الفصل الخامس عشر – ولاية الفقيه

ليست ظاهرة “ولاية الفقيه” التي أصبحت على كل لسان خلال الثلاثين عاماً المنصرمة ظاهرة حديثة في الفكر الإسلامي عامة والسياسي خاصة. ذلك لأنها تجد جذرها في الفقه الإسلامي حيث كتب فقهاء المسلمين منذ قرون أن الإسلام ليس ديناً حسب إذ هو دين ودنيا وإنه جاء بالحل لأمور الناس في الدنيا والآخرة. وترتب على هذا أن الفقيه أصبح أقدر من غيره على توجيه الناس في كل الأمور الخاصة والعامة. ونظرة الإستصغار للناس هذه وجدت تجاوباً مختلف الدرجات بين مذاهب الفكر السياسي الإسلامي وتجلت بشكل وأضح في نظريتي “الحاكمية لله” عند الإخوان المسلمين و “ولاية الفقيه” عند أتباع الخميني المعاصرين. ويمكن إيجازها بأن على الناس إتباع رجل يقوم مقام النبي أو الإمام في جميع أمور الدنيا والدين، فيكون رأيه غير قابل للطعن أو الإعتراض وفوق القانون وفوق أية سلطية دنيوية أخرى. وهذا يشبه إلى حد كبير مفهوم “البابا” لدى الكنيسة الكاثوليكية.

وحيث إن الإخوان المسلمين فشلوا في أول محاولة بائسة لهم في حكم مصر فإننا لسنا قادرين على تقويم تطبيق نظريتهم. إلا أن الأمر مختلف بالنسبة لولاية الفقيه والتي تجاوز تطبيقها ثلاثين عاماً في إيران. إلا أن هناك فرقاً آخر لا يقل أهمية بين الحاكمية لله وولاية الفقيه. فحركة الإخوان المسلمين ولدت في أعقاب سقوط الدولة العثمانية السنية المذهب بينما ولدت ولاية الفقيه في ظل التقية والمرجعية الشيعية. فالأولى كانت وما زالت تعيش على أنقاض تجربة عمرها قرون تعبت وأتعبت. أما الثانية فهي نظرية جديدة في الفقه الشيعي ليس لها سابقة تقتات منها ولا حتى تصور عما ستؤول إليه.

وقد ولدت ولاية الفقيه داخل نظرية التقليد الشيعي والتي سبق أن بينت أنها نفسها حديثة عهد. لكنها، أي ولاية الفقيه، إختلفت مع المرجعية التقليدية في أنها أعلنت نهاية التقية وذلك بالمجاهرة بالتشيع أولاً وبإعلان أن الفقيه ليس ولياً فقط في أمور الدين بل في أمور الدنيا كذلك. أي ان الفقيه أصبحت له الولاية العامة. وقد يكون في هذا بعض التبسيط ذلك لأن الفرق الحقيقي بين المرجعية التقليدية وولاية الفقيه هو أن الأولى كانت تعاني من نوع من النفاق بينما امتلكت الثانية الجرأة على الخروج عن هذا فصرحت وأعلنت. فالمرجعية التقليدية وإن ادعت بعدها عن أمور الدنيا والسياسة فهي في الحقيقة كانت تتدخل فيها وإن من طرف خفي، فاذا وجدت الوضع السياسي في صالحها فإنها كانت توجه مقلديها بالإستسلام للنظام بحجة التقية وإن وجدت الوضع السياسي مخالفاً لما تريده فإنها كانت قادرة في السر على تأجيج الجمهور الموالي لها.

فولاية الفقيه التي يقال ان أول من كتب عنها كان أحمد النراقي المتوفى عام 1829م،1 ولدت حقيقة كتجربة عملية على يد روح الله الخميني، الفقيه الذي نفاه شاه إيران إلى العراق حيث عاش في النجف الأشرف ما بين عامي 1963 و 1979 حين طلب منه العراق أن يغادر إستجابة لطلب الشاه، في خطوة غبية اعتمدت على خطأ من قبل حكومة بغداد في فهم المشهد السياسي الإيراني.2 ذلك لأن الخميني عاد من باريس بعد أشهر ليزيح الشاه ويؤسس دولة ولاية الفقيه الأولى في التأريخ.

