الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 5

وعدت في الحلقة السابقة أن أتحدث عن الانتفاضة.
لكن ما يستجد من أحداث يلزم بالتوقف للتعليق عليها، ولو قليلاً، بحكم ارتباطها بصلب موضوع هذه السلسلة.
أمس كنت في حديث مع صديق عزيز أسميه (آخر الناصريين) لم تؤثر في ثباته القومي أحداث سبعين عاماً من الاضطراب السياسي والتغرب الشخصي. فذكر عبارة أتفق معه فيها بالكامل لابد من إعادتها ونشرها بين الناس في وقت يبدو فيه التلوث الإعلامي والتشويش الساذج للأفكار المذهبية البائسة والتي لن تغير نتائج “سقيفة بني ساعدة” ولن تؤثر قيد أنملة في مستقبل الأمة العربية. وفحوى الحديث أنه يجب التنبه إلى أنه ليس كل من يطالب بوقف التدخل الإيراني في العراق هو بالضرورة عميل للصهيونية وليس كل من يطالب بانهاء الاحتلال الصهيوني للعراق هو في جيب إيران. فليس كل من يستنكر قيام الصهيونية باغتيال من تشاء كما تشاء وأنى تشاء عميل لإيران، وليس كل من يستنكر دعم وإسناد إيران للفساد المستشري في العراق عميل للصهيونية. ذلك لأنه ما من احد له الحق في أن يحتكر المبادئ.
إن ما وقع على أرض العراق من اغتيال صهيوني مخالف للقانون العراقي والقانون الدولي وما تبعه من ضرب قاعدة “عين الأسد” في غرب العراق مؤشر مهم ومؤكد لموضوع هذه المقالات في الصراع الإيراني الصهيوني على العراق. ذلك لأنه يجب على كل عربي في العراق أن يفهم أن هناك فرقاً كبيراً بين التعامل مع الإيرانيين وبين التعامل مع الصهاينة. ومن لا يقدر أن يفهم هذه الحقيقة فهو واحد من اثنين. فهو إما ساذج لحد أنه لا ينفع معه الحديث، وإما مغرض، يعرف ويحرف! فالعرب الذين يعيشون في أرض ما بين النهرين يختلفون عن باقي الأمة العربية في أنهم يجاورون من الأقوام غير العربية ما لا يجاوره أولئك. فهم، أي عرب العراق، وحدهم يجاورون الأكراد والفرس والأتراك. وهذه حقيقة فرضتها الجغرافيا والتأريخ وعلى عرب العراق العيش فيها. ولا يمكن لعرب العراق أن يكون لهم موقف واحد وشامل تجاه أي من هذه الشعوب المجاورة. فلا يمكن أن يكون لسنة العراق موقف معاد للفرس لأنهم اليوم شيعة بعد أن كانوا أكثر الشعوب تسنناً. ولا يمكن لشيعة العراق أن يعادوا الأتراك لتسننهم واضطهادهم الشيعة في السابق. ولا يمكن للعرب أن يعادوا الأكراد لأنهم يطمعون في السيطرة على أرض عربية. إن طبيعة الجيرة في كل علاقة هي أنها تقود لخلافات. لكن حقيقة الجيرة تلزم كل الأطراف باللجوء للبحث والحوار من أجل حل الخلاف لا اللجوء للعنف والحرب. هذا هو منطق العلاقة الإنسانية سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم الدول.
أما الصهيونية فالموقف منها مختلف تماماً عن الموقف من شعوب الأكراد والفرس والأتراك. ذلك لأن العرب لم يختاروا أعدائهم بل الأعداء هم الذين اختاروا عداء العرب. فالعرب لم يغزو أحداً منذ ألف عام. والعرب لم يستوطنوا قارة أمريكا ويقيموا فيها المستعمرات على حساب السكان الأصليين، والعرب لم يقيموا قواعد عسكرية في شمال الجزر البريطانية وووووو… لكن الصهيونية هي التي جاءت قَضَّها بقَضِيضِها منذ مائة عام بشكل سافر فاحتلت أرضنا وخلقت دولة تجدد بها دولة الصليبيين في القرون الغابرة. واستباحت حرماتنا وقتلت ابناءنا واغتصبت نساءنا وسرقت خيراتنا وحين اعترضنا حاصرتنا ثم غزتنا. لقد أجبرتنا الصهيونية على قبول أن وجودها في أرضنا هو نفي لوجودنا. وهذا حال لا يمكن التعايش معه.
وهكذا يصبح عقد أية موازنة بين الخلاف مع جيراننا من شعوب الأكراد والفرس والأتراك والصراع مع الصهيونية مشروعاً صهيونياً.
فنحن نعيش اليوم خلافاً مع إيران لكننا نخوض صراعاً مصيرياً مع الصهيونية.
إن أهم ما نتج عن أحداث الأيام الأخيرة فوق أرض العراق هما أمران يمكن لي أن أشير لهما دون الدخول في أي حديث عن اتفاقيات سرية بين هذا وذلك، وذلك  لقيمتهما في الصراع الدائر على أرضنا.
أولاً: إن دقة الصواريخ الإيرانية الأحد عشر التي أصابت الأهداف في قاعدة “عين الأسد” لها قيمة كبرى لأن تلك الصواريخ هي بيد مقاتلي فلسطين في غزة ومقاتلي حزب الله في لبنان ومقاتلي جيش سورية العربية. وهذه النتيجة تكفي ضماناً لي بقيام سلاح لدى أولئك الذين يواجهون العدو الصهيوني على أرض العرب يمكنهم من خلق حالة من توازن الرعب تمنع العدو من التمادي في العدوان لمعرفته بدقة الرد الممكن. وهذه حالة جديدة في الصراع العربي الصهيوني لم تكن قائمة منذ عام 1948 حيث كان العدو يتمتع دائماً بتفوق نوعي في السلاح. أما أن يكون بيد الذين يواجهون العدو الصهيوني، والذي أثبتوا أنهم يقاتلونه فعلاً، سلاح ردع متكافئ، فإنه يمكن القول بان قواعد الصراع قد تغيرت، ولو جزئياً، لصالحنا.
