الفصل السابع عشر – ما دور الاستكبار في أزمة الإسلام

سأحاول في هذا الفصل أن أكتب عن دور الاستكبار العالمي في الأزمة في الإسلام سواءً أكان ذلك في خلق حركات سياسية أم دعم عدد آخر منها أم كان في إخضاع المسلمين مما كان له أثر مباشر في الأزمة، والذي يصب جميعاً في مصلحة الاستكبار.

إن عام 1492 ميلادي يعد عاماً مهماً في التأريخ الإنساني المعاصر. فهو مؤشر لبداية خمسماية عام من الاستكبار الأوربي الحديث والذي استمر هذه القرون الخمسة دون انقطاع بشكل أو آخر. ففي تلك السنة وقع حدثان رئيسان. فقد وصل كريستوف كولومبوس لشواطئ أمريكا معلناً بداية التطهير العرقي الشائن لسكان القارة والذي أثبتت الكاتبة الأمريكية هيلين جاكسون أن آلاف آلاف البشر قتلوا في قرن واحد في أمريكا الشمالية وحدها.1 وخلق هذا الغزو أثرين يجدر الإشارة لهما. فقد خلق سابقة مفادها أن الأوربيين لهم الحق في الاستيطان في أي أرض حتى إذا عني ذلك استئصال سكان تلك الأرض الأصليين. وقد تحقق ذلك منذ عام 1492 في أماكن أخرى غير أمريكا مثل قارة أستراليا وفلسطين، حتى أصبحت هذه القناعة جزءً من النفسية الأوربية.

أما الأثر الثاني الذي أوجده ذلك الغزو فهو أنه كشف شعور التفوق للعقل الأوربي والذي يعبر عن نفسه حين نسمع ونقرأ بشكل مستمر “أن كولومبس اكتشف أمريكا”. إذ يبدو أن الأوربي يعتقد أن حقه الطبيعي متى يبدأ التأريخ عندما يقرر أن أمريكا وسكانها لم تكن موجودة حتى اكتشفها كولمبس، تماماً كما يعتقد هذا الأوربي أن التأريخ ينتهي عندما يقرر هو ذلك. 2

أما الحدث الثاني الكبير لعام 1492، والمتعلق بالتطهير العرقي لأمريكا، فهو سقوط آخر مملكة للمسلمين في إسبانيا. 3 وأهم ما في نهاية حكم المسلمين في إسبانيا أنها، بقدر علمي، المرة الوحيدة في التأريخ الحديث والتي تم فيها، نتيجة غزو خارجي، استئصال تام لدين ما في تلك الأرض. فالإسلام الذي دام ثمانية قرون في إسبانيا اختفى بالكامل عام 1492 فيها، ولم يبق فيها بيت من المسلمين!

واستمر وجود الاستكبار الأوربي بسلسلة أدوار تقوم بها دول أوربية متفرقة لكنها تصب في محصلة واحدة. فمنذ الاستعمار البرتغالي الذي حط على سواحل بحر العرب حتى الهيمنة الصهيونية اليوم فإنها جميعاً اشتركت بمظهر واحد يتجلى في رغبة ما يسمونه القيم الصهيو- نصرانية في الهيمنة والاستغلال للمنطقة.

وقد كتب الكثير خلال العقود الماضية عما أسموه “حوار الحضارات” 4 في محاولة لتصوير وجود صراع بين النصرانية والإسلام. لكني أعتقد ان استعمال لفظة “الحضارة” للتعبير عن الصراع هو استعمال غير موفق. فلا بد عند الحديث عن صراع بين حضارات من أن نحدد أولاً ما هي تلك الحضارات الي تتصارع. فلست أعتقد أن هناك اليوم حضارات كي تتصارع! فليس هناك حضارة إسلامية أو نصرانية ليقع ذلك الحوار أو الصراع. ودون الدخول في جدل فلسفي حول تعريف الحضارة فإنه يكفي القول إنه إذا ما وجدت حضارة نصرانية تحت الدولة الرومانية النصرانية أو حضارة إسلامية تحت الدولة العباسية فإن هذه ليست موجودة اليوم. فما الذي يجمع مواطناً من ناميبيا مع مواطن نرويجي ليشكلا حضارة نصرانية أو مواطناً من العراق مع مواطن إندونيسي ليشكلا حضارة إسلامية؟

فليس هناك صراع بين حضارات اليوم. إن الصراع هو بين الاستكبار الأوربي (والذي يشمل ما تفرع عنه في الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وإسرائيل) وبين عقيدة الإسلام.

فقد اكتشف الاستكبار الأوربي (الاستكبار) منذ عهد الصليبيين أن عقيدة الإسلام تشكل تحدياً منيعاً لمشاريعه في الهيمنة على العالم. وحين أقول عقيدة الإسلام فإني لا أعني الإسلام السياسي وما نتج عنه. فالاستكبار ليس لديه مشكلة مع الإسلام السياسي لكن لديه مشكلة مع عقيدة الإسلام. فهذه العقيدة تحمل في طياتها مبادئ قد يعيها المسلم وقد لا يعيها لكنها تتحكم بفكره وهي حصيلة ما ورثه عن القرآن وسيرة النبي. ومن هذه المبادئ الإقرار بالعبودية لله وحده، رفض النظام الرأسمالي القائم على الاستغلال وتجميع الثروة وكثير غيرها مما تجعل الإسلام نقيضاً للمشروع الاستكباري الذي يعتمد أسس الرأسمالية وما يسميه السوق الحر، وان لم يكن يوماً حراً، من أجل تحقيق الهيمنة. فعقيدة الإسلام هي التي تجدها الصهيونية اليوم العقبة الكأداء. فالصهيونية ليس لديها مشكلة مع أكثر من خمسين دولة “اسلامية” لكنها تجد في “حركة الجهاد الإسلامي” و”حزب الله” ما يهدد مصالحها وأهدافها في العالم العربي.