وحيث إن ولاية الفقيه تقضي أن للفقيه القول الفصل في أمور الدنيا والدين فقد اصبحت السياسة في مقدمة سلطته وصلاحياته. لكن الفقه الجعفري ليس فيه قواعد تحدد أين يجب أن يقف الفقيه في أمور السياسة المعاصرة، فإذا كان واضحاً للفقيه الشيعي أن يقرر أين يقف من سياسة الدولة الأموية فهو أمر يمكن فهمه في ظل الصراع السياسي الذي اسسته قريش بين “بيت علي” و “بيت عائشة” منذ القرن الأول للإسلام. إلا أن الأمر يختلف في عصرنا الحاضر ذلك لأنه ليس واضحاً أين يجب أن يقف طرفا هذا الصراع السياسي في الصراع السياسي العالمي. فقد وجد شيوخ الوهابية في جزيرة العرب أن من مصلحة المذهب أن يقف مع الصهيونية العالمية في مشاريعها السياسية وهكذا كان موقفهم منذ مائة عام وما زال. كذلك وجد أكثر المراجع الشيعية في النجف الأشرف وقم أن من مصلحة الشيعة الوقوف موقف المؤيد أو المهادن للصهيونية، وهكذا كان.

إلا أن روح الله الخميني إختلف مع الموقف السائد في المرجعية الشيعية من المشروع الصهيوني للعالم. ولست أرغب في الدخول في ما أعتقده سبب موقف الخميني ذلك، إذ أنه ليس له اثر كبير في ما أنا بصدده. لكن المهم أن نفهم أن الخميني ظل طيلة حياته معادياً للمشروع الصهيوني فخرج على الشاه في ذلك وخرج على المرجعية الشيعية في النجف وقم ولبنان. وحين عاش منفياً في العراق فإنه لم يكن على وفاق مع المرجعية المتمثلة في أبي القاسم الخوئي.3 وهكذا فقد عارض الخميني ونظرية ولاية الفقيه التي إنتعشت على يده أغلب فقهاء الشيعة في القرن العشرين. فعارضه في إيران حسين على منتظري ومرعشي نجفي وشريعة مداري، وعارضه في العراق ابو القاسم الخوئي وعلي السستاني وإسحاق فياض وبشير النجفي. كما عارضه في لبنان موسى الصدر ومحمد جواد مغنية، كل ذلك على سبيل المثال لا الحصر.

إلا أن الخميني كان لديه حس سياسي متميز فأدرك في سبعينيات القرن الماضي أن الظرف الموضوعي للثورة في إيران قد نضج. فقد نشأ جيل من الفرس ممن ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية وشهدوا تجربة فشل مشروع مصدق4 ممن يطمحون للتحرر الحقيقي من الإستكبار الصهيوني العالمي الذي أمسك بهم كما أمسك بسائر المسلمين منذ الحرب العالمية الأولى. وكيف يمكن أن يوجد أفضل من ظلامة أهل بيت النبوة التي لحقت بالحسين وأهله وصحبه من نار تضيء طريق الشهادة لتحقيق ذلك التحرر. هكذا جاءت ثورة الخميني مفاجأة للصهيونية وهي أي الصهيونية كنت وما زلت أؤمن أنها لو لم تمتلك القوة العسكرية لكانت من أغبى حركات التأريخ على الإطلاق. إن ما حدث في الفكر الإسلامي عام 1979 لا يمكن التقليل من أهميته واثره المتمثل اليوم في أكثر من مظهر. وقد لايكون ما حدث في العالم الإسلامي بالضرورة نتيجة طبيعية لثورة الخميني إلا أن الكثير مما حدث تأثر بشكل أو بآخر بما أحدثه الخميني من تغيير. فقد أوقد الخميني الأمل في الإسلام السياسي عامة فنشطت حركات وولدت حركات وأصبح  ماركسيون عرب يبحثون عن خط سياسي ينقلهم من ضياعهم الفكري وانتقل آخرون ليقاتلوا مع الأفغانيين، وكثير غيره. لكن أهم ما نتج عن ثورة الخميني بالنسبة للمشروع القومي العربي والصراع مع الصهيونية وبشكل جدلي حقيقي هو ولادة حزب الله في لبنان والتي سأعرضها لاحقاً بشكل أوسع.

