنوان عربي فلا خير فيه ولا في صدوره!

وهذا الإستعمال، شأنه في ذلك شأن المفردات التي لا تعد لكثرتها والتي دخلت لغة العرب المكتوبة والمسموعة، يكشف تغرب العقل العربي المتسارع حتى أصبح مطلوباً من القارئ العربي أن يلجأ للقواميس العربية/الإنكليزية/ الفرنسية كي يعرف ما يريده الكاتب، وكأن هذا لا يكفي مطلباً مثبطاً كي يكتشف القارئ ان استعمال المفرد الأعجمي يختلف من كاتب لآخر.

فمن أين جاءت “ابستمولوجيا” وما تعنيه؟ إن ملاحظة أن هذه الكلمة تستعمل هكذا في أغلب اللغات الأوربية يوحي أن أصلها لا بد أن يكون يونانياً/لاتينياً.

ولم يكن إستعمال الكلمة حتى في أوربا قديماً حيث يبدو أن أول من أدخل استعمالها كان الكاتب الإسكتلندي جيمس فيريير وذلك عام 1856. ودخل للمرة الأولى استعال كلمة (epistemics)  عام 1969 لتعني في الإنكليزية علم دراسة جذور وسبل المعرفة.

ونبدأ في معرفة ما تعنيه هذه الكلمة المشتركة في لغات أوربا من قراءة معناها في قاموس أوكسفورد للمفرادات الفلسفية: “الإغريقية (episteme) المعرفة، نظرية المعرفة. وأسئلتها المركزية تشمل أصل المعرفة، ومحل التجربة في جمع المعرفة ودور العقل في عمل ذلك. كما تشمل دراسة العلاقة بين المعرفة واليقين وبين المعرفة واستحالة الخطأ والأشكال المتغيرة للمعرفة التي تنشأ من تغير التصور للعالم. وهذه لها علاقة بقضايا الفلسفة الأخرى من طبيعة الحقيقة وطبيعة التجربة والمعنى.”

وهكذا يبدو أن عبارة “نظرية المعرفة” تفي بالمراد من استعمال الكلمة “ابستمولوجيا” القبيحة الوقع على الأذن العربية. كما أنها تفي بالغرض وتدفع القارئ العادي والذي لم يدرس الفلسفة أن يرغب بالإطلاع على الموضوع. إن هدف الثقافة يجب ألا يكون في دفع الناس عنها ولكن ترغيبهم فيها. واستعمال لفظ عربي قريب من السمع والفهم لا بد أن يكون أفضل من لفظ غريب منفر للسمع والذوق.

وقد حدث هذا مراراً ونجح وأفضل مثال لذلك ما تم في اشتقاق كلمة “حاسوب” والتي أصبحت مقبوله لدى العرب جميعاً لتعني ما تعنيه لفظة (Computer) الإنكليزية.

ولعل من المفيد الإشارة هنا الى أن إخوتنا وجيراننا من شعوب الأرض من غير الأوربيين قد فعلوا أفضل منا في ترجمة كلمة “ابتسمولوجيا”. فقد أصبحت في التركية (bilgi kurami)  وفي الفارسية (معرفت شناسي) وكلاهما ليس له علاقة بالأوربية “ابتسمولوجيا” باشكالها الأوربية المتعددة والمتشابهة والتي اختار كتاب التغرب العربي استعمالها.

فقل: نظرية المعرفة
ولا تقل: ابستمولوجيا.

قل: ما عندي إلا خمسة دنانير
ولا تقل: ما عندي إلا الخمسة دنانير

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأنك تريد أن تخبر السامع بما لم يعلمه من قبل، فالدنانير ينبغي أن تكون نكرة والتنكير من صفات غير المعروف وغير المعلوم. فإذا كانت الدنانير الخمسة قد جرى ذكرها قبلاً قلت: أنفقت خمسة الدنانير وأنفقت الدنانير فالأول مجرور والثاني منصوب لأنه بدل، ومع هذا فيجوز الجر في الثاني تقول: أنفقت الخمسة الدنانير، وبعض اللغويين يعد الدنانير نعتاً لا بدلاً ولا أراه صواباُ. قال الجوهري في الصحاح: “وتقول هذه الخمسة الدراهم بجر الدراهم، وإن شئت رفعتها وأجريتها مجرى النعت وكذا الى العشرة”.

قل: عندي ثلاثة الأثوار
ولا تقل: عندي الثلاثة أثوار

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول عندي ثلاثة الأثوار وخمس الإماء وعشرة العبيد، فتدخل آلة التعريف على الإسم الآخر. ومثله مائة الدينار  ومائة ألف الدرهم.”