لقد لعب الاستكبار دورين رئيسين في خلق وتطوير الأزمة الحالية في الإسلام. فلم يغب عن عيون المستشرقين، ومنهم من درس تأريخ الإسلام أعمق من دراسة المسلمين له، الانتباه إلى الانقسام السياسي في الإسلام والذي يعود لصدر الإسلام. فليس من العسير استيعاب حقيقة ان نظام الخلافة كان مشروعاً سياسياً بقليل من الغطاء الديني. فقد قررت قريش استعادة السلطة السياسية مستعينة بتركة الرسول الأكرم (ص) غطاءً سياسياً لذلك السلوك. وقد أمنت بطون قريش التي كانت معادية للرسول (ص) والتي سبق لي تعريفها في هذا الكتاب أن يتحول رفضها لبيت محمد الى رفضها لبيت علي، حيث إن الرسول (ص) لم يترك ذرية إلا في بيت علي، وأن يجري الحفاظ على هذا الرفض كلما أمكن ذلك.

وقد عمد شيوخ بطون قريش من أجل تحقيق ذلك إلى خلق طبقات من “الصحابة” منحوها هم الألقاب وأسبغوا عليها المديح والذي نسبوه للرسول الأكرم (ص) دون مقدرة أحد لإثبات صحة ذلك من عدمه، فهم الذين كتبوا التأريخ وكاتب التأريخ يفعل ما يشاء. ثم تحولت ممارسات وسياسات أولئك الصحابة لاحقاً الى امتداد لسنة النبي وهذا يعني بالضرورة أنها أصبحت جزءً متمماً لرسالة الرسول الأكرم (ص) وإن لم يأت هو بها! وقد أصبحت كل محاولة للشك أو الطعن بسلوك أي من الصحابة تعرض صاحبها لتهمة الردة، وهي تهمة يحاول كل مسلم أن يتفادى التصاقها به. فالمؤسسة السياسية والتي أشرت لها في هذا الكتاب على أنها “بيت عائشة” تأسست في اليوم الأول لوفاة الرسول الأكرم (ص). وكان أغلب العرب خارج قريش غير معنيين بالصراع السياسي داخل قريش فلم يكن ليعنيهم كثيراً من تسلم الأمر بعد الرسول (ص) ما دام النظام سيؤمن الاستقرار والرفاهية خصوصاً حين بدأ مال الغزو يتفق على عدد منهم. أما غير العرب الذي اعتنقوا الإسلام فلم يكن لديهم خيارات سوى القبول بالإسلام الذي جاءت به المؤسسة السياسية القريشية والتي كانت بالنسبة لهم تمثل رغبة الرسول (ص) الصادقة ما دامت تأتي من أصحابه!

أما القلة من العرب وغير العرب الذين اختاروا، ولأسباب مختلفة، أن يقفوا مع “بيت علي” فقد عدهم فقهاء السنة خارج الخط الإسلامي الصحيح والذي اشاروا له بـ “اهل السنة والجماعة”. وأولئك الذي اتبعوا “بيت علي” وسموا “شيعة علي” ثم لاحقا مجرد “شيعة” فإنهم رغم صغر عددهم نسبياً بقياسهم بعدد أهل السنة إلا أنهم لعبوا دوراً سياسياً أكبر من حجمهم بسبب عوامل التأريخ والجغرافية. فإذا استثنينا المسلمين في شبه القارة الهندية فإن الشيعة يعيشون في مناطق حيوية على جانب شاطئ الخليج من العراق عبر جنوب تركيا مروراً بالساحل السوري حتى جنوب لبنان، وهو الذي اسماه الوهابيون “بالهلال الشيعي”! وهذه المنطقة ليست مهمة من الناحية الجغرافية لربطها آسيا بأوروبا لكنها مهمة جداً بسبب خزين الغاز والنفط الكبير فيها!

وقد يكون من الصعب لأية قوة استكبار تطمع في الهيمنة على العالم، كما هو حال كل استكبار في تأريخ البشرية، أن تهمل هذه الحقيقة وتسعى للبحث عن سبل استغلالها لصالحها. فحين أدرك المستكبرون البريطانيون أن استئصال الإسلام مستحيل قرروا أن يحتووه. واحتواء الإسلام كان سهلاً بالسيطرة على جزيرة العرب من خلال الأعراب وهم بطبعهم ضعاف الإيمان مما يسهل التحكم بهم. وحيث إن السيطرة على مكة تعني السيطرة على العالم الإسلامي خصوصاً بالنسبة للمسلمين خارج أرض العرب، فكان اختلاق “الوهابية”، كما سبق وبينت.

