قل ولا تقل / الحلقة الثامنة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: مَشَيتُ حتى أعْيَيْتُ
ولا تقل: مَشَيتُ حتى عَيَيْتُ

كتب الكسائي: ” وتقول مَشَيتُ حتى أعْيَيْتُ بالألف ولا تقول عَيَيتُ إنما يقال في الأمر الذي ينسد عليك، فيقال فلانٌ عَيِيٌّ بأمره من العِيِّ. قال الشاعر:

تَزَحْزَحي عَنِّي يا بَرْذُونَه
إن البَراذِيِنَ أذا جَرِيِنَه
معَ العتاقِ ساعَةً أعْيَيْنَه”

 

قل: أسهب فلان في كلامه فهو مُسهِب أو أسهِب فهو مُسهَب وكلامه مُسهَبٌ فيه
ولا تقل: كلامه مُسْهَب
(بغير جار ومجرور)

وكتب مصطفى جواد: “والسبب في ذلك ميز صفة المتكلم عن صفة الكلام. قال ابن فارس في المقاييس: “السين والهاء والباء أصلٌ يدلُّ على الاتّساع في الشيء… ويقال حفر القوم فأسهبوا، أي بلغوا الرَّمْل. وإذا كان كذا كان أكثر للماء وأوسَعَ لـه. ويقال للرّجُل الكثير الكلام مُسْهَب، بفتح الهاء. كذا جاء عن العرب أَسْهَبَ فهو مُسْهَبٌ، وهو نادر”. بلغوا الرمل ولم يخرج الماء، وأسهب الفرس اتسع في الجري وسبق، وأسهب الرجل إذا أكثر من الكلام فهو مسهَب بفتح الهاء، ولا يقال مُسهِب بكسرها وهو نادر وأسهِب الرجلُ على ما لم يسم فاعله إذا ذهب عقله من لدغ الحية.

وجاء في لسان العرب: “والـمُسْهِبُ والـمُسْهَبُ: الكثيرُ الكلامِ؛ قال الجعْدِيُّ: غَيْرُ عَيِـيٍّ، ولا مُسْهِب ويروى مُسْهَب. قال: وقد اختُلف في هذه الكلمة، فقال أَبو زيد: الـمُسْهِبُ الكثير الكلام؛ وقال ابن الأَعرابي: أَسْهَب الرجلُ أَكثرَ الكلام، فهو مُسْهَب، بفتح الهاءِ، ولا يقال بكسرها، وهو نادر. قال ابن بري: قال أَبو علي البغدادي: رجل مُسْهَبٌ، بالفتح، إِذا أَكثر الكلام في الخطإِ، فإِن كان ذلك في صواب، فهو مُسْهِبٌ، بالكسر لا غير….. وفي حديث ابن عمر، رضي اللّه عنهما: قيل له: ادْعُ اللّهَ لنا، فقال: أَكْرَه أَن أَكونَ من الـمُسْهَبِـين، بفتح الهاءِ، أَي الكَثِـيري الكلام”.

قلت: وجود مُسهَب موجب لوجود أسهِب، وقد نقلنا أنه يقال: أسهب فلان إذا ذهب عقله من لدغ حية فهو مسهَب. وزاد في اللسان: “من لَدْغِ حَيَّةٍ أَو عَقْرَبٍ….. وقيل هو الذي يَهْذي من خَرَفٍ.” ومن هذا استنتجوا أن المسهَب الكثير الكلام في الخطأ لأن الخرف والملدوغ يهذيان، وجاء في الأخبار أن ابا سفيان بن حرب قال لعبد الله بن الزبعري: مالك تسهب في شعرك؟ قال حسبك من الشعر غرة لائحة أو وصمة فاضحة”. ذكر ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ونقل قول علي (ع) لبعضهم “وقد اسهبت في ذكر عثمان ولعمري ما قتله احد سواك”. ونقل في ذكر فتى من مقاتلة صفين “ثم شد لا ينثني حتى يضرب بسيفه ثم جعل يلعن علياً ويشتمه ويُسهبُ في ذمه”. ونقل أيضاً أن جماعة من الخطباء تكلموا عند مسلمة بن عبد الملك، فأسهبوا في القول ولم يصنعوا شيئاً. والشواهد كثيرة لا يتسع المقام لأكثر من هذا منها.

 

قل: ألغى المتعاقدان العَقْد فهو مُلْغىً
ولا تقل: ألغى المتعاقدان العَقْد فهو لاغ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يشيع على الألسنة والأقلام استعمال لاغ بمعنى باطل بدلا من مُلغىً. وهذا هو الصحيح. لاغٍ اسم الفاعل من لَغا يلْغُو (اللازم). الشخصُ أخطأ أو قال كلاما لا فائدة فيه. وفاعل ذلك هو اللاغي. والمصدر منه اللَّغْو. ومن ذلك كتاب: “لَغْو الصيف”.

