الفصل الثامن عشر – ما هو مستقبل المسلمين؟

كنت قد بدأت هذا الكتاب رغبة في إيجاد جذور أزمة الإسلام اليوم. وأعتقد أني أوضحت الخطوط العامة للأسباب الرئيسة التي أوجدت التيار العنيف للأزمة آخذاً في الحسبان أنها ليست أزمة جديدة لكنها تم تعزيزها وإظهارها بواسطة عوامل عدة خصوصاً منها الهجمة الوحشية للاستكبار الأوربي في القرن الماضي ضد ثلاثة أجيال من المسلمين المتطلعين للخير والضائعين وسط سنوات من تأريخهم المعقد.

إن من غير المعقول أن أنهي هذا المشروع دون أن ألقي بعض الضوء على ما أعتقده ينتظر المسلمين هذا القرن وما عليهم وعلى الآخرين أن يفعلوه حيال ذلك المستقبل المظلم. ويمكن للقارئ أن يخرج مستنداً لما قدمته من عرض، بأن هناك جهتين عليهما أن يحسبا ما يمكن لهما القيام به لكسر دائرة الرعب والإرهاب التي تمزق العالم الإسلامي اليوم وتطفح حتى خارجه. ذلك إن على رجال الدين والقادة المسلمين وعلى المخططين في عالم الاستكبار أن ياخذوا حذرهم مما يجري وأن يفكروا بما يجب أن يفعلوه.

فليس كافياً كما سبق وقلت أن يظهر رجال الدين والقادة المسلمون كل يوم ليقولوا ببساطة إن ما يقوم به السلفيون ليس من الإسلام الحنيف. فأغلب هؤلاء القادة ورجال الدين يعلمون جيداً أنهم في محنة. فهم من جانب يريدون نفي صورة الجريمة عن الإسلام التي تمارس الحركة السلفية عملية تأكيدها للعالم. لكنهم من جانب آخر لا يقدرون على رد جدل السلفية بانهم متمسكون بالصراط المستقيم الذي رسمه “السلف الصالح” والذي يعده رجال الدين أنفسهم غير قابل للطعن أو الشك!

إن على القادة المسلمين تشكيل هيئة أو مفوضية تحت إشراف “منظمة التعاون الإسلامي” أو أية هيئة أخرى تكون مهمتها قراءة ومراجعة بل إعادة تفسير التأريخ الإسلامي والتركة الفقهية. إن هذه الدعوة تقتضيها الحاجة في كل دين. فلا أعني ان الإسلام وحده بحاجة لمراجعة كهذه لكن الإسلام اليوم بحاجة عاجلة لها لأن الدين نفسه يستغل عذراً للإرهاب وهو لا يحدث اليوم بالنسبة لأي دين آخر.

وسيكون على هذه المفوضية أن تنظر فيما تنظر في ما يلي:

فالإسلام الحقيقي مشمول بكامله بما جاء به الرسول الأكرم (ص) في النص القرآني وما ثبت بموجب مبادئ القرآن والعقل أن الرسول قاله أو فعله: “وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (7/59). وكل عمل أو مبدأ أضيف لاحقاً من أحد الصحابة أو الفقهاء لا يقتضي أن يكون جزءاً متمماً لرسالة الإسلام السماوية. فالذي فعله الفقهاء في استحداث الحيل اللفظية في “الإجماع” و “القياس” وما شابهها لإستحداث مبادئ ادعوا أنها من عند الله ليست إلا مبادئ وضعها الإنسان قد تتفق مع مشيئة الله وقد لا تتفق. فقد يصبح مهيناً لمقام العزة الإلهي أنه تعالى حين أرسل رسالته أغفل منها جوانب مهمة فتركها للآخرين كي يتموها. إن من الواضح والمعقول أن ما تركه تعالى لنا كي نحدده ليس من صلب الرسالة السماوية بل هو من أمور الدنيا التي لنا أن نتصرف فيها دون العدوان عليه وعلى مشيئته.

