قل ولا تقل / الحلقة السادسة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: قام بعمل نجله ونقدره
ولا تقل: قام بعمل ترفع له القبعات

نسمع بين حين وآخر من يقول إن فلاناً قام بعمل “ترفع له القبعات”. وقد يسأل سائل: ما الخلل في هذا؟ والجواب هو ما سبق وكتبنا عنه مراراً في أن العربية تعاني من التغرب الذي أصبح يجري في شريانها بل في عقول الناطقين بها. ذلك لأن اللغة، أية لغة، هي انعكاس لفكر الناطقين بها. وحين استعمل الأوربيون عبارة “I raise my hat for that” والتي تترجم “ارفع قبعتي لهذا” على سبيل المثال فان الإنكليزي كان يعبر عن حالة سلوكه في كشف الإحترام والتقدير الذي يقوده لرفع قبعته والتي لا يرفعها عادة عن رأسه. وهذا تعبير جميل يمت بصلة للثقافة والسلوك السليم في المجتمع الإنكليزي.

لكن ما علاقة العربي الذي لم يعرف “القبعة” يوماً بهذا؟ أي ما علاقته بهذا الإستعمال الذي لا يحدث أثراً في سمع العربي الأصيل والذي لم يسبق له أن سمع العبارة الإنكليزية؟ فاذا كان العربي لا يضع قبعة على رأسه مما يدفعه لرفعها في معرض الإحترام والتبجيل، فما معنى العبارة؟

ان التغرب في ذهن العربي أصبح جزءاً من تكوينه العقلي حتى عاد يردد العبارة المترجمة والتي تمكنت منه وان كانت لا علاقة لها بفكره ومفرداته.

إن خطر هذا على مستقبل العربية لا يمكن أن يبالغ فيه، وما لم يسارع المعنيون في ايقاف هذا السيل، والذي تشكل وسائل الإعلام أداته التخريبية الرئيسة، فقد تنقرض اللغة العربية في قرن من الزمان كما توقعت منظمة “اليونسكو”.

قل: دعه حتى يسكتَ من غضبه
ولا تقل: دعه حتى يسكنَ من غضبه

كتب الكسائي: ” وتقول: دعه حتى يسكتَ من غضبه، بالتاء ولا يقال: يسكن بالنون. قال الله عز وجل: “ولما سكت عن موسى الغضَبُ”.

قل: قد اشتريتُ بِطَانَةً جيدةً
ولا تقل: قد اشتريتُ بَطَانَةً جيدةً

كتب الكسائي: “وتقول: قد اشتريتُ بِطَانَةً جيدةً، بكسر الباء. قال الله جل ذكره: “ياايها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكم”.

قل: ما كلَّمتُه قَطّ
ولا تقل: ما كلَّمتُه أبَدَاً

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول ما كلمته قَطُّ ولا أكلمه أبداً لأن قَطُّ للماضي وأبَدَاَ للمستقبل”.

قل: حَصَل فلان على الشيء يَحصل عليه
ولا تقل: حَصُل عليه ولا حَصَّل عليه

كتب مصطفى جواد: “لأنه من باب نَصَر ينصُر، ولأن “فَعُل يفعُل” خاص بالغرائز وأشباهها نحو شَرُف ولطُف وظرُف ونظُف، والحصول ليس فيه غريزة ولا شبه غريزة.”

قل: وضعَ المتاعَ في الخِزانَة
ولا تقل: وضعَ المتاعَ في الخَزانَة

كتب الزبيدي: “ويقولون “الخَزانَة” فيفتحون والصواب “الخِزانَة” (بكسر الخاء) وهو المكان الذي يخزن فيه المتاع و “الخِزانة” أيضاً عمل الخازن، مثل الوِلاية والإمارة.

قل: نيرُ الثوبِ
ولا تقل: نيرةُ الثوبِ

كتب المقدسي: “ويقولون: نِيرَةُ الثوبِ  وصوابُهُ: نِيرٌ، وجَمْعُها: نِيَرٌ.” انتهى

وكتب ابن فارس في المقاييس: “النون والياء والراء كلمة تدلُّ على وضوحِ شيءٍ وبُروزه. يقال لأخدود الطَّريقِ الواضحِ منه نِير. قال: ثم قيس على هذا نِيرُ الثّوب: عَلَمُه، سمِّي به لبُروزه ووضوحه.”

قل: قال ذلك لأنه افترضَ أن يكون كذلك
ولا تقل: قال ذلك لأنه فَرَضَ أن يكون كذلك

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يقع التباس في التفريق بين فعلي فَرَض وافْتَرض ومشتقات هاتين الكلمتين كمفروض ومفْتَرَض، ولكلِّ معناه وموضع استعماله.

فَرَضَ يَفْرِض فَرْضا إذا أوجب فعلَ شيء. فنقول :”فرض الله علينا صومَ رمضان” و”صومُ رمضان مفروضٌ على المؤمنين كما أن الصلاة مفروضةٌ عليهم”. ونقول :”الصلاة فَرْضٌ” وفي القرآن الكريم :”ما كان على النبيِّ من حَرَجٍ فيما فَرَضَ الله له”.

أما افْتَرَض فتعني اعتبر الأمر مُسلَّما به، أو اعتقد أو ظن أن الشيء واقع أو مُسَلَّم به. ويقال :”نقول هذا على سبيل الافتراض لأنه لا يوجد على وقوع هذا الشيء دليل”.

أما الخطأ فهو في استعمال أحدهما مكان الآخر. وهذا يقع كثيرا. فيقال مثلاً :” هذا أمر مفتَرَضٌ ولا مناصَ منه” والصواب مفروض. ويقال: ” قال ذلك لأنه فَرَضَ أن يكون ذلك قد وقع”. والصواب لأنه افْتَرض.”