لكني قبل ذلك لا بد لي من التوقف عند قضية أجدها ذات أهمية كبرى ذلك لأنها لم تفهم من قبل العرب ولم تفهم من قبل المسلمين من غير العرب وقد اخرجتها ثورة الخميني للعلن. تلك هي حقيقة أن الإسلام هو دين العرب تماماً كما ان اليهودية هي دين العبريين والنصرانية دين الآراميين. وهذه الحقيقة ليست من صنعي ولا تصوري لكنها حقيقة إلهية ومن أراد أن يعترض عليها فليراجع في ذلك رب العزة ويسأله عن السبب وإن كان السبب معروفاً لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وهذه الحقيقة تقود إلى أن اية ثورة أو تحرك أو قيادة للإسلام يجب أن تتم على ايد العرب وفي دارهم. ولهذا السبب كانت الدولة العثمانية مشروعاً فاشلاً. ولا ينفع حزب التحرير أن يطالب بعودة الخلافة العثمانية لتحقيق حلم الدولة الإسلامية، فإذا أراد حقاً دولة إسلامية فليطالب بعودة بغداد ودولة بني العباس أو شيئاً من ذلك.5 ففشل الدولة العثمانية سببه أنها لم تعرف من الإسلام إلا إسمه واستخدمته لتحقيق مشروع سيادة الأتراك على العالم المحيط بهم. فافسدوا وخربوا وحين رحلوا لم يتركوا اثراً يمكن للعالم أن يشير إليه كمجد يعتد به.

وقد يكون على حزب التحرير ان يجيب على السؤال الذي لا بد أن يسأله اي قارئ للتأريخ: ترى إذا كان الخلفاء العثمانيون حريصين حقاً على الإسلام فلماذا لم يحج أياً منهم لبيت الله الحرام وهو مكلف وقادر؟

ومن هذا الفهم يبدو واضحاً خلل ثورة الخميني. فالخميني كما يعرف كل الذين عاصروه كان كارهاً للعرب بشكل عام، بل كان متعصباً ضدهم حتى انه كان يرفض الحديث بالعربية رغم علمه وإتقانه لها. ولست أدعي بهذا أنه كان عليه أن يتكلم بالعربية فالرجل من حقه أن يفخر بفارسيته كما يفعل كل إنسان ينتسب لقوم. لكنه كان يتحدث بالفارسية في أمور الإسلام والفقه وهو أمر لا يمكن أن يكون صحيحاً لأن القرآن لم ينزل بلغة الفرس وإن تمنى الخميني ذلك. “وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ، فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ”.  وقد يكون سبب حقده على العرب أنه يحملهم مسؤولية قتل الحسين وأهله، وهذا الشعور بالتجريم موجود عند طائفة من المسلمين من غير العرب. وقد نمى لدى الخميني ومن على شاكلته شعور بأن العرب ليسوا أهلا لقيادة الإسلام، وأنهم أي المسلمين من غير العرب أقدر على ذلك. هكذا اعتقد الخميني أنه قادر على قيادة المسلمين لبر الأمان. وهكذا نشأت فكرة تصدير الثورة الإيرانية خارج إيران، والتي أصبحت تشكل “فزاعة” يستعملها الصهاينة قبل غيرهم في العالم العربي. ولا أقول ذلك لأني أعتقد بصحة مشروع تصدير الثورة الإيرانية الشيعية الهوية للعالم العربي ولكني أقول ذلك من باب الموضوعية في التعامل مع التأريخ. ذلك لأني لم اسمع كلمة واحدة من الذين كتبوا أو تحدثوا عن خطر تصدير الثورة الإيرانية للعالم العربي وهو يتحدث عن خطر تصدير الطورانية التركية الجديدة للوطن العربي!6 فهل إن العرب الذين حكمهم الأتراك بظلم انتهى بالتجهيل و”التتريك” حتى كادت العربية أن تنسى في أرض الإسلام لا يخشون حقاً عودة تلك الظلمة ويخشون فقط خطر المد الفارسي؟ أم أن لهؤلاء الحريصين على العروبة “المتصهينة” فهماً آخر للتأريخ؟