  1. حيث إنه لا يوجد في النص القرآني ولا في سيرة الرسول الأكرم (ص) ما يخالفه، فإن الإسلام لا يمكن أن يكون إلا ديناً يحدد العلاقة بين العبد ومولاه وبين العبد وأخيه. فهو أي الإسلام لم يرد له تعالى أن يكون نظاماً سياسياً واقتصادياً ينظم مملكته على الأرض كما أشيع لعدة قرون.
  2. إن التأكيد على أن الإسلام دين لا يلغي أنه أكد المبادئ الأخلاقية العامة التي فرضها تعالى على عباده يوم خلق السموات والأرض في طاعته والعمل الصالح: “فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا”. فالمسلمون، كجزء من خليقته، والذين أخذوا الرسالة عن الرسول الأكرم (ص) في تلك الحقبة من تأريخ الخلق يجب أن يقتدوا بقوله (ص) حين سئل عن الحلال والحرام فرد بقوله (الحلال بَيّن والحرام بَيّن)، وهي توجيه واضح أننا جميعاً خلقنا بفطرة تميز بين الصواب والخطأ.
  3. فبينما تكون المبادئ الدينية ثابتة فإن أمور المادة على الأرض متحركة دائماً: “يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ” (29/55) وهكذا فحين يكون موضوع كالصلاة وأوقاتها مبادئ ثابتة، فإن أمور الدنيا كالعقود ومراسم الزواج متغيرة تبعاً للوقت كجزء من تغير الحالة في الكون  كما أراد لها تعالى أن تتغير.
  4. ولما كان القرآن لم يحدد طبيعة النظام السياسي والإقتصادي الذي يجب أن يعيش المسلمون فيه فإنه لا يصبح من المقبول أن يجادل من يجادل بأن من الممكن تأسيس “دولة اسلامية”. إن من الممكن الجدل بأن نظاماً سياسياً قد ينشأ مستعيراً مبادئ نبيلة من الإسلام تتعلق بواجبات المسلم تجاه الآخرين أو تجاه ولي الأمر أو تجاه الأرض، لكن ذلك لا يعني أن تلك يمكن أن يفترض أنها مبادئ إلهية كما يزعم الفقهاء.
  5. فقد ترك تعالى في رسالته للمسلمين عمداً، وليس إهمالاً أو غفلة، أمور الدنيا المتعلقة بتدبير أمورهم الحياتية لأنه شاء أزلاً أن يفصل بين الدين والدولة. فمن ذلك إن الإسلام، حتى باعتراف الفقهاء، لم يأت بفلسفة متكاملة لمفهوم العقوبة والتي تحتاجها كل دولة من أجل تحقيق الأمن والسلم. فقد قضت حكمته أن هذه أمور متحركة لا يصح تحديدها وهي تخضع للتغير في المكان والزمان وليست خاضعة لقواعد أزلية.
  6. إن حقيقة أن نظرية أو حتى فكرة “الخلافة” لا وجود لها في القرآن ولا في سنة الرسول (ص) تؤكد أن ما أثبته الفقهاء لاحقاً من أنها في أصل الإسلام لا وجود له في الحقيقة. فقد وردت كلمة “خليفة” في القرآن مرتين فقط: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة 2/30) و “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” (ص 38/26). ولم ترد كلمة “خليفة” في سيرة الرسول قط! فالإشارة الأولى لآدم هي استخلافه في الأرض وكيلاً من رب العزة على خلقه وأرضه وهو التشريف الذي جعله في آدم عندما شاء تعالى أن يظهر على صورته. أما خلافة داود فهي الحالة الوحيدة التي قص علينا فيها تعالى أنه خول نبياً من أنبيائه أن يحكم في