وجاء في الحديث الذي يُردّد على سمع المصلين يوم الجمعة قبل الخطبة: “إذا قلتَ لصاحبكَ أنْصِت (وفي رواية أخرى صَهْ أي اسكتْ) والإمام يخطبُ يومَ الجمعة فقد لغَوْتَ، ومن لَغَا فلا جُمُعَة له”.

أما الفعل الرباعي من هذه المادة فهو ألْغَى يُلْغِي إلغاءَ الشيءَ أبطله أو أسقطه من الحساب. واسم الفاعل منه مُلْغٍ واسم المفعول منه مُلْغىً. وعليه نقول: “ألغى المتعاقدان العَقْد فهو مُلْغىً (لا لاغ) و”الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية صار مُلْغىً من محكمة الاستئناف”. كما نقول ألغى الموعدَ، أو ألغى السفرَ.

ومع ذلك أرى مناسبا استعمال “لاغٍ” من فعل لغا اللازم في حالة واحدة. هي حالة انتهاء شيء تلقائيا أي من ذاته دون فعل فاعل فنقول : “وصلت العقدةُ نهايتَها وأصبحت لاغِيَة” أو “هذا الحكم أصبح لاغِيا بالتقادم”.”

 

قل: جلَسَ وَحدَه
ولا تقل: جَلَسَ لوَحدِه

كتب عبد الهادي بوطالب: “في الأغاني المصرية الجميلة أغنية يتردد فيها : “عايْشِين لِوَحْدِنا” وأخرى تقول: “بَاحِبَّكْ لِوَحْدَك”. والتعبيران يَرِدان – لا محالة – في لغة الأشرطة المصرية ويؤخذان على أنهما عربيان فصيحان.
لكن استعمال الإعلام العربي الفصيح لهما خطأٌ يجب تصحيحه. إذ يقال “جلستُ وَحْدي” بدون لام. و”نعيش وَحْدَنا” (أو مع بعضِنا). و”أحبُّكِ وَحْدَكِ”.
ولفظ وَحْد يأتي منصوبا إما لأنه مفعول مطلق لفعل: وحَد يَحِد وَحْدا، وإما لأنه حال: جلست وحْدي (أي منفردا).

وقد يتعدى بعَلَى فنقول: “جلس عَلَى وَحْدِه” وفي الغالب يبقى في صيغة المفرد لا يُثنَّى ولا يُجمع. ولذلك أوصي توحيدا للغتنا أن نقتصر على تعبير: “جلست وحْدي” بدون إدخال أي حرف جر عليه لا “اللام” ولا “على” وذلك بغرض توحيد اللغة، وبدون تثنية. ولو أن التثنية جاءت في بعض اللهجات أو اللغات. فلا نقول جلسا وحدَيْهِما وهو صواب، ولكن الأصوب أن نقول جلسا وحدهما، وجلسوا وحدهم. لكن تجوز إضافة وحْد بصيغة المفرد في التعابير التالية أو ما شابهها فنقول: “هو نسيج وَحْدِه”، وهي “نسيج وَحْدِها”، وهما نسيج وَحْدِهما، وهم نسيج وَحْدِهم، وهنّ نسيج وحدِهن. وهكذا. وتعني هذه التعابير أن المتحدَّث عنه لا نظير له، وأنه متميز بسمات الخير التي لا يضاهيه أو يفوقه فيها غيرُه.

وتُستعمَل كلمة النسيج في الغالب في الثوب، لأنه إن كان نسيجا ممتازا فلا يُنسَج على مِنْواله غيرُه. والمِنْوال هو الخشبة التي يحوك عليها الحائك الثوبَ، أي ينسج عليها الثوب. وكلمة مِنْوال تعني أيضا نفس النَّسَق والأسلوب، ونقول: “إن الكاتب في كتابه الجديد نسج على منوال الكاتب الفلاني”. أي على طريقته ومنهجيته وأسلوبه. ويمكن استعمال كلمة طِينة في نفس المعنى ونفس السِّياق: “فلان ينتمي في أفكاره إلى طِينة المفكرين العَلْمانيين”. وتستعمِل اللغةُ الفرنسية كذلك اسمَ كلمة النسيج (ETOFFE) للدلالة على الثوب أو القُماش، والطريقة والأسلوب.”