فقد أنتج خلق الوهابية زرع بذور حملة الخراب اليوم. فالوهابية هي بعث الفكر السلفي الذي أوجده ابن تيمية بشكل موسع. وتعتقد السلفية أن الشيعة بشكل عام والباطنية فيها بشكل خاص مرتدين وكفرة يجب استئصالهم. ويتضح حتى للمبتدئ في السياسة أن يدرك قيمة هذا السلاح في أيدي الصهيونية حيث يمكنها توجيه المسلم ضد المسلم في الزمان والمكان الذي تختاره. فتحريك الوهابية ضد الشيعة أفضل سلاح اهتدت له الصهيونية في التعامل معنا. وتكفي نظرة واحدة على المشهد لتأكيد ذلك. فقبل خمسين عاماً كان الحديث كله عن الصراع العربي الإسرائيلي أما اليوم فإن الحديث هو عن الصراع السني الشيعي. وهذا حقاً هو العصر الذهبي للصهيونية!

ثم قام الاستكبار بدعم حركات إسلامية أخرى في العالم العربي، كما بينت سابقاً، وذلك لمواجهة الشيوعية والمشروع القومي العربي. ورغم ان الاستكبار كان يدرك صلابة عقيدة الإسلام إلا أنه في الوقت نفسه أدرك أن الحركات الإسلامية الأصولية كانت تطمع في السلطة وليس في تحقيق عقيدة الإسلام ما يعني أنها لم تكن تشكل خطراً على مصالحه.

إن اكتشاف الخزين الكبير للنفط والغاز في أرض العرب في القرن العشرين غير المشهد والفرص. فقد باشر الاستكبار بضخ نفط العرب وكأنه يتعامل مع آبار مياه من أجل تشغيل أداة إنتاجه بأرخص الكلف ودعم اقتصاده بالمجان. ثم أعطى جزءً صغيراً مما تحقق من ربح للأعراب لحماية محطات ضخ النفط تلك ولتأمين عدم قيام أية مجموعة محلية بأية مشاكل أو مطالب غير مناسبة. ولم يكتف الاستكبار بمنح الأعراب المال دون توجيه، فقد أوعز لأجرائه من البدو أن عليهم، ما أن ينتهوا من إشباع رغباتهم البهيمية في الأكل والشرب والنكاح، في توظيف جزء منها في تحسين صورتهم في العالم الإسلامي. فصرفت مبالغ كبيرة على تحسين وتوسيع المقدسات في مكة والتي أمنت لهم سمعة حسنة في الجمهور الإسلامي الساذج والذي لم يقرأ قط قوله تعالى “أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” (9/19). ثم أنشأوا عددا كبيراً من المساجد في العالم الإسلامي وأرسلوا لها الوعاظ الوهابيين. وهذا كان النصر السياسي الأكبر للوهابية فلم يتمكن أي نظام سياسي أن يتمتع بهذه الإمكانية السياسية التي وفرها المسجد في الإسلام بشكل منصة سياسية مغطاة بغطاء ديني.

وقد ساهم الاستكبار بشكل متميز في مساعدة السلفية الوهابية لوضع وتنفيذ خطط السيطرة على وسائل الأعلام العربية والإسلامية والتي أصبحت، خصوصاً في عصر الثورة الرقمية، واحدة من أقوى أدوات التأثير على الرأي العام وبالنتيجة التحكم بالقرار السياسي. فالقنوات الفضائية مثل قناة الجزيرة والتي أظهرت عند نشأتها صورة من استقلالية الراي حتى تحوز رضى الناس قبل أن تتحول لاحقاً لأداة تخريب وتشويه وتشويش كما فعلت وتفعل في خراب سورية، نموذج حي على نجاح تلك السياسة. إن عدد قنوات التلفزة التي تغطي موجات الأقمار الصناعية في خدمة المشروع السلفي وفي كل اللغات أكبر من أن يحصى. واشترى الوهابيون أكثر دور النشر العربية لمنع نشر أي كتاب لا يتفق معهم أو ينتقدهم أو يكشف تأريخهم الأسود.5 وأعتقد انه يوجد اليوم عديد صغير جداً من الصحف العربية في كل أرض العرب مما ليس مملوكاً بالكامل لجهة وهابية ما أو لا يحررها أجير في خدمة الوهابية أو لا يوجد أكثر من مراسل فيها ممن هو في خدمة الوهابية.

وليس من العسير تقدير حدود نجاح الاستكبار في تمكين الوهابية من الهيمنة على الإعلام في العالم الإسلامي بشكل عام.

وصل الإتحاد السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي حداً من الركود والخمول مما أمكن من اختبار إرادته. فكانت أفغانستان مكاناً جدياً لذلك الاختبار. فطلب الأسياد من الوهابيين أن يقوموا بدورهم في ذلك المشروع. فجندوا الناس من أرجاء الأرض بمالهم وقامت المخابرات الأمريكية بتدريبهم وأرسلوا لمحاربة الجيش السوفيتي الذي كان يقاتل دفاعاً عن الحكومة الشيوعية في أفغانستان.

لقد كانت نتائج تلك الحملة أخطر مما تم الاعتراف به حتى اليوم. فقد أظهرت أولا ضعف تصميم وإرادة السوفييت والتي قادت في فترة قصيرة بعدها للأنشطة التي فتتت النظام السوفيتي كله. وأظهرت، ثانياً، دور الإسلام السلفي لاعباً أساساً في السياسة في العالم. لكن النتيجة الثالثة والأهم من ذلك هي أنها مكنت المخابرات الأمريكية من خلق جيش من المرتزقة العرب المدربين والذي سموا ظلماً وتجنياً على لغة القرآن بـ “المجاهدين”. لقد كان لأهمية هذه الكلمة أنها دخلت القاموس الإنكليزي دون الحاجة لترجمتها.