قل: فَعَلوا ذلك لا سِيَّما أخوك
ولا تقل: فَعَلوا ذلك سِيَّما أخوك

كتب الزبيدي: “ويقولون فعلوا ذلك سِيَّما أخوك فيسقطون “لا” والصواب أن يقال “لاسِيَّما”. وقد أولع بذلك كثيرٌ من الكُتَّاب والأدباء والشُّعراء. أنشدني أبو على اسماعيل بن القاسم لأبي علي بن الأعرابي صاحبٍ له:

طُرْقُ بغدادَ أضْيَقُ الأرضِ طُرْقاً       سِيَّما بين قَصْرِها والرَّصَافَة

والصواب: لا سِيَّما ولا سِيَمَا بالتشديد والتخفيف، ولا يجوز حذف “لا” البتة. ومعنى “سيّ”: مثل، ووزنه “فِعْل” ومخرجه مخرج شِبْه و نِدٌ و مِثْل. وأصل اشتقاقه من المساواة، ولكن الواو انقلبت ياء للياء بعدها ولزمها الإدغام، ويقال هما سِيَّان وهم سواءُ. والسِّيُّ: المكان المستوي. وقال العجاج:

في بِيِضِ وَدْعَانَ بِساطٌ سِيٌّ

أي مستوٍ. ويقال: فلانٌ في سِيِّ رأسه، وسِواء رأسه وهي النعمة. والسِّيُّ: أرضٌ من أرض العرب سميت بذلك لإستوائها.”

قل: فعلت وخرجت
ولا تقل: هم فعلت وهم خرجت

كتب الحريري: ويقولون للمخاطب: هم فعلت وهم خرجت، فيزيدون هم في افتتاح الكلام، وهو من أشنع الأغلاط والأوهام. وحكى أحمد بن إبراهيم بن المعدل قال: سمعت الأخفش يقول لتلامذته: جنبوني أن تقولوا: بس، وأن تقولوا هم، وأن تقولوا: ليس لفلان بخت.

والمنقول من لغات العرب أن بعض أهل اليمن يزيدون أم في كلامهم فيقولون: أم نحن نضرب الهام، أم نحن نطعم الطعام، أي نحن نضرب ونطعم، وأخذوا في زيادة أم مأخذ زيادة معكوسها، وهو ما في مثل قوله تعالى: “فبما رحمة من الله”، و “عما قليل”.

وقد روي عن حمير أنهم يجعلون آلة التعريف أم، فيقولون طاب أمضرب، يريدون طاب الضرب، وجاء في الآثار فيما رواه النمر بن تولب أنه صلى الله عليه وسلم نطق بهذه اللغة في قوله: ليس من أم برأم صيام في أم سفر يريد ليس من البر الصيام في السفر.

وحكى الأصمعي أن معاوية قال ذات يوم لجلسائه: من أفصح الناس فقام رجل من السماط، فقال: قوم تباعدوا عن عنعنة تميم، وتلتلة بهراء، وكشكشة ربيعة، وكسكسة بكر، ليس فيهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير، فقال: من أولئك قال: قومك يا أمير المؤمنين.

وأراد بعنعنة تميم أن تميما يبدلن من الهمزة عينا كما قال ذو الرمة :

أعن ترسمت من خرقاء منزلة ** ماء الصبابة من عينيك مسجوم

يريد: أإن ترسمت.

وأما تلتلة بهراء فيكسرون حروف المضارعة فيقولون: أنت تعلم. حدثني أحد شيوخي رحمه الله أن ليلى الأخيلية كانت ممن يتكلم بهذه اللغة، وأنها استأذنت ذات يوم على عبد الملك بن مروان، وبحضرته الشعبي، فقال له: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أضحك منها قال: افعل، فلما استقر بها المجلس قال لها الشعبي: يا ليلى، ما بال قومك لا يكتنون، فقالت له: ويحك أما نِكْتَني (وهي تريد أما نَكتَني) فقال: لا والله ولو فعلت لاغتسلت، فخجلت عند ذلك واستغرق عبد الملك في الضحك.

