قل ولا تقل / الحلقة الثانية بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: عَجَزْتُ عن الشيء
ولا تقل: عَجِزْتُ عن الشيء

 كتب الكسائي: “وتقول: عَجَزْتُ عن الشيء، بفتح الجيم. ومنه قول الله تعالى: “أعَجَزْتُ أن أكون مثل هذا الغُرابِ”.

 

 قل: بعثت اليك بهدية
ولا تقل: بعثت اليك هدية

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول بعثت اليك غلاماً وأرسلت اليك رسولاً فتعدى الفعل بنفسه. فإن قلت بعثت اليك بهدية وأرسلت اليك بثوب ونحوه مما لا يتعدى  بنفسه جاز تعديه بالباء لأن التقدير بعثت اليك انساناً بهدية.”

 

قل: بَرِحَ فلان العاصمة يبْرَحُها بَراحاً بفتح الباء
ولا تقل: بارح فلان العاصمة مبارحة وبِراحاً بكسر الباء

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن العرب استعملت لهذا المعنى الفعل الثلاثي حسب أي برح.

جاء في لسان العرب: “والبَراحُ مصدر قولك بَرِحَ مكانَه أَي زال عنه وصار في البَراحِ….. وبَرِحَ الأَرضَ: فارَقَها. وفي التنزيل: “فلن أَبْرَحَ الأَرضَ حتى يَأْذَنَ لي أَبي..” فالقرآن الكريم يحتوي على استعمال “برح” الثلاثي متعدياً بنفسه في قوله تعالى “فلن أبرح الأرض” الآية. أما “بارح” فله معنى آخر، فقل قالوا “بارحه” بمعنى كاشفه وعالنه وجاهره. والمبارحة هي ما يسمى اليوم “المظاهرة”.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “قال أبو عُبيد: البِرَاح المكاشَفة، يقال بَارَحَ بِراحاً كاشَفَ.” والظاهر أنه مأخوذ من “برِح الشيء” أي انكشف وبان، ومنه المثل “برِح الخفاء”.

والظاهر أن الذي استعمل “بارح” قاسه على “غادر” وليس ذلك بمقيس. فلا يقال “تارك” بمعنة ترك ولا “باين” بمعنى بان ولا “ناظر” بمعنى نظر ولا “قاتل” يمعنى قتل، فلكل وزن معنى خاص به. ولا حكم للشذوذ. فقل: بَرِح مكانه وبرِح العاصمة ولا تقل: بارحهما فمعنى المبارحة المكاشفة وليست بمرادة في العبارة.”

 

قل: هذا كتابٌ مُخْطَأ فيه
ولا تقل: هذا كتابٌ مُخْطِئ

كتب الزبيدي: ” يقولون للكتاب الكثير الخطأ: “مُخْطِئ” والصواب: “مُخْطَأ فيه” تقول أخْطَأ الرجلُ إخْطَاءً، والإسم: الخَطَاءُ بالمد، والخَطَأ بالقصر. وقرأ الحسن: “إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْئَاً كبيراً”.

ويقال للرجل إذا أتى الذنب متعمدَّاً: قد خَطِئ يَخْطَأ خِطْئَاً، فهو خَاطِئ، والمكان مَخْطُوءٌ فيه. ويقال: لأن تُخْطِئ في الطريق أيسر من أن تَخْطَأ في الدِّين. ويقال خَطِئ الرجلُ، قال امرؤ القيس:

يا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئْنَ كاهِلا

يعني: أخْطَأن.

 

قل: قد خطئ في العمل (إذا تعمده)
ولا تقل: قد أخطأ في العمل (إذا تعمده)

كتب الحريري: ويقولون لمن يأتي الذنب متعمدا: قد أخطأ، فيحرفون اللفظ والمعنى لأنه لا يقال: أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل أو لمن اجتهد، فلم يوافق الصواب، وإياه عنى صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإنما أوجب له الأجر عن اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، والفاعل من هذا النوع مخطيء، والاسم منه الخطأ، ومنه قوله تعالى: “وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ”، أما المتعمد الشيء فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والاسم منه الخطيئة، والمصدر الخِطْء بكسر الخاء وإسكان الطاء، كما قال تعالى: “إن قتلهم كان خِطْأ كبيرا” قال الإمام أبو محمد رحمه الله: ولي فيما أنتظم هاتين اللفظتين وأحتضن معنييهما المتنافيين:

لا تخطون إلى خِطء ولا خطأ ** من بعدما الشيب في فوديك قد وخطا

فأي عذر لمن شابت مفارقه ** إذا جرى في ميادين الهوى وخطا

الخطيئة تقع على الصغيرة كما قال سبحانه إخبارا عن إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين السلام: “والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين” ويقع على الكبيرة كما قال تعالى: “بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”.”