ثانياً: إن قاعدة جديدة قد سنت في ميزان الهيمنة الصهيونية على العالم. وهذه القاعدة ليست بسيطة في مدلولها ولا يمكن تأويلها بادعاءات ساذجة في قيام تفاهم عليها. فلم يسبق منذ الحرب العالمية الثانية أن قاعدة عسكرية أمريكية ضربت ولم ترد الصهيونية عليها. وهذا لا يعني أن إيران هزمت الصهيونية ولا يعني أن الصهيونية غير قادرة على تدمير إيران. لكنه يعني، بشكل لا يقبل الجدل العبثي، أن قواعد اللعبة الصهيونية في أرضنا قد تغيرت. فقد اصبح الثمن المطلوب لمطلق الحرية للصهيونية باهضاً إلى حد يجعل عليها أن تحسب ألف حساب قبل تصعيد الموقف. وهو وضع يختلف كثيراً عما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي حين كانت الطائرات والصواريخ الصهيونية تضرب العراق لمجرد أن قاعدة مقاومة طائرات بسيطة فيه أضاءت راداراتها.
نعود الآن للحديث عن الانتفاضة.
إن حق المواطن، أي مواطن، في التمتع بحياة كريمة آمنة ليس موضع جدل. وهذا يعني أن الدولة مكلفة بتأمين عوامل تحققه. فما الذي تحقق في العراق؟
لن أتحدث عن ما آل اليه العراق قبل استرجاع الكويت ذلك لأن في هذا الحديث عرضاً لتأريخ عقود لا يمكن إنصافه في صفحات. وقد لا يكون اتخاذ عام 1990 بداية للحديث عن الحياة في العراق سليماً لكنه لا بد من القبول من نقطة بداية لأي حديث. ويبدو لي أن استعادة الكويت مرحلة فاصلة يمكن اتخاذها بداية القياس والموازنة. فقد تمكنت حكومة العراق بالرغم من الحرب المدمرة مع إيران أن تضمن حداً أدنى من العيش والذي وإن تدنى عما كان عليه في رفاهية سبعينيات القرن إلا أنه كان مرضياً لحد ما وكان الأمن الفردي للمواطن مؤمناً، هذا إذا استثنينا العنف السياسي الذي كان يلحق بالخصوم السياسيين والذي يبدو أنهم يعتقدون أن تعرضهم للاضطهاد والعنف هو الفيصل في تأريخ العراق وهو لا يختلف كثيراً عما كتبه خصوم ستالين في مرحلة بناء روسيا الجديدة.
وفتح دخول العراق للكويت، دون أن يكون البعث قد أعد العدة لمواجهة نتائجه، الباب أمام الصهيونية لتنفيذ حلمها القائم منذ عقود وعقود في اجتياح الحدود الشرقية للأمة العربية. ففرضت حصاراً على العراق لم يسبق في تأريخ البشرية أن فرض مثيل له وقد لا يمكن تكراره. ولا يمكن الحديث عن هذا الحصار وأبعاده ونتائجه حيث إن  بعضها يبدو من قبيل الخيال لكنه حقيقة. وإن كنت قد أخرجت، مع شقيقي الدكتور طارق، كتاباً عن حصار الإبادة[1] يعطي صورة عن حجم الإبادة إلا اني لا بد أن أعطي أنموذجاً واحداً لذلك الطغيان.  فكل من يعرف القليل عن مجلس الأمن يعرف أن تشكيلته، التي أقامها الكبار وقنع بها الصغار، هي أن في المجلس خمسة أعضاء دائميين لكل منهم حق النقض وهو الحق الذي يعطل أي مشروع قرار يبحثه المجلس ويبطل دور الأعضاء الأربعة عشر الباقين. وقد يجد المراقب في هذا ظلماً! لكن حصار العراق جعل هذا الظلم يبدو هيناً. فقد قرر مجلس الأمن تشكيل “لجنة المقاطعة” من الأعضاء الخمسة عشر وكلفها مهمة الإشراف على طلبات العراق للاستيراد. وأضاف مجلس الأمن “الموقر” للجنة سلطة لا يمتلكها هو حيث أعطى لكل عضو سلطة رفض طلب استيراد لمادة ما يتقدم بها العراق. أي ان مجلس الأمن أعطى سلطة النقض لكل عضو من الأعضاء الخمسة عشر في قضايا تخص حياة المواطن العراقي اليومية في استيراد حاجاته الأساس دون أن يكون العضو ملزماً بإعطاء أي سبب ودون أن يكون لأي طرف حق الاعتراض على ذلك النقض. وأترك للقارئ أن يحكم بما كانت النتيجة حين كان رأي أي واحد من هؤلاء الخمسة عشر شخصاً لا يخضع لسلطة ولا رادع ولا مساءلة! فقد كان كافياً لممثل بريطانيا على سبيل المثال أن يعترض على طلب استيراد أقلام الرصاص بحجة أن “الكرافيت” فيها يمكن أن يستعمل في المفاعل النووي وهكذا منع تصدير اقلام الرصاص!!
لقد ولد أكثر شباب الانتفاضة في فترة حصار الإبادة ونشأ هؤلاء في ظل الحصار والغزو والاحتلال. وهكذا فإن الشباب الانتفاضة اليوم هم “جيل الحصار والغزو”. وليس سهلاً على المراقب أن يفهم كيف نشأت شخصية هذا الجيل الذي لم يعرف سوى الحرمان والعنف بينما سمحت له ثورة المعلومات الرقمية، والتي مكنته برغم سلبياتها، أن يطلع على ما يدور في العالم وما يتحقق للآخرين وما يحق له أن يطمح فيه. وهو حال لم يتوفر للأجيال التي سبقته. وهذا ما جعل الكثيرين من العراقيين يفاجؤون بشباب في منتصف العقد الثاني من العمر يصرخون في الشوارع أنهم يريدون وطناً.
