قل ولا تقل / الحلقة الرابعة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: يَتَسَلَّلونَ منكم لِواذاً
ولا تقل: يَتَسَلَّلونَ منكم لِياذاً

بعث لي قبل أيام أخ أديب كريم بما يلي:
“الفرق بين السبط والحفيد
السبط: هو ابن البنت
الحفيد: هو ابن الإبن

والفرق بين المختال والفخور
المختال: في هيئته واللباس
الفخور: في قوله

والفرق بين أعوذ وألوذ
العياذ: للفرار من الشر
اللياذ: لطلب الخير.”

وهذا قليل من جمال هذه اللغة التي أنعم الله بها علينا.

ثم ما لبث أن استوقفني سؤال عن الفرق بين اللياذ واللواذ. فهل هناك فرق بين الإثنين؟ وهل المصدر أصل والفعل فرع أم أن الفعل هو الأصل والمصدر صادر عنه؟ وكيف يولد عن مصدرين فعل واحد؟

وكتب الجوهري في الصحاح:

“لاذَ به لِواذاً ولِياذاً، أي لجأ إليه وعاذَ به.

ولاوَذَ القومُ مُلاوَذَةً، أي لاذَ بعضُهم ببعض.  ومنه قوله تعالى: “يَتَسَلَّلونَ منكم لِواذاً”.  ولو كان من لاذَ لقال: لِياذاً.”

ويبدو لي أن الجوهري أراد القول ان:
لاذ  يلوذ لياذا
لاوذ يلاوذ لواذا

أما ابن فارس فقد توسع في شرح ذلك فكتب في باب: “لوح”:

“ومما شذَّ عنه أيضاً قولهم: ألاَحَ من الشَّيء: حاذَرَ لِوَاذاً [النور 63].  وكان المنافقون إذا أراد الواحدُ منهم مفارَقَةَ مجلسِ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لاذ بغيرِه متستِّراً ثم نهض. وإنما قال لواذاً لأنه من لاوَذَ وجعل مصدره صحيحاً، ولو كان من لاذ لقال لِياذاً.”

ولا يمكن الإنتهاء من هذا دون الإشارة الى ابن فارس حين ذكر الرسول الأكرم فإنه صلى عليه وآله ولم يشرك صحبه أجمعين كما يفعل أكثر المسلمين اليوم. وابن فارس ليس مبتدعاً وهو أقرب زمنا منا للإسلام. لكنه ما كان له أن يصلي على صحبه أجمعين لأنه كتب أنه كان في صحب رسول الله (ص) منافقون، ولا تقبل صلاة على رسول يشرك فيها معه من هم في الدرك الأسفل من النار!

 

قل: جَهَدْتُ به كل الجُهْد
ولا تقل: جَهِدْتُ به كل الجُهْد

 كتب الكسائي: “وتقول: جَهَدْتُ به كل الجُهْد، والجيم الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. قال الله تعالى: “والذين لا يجدون الا جُهْدَهُم”.

واضاف المحقق: “قال الفراء: يقال بلغت به الجَهْدَ (بفتح الجيم) اي الغاية. وتقول اجْهَد جَهْدَكَ (بفتح الجيم الثانية) في هذا الأمر أي ابلغ غايتك. وأما الجُهْد (بضم الجيم) فالطاقة. قال الله جل وعز: والذين لا يجدون إلا جهدهم أي طاقتهم.  قال ويقال: اجهد جُهْدَكَ”.