وليس غائباً على أحد أن ثورة الخميني فشلت في إيران ودليل ذلك أن انتخابات رئاسة الجمهورية جاءت برئيسين مناهضين لنظرية ولاية الفقيه وإن ادعيا نفاقاً خلاف ذلك. فكل من خاتمي وروحاني يمثلان رأي رفسنجاني،7 وهو وإن لم يكن فقيهاً، إلا أنه يمثل رأي الفقهاء في إيران الذين يعارضون ولاية الفقيه. ويبدو أن أغلبية الشعب الإيراني يؤيدونهم في ذلك.

وليس غائباً على أي مراقب أن ثورة الخميني فشلت في استقطاب متميز في العراق حيث كان يطمع هو أن تكون له قاعدة كبيرة بين المستضعفين، كما كان يحلو له أن يسميهم. ففي الحرب العراقية الإيرانية قاتل شيعة العراق بكل بسالة دفاعاً عن دولتهم دون نظر للانتماء المذهبي فانتصر الولاء الوطني للولاء المذهبي. ولا يقولن أحد إنهم قاتلوا خوفاً من ظلم النظام فلا يمكن لأحد أن يرعب جندياً في ساحة القتال لا يرى أمامه إلا الموت!

أما بالنسبة للتحرك السياسي بين شيعة العراق فلم يكن فشل ثورة الخميني أقل وضوحاً. فالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة كلاهما وجد نفسه في خضم نصر الخميني مجبراً على ركوب الموجة فتبنى المجلس ولاية الفقيه وبايع حزب الدعوة الخميني إلا أن كليهما كان منافقاً في ذلك فالمجلس الأعلى مرتبط بالصهيونية للارتباط التأريخي لعائلة الحكيم بها. أما حزب الدعوة فهو من نتاج الشاه وكيف يمكن لمن أنتجه الشاه أن يكون غير صهيوني. إن المبادئ السامية لا يمكن أن يحملها إلا أناس سامون. وهكذا كان فما أن غزى الصهاينة العراق عام 2003 حتى عاد كل من المجلس الأعلى وحزب الدعوة ليتقاسما السلطة مع غيرهم من الخونة الصهاينة. وحتى لا يقولن أحد أني متحامل عليهم فإني أحيل القارئ لما قاله علي الخامنئي قائد الجمهورية الإسلامية اليوم. فقد نقل عنه قوله: ” يدّعون بأنّ علياً إمامهم ولكنّهم لا يقولون ما يزعج أميركا.”8

ترى إذا لم يكن الخامنئي يتحدث عن المرجعية الشيعية في العراق وأحزابها البائسة فعن من كان يتحدث إذن؟

وحيث إن حقيقة أن غير العرب لا يمكن لهم أن يقودوا الإسلام، حتى يستعربوا، فإن ولاية الفقيه لا يمكن لها أن تستمر إذا لم تجد لها حضانة عربية. وقد تكون حالة حزب الله مؤشراً على نجاح النظرية في استقطاب حاضنة عربية، مما سأعرج عليه لاحقاً. لكن الأمل الكبير منذ عهد الخميني كان معقوداً على العراق. إلا النظرية فشلت في العراق وتكاد تفشل في إيران.

ففي العراق ورغم كل ما يقال ويشاع عن الهيمنة الإيرانية فإنها هيمنة سياسية مذهبية بمعنى أنها نجحت من خلال الترابط المذهبي بين مخابرات الدولة الإيرانية وبين الأحزاب الشيعية في العراق وليس بسبب انتماء الأحزاب الشيعية العراقية لنظرية ولاية الفقيه. ولعل هذا التعقيد في العلاقة هو سبب صعوبة الفهم للعلاقة والتأثير الإيراني في العراق لدى البعض كما أنه يعطي البعض الآخر، ممن يفهمه على حقيقته، المقدرة على تبسيط الأمر ومحاولة تصوير العلاقة المعقدة هذه على أنها اتفاق أمريكي إيراني على تقاسم العراق في خطة محكمة كتبت منذ القدم. والأمر كما يعرف أولئك ليس كذلك! أما التأثير المذهبي لولاية الفقيه في العراق فيكاد يكون معدوماً. وهكذا تكون النظرية الجديدة قد فشلت في إيجاد الحاضنة التي كانت تؤمن بوجودها في العراق وتعتقد أن البعث كان السبب في كبحها.