لقد كان شباب الحصار يحلمون بحقهم في حياة كريمة. وحيث إنهم لم يكن لهم دور في الغزو والاحتلال فإنهم كانوا يترقبون أن تكون الوعود التي قطعها الغازي ومن معه من الخونة الأجراء قد تحمل جديداً ينقلهم من ذل الحصار إلى حياة أفضل. وقد ظلوا يأملون وان كانت قوانين الصهاينة الغزاة قد أوضحت منذ البداية أن هذا الحلم لن يتحقق. فالنظام السياسي الجديد بني على أسس المحاصصة المذهبية والعرقية. وهذه الأسس خلقت واقعاً لم يقم في أحلك فترات الحكم في العراق الحديث لما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أصبح المعيار الوحيد في السلطة هو الانتماء للحزب الديني الشيعي أو الحزب الديني السني أو الحزب القومي الكردي. وأمام هذا المعيار سقطت كل المعايير. فلم يعد مهماً ما تحمله من كفاءة أو مقدرة في ما يتطلبه الواجب. ولم يعد مهماً مدى الإخلاص في أداء الوظيفة التي يحتلها الشخص. ولم يعد الولاء للوطن موضوعاً له مكانته ما دام الولاء “للقبيلة” المذهبية أو العرقية معلناً وقد اتضح ذلك في انهيار الجيش العراقي أمام القاعدة في الموصل!
ولم يتوقف مشروع الغزاة في هدم العراق على التأسيس لنظام المحاصصة الذي ثبت فشله في لبنان بعد سبعين عاماً، بل إنهم زرعوا بذرة الفساد في فتح شهية المحرومين منذ عقود للمال. فاطلقوا حرية “الرشوة” والتي كانت قد بدأت بشكل ناعم في فترة الحصار. وهكذا نمى الفساد من قبول تدريجي إلى وباء عام. وكل من يقبل أن يرشي ويكرر ذلك فإنه يكون مستعداً أن يرتشي هو. وهكذا أصبح جهاز الدولة غارقاً في فساد لا حدود له من موظفين وأمن وقضاة. وأي بلد يصبح كذلك فإنه يصبح عسيراً إصلاحه.
وهذا لم يتحقق إلا لأن الغزاة جاؤوا بالفاسدين من شذاذ أهل العراق، وأغلبهم كانوا خارج العراق، ووضعوهم في مواضع الحكم خدماً لهم في أول فترة الغزو والاحتلال ثم ولاة الأمر بعد ذلك. وحيث إن الناس هم على دين ملوكهم، فإن فساد ولاة الأمر أفسد الناس بأسرع مما كان يعتقد. ولو كان ولاة الأمر صالحين لتعسر إفساد الناس حتى إذا كان الغزاة يعدون لذلك.
وانتظر جيل الحصار والغزو سنة وسنتين وعشر ولم يتغير شيء. وانتهى العراق الذي غدا ينتج أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يومياً فيه ربع سكانه يكسبون دولارين في اليوم الواحد في وقت تحول فيه عدد من اللصوص الجدد إلى درجة أثرياء الخليج. وانحط التعليم واختفت الخدمات الصحية وهدمت البنى التحتية. ويكفي التذكير بأن العراق، الذي تمكن عام 1991 برغم الحصار وفي فترة أشهر من إعادة تأهيل 80% من توليد وتوزيع الكهرباء الذي دمرته الصهيونية في عدوانها، لم يتمكن بعد ستة عشر عاماً من “الحكم الديموقراطي” وتوفر المال ورعاية الصهيونية أن يصلح أزمة الكهرباء الخانقة في صيف تصل فيه درجة الحرارة إلى 60 درجة مئوية!
ولا بد من التذكير هنا في أن الصهيونية الغازية للعراق لم تكن مدينة لأحد بشيء فهي بذلك لم تكن ملزمة أن تأتي بأحد ليخدمها في إدارة البلد، إلا إذا كان ذلك العضروط أجيراً أو خادماً أو عميلاً قديماً لها. لذلك فإن كل من برز في المشروع السياسي أو أعطي منصباً بعد عام 2003 كان صهيونياً سواء أجاء من طهران أم من دمشق أم من لندن أم من باريس أم من واشنطون وتوابعها! ولو شئت لسميتهم بأسمائهم لكني لا أريد أن أكرمهم بذلك. إن سبب ما دفعني للتذكير بهذه الحقيقة هو ان الانتفاضة الصادقة والحية أنتجت طبقة جديدة من الخونة خرجوا على وسائل الإعلام وعاظاً للناس ينتقدون الفساد والسلوك وهم يحسبون أن الناس لا يعرفون أنهم شركاء في الخيانة جاؤوا مع المحتل وخرجوا على شركائهم ليس لسبب وطني أو لشعور بالندم والعار وإنما لأنهم لم يحصلوا على ما كانوا يطمعون فيه من غنيمة!
ولعل ما ميز انتفاضة تشرين أنها خرجت من المحافظات ذات الأغلبية الشيعية حيث ليس متوقعاً ان تخرج في شمال العراق الكردي ويمكن فهم سبب عدم خروجها في المحافظات ذات الأغلبية السنية. ولهذا مدلولان أولهما أنها ليست انتفاضة مذهب ضد مذهب مما يقطع الطريق على اتهامها بانها محاولة سنية ضد شيعة العراق فقد يقف في ساحة التحرير في بغداد منتفض من مدينة الثورة أمام جاره في قوات الجيش أو الأمن. وثانيهما ان الظلم والحرمان لا مذهب له والثورة عليهما كذلك لا مذهب لها.
وحيث إن السلطة الحاكمة في العراق هي شيعة في أغلبها فقد ظهرت الانتفاضة وكأنها ضد الفساد الشيعي وحده وهي ليست كذلك لأن الفساد بين السنة والأكراد لا يقل عن ذلك بين الشيعة إلا أن الموقف من الأغلبية هو الذي طغى. وحيث إن الولاء المذهبي لإيران سائد بين الوجوه الشيعية الحاكمة، وان لم تكن كلها في الحقيقة موالية لإيران، فقد بدت الانتفاضة موجهة لإيران. بل كان طبيعياً أن تكون شعارات المنتفضين ضد إيران.
وهنا لا بد من وقفة متفحصة وموضوعية من أجل استخلاص ما إذا كانت إيران هي التي أوجدت النظام السياسي الفاسد في العراق، أو إذا كانت قد دعمته رغم عدم إيجادها له. وإذا لم تكن أياً من الإثنين فما الذي فعلته حيال هذا الوضع.
هذا حديث الحلقة القادمة بإذن الله.