الأرض فجمع له الولاية الدينية والمادية. وهذا أمر لم يتكرر لنبي آخر حسب ما أبلغنا تعالى من سير الأنبياء، وليس لنا أن نجتهد ونضيف على ما أبلغنا به. وحسبي من هذا الدليل أن هذا الفضل الذي خص به تعالى داود لا يمكن أن يدعيه بشر غيره فيقول انه “خليفة” كما كان داود خليفة لأن ما اجتمع لأنبياء بني إسرائيل لا يحق لأحد غيرهم! ورسولنا الأكرم (ص) والذي عاش مع قومه في المدينة اثني عشر عاماً لم ينشئ دولة ولم يدع أنه خليفة الله في أرضه كما كان داود. فهو لم ينشئ نظاماً سياسياً ولا أنشأ جهاز شرطة ولا عين ولاة ولا عين جباة زكاة ولا ولا مما تقتضيه الدولة. فقد عاش (ص) مع المؤمنين كما عاش أخوه عيسى (ص) من قبل. إن من أعجب العجب أن يقول الفقهاء أنه ما أن قبض الرسول (ص) حتى اكتشف المسلمون أنهم بحاجة لدولة فأسسوا الخلافة، وكأن الرسول الأكرم (ص) كان قد أغفلها إما سهواً وإما عجزاً، وإلا فكيف قامت الحاجة للخلافة يوم قبض (ص)؟
  7. إن الخلافة الإسلامية التي أوجدها ابو بكر يوم قبض الرسول الأكرم (ص) ومورست منذ ذلك اليوم ليست سوى بدعة سياسية ليست من جوهر الدين بل اقتضتها الحاجة السياسية لإعطاء الشرعية لفرض السلطة التي لم يحددها القرآن ولم يعرفها الرسول (ص) لمن بعده.
  8. إن الدين الإسلامي جاء للعرب وحدهم. فقد نص القرآن الكريم أن كل قوم لا بد أن ينذروا بلسانهم قبل أن تتم محاسبتهم على عصيانهم، وهذا عدل ولا شك: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (4/14).
  9. إن نشر الإسلام بالسيف كان مازال مناقضاً لمشيئة الله: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ” و “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (2/190)
  1. إن الغزو الإسلامي للعالم خارج أرض العرب التي قامت له الدعوة هو جريمة بحق رب العزة ومشيئته.
  2. إن قتل النفس خلافاً للمبادئ التي حددها القرآن جريمة لا تغتفر في ميزان السماء كما شاء أزلاً وهي كما وصفها بأن من فعلها فكأنما قتل الناس جميعاً.
  3. إن القتل والنهب والسبي جميعها مناقضة للإسلام وأعمال بربرية مارسها العرب قبل الإسلام وجاء رسول الرحمة ليوقفها، ثم ما لبث العرب أن عادوا لممارستها بعد أن قبض (ص) وكأن شيئاً لم يتغير: “أفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ” (5/50)
  4. ليس لأي مبدأ لم يثبت في القرآن أو ما نسب في سنة الرسول (ص) مما هو غير متنازع عليه أن يعد تلقائياً متمماً للرسالة لأن أحداً من الصحابة أحدثه أو أضافه أو مارسه. إن العصمة للقرآن والرسول (ص) ولا غير، “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ” (3/53). فقد منع تعالى عصيانه وعصيان رسوله فقال عز من قائل: “إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا” (الجن 72/23)، ولم يقل يعص الصحابة من بعده، ولو أراد ذلك لقال! فلا يأتين أحد بما لم يقله تعالى فينتهي كما انتهى الذي يعصونه ورسوله.