أما في إيران فإن النظرية في انحدار. وهذا لا يعني أنها ستموت قريباً لأن بيدها قوى عديدة. فالحرس الثوري والذي يمثل ذراعها العسكري ما زال قوة جبارة قادرة على الدفاع عن الثورة كما يفهمها الحرس ضد أي خطر داخلي أو خارجي. وهذا الحرس كما أسلفت يعتقد نفسه الأمين على الثورة وله رأي يتجاوز المؤسسات المنتخبة من قبل الشعب حتى إذا كان معها رأي الأغلبية ذلك لأن الثورة بمفهوم الحرس الثوري هي رأي النخبة والأقلية في كل مراحل التأريخ. وهذه نظرية تأريخية سليمة. فما من ثورة إلا وقادتها نخبة مؤمنة فليست هناك ثورة شعب لأن ما يقال عنه ثورة شعب هو تحريك للغوغاء لتسير في خط النخبة، وهي أي الغوغاء كثيرا ما تحبط المسعى إذا لم تقد بشكل سليم. وقد وصف علي (ع) هذه الحقيقة التأريخية في قوله: (الغوغاء إذا اجتمعوا خربوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا)9. وليس غائباً عن من يتابع المشهد في إيران أن يرى هذا الصراع المتنامي. لكن من يفهم حركة التأريخ يدرك سبب هذا الانقسام في إيران اليوم والذي لم يكن قائماً في الصف نفسه قبل عشرين عاماً.

فالإيرانيون الذين خرجوا ضد شاه إيران وسقطوا في الشوارع إنما خرجوا ضد حكم ظالم ومن أجل قضية اعتقدوها مشروعة. لكنهم لم يعودوا موجودين فجيل أبنائهم لم يشهد ولم يعش ظلم الشاه ولا يعرف عن التجربة التي عاشها الآباء كي ينتمي لها. وهم أي هذا الجيل الجديد لديه طموح يختلف لأن التجربة مختلفة والوضع العالمي مختلف. فهم لا يقدرون أن يفهموا سبب الحرب بين الجمهورية الإسلامية وبين الولايات المتحدة والتي يصورها كل ما حولهم من وسائل الإعلام والسينما والتلفاز على أنها دولة متحضرة و”ديموقراطية”. وأكثرهم غير معنيين بقضية فلسطين والقدس حيث تبدوا جميعها، وإن كان فيها ظلم كبير، بعيدة عن واقعهم وحاجاتهم الآنية.

إن الثورة اية ثورة تموت إذا لم تخلق لكل جيل تحدياً جديداً تضع ذلك الجيل أمامه فتجبره على مواجهته.

وجيل الإيرانيين الذي ولد بعد الحرب العراقية الإيرانية ليس أمامه تحد يحتاج أن يرقى لمواجهته. وهكذا تجد دولة ولاية الفقيه نفسها غير قادرة على إقناع أكثر الشعب الإيراني أن عليه أن يتحمل المشقة من أجل الثبات ومواجهة أمريكا لأنه لا يعتقد صدقاً أن أمريكا تواجهه بهذه الخيارات. فإذا أرادت ولاية الفقيه أن تشد الشعب الإيراني للثورة فما عليها إلا أن تخلق مواجهة ساخنة حقيقية وعندها سوف يلتف الشعب حولها كما فعل عام 1980 حين دخل الجيش العراقي أرضها وكانت إيران على حافة الهاوية. إن الثورة اية ثورة بحاجة أن تجدد نفسها كي تستمر، ولا يمكن لها الاستمرار بالحديث عن أخطار عميقة في تحليل سياسي معقد مهما كان موضوعياً. لقد فشلت الثورة البلشفية، وكانت من أكبر الثورات الفاعلة في التاريخ المعاصر، لأنها لم تستطع أن تجدد نفسها فلماذا ستنجح ولاية الفقيه إذن؟

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image