قل: هذا أمرٌ مرومٌ
ولا تقل: هذا أمرٌ مُرامٌ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “مروم من فعل رام بمعنى طلبَ الشيءَ وقَصَدَه. اسم الفاعل رائِم واسم الفعل مَرُوم. ونقول : “شارك في المباراة ورامَ الفوزَ فيها فلم ينجح”.

ويأتي الفعل مبنياً للمجهول في قولنا مثلاً: “كلُّ شيء على ما يُرام”.
ولا ينبغي أن تُحدِث هذه الصيغة التباساً فنقول: “هذا مُرام” بل “هذا مَرُوم” أي مقصودٌ ومطلوب. فمُرام اسم مفعول من أَرَام لا رام. وأرام يُريم (الرباعي) لا وجود له في العربية.”

قل: رأيت ضَبعاً عرجاء
ولا تقل: رأيت ضَبعَةً عرجاء

كتب الحريري:ويقولون: الضبعة العرجاء، وهو غلط، ووجه الكلام أن يقال: الضبع العرجاء لأن الضبع اسم يختص بأنثى الضباع، والذكر منها ضبعان، ومن أصول العربية أن كل اسم يختص بجنس المؤنث مثل حجر وأتان وضبع وعناق، لا تدخل عليه هاء التأنيث بحال، وعلى هذا جميع ما يستقرى من كلام العرب، وحكى ثعلب قال: أنشدني ابن الأعرابي في أماليه:

تفرقت غنمي يوما فقلت لها ** يارب سلط عليا الذئب والضبعا

فسألته حين أنشدنيه: أدعا لها أم عليها فقال: إن أراد أن يسلطها عليها في وقت واحد فقد دعا لها، لأن الذئب يمنع الضبع والضبع تدفع الذئب فتنجو هي، وإن أراد أن يسلط عليها الذئب في وقت والضبع في وقت آخر فقد دعا عليها.

وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة قل من اطلع على خبئها وانكشف له قناع سرها وهي أن من أصول العربية التي يطرد حكمها، ولا ينحل نظمها أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث لأنه هو الأصل، والمؤنث فرع عليه إلا في موضعين: أحدهما أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع، قلت: ضبعان، فأجريت التثنية على لفظ المؤنث الذي هو ضبع لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان وإنما فعل ذلك فرارا مما كان يجتمع من الزوائد لو ثني على لفظ المذكر.

والموضع الثاني أنهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي التي هي مؤنثة دون الأيام التي هي مذكرة وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق، والأسبق من الشهر ليلته.  ومن كلامهم: سرنا عشرا من بين يوم وليلة.”

قل: نشم الناس في الأمر
ولا تقل: نشب الناس في الأمر

كتب الحريري: “يقولون لمن بدأ في إثارة شر أو فساد أمر: قد نشب فيه، ووجه الكلام أن يقال: قد نشم بالميم لاشتقاقه من قولك: نشم اللحم، إذا بدأ التغير والإرواح فيه، وعلى هذا جاء في حديث مقتل عثمان رضي الله عنه: فلما نشم الناس في الأمر، أي ابتدأوا في التوثب على عثمان، والنيل منه.

وكان الأصمعي يرى أن لفظة نشم لا تستعمل إلا في الشر، وأن منها اشتقاق قولهم: دقوا بينهم عطر منشم، لا أن هناك عطرا يدق حقيقة. وقال غيره: بل منشم عطارة، ما تطيب بعطرها أحد فبرز لقتال إلا وقتل أو جرح، وقيل: بل الإشارة في المثل إلى عطارة أغار عليها قوم، وأخذوا عطرا كان معها، فأقبل قومها إليها فمن شموا منه رائحة العطر قتلوه. ومن أوله على هذا قال: هو عطر من شم، فجعله مركبا من كلمتين. وقيل: الكناية فيه عن قرون السنبل الذي يقال إنه سم ساعة.

وذكر ابن الكلبي أنها امرأة من خزاعة كانت تبيع العطر، فتطيب بعطرها قوم، وتحالفوا عى الموت فتفانوا. وقال غيره: بل هي صاحبة يسار الكواعب، وكان يسار هذا عبدا أسود يرعى الإبل، إذا رأته النساء ضحكن منه، فيتوهم أنهن يضحكن من حسنه، فقال يوما لرفيق له: أنا يسار الكواعب ما رأتني حرة إلا وعشقتني، فقال له رفيقه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكل لحم الحوار، وإياك وبنات الأحرار. فأبى وراود مولاته عن نفسها، فقالت له: مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه، فأتته بموسى، فلما أدنى أنفه إليها لتشمه الطيب جدعته. وفي الشين من منشم روايتان: الكسر والفتح، وإن كان الكسر أكثر وأشهر.

ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم: ما عتب أن فعل كذا، ووجه الكلام ما عتم، أي ما أبطأ، ومنه اشتقاق صلاة العتمة لتأخير الصلاة فيها. ومدح بعض الأعراب رجلا فقال: والله ما ماء وجهك بقاتم ولا زادك بعاتم.”

قل: زرتُ أنطاكيِةَ
ولا تقل: زرتُ أنطاكِيِّةَ

كتب الحنفي: “قال ابن السّاعاتي في أماليه: ما كان من بلاد الروم وفي آخره ياءٌ متبوعة بهاءٍ فهي مخففة كانطاكِيَة ومَلَطْيَة وقُونية وقَيْسَارِيةَ، والعامة تشدِّد الياء.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

15 أيار  2018