وأما كشكشة ربيعة فإنهم يبدلون عند الوقوف كاف المخاطبة شيناً، فيقولون للمرأة: ويحك مالش فيقرون الكاف التي يدرجونها على هيئتها، ويبدلون الكاف التي يقفون عليها شيناً. قال راجزهم: (وهو رؤبة)

تضحك مني أن رأتني أحترش

لو حرشت لكشفت عن حرش

عن واسع يغرق فيه القنفرش

وفيهم من يجري الوصل مجرى الوقف، فيبدلون الكاف فيه أيضا شيناً، وعليه أنشد بيت المجنون:

فعيناش عيناها وجيدش جيدها ** ولكن عظم الساق منش دقيق

أما كسكسة بكر فإنهم يزيدن على كاف المؤنث في الوقف سيناً، ليبينوا حركة الكاف فيقولون: مررت بكس.

وأما غمغمة قضاعة فصوت لا يفهم تقطيع حروفه.
وأما طمطمانية حمير، فقد مضى تفسيرها فيما تقدم .

قل: أرادت الزوجة أن تكون عِصْمتُها بيدها
ولا تقل: أرادت الزوجة أن تكون عُصْمتُها بيدها

وكتب عبد الهادي بوطالب: “ويراد بها الْمَلَكَة التي تعصِم (أي تمنع) من الوقوع في الإثم والمعصية. اسم المفعول أو كلمة “معصوم” عن الخطأ أصله من العَصْم أي المنع والوقاية. فالأنبياء والرسل معصومون. ويقال في حق المرأة العفيفة صاحبة العِصْمة. وكان هذا أحد ألقاب السيدة أم كلثوم المصرية.

ويراد بالعِصْمة أيضا رباط الزوجية إذا ملك أحد الزوجين حق حله فنقول: “شرطت الزوجة في عقد النكاح أن تكون عِصْمتُها بيدها”.
وتجمع العِصْمة على عِصَم قياساً. فوزن فِعْلة يجمع على فِعَل: مِحْنة ومِحَن. وصِيغة وصيَغ. وبِدْعة وبِدَع. وجاء في القرآن الكريم: “ولا تُمسكوا بعِصَم الكوافر”.”  

قل: قرأ علم الحَيَوان
ولا تقل: قرأ علم الحَيْوان

كتب الحنفي: “ويقولون: الحَيْوان، بسكون الياء. والصواب تحريكها، فإنّ الأصل في كلِّ مصدر يتضمن معنى الاضطراب تحريك وسطه ليدلّ على معنى الاضطراب والحركة كالدوران.”

قل: رأيته يُقِلُّ حملاً
ولا تقل: رأيته يَقِلُّ حملاً

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أقبح أوهامهم أنهم يبدلون حركة حرف المضارعة في المضاعف فيغيرون المعنى ويقلبون المبنى، فلا يفرقون بين يقل (بضم الياء) ويقل (بفتح الياء)، فالأول من الفعل قل الشيء يقله قلاً، أي حمله ورفعه والثاني من قل الشيء يقل قلاً، فهو قليل، وهو خلاف كثر، ومنه حديث ابن مسعود: الربا وإن كثر فهو إلى قل.

ونظيره قول خالد بن علقمة الدارمي:

قد يقصر القل الفتى دون همه ** وقد كان لولا القل طلاع أنجد

ونظيره في استبدال حركات المضارع الفعل يَمُدُّ والفعل يُمِدُّ. فالأول من الامتداد والاستطالة، كقوله تعالى: “ويمدهم في طغيانهم يعمهون”، والثاني من الإمداد والمساعدة كقوله تعالى: “ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة”. ومثله الفعلان يَعد ويُعد. فالأول من عد الشيء، والنقود يعد عداً، بمعنى أحصى وحسب، ومنه قول أبي ذؤيب :

رددنا إلى مولى بنيها فأصبحت ** يعد بها وسط النساء الأرامل

والثاني من أعد الزاد يعد إعداداً وعدة. ومنه قولهم: يعد للأمر عدته، أي يستعد ويتهيأ له. ومنه قوله تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”.

قل: الدستور ما يزال في جوهر الإسلام
ولا تقل: الدستور ما يزال في حظيرة الإسلام

كتب الدكتور ابراهيم السامرائي: “قرأت (الدستور ما يزال في حظيرة الإسلام). ومن دلالات “الحظيرة” ما يشير إلى أن من المناسب ألاّ تضاف إلى الإسلام.”

ولا يخفى على القارئ أن الدكتور ابراهيم أراد بأدب ولياقة أن ينبه الى عدم جواز استعارة اية كلمة أو ترجمتها ثم استعمالها دون تفكر. فحيث إن كلمة “حظيرة” تعني (الموضع الذي يُحاطُ عليه لتأْوي إِليه الغنم والإِبل يقيها البرد والريح) فليس من المناسب استعمالها في الإسلام وهي توحي للقارئ بهذا المعنى!

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

15 آب  2017

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image