وهذه ليست سوى عدد من نماذج من الأمور التي يجب على قادة المسلمين بحثها والوصول لإتفاق حولها. فإذا تم هذا فإنه يجب إعادة تفسير تأريخ الإسلام للأجيال القادمة من المسلمين في ضوء النظرة الموضوعية للملاحظات التي أوردت أعلاه. كما يجب ألا يوقفه في ذلك الخوف من انتقاد “السلف” لمجرد كونهم سبقونا في الـتأريخ. إن الحدود الوحيدة التي يمكن أن توقف المسلم هي معارضة القرآن والرسول الأكرم (ص).

وحين يأتي الأمر لسنة النبي الأكرم (ص) فإن على قادة المسلمين ورجال الدين أن يأخذوا في الحسبان وبعناية فائقة كل الحديث والممارسات التي نسبت له (ص) في ضوء مبادئ القرآن والعقل والمنطق والخلق العام وذلك قبل القبول بنسبها له خصوصاً إذا اتفقنا على أن أول ما جمع عنه ونسب إليه تم بعد مائة عام من رحيله. ولهم حجة قوية في رفض أي حديث أو عمل نسب للرسول الأكرم (ص) ذلك أنه لما انعدمت سبل التحقق من الخبر أو القول فإن احتمال الخطأ واقع، فلا عصمة لأحد غيره كما أسلفنا، خصوصاً إذا علمنا أن ما نقل جمع في وقت كانت حتى الكتابة تمر في مرحلة مخاض جدي حيث كانت الأحرف العربية ما زالت دون نقط ودون حركات إعراب.

وبعد أن نظرنا لما يجب أن يفعله قادة المسلمين لتحديد أين يقفون في المشهد الإنساني اليوم فقد جاء وقت دور الاستكبار وما عليه فعله، ليس من باب الكرم أو طيبة القلب ولكن بسبب الضرورة التي أوجدتها حقيقة العولمة التي جاء بها الاستكبار نفسه للعالم. فالاستكبار يزدهر في عمل قواعد “السوق الحر” والتي تعطيه قنوات الإستغلال. لذا فإن أية عملية تعيق هذه الحرية لرأس المال أو السلع أو الخدمات يجب أن تقاوم لأنها تعيق من حيث المبدأ حرية السوق. لذا أصبح من اللازم للاستكبار أن يتعامل بواقع مع حالة العالم الإسلامي اليوم. فلم يعد يكفي ما فعلوه في السابق من شراء عدد من الحكام في العالم الإسلامي لإسكاته فهؤلاء الحكام لم يعودوا قادرين على الإمساك بزمام الأمور.

لكن على المستكبرين أن يدركوا، في سبيل فهم ما يجري اليوم، الجذور الحقيقية لرفضهم للإسلام كعقبة في طريق هيمنتهم. لقد أسلفت في هذا الكتاب أن الاستكبار الأوربي يجد في الإسلام عقبة عقائدية للرأسمالية التي يبني عليها الاستكبار خططه. لكن الرفض للإسلام في الغرب له جذور أعمق من ذلك، وهو ما سأحاول عرضه هنا.

فقد حمل الغرب شعوراً بالتفوق خلال القرون الخامسة الماضية وذلك بتمكنه من إخضاع أكثر أهل الأرض وتقدمه العلمي والتقني بشكل منتظم وتحقيق ازدهار معيشي لسكانه بشكل عام. لكن الغرب ظل، شعورياً أو لا شعورياً، يعاني من عقدة في أنه استدان أديانه. فرغم كل التفوق المادي والفكري فقد وجدت أوربا أنها محتاجة لأن تستدين أديان الساميين. فالكتب المقدسة هي بلغات الساميين وقواعد السلوك سامية كذلك. إن هذه الحقيقة خلقت إستياءً عميقاً لأنهم لم يستطيعوا أن يفسروا حاجة هذه الشعوب الفائقة أن تأخذ أديان الساميين وهم الأقل منهم درجة.

وقد تجلى هذا الإستياء في أشكال عدة، فبعضها كان دموياً وعنيفاً كما حدث لليهود على يد النازيين والذي لاقى قبولاً لدي كثير من الأورببين يومها وإن كانوا يدعون خلاف ذلك اليوم. أما النصرانية فقد كان من السهل تبنيها وذلك بواسطة التفسير الجديد الذي قدم المسيح كأنه نصف أوربي من خلال بول وروما والإمبراطورية الرومانية المقدسة، حيث كان المسيح تجري “اوربيته” بشكل تدريجي حتى قبل. وقد تفسر هذه الحقيقة سبب قيام عدد من الناس في الغرب بتأسيس حركات دينية مثل: شهود يهوه والمورمون وهم جميعاً يدعون أنهم كنائس نشأت في الغرب ولم يتم استعارتها من الشرق السامي.