 

عبد الحق العاني

 

[1]  Genocide in Iraq (Vol I), The Case Against The UN Security Council And Member States, Abdul-Haq Al-Ani and Tarik Al-Ani, Clarity Press, Inc., Atalanta, 2012

قل ولا تقل / الحلقة الخامسة عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟
إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)
فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: الأمر المعروض أمامنا
ولا تقل: الأمر المطروح أمامنا
شاع بين الكتاب وفي الإعلام بأشكاله الاستعمال المتكرر للكلمات “طرح” و “أطرح” و “المطروحة” حين يراد بها عرض أمر للبحث أو الجدل حوله. ولست على يقين متى دخل هذا الاستعمال المبتذل، لكنه لم يكن معروفاً عند العرب وقد يكون دخوله في وقت متأخر ما يشير إلى أنه مولد.
فما الذي قالت العرب في الفعل ومشتقاته؟ لننظر في أمهات معاجم العربية، لا الدخيلة الجاهلة والمنتشرة على وسائل الإعلام والتي تشوه لغة الناس وتعطي جِزافاً معاني للكثير من الكلمات مما لم تعرفه العرب.
فقد جاء في لسان العرب في باب “طرح”:
“ابن سيده: طَرَحَ بالشيء وطَرَحَه يَطْرَحُه طَرْحاً واطَّرَحَه وطَرَّحه: رمى به؛ أَنشد ثعلب: تَنَحَّ يا عَسِيفُ عن مَقامِها، وطَرِّح الدَّلْوَ إِلى غُلامِها الأَزهري: والطِّرْحُ الشيء المطروحُ لا حاجة لأَحد فيه….”
وكتب الجوهري في الصحاح:
“طَرَحْت الشيءَ، وبالشيء، طَرْحاً، إذا رَمَيْتَه.  النَوَى بفلانٍ كلَّ مَطْرَح، إذا نَأَتْ به. تَطْريحاً، إذا أكْثَرَ من طَرحِهِ. أي أبعده، وهو افْتَعَلَه…”
وكتب الفيروزأبادي في القاموس:
” طَرَحَهُ، وـ به، كمَنَعَ: رَماهُ، وأبْعَدَهُ،
كاطَّرحَهُ وطَرَّحَهُ. والطَّرَحُ، بالكسْرِ وكقُبَرٍ والطريحُ المَطْروحُ والطَّرَحُ مُحرَّكةً: المكانُ البَعيدُ،…..”
ثم جمع ابن فارس هذا المعنى فكتب في مقاييس اللغة:
” الطاء والراء والحاء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على نَبْذ الشَّيءِ وإِلقائِهِ. يقال طَرَحَ الشَّيْءَ يطرحُه طرحا ذلك الطَّرَح، وهو المكان البعيد. النَّوَى بفلانٍ كلَّ مَطرَحٍ، إذا نأتْ به ورمت به…”
وهكذا يبدو واضحا أن العرب لم تستعمل الفعل “طرح” إلا بمعنى “نبذ” و “ألقي بعيدا” وكان لا حاجة لأحد فيه. فكيف يمكن والحال هذا أن يستعمل اليوم كي يعني أنه أمر معروض للبحث وهناك حاجة لذلك، حيث لا يدل الفعل “طرح” على هذا المعنى.
إن استعمال الفعل في غير معناه أو ضده هو ليس من باب التطور حيث يكون التطور لحاجة مستجدة أو لعدم وجود كلمة تغني عن المطلوب. أما وان العرب استعملت فعل “عرض” ومشتقاته فلا حاجة لاستعارة فعل النبذ للدلالة على العرض.
قل: عرضت الأمر ولا تقل طرحت الأمر.
قل: مَرَّتْ عليه أرابيعُ
ولا تقل: مَرَّتْ عليه أربِعاءات
كتب الكسائي: ” ويقال سبتاٌ وسبتان وأسبُتٌ وسُبُوتٌ وأسباتٌ. وأحدٌ وأحدان، وآحادٌ. مثل أسس الحائطِ وآساس.
واثنين واثناوان وأثانين يا هذا، وأثانيُّ
وثُلاثاء وثُلاثاوان وثُلاثاوات وأثْلِثَة
وأربعاء وأربعاوان وأربعاوات وأرابيع
وخَميس وخميسان وخميساوات وأخمسة
وجُمعة وجُمعَتَان وجُمُعات وجُمع.”
قل: عندي دِرْهَم
ولا تقل: عندي دُرْهَم
كتب الكسائي: “ويقال عندي دِرْهَم بكسر الدال وفتح الهاء.”
قل: القنابِل والبراعِم والدراهِم (بكسر الحرف الرابع أي الحرف الذي قبل آخر الكلمة)
ولا تقل: القنابُل والبراعُم والدراهُم.
 كتب مصطفى جواد: “وكذلك تلفظ جميع الجموع التي على هذا الوزن كالخنافِس والزوارِق والبيارِق.”
قل: ما زال يبحث عن هُوَيَّة
ولا تقل: ما زال يبحث عن هَوِيَّة
وكتب عبد الهادي بوطالب: لا يصح في لفظ الهَوية فتح الهاء. وهو خطأ شائع على ألسنة الكثيرين في المغرب العربي والمشرق العربي على السواء. أصل الهُوية هي كلمة هُو (بضم الهاء ولا أحد ينطق بها بفتحها).
والأصل فيها السؤال: من هو فلان؟ والجواب هو كذا وكذا. وما يجيء في الجواب هو هُوية الشخص: اسمه، وجنسيته، ووطنه وخصائصه. ونقول إذن هُوية شخص، وهُوية شعب، وورقة التعريف، أو ورقة الهُوية.