 

قل: بدأت أمس ألعاب القُوى
ولا تقل: بدأت أمس ألعاب القِوى

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يقال خطأ في لغة الإعلام الرياضي : “ألعاب القِوَى” (بكسر القاف) والصواب ضمه لأنه جمع قُوَّة بضم القاف.

ونقول “قُوى الشر والطغيان”. و”قُوَى الفساد”. و”ميزان القُوَى”. وهذا جمع تكسير. ولأن المفرد قُوَّة ولأن اللفظ مؤنث فإنه يجمع أيضا جمع المؤنث على قُوَّات (دائما بضم القاف) ونقول القُوَّات المسلحة، والقُوَّات الجوية، والقُوَّات البحرية، والقوَّات الاحتياطية. وجاء في القرآن : “عَلَّمَه شديد القُوَى” بضم القاف.”

 

قل: عثر الجيشُ على لَغْمٍ موقوتٍ
ولا تقل: عثر الجيشُ على لَغَمٍ موقوتٍ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “ومما يجري خطأ على الألسنة فتح الغَين في لَغْم وجمعه ألغام. واللَّغْم ما يُملأ بمواد متفجرة تتفرقع عند مسه أو بالضغط عليه أو بتوقيته. فنقول: “عثرت الشرطة على لَغْمٍ كان على وشك الانفجار”. أو “اكتشف الجيش حقل ألغام”. ويقال “لَغْمٌ موقوت” أي يتفجر في وقت معين.

 وأعتقد أن هذا الخطأ (أي وضع حركة الفتح على عين الكلمة بدلا من السكون) يُرتكَب في اللهجة العربية السورية التي كثيرا ما تفتح فيها عين الكلمة (أي وسطها) إذا كانت اسماً ثلاثياً ساكن الوسط. فيفتح وسطها بدلًا من السكون. فيقال “العَصَر” (بدلا من العَصْر) و”الظُّهَر” (بدلا من الظُّهْر) كما يقال “القَصَر” (بدلا من القَصْر).

واللَّغْم بفتح اللام (ودائما بسكون الغين) يأتي مصدرا فِعلُه هو لغَمَ يَلْغَم لَغْما بمعنى أخبر بدون علم ولا يقين. كما يقال : “لغم البعير” أي ألقى بِلُغامه أي زَبَده.”

 

قل: هو معي (لمن تعب)
ولا تقل: هو عيان

كتب الحريري:ويقولون لمن تعب: هو عيان، والصواب هو أن يقال: هو معي، لأن الفعل منه أعيا، فكان الفاعل منه على وزن مفعل، كما يقال: أرخى الستر فهو مرخ، وأغلى فهو مغل، وعند أهل اللغة أن كل ما كان من حركة وسعي قيل فيه: أعيا، وما كان من قول ورأي قيل فيه عيي وعي، والاسم منهما عيي على وزن شجي.

وقيل فيه: عي على وزن شج وعم، ونظير هاتين اللفظتين في قولهم: عيي وعي، قولهم: حيي وحي، وقرئ بهما قوله تعالى: “ويحيى من حي عن بينة”، وحيي عن بينة.

 

قل: يعجبني مَناخُ لبنان
ولا تقل: يعجبني مُنَاخُ لبنان

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين المَناخ (بفتح الميم) والمُناخ (بضم الميم) فيقولون: مُناخ لبنان رائع، يريدون اعتدال هوائه، وغزارة مياهه، واخضراره الدائم، مما يجعله موافقا للصحة ومسرة للعين، فيوهمون ، لأن المُناخ (بضم الميم) هو مبرك الإبل، والمكان الذي تنوخ فيه، والنوخة: الإقامة.

أما المَناخ (بفتح الميم) فهو المقصود، وهو لفظ لاتيني معرب أصله الماناك، أي التقويم، وهو جدول زمني يحتوي على تعداد الأيام والأشهر، مع زمان طلوع الشمس والقمر وغروبهما، وأوقات الأعياد، إلى غير ذلك من الفوائد.

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني