قل ولا تقل / الحلقة الخامسة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: هي امرأة صَلِفَةٌ في خيرها
لا تقل: هي امرأة صَلِفَةٌ في أخلاقها

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “الصَّلَفُ: قِلَّة الخير لا التيه، وامرأة صَلِفَةٌ: قليلة الخير لا التي تحظى عند زوجها”.

 

قل: تسلمت المبلغ وحققت تسلم المبلغ
ولا تقل: استلمت المبلغ وحققت استلام المبلغ

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “تسلم والتسلم” غير “استلم والإستلام” وليس تسلم واستلم من أصل واحد بل هما من أصلين مختلفين. فالتسلم أخذ الشيء سالماً وادخاله في السلم. والإستلام من السلمة، وهي الجمر وفيه يقول الشاعر وهو بجير بن غنمة الطائي:

ذاك خليلي وذو يعاتبني          يرمي ورائي بالسهم والسلمة

ومنه استلام الحجر الأسود في الحج أي مسه باليد ومسحه بها وهما كالمصافحة وقد جاء في الحديث النبوي: الحجر يمين الله فمن شاء صافحه بها. قال الشريف الرضي: “المراد أن الحجر جهة من جهات التقرب الى الله تعالى فمن استلمه وباشره قرُب من طاعة الله تعالى فكان كاللاصق بها والمباشر لها”.

ولذلك يكون صادقاً من يقول “والله استلمت الدنانير وما تسلمتها” إذا لم يقبض الدنانير. ومما أشاع هذا الغلط في العالمين قول ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون في ذكر بعض الملوك “فلما استلم زمام السلطة”. والصواب “فلما تسلم زمام السلطة” أو “فلما أمسك زمام السلطة”.

 

قل: أصابه نِقْرِسٌ في رجله
ولا تقل: أصابه نَقْرِسٌ في رجله

كتب الزبيدي: “ويقولون للداء يصيب الرَّجْلَ: “نَقْرِس”، والصواب “نِقْرِس” بكسر النون والراء، على مثال “فِعْلِل”. وقد نُقْرِسَ الرَّجُلَ إذا أصابه ذلك الداء.

والنِّقْرِس أيضاً: العالمُ وكذلك “النِّقْرِيس.

وكتب الحنفي: ويشبه ذلك زيادتهم الياء في نقريس، وإنما هو نِقْرِس بكسر النون وسكون القاف وكسر الراء وبعدها سين مهملة.” انتهى

وجاء في القاموس في باب (نقرس): ” النِّقْرِسُ، بالكسر: وَرَمٌ، ووَجَعٌ في مَفَاصِلِ الكَعْبَيْنِ وأصابعِ الرِّجْلَيْنِ، والهَلاكُ، والداهِيَةُ العظيمَةُ، والدليلُ الحاذِقُ الخِرِّيتُ، والطَّبيبُ الماهِرُ النَّظَّارُ المُدَقِّقُ، كالنِّقْرِيسِ فيهما، وشيءٌ يُتَّخَذُ على صَنْعَةِ الوردِ، تَغْرِزُهُ المرأةُ في رأسِها.” ولم تعرف العرب فعلا له وقد تكون الكلمة أعجمية معربة.

 

قل: هذا كلام مَقُولٌ ومُعاد
ولا تقل: هذا كلام مُقالٌ ومُعاد

وكتب عبد الهادي بوطالب: “الفعل قال واسم المفعول منه على صيغة مَفْعول أي مَقْوُول. لكن القاعدة أن تُخفّف هذه الصيغة فنقول عوضا عنها مَقُول.
ولمن أراد أن يعرف لماذا تحولت صيغة “مقْوُول” الثقيلة لاجتماع واويين فيها أن يعود إلى قواعد اللغة العربية في مصادرها. والذي يهمنا هو أن اسم المفعول من قال هو مَقُول، وأنه من الخطأ أن نقول هذا كلام مُقال. كما نقول هذا الكلام مُعاد لأن فعل قال ثلاثي مجرد، وفعل أعاد رباعي فاسم المفعول الآتي منه هو مُعاد.

سمعت في بعض القنوات الفضائية: “هذا كلام مُقالٌ (بضم الميم) ومُعاد”. والخطأ آت من أن من يرتكبه يخطر بباله أن الفعل رباعي. لكن فعل “أقال” يعني عَزَل من المنصب، أو أعفى من المهمة، أو ساعد على النهوض. وذلك في قولنا: “سقط أحد المارَّة على الرصيف. فأقاله من عَثْرته أحد المارين”.

ومن أدعية بعض المؤمنين قولهم متوجهين إلى الله : “يا مُثَبِّت الخطوات، يا مُقِيل العَثَرات”. ومن الدعاء المطلوب أن تدعو لغيرك به فتقول له: “أقال اللهُ عَثْرَتَك”. أي نجاك الله من الوقوع في القبائح والفواحش. ونقول: “أفَضلُ مَقُولٍ هو المُفيد” (نقصد بمَقُول الكلام). ويُستعْمَل المقُول مؤنثا فنقول: “أُثِرت عن الحكيم فلان مَقولةٌ جامعةٌ مفيدة هي. ونأتي بالعبارة كما استعملها صاحبها وأصبحت بعده شائعة. وعلى ذلك نقول: “مَقُولاتُ الحكماء حافلةٌ بالعِبَر”. أما قال يَقيل فتفيد: نام في وسط النهار. ومصدره قَيْل (بفتح القاف وسكون الياء) وقَيْلُولَة. وقد أصبح هذا المصدر (قَيْلُولة) اسما يدل على النوم في وسط النهار. وجاء في الحديث: “قِيلُوا (أي ناموا في وسط النهار) فإن الشياطين لا تَقيل”.”