فليتذكر الإعلامي لفظ هُو حين ينطق بالهُوية. لأن الهُوية ليست إلا هُو مع ياء النسبة. أما الهَوية (بفتح الهاء) فلا وجود لها في العربية وبالتالي لا دلالة لها. وتوجد كلمة الهاوية (بفتح الهاء) وهي تعني الحفرة العميقة، والأُخدود. وجاء إطلاقها في القرآن على جهنم :”وأما من خفّتْ موازينه فأمه هاوية. وما أدراك ماهيه، نار حامية”.
قل: أجنب الرجل اذا جاء من الغائط
ولا تقل: جنب الرجل اذا جاء من الغائط
كتب الحريري:ويقولون لمن أصابته الجنابة: قد جنب، فيوهمون فيه، لأن معنى جنب أصابته ريح الجنوب، فأما من الجنابة، فيقال فيه: قد أجنب.
وجوز أبو حاتم السجستاني في جنب، واشتقاقه من الجنابة وهي البعد، فكأنه سمي بذلك لتباعده عن المساجد إلى أن يغتسل، فأما قول ابن عباس، رضي الله عنه: الإنسان لا يجنب، والثوب لا يجنب، فأراد به أن الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب وكذلك الثوب إذا لبسه الجنب.”
وعلق أبو الثناء الآلوسي على ما كتبه الحريري فقال:
“… هذا هو الحق فيقال أجنب وجنب كما في الفائق وغيره في القاموس قد أجنب وجَنِبَ أي بكسر النون وجَنُبَ أي بضمها، وأجنب أي على زنة المجهول واستجنب وهو جنب يستوي للواحد والجمع، أو يقال جنبان وأجناب.
فلا معنى لعد ذلك من الأوهام إلَّا فضول الكلام (واشتقاقه من الجنابة وهي البعد)، وكأنه سمي بذلك لأن متعاطي سببها يبعد في الغالب عن الناس بحيث لا يرونه عند الفعل، ولعله أولى من قوله (وكأنه سمي بهِ لتباعده عن المساجد إلى أن يغتسل)، إذ اللغة سابقة على وجوب الاغتسال فتأمل.”
قل: دَخَلَ المسجِدَ رِجالٌ جُنُبٌ
ولا تقل: دَخَلَ المسجِدَ رِجالٌ أجْناب
كتب الكسائي: “وتقول رجلٌ جُنُب، ورجلان جُنُب، ونسوة جُنُبٌ للمذكر والمؤنث سواء.”
قل: قطعته إرْبا إرْبا
ولا تقل: قطعته إرَبا إرَبا
وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: “من قبيح أوهامهم أنهم يجمعون الإرب، وهو العضو، على إرَبٍ فيقولون: قطعته إرَبا إرَبا (بفتح الراء) ، أي أجزاء، فيقعون في الوهم والصواب أن يقال: قطعته إرْبا إرْبا “بتسكين الراء”، أي عضوا عضوا، لأن الإرب يجمع على آراب وليس على إرب.”انتهى
وكتب ابن فارس في مقاييس اللغة في باب “ارب”:
” الهمزة والراء والباء لها أربعةُ أصولٍ إليها ترجِع الفروع: وهي الحاجة، والعقل، والنَّصيب، والعَقْد. فأمّا الحاجة فقال الخليل: الأرَب الحاجة، وما أَرَبُك إلى هذا، أي ما حاجتك. والمأْرَبة والمَأْرُبَة والإرْبة، كل ذلك الحاجة. قال الله تعالى: غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور 31]……
والإرْب: العقل. قال ابن الأعرابيّ: يقال للعقل أيضاً إربٌ وإرْبة كما يقال للحاجة إرْبَةٌ وإرْبٌ. والنعت من الإرْبِ أرِيبٌ، والفعل أَرُب بضم الراء. وقال ابن الأعرابيّ: أرُبَ الرجل يَأْرُبُ إرَباً.
وأما النَّصيب فهو والعُضْو من بابٍ واحد، لأنَّهما جزء الشّيء. قال الخليل وغيرُه: الأُرْبَة نَصيب اليَسَرِ من الجَزُور.
وقال ابن مُقْبِل:
لا يفرحون إذا ما فاز فائزهم              ولا تُرَدُّ عليهم أُرْبَةُ اليَسَرِ
وأما العَقْد والتشديد فقال أبو زيد: أرِبَ الرجل يَأْرَبُ إذا تشدَّد وضَنَّ وتَحَكَّر. ومن هذا الباب التأريب، وهوالتحريش، يقال أرَّبت عليهم. وتَأَرَّب فلانٌ علينا إذا التوى وتَعَسَّر وخالَف. قال الأصمعيّ: تَأَرَّبْتُ في حاجتي تشدّدت، وأَرّبْت العقدة أي شدّدتها. وهي التي لا تَنْحلُّ حتى تُحَلّ حَلاًّ. وإنما سمّيت قِلادة الفرَس والكلب أُرْبَةً لأنّها عُقِدَتْ في عُنُقهما. قال المتلمّس:
لو كنتَ كَلْبَ قنيصٍ كنت ذا جُدَد            تكون أُرْبَتُه في آخر المَرَسِ
قال ابنُ الأعرابي: رجل أرِبٌ إذا كان مُحكَم الأمر.”
قل: أدخل في عمله بَلُّورا كثيرا
ولا تقل: أدخل في عمله بِلُّورا كثيرا
كتب الحنفي: “يقولون للحجر المعروف بِلُّور، بكسر الباء وضم اللام. وفي القاموس: البَلُّور كتَنُّور وسَنّوْر.”
وجاء في القاموس”
” البَلُّورُ، كتَنُّورٍ وسِنَّوْرٍ وسِبَطْرٍ: جَوْهَرٌ م.
وكسِنَّوْرٍ: الضَّخْمُ الشُّجاعُ، والعظيمُ من مُلوكِ الهِنْدِ.”
وفوق كل ذي علم عليم!
وللحديث صلة….