ومن بين هؤلاء المجاهدين ولدت “القاعدة” بمال الوهابية وتدريب الصهيونية!

وعاد أولئك المجاهدون كلاً لوطنه حيث قام بتجنيد آخرين لمشروع القاعدة. وليس من قبيل غير المعقول أو غير المنظور أن أسامة بن لادن أو عدداً ممن معه فكروا وقتها أو لاحقاً بإمكانية الخروج على ولي الأمر الوهابي والصهيوني وتأسيس دولة إسلامية. لكن هذا حتى إذا تحقق لا يغير من حقيقة أن كل أولئك المجاهدين وأماكن وجودهم كانت معروفة للمخابرات الأمريكية. إن من قبيل الاستخفاف بعقول الناس أن يدعي من يدعي، كما يفعل عدد اليوم، أن المخابرات الأمريكية لا تعرف قادة القاعدة اليوم العاملين في سورية والعراق وليبيا ومصر واليمن. إن أجهزة المخابرات الدولية لا تعمل كجمعيات خيرية!

شهدت بداية القرن الحادي والعشرين وأحداث 11 ايلول الغامضة صعود الصهيونية لأعلى مراحل الاستكبار مما أوجد مصطلح “الاستكبار الصهيوني” الذي استعملته في هذا الكتاب. وخطط هذه المرحلة من الاستكبار تعني أنها ستعلق العمل بميثاق الأمم المتحدة الذي كتبه الكبار بعد الحرب العالمية الثانية وأن تتجاوز قواعد القانون الدولي التي عمل بها خلال قرنين من الزمن. وقد تجلت خطوط هذه المرحلة وسياساتها المقبلة في غزو واحتلال وتجزئة العراق وهو دولة مؤسسة للأمم المتحدة. فما أن تحقق ذلك حتى بوشر بتأجيج سياسة الصراع المذهبي. ومراحل تنفيذ تلك السياسة مثبتة وموثقة في عدد من الكتب مما يغنيني على الخوض فيها هنا. 6 فقد سلح بول بريمر، حاكم العراق المطلق، أول الأمر الشيعة لأنهم قاتلوا صدام حسين. فما أن انتهى من هذا الدور من الثأر وتنفيذ أعمال تحرص الصهيونية على ألا تبدو أنها تنفذها بنفسها، حتى انتقل بريمر إلى تسليح صحوات السنة لحماية أنفسهم من طغيان مسلحي الشيعة وتجاوزاتهم. فوقعت في العراق بين عامي 2005 و2007 وتحت رقابة وعناية الجيش الأمريكي أوحش الجرائم من الطرفين.

وكانت نتيجة تلك الجرائم أن تحولت القاعدة الى شبكة تجنيد ناجحة بين شباب السنة في العراق ممن كانوا مستائين إما لفقد مواقعهم السابقة في نظام البعث أو لفقدانهم أفراداً من عوائلهم أو لتهجيرهم من بيوتهم. فساد هذا الانحياز المذهبي في صالح القاعدة وذلك بترحيب الاستكبار الذي وجده يصب في مشروعه في استدامة الاضطراب. وحين حان الوقت تمكنت القاعدة من دحر جيش حكومة بغداد المهلهل الذي أسسه بول بريمر والذي كان غير مهيئ وغير معد بل لم يكن يمتلك حتى سبباً للقتال دفاعاً عن حكومات فاسدة في بغداد. وهكذا تمكنت القاعدة من التوسع من قاعدتها في مدينة الرقة السورية لتغطي مساحات واسعة من محافظة نينوى. لكنها كسبت أكثر من ذلك حيث وضعت يدها على اسلحة ومعدات لم تكن تحلم بها مما مكنها من القتال لمدة طويلة قبل أن يأتي المدد عبر الحدود التركية بشكل منتظم، وهكذا كان!

ثم جاء دور سورية للتفكيك حيث إن المشروع الصهيوني هو إعادة رسم حدود العالم العربي بعد إلغاء نظام الدولة الوطنية التي رسمتها حدود سايكس – بيكو. وكان سهلاً في العراق غزوه بعد وضعه في حصار تام مدة تجاوزت الإثني عشر عاماً نزعت سلاح قواته ودمرت إقتصاده وزرعت اليأس في نفوس أهله. إلا ان ذلك لم يكن ممكناً في حال سورية. حيث إنها كانت ما زالت تملك جيشاً قوياً نسبياً واقتصاداً وطنياً متيناً وخزيناً من السلاح الكيمائي مع صواريخ قادرة على إيصالها إلى إسرائيل، والتي كان وما زال هدف الاستكبار أبقاءها القوة الوحيدة في العالم العربي.

وقد منحت الصهيونية الرئيس السوري إثر غزو العراق عرضاً يتلخص بضمان أمن سورية لقاء الاعتراف بالهيمنة الصهيونية على المنطقة وقطع العلاقة مع إيران. 7 ولما رفض الأسد العرض بوشر بالبديل الجديد لإسقاط النظم العربية غير الحليفة بما سمي لاحقاً بالربيع العربي والذي بوشر به أول ما بوشر في شمال أفريقيا. فليبيا التي مضى عليها أربعون عاماً تعيش في أمن ورفاه واستقرار لم تعد موجودة كدولة بعد التغيير الذي أحدثه حلف شمال الأطلسي الذي ترك الدولة لصبية السلفية وعصابات تعمل على أسس قبلية ومناطقية. وتونس أضحت بعد ربيعها عديمة الإستقرار تنظر في نفق مظلم من تهديد السلفية.

