قل ولا تقل / الحلقة السابعة بعد المائة

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: هذا صُندُوق
ولا تقل: هذا َصَندُوق

كتب الكسائي: “وتقول صُندوق بضم الصاد، وزُنبُور وبُهلُول. والبهلول من الرجال: السيد. والجمع بهاليل، كقول عبيد الله بن قيس الزيات يمدح عمر بن عبد العزيز:

من البهاليل من أُميَّةَ يز   دادُ اذا ما مدَحْتَهُ كَرَمَا

وكذلك أيضاً: عُصْفُور، وقُرقُور (السفينة الطويلة) وقُرْبُوس. قال الشاعر في شاهد ذلك:

لَلُقمّةٌ بِجَرِيِشِ المِلْحِ آكُلُها        ألَذُّ من ثَمْرَةٍ تُحْسَى بِزُنْبُورِ

وأكلة قّدَّمَتْ للهُلْك صاحبها             كَحَبَّةِ القمحِ دّقَّتٍ عُنْقَ عًصْفُوُرِ

وكذلك بُرغُوث وخُرطوم وحُلقُوم، من قول الله عز وجل: “اذا بلغت الحُلقوم”. وغُرمولُ الفرس! وهوقضيبه. كالعُرجون وكذلك صُعلُوك.”

(والقٌربوس هو حنو السرج كما جاء في لسان العرب وهو لغة لأن الأصل هو قَرَبوس)

 

قل: فلان يّسْتَحِقُّ كذا
ولا تقل: فلان يَسْتأهل كذا

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول: فلانٌ يستحق كذا وهو أهل لكذا فأما قولهم يسْتأهل فهو مُسْتَأهل فَمُوَلَّدٌ ومعناه عند العرب الذي يأكل الإهالةَ وهي الشحم. أقول استعماله بمعنى الإستحقاق سائغ في القياس، فيسْتَأهل يَسْتَفعِلُ من لفظ الأهلِ مثل يسْتَأصِلُ  ويَسْتَأسِد من لفظ الأصلِ والأسدِ”.

وكتب الحنفي: “قال الحريري والجوزي: يقولون: فلانٌ يَسْتَأْهِلُ الإكرامَ، وهو مُسْتَأْهِلٌ للأنعام، ولم تُسْمَعْ هاتان اللفظتان في كلام العرب ولا صَوَّبَهُما أحدٌ من علماء الأدب،  ووجْهُ الكلام: يستحقّ الإكرام، وهو أَهلٌ لذلك. أقول: وعليه كلام الجوهري حيث قال: يقولون: فلانٌ أَهلٌ لكذا، ولا تَقُلْ: مُسْتَأْهِلٌ، والعامةُ تقوله. وقال صاحب القاموس: واسْتَأْهَلَهُ: استَوْجَبَهُ، لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وإنكارُ الجوهريّ باطِلٌ. وفي الكشاف، في سورة العنكبوت: وأنّه لا يستأهلُ ما يستأهلون.”

 

قل: أجّرَ داره إيجاراً (أي اسكنها غيره باجرة)
ولا تقل: أجَّرها تأجيراً

كتب مصطفى جواد: “فمعنى أجّرها فيها الآجر وهو الذي نسميه الطابوق، هذا لصاحب الارض متولي أمرها. أما الساكن فيها بأجرة فيقول استأجرت الدار استئجاراً وهو مستأجر. وتقول “دفعت بدل الإستئجار الى مؤجر الدار”. أي صاحبها ومتولي أمرها، فهو مؤجر وأنت مستأجر.

وتقول: يا فلان استأجر لي دارا وتساهل على المؤجر وادفع اليه الأجرة بسرعة، فقد اضطررت الى الإنتقال من هذه الدار لأن مؤجرها شرس الأخلاق.”

فقل: استأجرت داراً لأسكنها فأنا مستأجر وقد دفعت أجرتها اي بدل سكناها

ولا تقل: أنا مؤجر ولا مؤجرها لهذا المعنى فصاحب الدار مؤجر وأنا مستأجر وفعله إيجار وفعلي استئجار.”

 

قل: الإتحاد المغربي
ولا تقل: الإتحاد المغاربي

وكتب عبد الهادي بو طالب: ويقولون “الدولتي” هذه نسبة بالياء غريبة إلى كلمة دولة، يستعملها خطأ إعلاميون وأساتذة جامعيون يقصدون بها التفريق بين النسبة إلى دَولةٍ بالمفرد ودُوَلٍ بالجمع، ويظنون أنهم يُحسنون صنعا وهم يُفسدون قواعد اللغة.