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 4

انتهيت في الحلقة السابقة للسؤال عن سبب فشل إيران في العراق. لكنه لا بد  لي قبل الدخول في هذا أن أتوقف قليلاً عند ما استجد من حدث تصعيدي خطير في اغتيال الصهيونية لعدد من القادة الإيرانيين والعراقيين قرب مطار بغداد. ويبدو أني بشكل غير مقصود بدأت بكتابة هذه السلسلة، بعد أن أجلتها لمدة عام بسبب انشغالي بمقاضاة أعداء العراق، في وقت يتطلب متابعة مستمرة لإن مستجدات الحدث تكاد تكون يومية.

إن أهم ما يمكن استخلاصه من العدوان العسكري الأخير هو:

أولاً: إن الولايات المتحدة، كما قلت في الحلقات السابقة، ما زالت تحتل العراق وتتصرف فيه كأية قوة محتلة في التأريخ. فهي لا تسأل أحداً عن إذن التحرك فوق أرضه أو سمائه. وهذا يعني كما أسلفت أن أي وضع سياسي في العراق لا قيمة له ما دامت الصهيونية قادرة على ازالة ما لا ترضى عنه بعمل عسكري. والاغتيال الأخير دليل ذلك. ولو كانت إيران تحتل العراق، كما يقول عدد من الجهلة وعدد من المغرضين، لما أمكن لأحد أن يقتل أحد اكبر قادتها على ارض العراق وبطائرات تطير من أرض العراق. وأكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع حيث لن أعود لبحث هذه الحقيقة بعد اليوم. ولن أضيع وقتي في حوار حولها.

ثانياً: إن الصهيونية أرادت أن ترسل رسالة ليس فقط لإيران والعراق ولكن لكل العالم مفادها أنها، أي الصهيونية، تمتلك الحق بالتصرف في اغتيال من تشاء، متى تشاء وأينما تشاء. إن سكوت العالم، وعلى الأخص في أوربا وهي وحدها القادرة اليوم على تحديد الطغيان الصهيوني، أمام هذا السلوك الإجرامي يعني أننا وصلنا لوضع جديد في العلاقات الدولية يستخف بكل قواعد العلاقات الدولية التي اتفق عليها العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي شكلت النظام السياسي الدولي الجديد المحدد بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وهو وضع لا يختلف كثيراً عن وضع العالم عشية الحرب العالمية الثانية وسقوط عصبة الأمم.

ثالثاً: إن دعوى من ينادي بأن ينأى العراق عن دائرة الصراع وتسوية الحسابات يبدو وكأنه طلب من يعيش خارج التأريخ والواقع. ذلك لأن البلد المحتل لا يمكن أن يكون خارج صراعات القوة التي تحتله. وقد أثبت اغتيال قاسم سليماني أنه لا يمكن أن يكون العراق حراً في تحقيق هذا الطلب أذا صدقت نية المطالب بالنأي بالنفس. وهذا كان حال فرنسا بعد أن احتلها هتلر في الحرب العالمية الثانية حيث حسمت الحرب العالمية على ارضها. وحتى لو افترضنا، من باب الجدل، أن العراق دولة مستقلة تمتلك السيادة والقرار فإنه، أي العراق، يظل غير قادر على تحقيق النأي عن الصراع وتسوية الحسابات بين الصهيونية وأعدائها ذلك لوجود القواعد العسكرية المنتشرة فوقه والتي تنطلق منها العلميات العسكرية الصهيونية مما يؤدي بالنتيجة لكونها هي، وبالتبعية أرض العراق، هدف أي رد يأتي من أعداء الصهيونية.

رابعاً: إن الصراع الإيراني الصهيوني على العراق حقيقة وليست مجرد أفكار أنتجها عبد الحق لتسويد صفحات مقال. ذلك لأن اغتيال قاسم سليماني على أرض العراق لا علاقة له بالعراق ومشاكله أو مصلحته. بل هو مطلب صهيوني نادت به إسرائيل لسنوات بسبب مساهمة سليماني في دعم حزب الله في لبنان وسورية العربية مما أضر بالمشروع الصهيوني. وقد ثبت هذه الحقيقة كل من رئيس وزراء إسرائيل والرئيس الأمريكي النزق مما يغلق باب الجدل حولها. فالعراق أصبح ساحة الصراع بين الهيمنة الإيرانية والهيمنة الصهيونية على أرض العرب. وهذه الحقيقة لا علاقة لها أين أقف واين يقف الآخرون من هذا الصراع. إنها حقيقة الواقع الذي يجب أن يفهمه ويقره الجميع عند الحديث عن العراق اليوم. إذ لا يكفي الاستنكار ورفع الشعارات والمطالب. بل يجب أن يكون واضحاً أين يقف كل شخص أو مشروع ولماذا يهدف هذا الموقف.

أعود الآن لمتابعة حديثي عن سبب فشل إيران آخذاً في ذلك الحديث شيئاً مما استجد.