 

قل: إستخفيتُ منك
ولا تقل: إختفيتُ منك

ونأخذ مما كتب ثعلب في “باب حروف منفردة” ما يلي: “هو يوم الأربِعاء بفتح الألف وكسر الباء، وتقول ماء ملح ولا تقول ماء مالح، وسمك مملوحٌ ومليحٌ ولا تقل مالحٌ، وتقول رجل يمانٍ من أهل اليمن وتِهامٍ من أهل تهامة، وفعلت ذلك من أجلك ومن إجلك، وتقول ما رأيته مذ أول من أمس، فإن أردت يومين قبل ذلك قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس ولا تجاوز ذلك. والظل ظل الشجرة وغيرها بالغداة والفيء بالعشي. وإذا قيل ادن فتغّدَّ، فقل: ما بي تَغّدِّ وفي العشاء: ما بي تَعَشِّ، ولا تقل ما بي غَدَاءٌ ولا عَشَاءٌ لأنه الطعام بعينه. وتقول: لقيته لَقْية ولِقاءَة ولُقياناً ولا تقل: لَقَاة فإنه خَطأٌ. وتقول: أستخفيتُ منك أي تواريتُ، ولا يقال: اختفيتُ لإنما الإختفاء: الإظهار. وتقول: كَسَفَت الشمس وخَسِف القمر وهذا أجود الكلام. وتقول: أرعني سمعكً أي اسمع مني. وتقول بَخَصتُ عين الرجل وبَخَسْتُه حقه إذا نقصته. والبرد قارِسٌ واللبن قارِصٌ أذا بدأ يحمض. وتقول: دانَقٌ ودانِقٌ، وخَاتَمٌ وخَاتِمٌ، وطابَعٌ وطابِعٌ، وطابَقٌ وطابِقٌ، كل هذا صحيح جائز. وتقول: أمليتُ الكتاب أمليه إملاءً وأملَلْتُ أمِلُّ إملالاً، لغتان جيدتان جاء بهما القرآن.”

 

قل: أداء الدين وكِيان الدولة ورآه إياد عِياناً
ولا تقل: إداء وكَيان وأياد وعَيان

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “الأداء” اسم مصدر والمصدر التأدية كالزَّواج بالنسبة الى التزويج والسَّراح بالنسبة الى التسريح والطَّلاق بالإضافة الى التطليق والصلاة بالإضافة الى التصلية والسَّلام مع التسليم والكلام مع التكليم والزَّكاة مع التزكية والوَصاة مع التوصية فكلها مفتوحة. فالفتح غالب على اسم المصدر كما ذكرت لك ولا يقتصر على اسم مصدر التفعيل بل يكون أحياناً اسماً للأفعال كالعَطاء مع الإعطاء والبَيان مع الإبانة.

أما الكِيان فهو مصدر الفعل “كان” مثل قام قِياماً وذاد ذِياداً ولاذ لِياذاً وعاذ عِياذاً وصام صِياماً وصال صِيالاً وهلم جرّا. وأحياناً يأتي التأنيث مثل عاد عِيادة وزار زِيارة فالواو في المصدر تجعل ياءاً لأنها ساكنة في الفعل لفظاً لا أصالة.

وأما إياد فاسم علم للرجال وبه سمي إياد بن نزار بن معد بن عدنان أبو قبيلة إياد وهو مشتق من آده الحمل يؤوده إياداً أي ثقُل عليه وأناءه، إلا انهم لم يذكروا الإياد في المصادر ولكن القياس يوجبه ويهدي اليه.

وأما العِيان فهو مصدر للفعل “عاينه يعاينه” وأوله مكسور كجميع مصادر “فاعله يُفاعله” الآتية على وزن “فِعال” مثل باينه بِياناً وهو غير البَيان، وقايضه قِياضاً وغايره غِياراً وداينه دِياناً. وقيل ان الفِعال اسم مصدر لأنه أقل من المصدر الثاني وهو المفاعلة كالمباينة والمعاينة والمقايضة، ولكن هذا القول رُدّ على قائله بأن “الفِعال” أصله “فِيعال” ثم حذفت الياء تخفيفاً للفظ.”

وكتب عبد الهادي بوطالب: ويخطئ من يفتح الكاف. وهو مصدر من مصادر كان التي هي كَوْن، وكِيَان، وكَيْنُونة.

لكنه يعني أيضا هيئة، أو بِنْية، أو مؤسسة. وغالبا ما يراد منه التنقيص من الأهمية. فنقول الكِيَان الصهيوني تجنبا لكلمة دولة. ويعني ذلك عدم الاعتراف بإسرائيل. ويقال الكِيَانات المصطنعة، والكِيَانات الضعيفة أو الهشة.