لكن سورية ولأسباب عدة احتاجت لخطة أدق وأمتن مما طبق في ليبيا وتونس. فتم تحريك الإخوان المسلمين والقاعدة وعدد من حركات مناهضة للبعث في وقت واحد ومن قبل مشغلين متعددين في الخارج. ووضعت تركيا والسعودية وقطر، بشكل اساس وبدعم فردي من الكويت والإمارات، طاقاتها وامكاناتها في خدمة تنفيذ هدف اسقاط سورية. فكان نتيجة ذلك للأعوام الخمسة الماضية خراب مستمر وقنابل في كل ركن من الدولة وقتل ونهب بحجم كان سيعد من الخرافة لو قيل قبل سنوات عن إمكانية حدوثه. وأصبحت أغلب أراضي سورية خارج سيطرة الدولة السورية حيث يطبق السلفيون في تلك المناطق نموذجهم من العصور المظلمة في ما يسمونه الدولة الإسلامية. وربما يكون أخطر ما نتج عن خراب السنوات الخمس تدمير الإقتصاد السوري بشكل قد يستحيل فيه إعادته لما كان عليه قبل بدأ حملة الخراب وإضعاف الجيش السوري ونزع السلاح الكيميائي خدمة لإسرائيل.

وربما لم يكن ضمن المشروع الصهيوني أن تتوسع ذراع “داعش” أو الدولة الإسلامية كما سمت نفسها لاحقاً من سورية إلى العراق. لكنه لا بد من قبول حقيقة أن حركات أصولية كهذه يمكن لها أن تطور خططاً ذاتية تتجاوز رغبة سادتها ومموليها. فقد كان المشروع الصهيوني تدمير سورية لإنهاء آخر مشروع قومي عربي بعد غياب الناصرية وإنتهاء بعث العراق، فلم يكن هدفهم أن تمتد الدولة الإسلامية لتهدد حكومة بغداد التي نصبها الاستكبار بعد غزو العراق واحتلاله حليفة له. لكن السلفية وجدت فرصة لها في تحقيق التوغل في العراق حيث أصبح فساد السلطة هو الشرع وصار الناس كافرين بـ “الديموقراطية” التي جاء بها الاستكبار. وكان للسلفيين سبب ذاتي للتوسع في العراق. فالعراق أصبح يحكمه الشيعة لأول مرة منذ قرون وليس هناك عدو للسلفية أكبر من الشيعة، لذا فما أن ثبتوا سلطتهم على نهر الفرات في سورية حتى وجدوا الفرصة الذهبية لربط ذلك التوسع بالعراق وخلق خلافة سلفية تستبعد الشيعة والعلويين والسنة الآخرين على حد سواء.

ولن أدخل في جدل حول من أنشأ القاعدة وأسس بالنتيجة للدولة الإسلامية لأن هذا سوف يبعدنا عن هدف هذا التحليل. فلا بد أن يكون خلق حركة سياسية ذا علاقة بأهدافها ونشاطها. لكن عدم القيام بذلك لا يقلل من امكانية تقرير هدف تلك المنظمة عن طريق معرفة من ينتفع باهدافها.  فكل الذي فعله السلفيون حتى الآن هو خراب وقتل وعدم إستقرار في الدول التي نشطوا فيها. إن مطالبتهم باقامة دولة إسلامية سلفية تعني إستئصال كل الآخرين والذي اتضح في هدم المواقع الدينية وأخذ السبايا وقتل المخالفين على أسس انتمائهم لمذهب لا ينتمي للسلفية الإسلامية. إن النتيجة الطبيعية لعقيدة كهذه تعني تفتيت هذه الدول كالعراق وسورية وليبيا إلى دويلات ثانوية تقوم على أسس مذهبية وعرقية. وهذا هو تماماً الهدف الصهيوني للمنطقة حتى يمكن أن تصبح دولة إسرائيل واحدة من بين عدد من الدول الدينية والمذهبية المحيطة بها، بل اقواها.

إن العرض المسرحي للإستكبار في تأليف ما اسماه التحالف ضد داعش لا يقنع أحداً. ذلك لأن قتال داعش لا يحتاج استعراض قوة جوية. فلو أراد الاستكبار حقاً فإن السبيل واضح وقد سبق تطبيقه من قبله بنجاح في العراق. ويمكن تلخيصه بما يلي:

  1. فقد قام ثلاثة من حلفاء الاستكبار في المنطقة وهم تركيا والسعويدة وقطر بدعم داعش كما صرح بذلك نائب الرئيس الأمريكي بايدن. 8 فيمكن توجيه أمر، وليس طلباً، لكل من السعودية وقطر للكف وكلاهما سيلتزم تماماً كما فعل حمد بن جاسم، رئيس وزراء قطر السابق، حين جمع أوراقه وترك موقعه بصمت بعد أن عاقبته الصهيونية لفشله في تحقيق وعده باسقاط الأسد.9 فما أن يتوقف المال والدعم الإعلامي عن داعش والذي تقدمه هذه الدول حتى يتعذر على داعش دفع أجور مقاتيلها من المرتزقة من بين المسلمين المحرومين والمغسولي العقول.
  2. أما تركيا والتي قد لا يكون من السهل أمرها بعمل ما فإن عملها داخل حلف الأطلسي يحتم عليها ألا تورط الحلف في نزاعات ليس له فيها رغبة متفقة مع تركيا. ويمكن للحلف أن ينصح تركيا بأنه ليس من مصلحة الحلف أن تقوم دولة اسلامية سلفية على حدوده وان على تركيا غلق حدودها بوجه مقاتلي داعش الوافدين إليها من أنحاء الأرض. وسوف يكون عسيراً على تركيا رفض ذلك رغم تطلعها لبعث الدول العثمانية والهيمنة على أرض العرب وهو، أي بعث الدول العثمانية، قد لا يكون هدفاً للحلف!
  3. إن غلق حدود تركيا بوجه الوافدين والسلاح سوف يوقف التمرد المسلح بشكل عام في كل من العراق وسورية. فكل الحركات المسلحة في العراق وسورية تحتاج الحدود التركية لأنها المنفذ الوحيد لها لدخول معداتها ورجالها للبلدين. فداعش ليس لديها معامل للسلاح في العراق أو سورية لتصنع مدرعاتها ومدافعها وآلاف سيارات الدفع الرباعي التي تحول لمصفحات، وهكذا فهي بحاجة للحدود التركية كي تتدفق عليها هذه المعدات وهو أمر لا يمكن أن يتم بدون موافقة السلطات التركية. وحيث إنه لا يوجد في سورية والعراق مواطنون شيشان أو أوزبك أو طاجيق فإن غلق الحدود في أوجه إولاء سوف يجفف مصدر الرجال في جيش داعش.
  4. إن الاستكبار الصهيوني الذي يمسك بالنظام المالي في العالم قادر على وقف تدفق المال الى داعش ومشاركيها. فكل تحويل بالدولار يتم في أي جزء من العالم لا بد أن يمر عبر نيويورك. ولا يمكن أن يكون مقبولاً أن نصدق أن المال الذي يدفعه القطريون والسعوديون والكويتيون والإماراتيون يمر من خلال هذا النظام دون المقدرة على معرفة حقيقته ومتابعته. ففي النظام المصرفي اليوم الذي يجري فيه التحري عن أي مبلغ كبير يجري تحويله بسبب إعاقة “غسيل الأموال” يصبح من العسير أن تحول حكومة قطر عشرات الملايين من الدولارات للإرهابيين في تركيا لدفع فدية لإطلاق سراح لبنانيين دون المقدرة على تعقب المال أين انتهى. إن إيقاف تدفق المال للإرهابيين سوف يوقف الإرهاب.
  5. فلو افترضنا إحتمالاً ضعيفاً بفشل الإجراءات المقترحة أعلاه لوقف الإرهاب فإن بامكان الصهيونية أن تفعل ما فعلته في العراق. فيدعى مجلس الأمن للإجتماع ويطلب منه إصدار قرار ملزم تحت الفصل السابع من الميثاق كما حدث في العراق حين صدر القرار (661) لعام 1991 بفرض حصار تام وشامل على داعش في العراق وسورية. ونجح الحصار على العراق الذي فرض لأكثر من اثني عشر عاماً وقاد لسقوط العراق بسهولة في غزو 2003. أما بالنسبة لداعش فإنه سوف ينجح في خلال عام وليس لسنوات كما أعلمنا الرئيس الأمريكي.

ويتضح مما جاء أعلاه أن السبل القانونية لم تغب عن عين المتابع للحدث، فلماذا لا يتبع أياً منها إذن؟ والجواب على ذلك سهل: فالاستكبار ليس جاداً في رغبته في محاربة اي حركة سلفية في العالم العربي لأنه ما دامت  السلفية تعمل ضمن الحدود المسموح لها بها والتي تخدم المشروع الصهيوني فإنها مرحب بها. أما إذا شكلت يوما ما خطراً حقيقياً على مصالح الاستكبار فإن عاصفة تشابه ما وقع في العراق عام 2003 سوف تقتلعها في أيام!

إن الهدف الحقيقي من وجود طيران التحالف في سماء العراق وسورية هو عملياً فرض مناطق حظر طيران على تلك الدولتين دون الحاجة لأعلانها كذلك. وكلما طال أمد هذا الحظر كلما اصبح حقيقة أرسخ واصبح من الصعب تغييره. إن بقاء داعش هو حجة قوية لبقاء طيران الصهيونية في سماء سورية!

كنت قد ألمحت سابقاً لإمكانية التمايز في الأهداف بين السلفية والاستكبار. وقد حدث مثل هذا في عبور السلفية للسيطرة على أجزاء من العراق. فقد كان هدف الدعم المقدم للسلفية من قبل الاستكبار اسقاط النظام في سورية وتفتيتها. فالعراق حليف رئيس للصهيونية منذ غزوه واحتلاله عام 2003 ونظام الدمى التي تحكم بغداد لديه أكثر من اتفاقية أمنية مع الصهاينة لحمايته لقاء قبوله بالمشروع الصهيوني للشرق. إن النتيجة غير المحسوبة والتي نتجت عن دخول داعش للعراق خلقت محنة للصهيونية. فهدفها في إزالة آخر قاعدة للمشروع القومي العربي في سورية تمضي قدماً على وفق المخطط على يد داعش وما شاكلها من الحركت السلفية والتي تعددت عن قصد لتشويش الناس حول الأهداف وهي مشتركة لها جميعاً. ولكن الاستكبار يتعامل اليوم مع نتيجة أخرى لم يخطط لها في تجاوز داعش على القاعدة الصهيونية في بغداد. فكان على الصهاينة العودة للدفاع عن خدمهم في بغداد والذين تركوهم بدون جيش نظامي بعد حل الجيش العراقي عام 2003.