 

قل: يا أبت افعل ما تؤمر
ولا تقل: يا أبتي افعل ما تؤمر

كتب الحريري: يقولون عند نداء الأبوين: يا أبتي ويا أمتي، فيثبتون ياء الإضافة فيهما مع إدخال تاء التأنيث عليهما، قياسا على قولهم: يا عمتي، وهو وهم يشين وخطأ مستبين، ووجه الكلام أن يقال: يا أبت ويا أمت، بحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسر، كما قال تعالى: “يا أبت لا تعبد الشيطان”، “يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا”، أو يقال: يا أبتا ويا أمتا بإثبات الألف، والاختيار أن يوقف عليهما بالهاء، فيقال: يا أبه ويا أمه فإن قيل: فكيف دخلت تاء التأنيث على الأب، وهو مذكر فالجواب أنه لا غرو في ذلك، ألا ترى أنهم قالوا: رجل ربعة ورجل فروقة فوصفوا المذكر بالمؤنث، وقالوا: امرأة حائض، فوصفوا المؤنث بالمذكر، وإنما يستعمل ما ذكرناه في النداء خاصة فأما قولهم: عمتي وخالتي، فإن التاء فيهما تثبت في غير موطن النداء.

وقد أذكرني السوسن أبياتا أنشدنيها علي بن عبد العزيز الأديب المعري لأبي بكر بن القوطية الأندلسي، يصف فيها السوسن مما أبدع فيه وأحسن، فأوردتها على وجه التشذير لسمط هذا الفصل، والتأبين لمن درج من أولي الفضل، وهي:

قم واسقنيها على الورد الذي فعما ** وبادر السوسن الغض الذي نجما
كأنما ارتضعا خلفي سمائهما ** فأرضعت لبنا هذا ، وذاك دما
جسمان قد كفر الكافور ذاك وقد ** عق العقيق احمرارا ذا وما ظلما
كأن ذا طلية نصت لمعترض ** وذاك خد غداة البين قد لطما
أولا فذاك أنابيب اللجين وذا         **     جمر الغضا حركته الريح فاضطرما

 

قل: هاتيا ما عندكما
ولا تقل: هاتا ما عندكما

كتب الحريري: “ويقولون للإثنين: هاتا بمعنى أعطيا، فيخطئون فيه، لأن هاتا اسم للإشارة إلى المؤنثة الحاضرة، وعليه قول عمران بن حطان:

وليس لعيشنا هذا مهاة ** وليست دارنا هاتا بدار

وإن قلنا لعل بها قرارا ** فما فيها لحي من قرار

والصواب أن يقال لهما: هاتيا بكسر التاء لأن العرب تقول للواحد المذكر هات بكسر التاء، وللجمع: هاتوا، لا كما تقول العامة: هاتم، والدليل عليه قوله تعالى: “قل هاتوا برهانكم”. ويقولون للمؤنث: هاتي ولجماعة الإناث هاتين، وتقول للاثنين من المذكر والمؤنث: هاتيا من غير أن يفرقوا في الأمر لهما، كما لم يفرقوا بينهما في ضمير المثنى في مثل قولك: غلامهما وضربهما، ولا في علامة التثنية التي في قولك: الزيدان والهندان، وكان الأصل في هات: آت المأخوذ من أت، أي أعط، قلبت الهمزة هاء، كما قلبت في أرقت الماء، وفي إياك فقيل: هرقت وهياك.

وفي ملح العرب أن رجلا قال لأعرابي: هات، فقال: والله ما أهاتيك، أي أعطيك.”

 

قل: أُعطي لفلان خَطابة الجامع الفلاني
ولا تقل: أُعطي لفلان خِطابة الجامع الفلاني

كتب الحنفي: أقول: ويقولون أُعطي لفلان خِطابة الجامع الفلاني، بكسر الخاء. وليس ذلك من كلام العرب. قال الجوهري: وخَطُبَ، بالضم ، خَطابةً، بالفتح، أي صار خطيباً. وفي القاموس: خَطَبَ على المنبر خَطابةً، بالفتح.

 

قل: أعضاء المؤتمر يستضفيون الجمعية العلمية
ولا تقل: الجمعية العلمية تعرض استضافة أعضاء المؤتمر

كتب ابراهيم السامرائي: “أقول: الاستضافة طلب الرجل من آخر أن ينزله لديه ضيفاً، يقال: استضفته، أي طلبت إليه أن أكون ضيفه ينزلني عنده وليس هذا حاصلاً في الاستعمال الجديد.

ثم إن المؤتمر من الكلم الجديد الذي ينبغي لنا أن ندرجه في المعجم الجديد للعربية المعاصرة. وإذا عدنا إلى الفعل ((إاْتَمَر)) في فصيح العربية فلا نجد شيئاً من دلالة المؤتمَر.” انتهى

وكتب ابن منظور في لسان العرب: ” واسْتَضافه: طلب إليه الضِّيافة؛ قال أَبو خِراشٍ: يَطِيرُ إذا الشَّعْراء ضافتْ بِحَلْبِه، كما طارَ قِدْحُ المُسْتَضِيفِ المُوَشَّمُ وكان الرجل إذا أَراد أَن يَسْتَضيف دار بِقدْحٍ مُوَشَّم ليُعْلم أَنه مُسْتَضِيف.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….