التاء الموجودة في كلمة دولة حرف تأنيث زائدة تُحذَف عند النسب. ونقول في النسبة إلى مكَّة مَكِّي، ولا نقول مكَّتِيّ. وفي النسبة إلى لَفْظة نقول لفظي ولا نقول لَفْظَتيّ، كما نقول لفظي نسبة إلى لَفْظ.
وإذا كان يراد التفريق بين النسبة إلى دَوْلة والنسبة إلى دُوَل بالجمع، فلنخصص لفظ دَوْلي (بفتح الدال وتسكين الواو) للنسبة إلى المفرد (دَوْلة)، و”دُوَلي” بالنسبة للجمع (دُوَل).

والمعروف أن أغلبية النحاة ينصحون بنسبة الجمع إلى مفرده. (وهؤلاء هم البصريون). ومنهم من يجيز النسبة إلى الجمع (وهم الكوفيون). ولضرورة التفريق يحسن أن نأخذ بقاعدة الكوفيين فننسب إلى الجمع عندما نريد الحديث عن عدد من الدُّول.

كما نقول بالنسبة للقانون الصادر عن دولة وطنية واحدة هذا قانون دوْلي (National)، وهذا قانون دُوَلي (International) أي قانون مجموعة دول أو منظمات دولية.

وكتب عبد الهادي بوطالب: وعلى ذكر النسبة نذكِّر بأن النسبة في قواعد اللغة تأتي بالياء كما تأتي بالإضافة، لكن أصبحت النسبة بالياء في لغة الإعلام طاغية على النسبة بالإضافة حتى لتكادُ هذه الأخيرة تُنْسَى.
ومن أجل إيثار بعض اللغويين النسبةَ بالياء على النسبة بالإضافة أطلقوا على اتحاد المغرب الكبير اسم الاتحاد الْمَغاربي بصيغة الجمع، مع أن المغرب كان دائما مفردا يطلق على المملكة المغربية. ويوجد لما عداه من الأقطار اسم خاص به : الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا. وتاريخيا لم يُعرَف قط جمع “المغارب” حتى يُنسَب إليه المغاربي. وقد ورد هذا الجمع في القرآن بالنسبة لجهات الغروب كما وردت المشارق بالنسبة لجهات الشروق، وذلك في قوله تعالى:” فلا أقسم برب المشارق والمغارب”.

ولأقطار المشرق العربي تجمعات عربية ولم يُسَمَّ مجموعُها باسم المشارق. ولم يُنسبْ إليها بصيغة المشارقي. وإنما يقال المشرق العربي لا غير. فلْنعدلْ عن اسم المغاربي إلى اتحاد المغرب العربي، أو اتحاد المغرب الكبير.”

 

قل: ما زال الصهاينة في هَضْبَة الجولان
ولا تقل: ما زال الصهاينة في هَضَبَة الجولان

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يُفْتح خطأ حرف الضاد من كلمة الهَضبة. ويتكرر ذلك في لغة الإعلام خاصة عند الحديث عن هضْبة الجُولان. والصواب هو هَضْبة وجمعها هَضَبات. وهذا يندرج في قاعدة جمع فَعْلة على فَعَلات كما سبق ذكره.”

 

قل: ابتعت عبداً وجارية
ولا تقل: ابتعت عبداً وجارية أخرى

كتب الحريري: “ويقولون: ابتعت عبدا وجارية أخرى، فيوهمون فيه لأن العرب لم تضف بلفظتي آخر وأخرى إلا ما يجانس المذكور قبله، كما قال سبحانه: “أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى”، وكما قال تعالى: “فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر”، فوصف جل اسمه مناة بالأخرى لما جانست العزى واللات، ووصف الأيام بالأخر لكونها من جنس الشهر، والأمة ليست من جنس العبد لكونها مؤنثة، وهو مذكر، فلم يجز لذلك أن يتصف بلفظة أخرى، كما لا يقال: جاءت هند ورجل آخر، والأصل في ذلك أن آخر من قبيل أفعل الذي تصحبه من، ويجانس المذكور بعده، يدل على ذلك أنك إذا قلت: قال الفند الزماني، وقال آخر، كان تقدير الكلام: وقال آخر من الشعراء، وإنما حذفت لفظة من لدلالة الكلام عليها وكثرة استعمال آخر في النطق، وأما قول الشاعر:

صلى على عزة الرحمن وابنتها ** ليلى وصلى على جاراتها الأخر

فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها، لتكون الأخر من جنسها، ولولا هذا التقدير لما جاز أن يعقب ذكر البنت بالجارات، بل كان يقول: وصلى على بناتها الأخر.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….