فالمحنة اليوم هي رغبتهم في إنقاذ النظام الفاسد في بغداد، لكنهم من أجل عمل ذلك لا بد لهم من اضعاف داعش. لكن إضعاف داعش سيكون تخفيفاً عن حكومة دمشق وربما يقود لإنتصارها العسكري وفشل مشروع اسقاط النظام القومي فيها. وهذا يفسر سبب الحملة نصف الصادقة ضد داعش من قبل الصهيونية. لكني أعتقد انه إذا كان خيار إنقاذ النظام في العراق يعني انتصار دمشق فإن الاستكبار سيختار سقوط بغداد ودمشق معاً!

إن أية دولة أو جهة صادقة في رغبتها في محابة الإرهاب عليها أن تقاتل مع أو تدعم الدولة الوحيدة في العالم التي تقاتل الإرهاب الوافد لها من كل دول العالم. فأية حكومة أو جهة لا تدعم حكومة دمشق في قتالها للإرهاب ليست فقط غير جادة في محاربة الإرهاب لكنها تدعم الإرهاب بشكل أو بآخر. إن محاربة الإرهاب يجب أن يأخذ الأسبقية على قضايا الخلاف الآخرى. إن الحقيقة التي فضحت المشروع الصهيوني هي أنها غير راغبة في محاربة الإرهاب، فهي معنية في محاربة المشروع القومي العربي الذي يشكل وحده خطراً عملياً على تحقيق أهدافها وتحدياً للوجود الصهيوني في إسرائيل.

تعاملت حتى الآن مع دور الاستكبار في الأزمة الحالية الذي يتمثل في دعم الحركات السلفية والأصولية. لكن هناك دوراً لا يقل أهمية وخطورة للإستكبار يساهم بشكل مباشر في تأجيج عملية تجنيد المقاتلين في الحركة السلفية بشكل عام.

فقد توقف تدخل الإوربيين في المشرق العربي بعد زوال الجيب الصليبي في بلاد الشام في القرن الثالث عشر ميلادي. وكان أحد أسباب ذلك التوقف هو أن اوربا كانت تمر في مرحلة مهمة في فصل الدين عن الدولة والتي قادت لنشوء الدولة المدنية العصرية مما أبعدها عن المغامرة والتدخل. أما السبب الآخر فهو ان العالم العربي كان بشكل واسع تحت سيطرة الدولة العثمانية، ولم تكن أوربا جاهزة بعد لتحدي السيطرة العثمانية. لكن هذا الوضع تغير في بداية القرن التاسع عشر عندما غزت فرنسا الجزائر معلنة إياها جزءاً من فرنسا حتى أمكنت الثورة الدموية للجزائريين من تحريرها عام 1962 بعد قرابة مائة وثلاثين عاماً من الإحتلال والإستيطان. وتبع ذلك تقدم بطيء لعدد آخر من الدول الأوربية مع فرنسا حتى اصبحت شمال أفريقيا محتلة أو تحت نفوذ الاستكبار الأوربي.

وجرى إنتهاك تدريجي ومواز لذلك في شبه جزيرة العرب. فبعد تأسيس الوهابية كما أسلفت قام الاستكبار البريطاني باحتلال جنوب اليمن (عدن) عام 1839 وبقي فيها حتى عام 1963. وحيث إن سيطرة سلطان مسقط على ساحل عمان كانت رمزية فإن سيطرة الاستكبار على ساحل جزيرة العرب الجنوبي كان كاملاً. أما على الجاب الغربي من الخليج فقد باشرت شركة الهند الشرقية، وهي ذراع الاستكبار البريطاني، بتأسيس قواعدها. لقد نجح البريطانيون بشكل ذكي في القرن التاسع عشر في خلق التحالفات بين القبائل البدوية الصغيرة والمعدمة واقناعها للإستقرار في بعض المناطق على الساحل.

وبرغم ان التقسيم السياسي للدولة العثماينة جعل الأرض الممتدة من مدينة البصرة حتى حدود مسقط جزءاً من سلطة والي البصرة في الدولة العثمانية إلا أن الحقيقة هي أن الضعف والفساد الإداري في الدولة العثمانية جعل من السهل على البريطانيين من فرض سيطرة واقعية على الساحل الغربي للخليج.

فلم يكن الاستكبار البريطاني عشية الحرب العالمية الأولى متحكماً بجزيرة العرب والخليج حسب بل كان قد خنق العراق باستقطاع الكويت منه ومنعه حقه الطبيعي في منفذ على المياه العميقة في الخليج والتي كانت له منذ عهد السومريين.