لا بد أن نتذكر أن إيران، والتي كانت سعيدة للتخلص من المشروع القومي العربي في العراق والذي مثله حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق ثلاثة عقود والذي ما كان ليزول لولا الغزو الصهيوني، دخلت العراق عن طريق خدمها من قوات بدر. لكن إيران واجهت الحقائق التالية حين دخلت العراق عن طريق عملائها:

  1. إنها لم يكن لها دور في اختيار أعضاء ما سمي بمجلس الحكم من الخونة الذين اختارتهم الصهيونية والذي سيدخلون تأريخ الخيانة كما دخله إبن العلقمي. ذلك لأن اختيار الصهيونية لعدد ممن كانوا يعيشون في إيران أعضاء في مجلس الخيانة ذلك لم يكن بسبب أهمية إيران في القرار وإنما أولاً لكونهم من الشيعة، وهو عرضي، وثانياً لأنهم كانوا على إتصال بالصهيونية سواء أكان ذلك بعلم إيران وموافقتها أم لا. وهذه العلاقة لهم بالصهيونية اضافت عنصراً جديداً من التعقيد في التعامل مع حقيقة ارتباطهم الصهيوني وشعورهم بالولاء المذهبي لإيران.
  1. إنها، أي إيران، لم يكن لها أي دور في التغيير الشامل الذي أدخله الصهاينة للعراق عن طريق تشريع أكثر من مائة قانون غيرت العراق سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً وعسكرياً حيث أصبح لزاماً على من يعمل في العراق أن يتعامل مع الحدث في ظل ذلك التغيير.
  1. إنها لم يكن لها أي دور في صياغة أو تعديل الدستور الذي كتبه الصهاينة للعراق عام 2005 والذي يدعي عدد من الأميين العراقيين اليوم أنهم شاركوا في صياغته ثم تسود الصفحات وتصرف الساعات في الحوار عما كتب أصلاً وما أدخل عليه من تعديل وكأنه حقاً مشروع عراقي أصيل. فلو ان إيران كان لها دور في صياغة دستور عام 2005 في العراق لاعترضت على عدد من مبادئه ليس لأن تلك المبادئ لا تخدم العراق فحسب بل بسبب أنها تفتح باب المشاكل لإيران. ونكتفي بمثال واحد على ذلك لتقريب الصورة. فلو ان إيران كان لها رأي لاعترضت على قيام عراق اتحادي بين العرب والأكراد. ذلك لأن دعم إيران لعراق اتحادي لا بد أن يفتح أعين وشهية شعوب الأزيريين والعرب والأكراد والبلوش للحديث عن إيران اتحادي وهو ما لا تريده ولا تسمح بالحديث عنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن فهم هذه الحقائق مهم لفهم الواقع الذي وجدت إيران نفسها تعمل فيه حين وضعت أقدامها في العراق عن طريق مجموعة من الجهلة والمتخلفين والأميين، وهو كل ما كان لديها من العراقيين الذين لجؤوا اليها.

كما إنه كان على إيران أن تتعامل مع المرجعية الدينية في النجف ذلك لأنه قد يبدو غريباً لكثير من العرب أن يكتشفوا أن مرجعية النجف ليست على توافق مع مرجعية إيران الدينية. وسبب ذلك يعود لتأريخ المرجعية في النجف ونشوء ولاية الفقيه وصعودها. فمرجعية النجف التي كان تأريخها السياسي يتأرجح في القرن العشرين حتى حسمه محسن الحكيم في الفتوى ضد الشيوعية والتي أظهرت انحياز المرجعية الكامل سياسياً للصهيونية حين كانت ليست ملزمة على الدخول في معركة الإنحيازات والولاءات. وقد تولى أولاد محسن الحكيم قيادة التعاون مع الصهيونية وتوجوه بالمشاركة في الإعداد للغزو ودخول العراق مع الصهاينة.

لكن الوضع في إيران كان مختلفاً ولأسباب عدة ليس هذا مجال الخوض فيها. إلا أن ما يهمنا هنا هو أن الخميني حين بعث نظرية ولاية الفقيه للوجود فإنه ادرك عن يقين أنها لا يمكن لها أن تنتصر ما دامت الصهيونية تتحكم بالمنطقة فكان طبيعياً أن يكون مشروعه لبناء الدولة الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه معاديا للصهيونية. وهكذا كان. وحين ورث علي الخامنئي الولاية فقد وجد نفسه في مواجهة مرجعية السيستاني المهادنة للصهيونية وقد أوجز ذلك الموقف الصعب حين تساءل مرة بقوله إنهم يقولون إنهم يوالون علياً لكنهم لا يتعرضون لأمريكا. وليس صعباً على القارئ أن يفهم ما أراده ومن المقصود!

وهذا الموقف الصعب الذي كان على مرجعية ولاية الفقيه أن تتعامل معه يتضح من حقيقة أن مرجعية ولاية الفقيه ليس لها تقليد ذو قيمة في العراق في الوقت الذي يقدر السيستاني فيه تحريك الملايين كما فعل في الدعوة للتصديق على دستور عام 2005 والذي لو كان الأمر بيد الخامنئي لدعا لرفضه. وهذا يعني بالضرورة أن أغلب جماهير الشيعة في العراق، مهما كان تعاطفهم أو عدمه مع إيران، لم يكونوا في حقيقة الأمر في إمرة الفقيه في إيران بل هم في إمرة مرجعية النجف. وهذه الحقيقة مهمة ويجب ادراكها لمن أراد أن يعرف حقاً ما جرى ويجري في العراق وماذا فعلت إيران أو ماذا كان يجب أن تفعل. فقد دخل العديد من عملاء الصهيونية من الملتحفين بغطاء مظلومية الشيعة من هذا الباب مدعين الولاء لإيران في الوقت الذي كانت فيه أهواؤهم حقا في الجانب المعادي لإيران. ولن أسمي أحداً لكن يكفي أن نلقي نظرة واحدة على أولاء الذين كانوا في الصف الأول من المسؤولين في العراق في أعقاب الغزو وننظر أين انتهى الذين اختفوا منهم عن المسرح السياسي. فهم لم يذهبوا إلى طهران بل تراهم في واشنطون أو لندن أو باريس أو في عاصمة صهيونية أخرى! فإذا كانوا حقاً رجال طهران في العراق فلماذا لم يتقاعدوا في بيت سادتهم الفرس؟