لكن هذا لم يتحقق بالنسبة للإسلام والذي ما زال يبدو غريباً، حتى ان عدداً من المدن الأوربية مازالت ترفض بناء مساجد بمنارات فيها، ليس بسبب إعتبارات عمارية تميز بها عدد منها، لأن الرفض لم يكن بسبب تلك الإعتبارات العمارية أو مبادئ تخطيط المدن. إن الغطرسة العقائدية في الغرب للإسلام وما يمثله من عقيدة ثقافية كأداء يحير العقل! فكلما أقام المسلمون حواجز أمام الهجمة الاستكبارية كلما ازدادت شراسة الهجمة عليهم. فغزو العراق واحتلاله أحدث واصدق تعبير لذلك. فلا يمكن أن يصدق عاقل أن العراق كان في عام 2003 يشكل خطراً على أوربا كما زعموا، بل كان درساً لكل حاكم مسلم يرفض أن يقبل بالهمينة الأوربية عليه. وليس حال سورية اليوم ليختلف كثيراً عن العراق.

إن على الاستكبار الغربي أن يفهم ويقبل ويتعامل مع هذه الحقيقة ليس حباً بالمسلمين أو لإعتبارات إنسانية، هو لا يمتلكها اصلا، لكن من أجل الحفاظ على النفس. فالاستكبار يعتمد على الرأسمالية ذراعاً له في الهيمنة. والرأسمالية تحتاج حرية الحركة لرأس المال والسلع والخدمات. فكل انعدام استقرار يعيق هذه الحرية سيكون مميتاً للإستكبار. وقد اعتمد الاستكبار في السابق على التهديد والوعيد لمنع العصيان. لكن هذا لم يعد مجدياً مع شباب يبحثون عن الموت فماذا يمكنك عمله مع شاب يقود سيارة محملة بالمتفجرات يتجه نحوك؟

فهناك اليوم ملايين من الشباب الذين ولدوا ونشؤوا في الغرب فيهم من هم مستعدون للإنتحار وأخذ آخرين معهم في العملية. يجب على الاستكبار إن يعيد التفكير بخططه السابقة. فقد آن الأوان كي يتوقف الغرب عن إزدراء الإسلام واحتقار المسلمين كما فعل في القرنين الماضيين. وقد آن الأون أن يتوقف الغرب عن إرسال جنوده لغزو أرض المسلمين مما يعطي الأصوليين بين المسلمين السلاح الذي يحتاجون لتجييش شباب المسلمين ضد الغرب. لكن الأهم من كل ذلك هو أن يتوقف الغرب عن القناعة بأن لديه حقاً إلهياً في فرض رغبته أو طريقة عيشه على الآخرين. يجب على أوربا أن تعيد النظر في استعمال مصطلحات مثل القيم “الصهيو – نصرانية” لتمييز نفسها عن الآخرين عموماً وعن المسلمين خصوصاً، فليس هناك قيم كهذه. فما الذي يجمع الكاثوليكي النصراني في سري لانكا مع النصراني البروتستاني في النرويج على سبيل المثال مع اليهودي الفلاشه من الأحباش حتى يمكن الحديث عن معنى لهذه القيم سوى أن تكون تعبيراً لطيفاً لتسويغ لإستكبار.

وهناك عامل جديد في غاية الخطورة يجب أخذه في الحسبان عند النظر في الحركة السلفية اليوم. فهي ليست مشكلة من فلاحين أنصاف متعلمين إذ بين منتسبيها متعلمون ومهنيون من مهندسين وعلماء واطباء. وعندما يكون عدد منهم قد ولد ونشأ في الغرب فإن الموضع يصبح قضية محلية لا يمكن تجاوزها بسبب أنها عبر البحار أو أنها تتعلق بتنظير يلعب بالعقول.

إن على قادة المسلمين والاستكباريين معاً أن يأخذوا في الحسبان الملاحظات التي أوردت أعلاه في التعامل مع الأزمة القائمة في الإسلام. فالفشل في التعامل الصحيح معها سوف يعني النظر في المجهول المظلم حيث يقود للعنف المتزايد ضد المسلمين لتغذية الإرهاب وتجنيد آخرين في تنفيذه على شكل الانتحاريين والسيارات المفخخة.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

رأي واحد على “الفصل الثامن عشر – ما هو مستقبل المسلمين؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image