إن إنتهاء الدولة العثماينة  بانتهاء العالمية الأولى كان إنتهاءً للخلافة الإسلامية للمرة الأولى منذ عام 632 ميلادية، وقاد ذلك لهيمنة أوسع على أرض العرب حيث قسمت اتفاقية سايكس – بيكو لعام 1916 بين بريطانيا وفرنسا المشرق العربي بينهما. وهكذا يمكن القول انه بنهاية الحرب العالمية الأولى كانت أرض العرب بجملتها تحت هيمنة الاستكبار الأوربي إما مباشرة كما هو الحال في العراق أو بالوكالة كما كان الحال في جزيرة العرب.

وشهد العقدان بين الحربين العالميتين الأولى والثانية تساؤلاً متزايداً عن حق الأوربيين في السيطرة على أرض العرب تماماً كما شهد أكثر من جزء من العالم هذا التساؤل. وشارك الشيوعيون والقوميون والإسلاميون من العرب في الصراع بحثاً عن إيجاد نتيجة لهذه الهيمنة. وكانت مهمة الإسلاميين الأسهل بين كل الحركات. فقد كان الخطاب سهلاً ومؤثراً. فقد عاش المسلمون في ظل الحكم الإسلامي والشريعة الإسلامية مدة اثني عشر قرناً سادة أنفسهم وفي أحيان كثيرة منعمين. أما الآن فهم عبيد الكفرة الأوربيين. وهكذا فإن الطريق للخلاص هو العودة للإسلام. وليس عسيراً فهم بساطة هذه الدعوة ومدى تأثيرها في الناس. فلم تتمكن العائلة الهاشمية الحاكمة في الأردن حتى اليوم من التخلص من تهمة خيانة الدور الديني حين انحازت للكفار البريطانيين ضد الدولة الإسلامية العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

وكلما ازداد طغيان الإحتلال وقمعه كلما سهلت مهمة الحركات الإسلامية في تجنيد الناس. ولم يكن أقل أهمية اعتماد الحركات الإسلامية على فشل المشروع القومي العربي في تنفيذ وعوده للجمهور.

ويبرز اليوم حدثان رئيسان يشكلان مسبباً لنجاح الحركات الإسلامية في تجنيد الشباب المسلم – وهما فلسطين والعراق. ذلك ان تأسيس دولة إسرائيل وتطهير فلسطين من أهلها كان وما زال في قلب الخيبة العربية والإسلامية من الاستكبار وسياساته. إن كل من لا يحاول أن يفهم ما يعنيه العرب بكلمة “النكبة” في فلسطين لا يمكن له أن يفهم النفسية الإسلامية اليوم. ولن أطيل الحديث عن رفض العرب لطرد الفلسطينيين من ديارهم أو فشل الأوربيين في فهم رفض العرب للتطهير العرقي الذي تم في فلسطين على غرار ما تم في استراليا وأمريكا. لكن يكفي القول ان ما من حدث خدم الحركات الأصولية الإسلامية كما خدمتها نكبة فلسطين. إن هذا لا يعني أنها ستقدم لفلسطين شيئا فقد أعلن الإخوان المسلمون حين وصلوا للسلطة في مصر أن لا مشكلة عندهم مع الدولة الصهيونية المغتصبة.

وقد قتل حصار الإبادة الذي فرض على العراق بين عامي 1990 و 2003 بشكل مباشر أو غير مباشر أكثر مما فعلته أي حرب تقليدية لبلد واحد في القرن العشرين. ثم أعقب ذلك الحصار غزو همجي واحتلال فكك الدولة العراقية بمؤسساتها القائمة منذ عشرينيات القرن الماضي، وحل الجيش العراقي وقتل مئات الآلاف وفتح الأبواب لصراع مذهبي قتل وما زال مئات آلاف آخرين. وهذا الذي حدث للعراق أطلق كراهية بين المسلمين سهلت أمر التجنيد في صفوف القاعدة والتي كانت قائمة وجاهزة وممثلة للبديل الوحيد. فاندفعوا زرافات من كل أركان العالم الإسلامي. لقد كانت تفسير القاعدة سهلا جداً: إن الدولة الإسلامية في العراق أصبحت تشكل ازعاجاً للهيمنة الصهيونية في المشرق العربي. وهو تفسير لا يستطيع الاستكبار حتى اليوم دحضه!

أعتقد أني قد بينت أعلاه كيف نجح الاستكبار في لعب دورين في تأجيج الأزمة في الإسلام. ففي جانب احتل المستكبرون أرض العرب وأذلوا أهلها وقرروا لهم شروط الإستسلام مما دفع عدداً منهم ألا يجدوا ملجئاً سوى ما وعدهم الإسلام في الخلاص. ومن جانب آخر ساهم الاستكبار نفسه في تأسيس أو دعم حركات تدعو للعودة للسلفية في الإسلام. وهذان الدوران ليسا متناقضين في جوهرهما ما دامت الحركة السلفية لا تشكل خطراً على دولة إسرائيل. وليست هناك مؤشرات على ذلك في الحركة السلفية حيث تؤكد السلفية أن هدفها فقط هو تأسيس دولة سلفية على أرض المسلمين. وهذا يعني تطهير تلك الأرض ممن يعارض السلفية وهذا لا يمكن أن يضر بمصالح إسرائيل بل قد يكون مرغوباً به إذ ليس أفضل لإسرائيل من أن تكون جارتها بهذا التخلف مشغولة بطول اللحية و “الدشداشة” وقطع الأصابع والرقاب وجلد شارب الخمر بينما تنشغل إسرائيل بمواكبة المدنية الأوربية في التطور العلمي والتقني.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image