 

قل: قدم الحجاج آحاد وثناء
ولا تقل: قدم الحجاج واحدا واحدا واثنين اثنين

كتب الحريري: “ويقولون: قدم الحاج واحدا واحدا، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والصواب أن يقال في مثله: جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع، أو يقال: جاؤوا موحد ومثنى ومثلث ومربع، لأن العرب عدلت بهذه الألفاظ إلى هذه الصيغ لتستغني بها عن تكرير الاسم، ويدل معناها على ما يدل مجموع الاسمين عليه، ولهذا امتنع أن يقولوا للواحد: هذا أحاد وللاثنين: هما مثنى، ولم يمتنعوا عن ذلك إلا لزيادة معنى في أحاد على واحد، وفي ثناء على اثنين.

وفسر قوله تعالى: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع” أي لينكح كل منكم ما طاب له من النساء إن شاء اثنتين اثنتين، أو ثلاثا ثلاثا، أو أربعا أربعا وليس انعطاف بعض هذه الأعداد على بعض انعطاف جمع، وكذلك هي في قوله سبحانه: “جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع”. أي منهم من له جناحان ومن له ثلاثة أجنحة، ومن له أربعة.

وقد اختلف أهل العربية فيما نطقت به العرب من هذا البناء، فقال الأكثرون: إنهم لم يتجاوزوا رباع إلا إلى صيغة عشار لا غير، كما جاء في شعر الكميت:

فلم يستر يثوك حتى رميت ** فوق النصال خصالا عشارا

وروى خلف الأحمر أنهم صاغوا هذا البناء منسقا إلى عشار، وأنشد عليه ما عزي إلى أنه موضوع فيه:

قل لعمرو : يا بن هند ** لو رأيت اليوم شنا

لرأت عيناك منهم ** كل ما كنت تمنى

إذ أتتنا فيلق شهباء ** من هنا وهنا

وأتت دوسر والملحاء ** سيرا مطمئنا

ومشى القوم إلى القوم ** أحادا وأثنى

وثلاثا ورباعا ** وخماسا فاطعنا

وسداسا وسباعا ** وثمانا فاجتلدنا

وتساعا وعشارا ** فأصبنا وأصبنا

لا ترى إلا كميا ** قاتلا منهم ومنا

وقد عيب على أبي الطيب قوله:

أحاد أم سداس في أحاد ** لييلتنا المنوطة بالتناد

ونسب إلى أنه وهم في أربعة مواضع في هذا البيت: أحدها أنه أقام أحاد مقام واحدة، وسداس مقام ست، لأنه أراد أليلتنا هذه واحدة أم واحدة في ست والموضع الثاني أنه عدل بلفظة ست إلى سداس وهو مردود عند أكثر أهل اللغة، الموضع الثالث أنه صغر ليلة على لييلة، والمسموع في تصغيرها: لييلية، والرابع أنه ناقض كلامه، لأنه كنى بتصغير الليلة عن قصرها، ثم عقب تصغيرها بأن وصفها بالامتداد إلى التناد.”

 

قل: علا الماءَ حَبابُه
ولا تقل: علا الماءَ حُبابُه

كتب الحنفي: “ويقولون للنُفّاخات التي تعلو الماء: حُباب، بضم الحاء، وهو بفتحها نَصَّ عليه في مختار الصحاح.” انتهى

وكتب الجوهري في الصحاح  في باب (حبب): “والحِباب بالكسر: المُحابَّةُ والمَوادَّةُ. والحُبابُ بالضم: الحُبُّ. قال الشاعر: فوالله ما أَدري وإني لصـادقٌ/ أَداءٌ عَراني من حُبابِكِ أمْ سِحْرُ.  وحَبابُ الماء بالفتح: مُعظمُهُ. قال طرفة: يَشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيْزومُها بها/ كما قَسَمَ التُرْبَ المُفايِلُ باليَدِ. ويقال أيضاً حَبابُ الماء: نُفَّاخاتُهُ التي تعلو….. وتقول أيضاً: حَبابُكَ أن تفعلَ كذا، أي غايتك. ”

وكتب ابن منظور في أصل المفايل: “والمُفايَلة والفِيَال والفَيال لُعْبة للصبيان، وقيل: لعبة لفِتيان الأَعراب بالتراب يَخْبَؤُون الشيء في التراب ثم يقسِمونه بقسمين ثم يقول الخابئ لصاحبه: في أَي القسمين هو؟ فإِذا أَخطأَ قال له: فال رأْيُك؛ قال طرفة: يَشُقُّ حَبَابَ الماءِ حَيْزُومها بها، كما قَسَمَ التُّرْبَ المُفايِلُ باليَدِ.”

 

قل: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الفضلى للمواطنين
ولا تقل: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الأفضل للمواطنين

وكتب الدكتور ابراهيم السامرائي: “وقرأت: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الأفضل للمواطنين”. أقول: و(الأفضل) هنا (أفعل) للتفضيل، وهي صفة للجمع (الخدمات). ولما كانت محلاّة بالألف واللام كان لنا أن نحملها على المطابقة فنقول: (الخدمات الفُضْلى). غير أن المعاصرين لايستشعرون معنى التفضيل في (الفضلى والكبرى والعليا) ونحو ذلك. ولم تدرك أنهم يتحرّون حدّ التفضيل.

أقول: ومن هذا قول الكثيرين: (الدولتان الأعظم)، والصواب (الدولتان العظميان)، فانظر كيف ننال من حدود العربية.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….