قل ولا تقل / الحلقة الثالثة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: شُدَّ ثوبكَ
ولا تقل: شِدَّ ثوبكَ

 كتب الكسائي:”وتقول شُدَّ ثوبكَ، وشُدَّ عليه بضم الشين. قال الله تعالى:”فشُدُّوا الوثاق”. إنتهى

كتب الجوهري في الصحاح: “وشَده: أي أوثقه، يَشُدُّهُ ويَشِدُّهُ أيضاً”. فاذا جاز على قول الجوهري أن يأتي مضارع “شد” على “يشُدُّ” أو “يشِدُّ” فإنه يجوز أن يكون الأمر “شُدَّ” أو “شِدَّ”.

 

قل: ودِدْتُ أني في منزلي
ولا تقل: ودَدْتُ أني في منزلي

كتب الكسائي: “وتقول ودِدْتُ أني في منزلي، بكسر الدال الأولى. قال بعض الأعراب:

أُحب بنيتي ووَدِدْت أني          حَفَرْتُ لها برابية قُبيرا

وأضاف المحقق: “وضعها ثعلب في الفصيح في باب (فعلت بكسر العين)، كما وضعها ابن قتيبة في أدب الكاتب في باب “ما جاء على فعلت بكسر العين والعامة تقوله على فتحها”. وقد روي عن الكسائي غير ما يذكره هنا فقد حكى الزجاجي عن الكسائي: ووَدَدْتُ الرجل بالفتح. وقد ضبطَ بروكلمان “قبيرا” بفتح القاف وكسر الياء. وقال في الهامش: “هي كلمة منحوتة من القبر والحفير، أو لعلها محرفة عن الكلمة الأخيرة”. ولست أدري ما الذي أغفله عن تصغير القبر على قبير؟” انتهى

وكتب ابن فارس في المقاييس في باب (ود): “الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على مَحَبَّةٍ. وَدِدْتُه أحببته. ووَدِدْتُ أنَّ ذاك كان، إذا تمنَّيْتَه، أَوَدُّ فيهما جميعاً. وفي المحبَّة الوُدُّ، وفي التَّمنِّي الوَدَادة. وهو وَديدُ فلانٍ، أي يُحِبُّه.

فأمَّا الوَدُّ: فـالوَتِد.”

 

قل: فلان شقيّ من الأشقياء
ولا تقل: شَقيّ من الشقاة

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الشقي صفة من شقي فلان يَشقى شقاءً إذا لم يكن سعيداً ولارفيع العيش هنيئه، ثم استعملته العامة للعيّار والمفسد واللص والشاطر لأن أفعاله تؤدي الى الشقاء أو شقاء النفس في الآخرة، وهو مثال لتطور معاني الألفاظ عند العامة. ولم تأت الصفة من شقي على وزن فاعل حتى يقال “الشاقي” كالباقي ثم يجمع على الشقاة، ويجوز استعمال الشاقي في غير هذا المعنى، قالت العرب: “شقا الله فلاناً يشقوه شَقواً أي صيره شقيّاً، فالله “الشاقي” وهو “المشقّو” ويقال أيضاً: انهم شقوا أبناءهم بسوء التربية فهم شقاة وأبناؤهم أشقياء.”

 

قل: كثرت المُغْرِيات في هذا العصر
ولا تقل: كثرت المُغْرَيات في هذا العصر

وكتب عبد الهادي بوطالب: “المُغرِيات اسم فاعل من أغرى يُغرِي إغراءً. أي حرَّض، وحثَّ. ونقول: “أغراه بقبول الوظيفة”. أي حثَّه على قبولها. و”أغراه بتناول الخمر” أي زيَّن له شربَها. و”أغراه بقبض الرشوة حبُّ المال”.
وتأتي أغرى بمعنى وعد بالشيء. ويُجمَع بين العبارتين فنقول: “حمله على فعل كذا بالوعد والإغراء”. وعكس الإغراء هو التحذير.

وجاء في النحو أن الإغراء هو حث المخاطَب على أمر محمود ليفعله، وأن صيغته تأتي بالاقتصار على المُغرَى بفعله ونصبه على أنه مفعول به. فنقول : “الصدقَ فيما تقول” على تقدير فعل الْزَم. والمعنى الزَم الصدقَ فيما تقول. ويمكن أن يُعدَّد في الجملة ما يحث المتكلمُ السامعَ والقارئَ على فعله فنقول : “الصدقَ والجدَّ والصَّبرَ”. أي الزم فعل هذه الخصال الثلاث وجميعُها مفعول به منصوب بفعل الزم المقدَّر.

أما عكس الإغراء وهو التحذير فله نفس الصيغة ويُنصَب مفعولا به على تقدير احذر. نقول : “الكسلَ والكذبَ والتهاونَ”. على تقدير فعل احذر أي احذرها جميعها.

والمغري هو الشيء الذي يُغْري أو من يُغْري، والجمع هو مُغْرِيات أي ما يُستعمَل للإغراء. فنقول : “كثرت المُغْريات في هذا العصر” أي الأشياء التي تُغري، أي تحث على عمل كذا. وغالبا ما نستعمل كلمة المُغْريات بمعنى المُلْهِيات (بكسر الهاء اسم فاعل) ونقول بسَبَب اختراع بعض المغريات وكثرة المُلْهِيات قلّ إقبال التلاميذ على الدرس أو المطالعة (مثلاً).
ومن ذلك يتبين أن نطق المغريات بفتح الراء خطأ لا مبرر له ولا أساس. ومثل هذا الخطأ يبدو لنا شنيعاً لو نطقنا كلمة المضحِكات بفتح الحاء وأنشدناها بالفتح مُحرَّفة في البيت الشعري التالي (وهو للمتنبي):

وكم ذا بمصر من المضحَكات (لا المضحِكات)

ولكنه ضَحكٌ كالْبُكَا”

 

قل: تلقيت رسالة مُفادُها كذا
ولا تقل: تلقيت رسالة مَفادُها كذا

وكتب عبد الهادي بوطالب: لا يوجد فعل فاد يَفيد (الثلاثي المجرد) حتى يمكن أن نأخذ منه تعبير مَفاد (بفتح الميم على وزن مَفْعَل). وإنما يوجد فعل أَفاد يُفيد (الرباعي). وعلى ذلك نقول مُفاد كما نقول مُراد (فعله أراد) ومُعاد (فعله أعاد) ومُقام (فعله أقام) بينما الكثيرون يقولون :”تلقيت رسالة مَفادُها كذا” و”بلغتني أخبار مَفادُها كذا” والصواب ضم الميم.

 

قل: إن تصغير مختار هو مخير
ولا تقل: إن تصغير مختار هو مخيتير

كتب الحريري: ويقولون في تصغير مختار مخيتير، والصواب فيه مخير، لأن الأصل في مختار مختير، فالتاء فيه تاء مفتعل التي لا تكون إلا زائدة، ويدل على زيادتها في هذا الاسم اشتقاقه من الخير، ومن حكم التصغير حذف هذه التاء ، فلهذا قيل: مخير، ومن عوض من المحذوف قال مخيير.

وقد غلط الأصمعي في تصغير هذا الاسم غلطاً أودع بطون الأوراق، وتناقلته الرواة في الآفاق ذاك أن أبا عمر الجرمي حين شخص إلى بغداد ثقل موضعه على الأصمعي إشفاقاً من أن يصرف وجوه أهلها عنه، ويصير السوق له، فأعمل الفكر فيما يغض منه، فلم ير إلا أن يرهقه فيما يسأله عنه، فأتاه في حلقته، وقال له: كيف تنشد قول الشاعر:

قد كن يخبأن الوجوه تسترا ** فاليوم حين بدأن للنظار

أو حين بدين فقال له: بدأن، قال: أخطأت، فقال  بدين  قال: غلطت إنما هو حين بدون أي ظهرن.

فأسرها أبو عمر في نفسه، وفطن لما قصده به، واستأنى به إلى أن تصدر الأصمعي في حلقته، واحتف الجمع به، فوقف عليه وقال له: كيف تقول في تصغير مختار فقال: مخيتير، قال: أنفت لك من هذا القول، أما تعلم أن اشتقاقه من الخير، وأن التاء فيه زائدة ولم يزل يندد بغلطه ، ويشنع به، إلى أن انفض الناس من حوله.”

 

قل: أحَكَّني جسدي
ولا تقل: حَكَّني جسدي

كتب الحريري: “ويقولون أيضا: حكني جسدي فيجعلون الجسد هو الحاك، وعلى التحقيق هو المحكوك، والصحيح أن يقال: أحكني جسدي، أي ألجاني إلى الحك، كذلك يقولون: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه، لأنه هو المشتكي لا هي .” انتهى

لكن الفيروزأبادي خالف الكسائي فكتب في القاموس: “وحَكَّني وأحَكَّني واسْتَحَكَّنِي: دَعاني إلى حَكِّهِ، والاسْمُ: الحِكَّةُ”. وأخذ عنه ابن منظور فكتب في لسان العرب: “وحَكَّني وأَحَكَّني واسْتَحَكَّني: دعاني إِلى حَكِّه، وكذلك سائر الأَعضاء، والاسم الحِكَّةُ والحُكاكُ. قال ابن بري: وقول الناس حَكَّني رأْسي غلط لأَن الرأْس لا يقع منه الحَكّ.”

 

قل: افترقت الأهواء والآراء
ولا تقل: تفرقت الأهواء والآراء

كتب الحريري: “ويقولون تفرقت الأهواء والآراء، والاختيار في كلام العرب أن يقال في مثله: افترقت، كما جاء في الخبر: تفترق أمتي كذا وكذا فرقة أي تختلف، فأما لفظة التفرق فتستعمل في الأشخاص والأجسام فإذا قيل: إن لزيد ثلاثة إخوة متفرقين، كان المعنى أن كل واحد منهم ببقعة، وإن قيل في وصفهم: مفترقين كان المعنى أن أحدهم لأبيه وأمه والآخر لأبيه، والثالث لأمه، وكذلك يقال: فرق بتشديد الراء فيما كان من قبيل الجمع، وفرق بالتخفيف فيما يراد به التمييز كقولك: فرق بين الحق والباطل والحالي والعاطل.” انتهى

ويبدو من قول الحريري أنه يعيب على حسان بن ثابث قوله:

أكرم بقوم رسول الله قائدهم             إذا تفرقت الأهواء والشيع

لكن قول حسان له ما يؤيده حيث إن الجوهري لم يجد بينهما فرقا فكتب في الصحاح في باب (فرق):

وفَرَّقْتُ الشيء تَفْريقاً وتَفْرِقَةً، فانْفَرَقَ وافْتَرَقَ وتَفَرَّقَ.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….