 

قل: هذا الأمر واضح للعِيَان
ولا تقل: هذا الأمر واضح للعَيَان

وكتب عبد الهادي بوطالب: “عِيَان مصدر فعل عايَن وهو على وزن فِعال. ويفتح البعض العين خطأ. كما أن مصدره الآخر هو معايَنَة وهو قياسي كما نقول قِتال، ومقاتلة، وكِفاح ومكافحة، وجِهاد ومجاهدة.

ونقول: “هذا الأمر واضح للعِيَان”، أي للنظر بالعين. ونقول. “شاهِدُ عِيَان”، أي أن الشاهد حضر الحدث وشاهده بعينه، ويقال: “الشاهد العِيَاني” أي الذي شهد بما رأى. ومن الأمثال العربية المشهورة: “وليس الخَبَر كالعِيَان”.

وشهادة العِيَان أفضل وأقوى حُجَّةً من شهادة السَّمَاع. وقال الشاعر:

يا بْنَ الكِرام ألاَ تَدْنُو فَتُبْصِرَ ما
قد حدَّثُوك فمَا راءٍ كمَنْ سمِعا”

وكتب الحنفي: وعلى عكس ذلك قولهم: “العَيان” بفتح العين، فإنّما هي مكسورةٌ.

 

قل: هي كُفَةُ القميصِ
ولا تقل: هي كِفَةُ القميصِ

وقال ابن قتيبة: “صنفة الإزار: جانبه الذي لا هدب فيه، وهي الطُّرّة والكُفَّةُ، وطُرَّة النهر: شفيره. ورجل طِرارٌ كأنه أُلبس طُرَّةً من جمال. وكُفَّة القميص بالضم، فأما كِفَّة الميزان وكِفَّة الصائد وهي حبالته فهما جميعاً بالكسر.”

 

قل: استقبلت قافلة الحاج
ولا تقل: ودعت قافلة الحاج

كتب الحريري:ويقولون: ودعت قافلة الحاج، فينطقون بما يتضاد الكلام فيه لأن التوديع إنما يكون لمن يخرج إلى السفر، والقافلة اسم للرفقة الراجعة إلى الوطن، فكيف يقرن بين اللفظتين مع تنافي المعنيين ووجه الكلام أن يقال: تلقيت قافلة الحاج، أو استقبلت قافلة الحاج. ويشاكل هذا التناقض قولهم: رب مال كثير أنفقته، فينقضون أول كلامهم بآخره، ويجمعون بين المعنى وضده لأن رب للتقليل، فكيف يخبر بها عن المال الكثير.”

كتب الحنفي: قال الحريري: يقولون: ودّعت قافِلَةَ الحاجِّ، فينطقون بما يناقض الكلام، لأنّ التوديع إنّما يكون لمن يخرج إلى السفر، والقافلةُ اسمٌ للرُّفْقَةِ الراجعة إلى الوطن. أقول: فيه بحث، لأنّه نصَّ بعض من كبار أرباب اللغة كصاحب القاموس بأنّ القافلةَ الرُّفْقَةُ القُفّالُ والرفقةُ المُبْتَدِئةُ في السفر تفاؤلاً بالرجوع.  وبهذا يظهر ما في قول مَنْ جعل كلام الحريري هذا سنداً للردِّ على الجوهري في تفسير القيرُوان بالقافلة.”

وكتب ابراهيم السامرائي: “وقرأت قولهم : “قافلة عسكرية أمريكية تدخل شمال العراق . أقول: والقافلة هي العائدة في العربية، وقد ذهبوا إلى التفاؤل بالخير فوصفوا الجماعة العائدة التي لم تتعرض لأذىً في رحلتها بـ القافلة.

غير أن المعاصرين جهلوا هذه الخصوصية في الدلالة فتوسعوا فيها بل قلبوا الكلمة إلى ضدها فهي لديهم الجماعة الذاهبة.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….