أما أجهزة الدولة الإيرانية فقد كان عليها التعامل مع حقائق جديدة في وجود أجهزة المخابرات الدولية في العراق التي تتحرك بمطلق الحرية. فكان شاغلها الأول هو منع تغلغل هذه الأجهزة في إيران وزعزعة الأمن القلق في أساسه في ظل الحصار الخانق. وهذه الحالة القاهرة قضت بغض النظر عما سواها. ولو أدى ذلك للتعامل مع فاسدين من العراقيين لما كان هناك من ضرر اذا خدم ذلك الأمن القومي الإيراني وحمى ذلك حدود إيران من الاختراق.

وحيث إن العراق لم يكن شيعياً في أغلبيته حيث كان السنة وما زالوا يشكلون قوة حقيقية بينما يشكل الأكراد ليس قوة فحسب بل واقعاً سياسياً أوجده الغزو الأول عام 1991 وشبه الاستقلال الذي تمتعوا به منذ عام 1991 وحى عام 2003. وقد نجح الصهاينة في استغلال هذه الحقائق لإجبار إيران على التعامل كرد فعل وليس مبادرة في أغلب مراحل. فرضخ الإيرانيون لأكراد العراق شريطة عدم قيامهم بتأجيج الشعور بالاستقلال بين أكراد إيران.  فجاز لأكراد العراق الفساد دون أي ضغط إيراني!

فما أن انتهى الصهاينة من تسليح وإطلاق يد الميليشيات الشيعية التي جاءت من إيران بحجة مكافأتها على القتال ضد صدام حسين، كما قال بول بريمر، حتى بدأت بتسليح شباب أهل السنة في الصحوة وما شابهها بحجة حمايتهم من ميليشيات الشيعة! ثم ما لبثت أن بعثت الحياة بتنظيم القاعدة الذي أوجدته في أفغانستان بمال الأعراب لتطلق شذاذ المسلمين من جديد في حرب اساسها اجتثاث الشيعة من المنطقة: حيث لم يرفعوا شعاراً غيره! ولا يخفى على أبسط مراقب أن هدف الصهيونية، من تجميع رجالها القدماء في القاعدة وإعادة تنظيمهم وتمويلهم وتسليحهم ومنحهم ممر العبور من تركيا، كان وما زال من أجل منع قيام محور معاد لإسرائيل يمتد من جبال زغروس حتى الأبيض المتوسط. فالصهيونية ليست سنية ولا شيعية ولا نصرانية وهي تنظر لكل سكان المنطقة من المنظار ذاته من التعالي والاحتقار وليس لها من هدف سوى الهيمنة المطلقة والإذلال وتفعل في سبيل ذلك كل شيء.

هذي ليست سوى نظرة عابرة للحقائق التي وجدت إيران نفسها تتعامل معها في العراق وهي لا تمتلك من مفاتح القوة سوى عدد محدود من الأفراد الذين يمكن لها حقاً الإعتماد عليهم. ولو كان قادة المشروع السياسي الشيعي في العراق في جيب إيران لما وقعوا معاهدات الذل والتي سميت، من باب الاستخفاف بالعقول، معاهدات أمنية منحت الصهيونية كل السلطة وأبقت العراق رهينة لها. فلو كان أي من علاوي أو المالكي أو الجعفري أو العبادي أو المنتفجي في جيب إيران لما انتهى الوضع إلى أن تطير الطائرات الصهيونية من أرض العراق لتقتل قادة إيران على أرض العراق. ثم تنتهي بأن تأمر المنتفجي بأن يحمي سفارتها ومواطنيها!

لكن ما قلته أعلاه لا يجيب على السؤال المشروع، ألا وهو لماذا سمحت إيران للفساد أن يستشري في العراق بالشكل الأسطوري الذي هو عليه اليوم؟ وهو أمر لا يمكن لإيران أن تدعي أنها لم تساهم فيه بالرغم من حقيقة أن الصهيونية هي التي جاءت بالفاسدين وسلمتهم العراق. حيث إنه لا بد لإيران من أن ترد عن سبب فشلها في ردع رجالها عن الانشغال بالفساد وحده دون أية مساهمة أخرى في إدارة الدولة إذا لم نقل المساهمة في البناء والتطوير للدولة التي خرجت من ثلاثة عشر عاماً من الحصار وغزو واحتلال مدمرين.

إن علة الفساد ليست ظاهرة عراقية ولا عربية فهي موجودة في بني الإنسان ويحدد انتشار الفساد النظم والقوانين والأعراف السائدة في أي مجتمع. فبقدر قوة هذه الضوابط يجري التحكم بالفساد. وتتحكم بهذه الضوابط ونموها عوامل معقدة لست أدعي الإحاطة بها وحتى لو كنت فليس هذا موضع بحثها. لكن ما يهمنا هنا هو أن ندرك أن غزو أي بلد يعني إنهاء النظم القائمة في البلد المغزو. ولو أراد الغازي أن يضم الأرض له فإنه كان سيأتي بنظمه لتحل فيها. وقد حل الغزو الصهيوني النظام السياسي والاجتماعي في العراق كما أسلفت القول. ولم يأت، عن قصد، ببديل. فأصبح العراق ساحة مكشوفة لأية قاعدة جديدة في التعامل بين الناس. وحين تكون السلطة العسكرية الحاكمة تتطلع للفوضى تحت سمعها وبصرها، وحين تكون المؤسسة الدينية تتطلع لكسب مالي، وحين تكون الجماهير المحرومة والجائعة بسبب الحصار المدمر تحلم بكسب مالي سهل وحين يكون المتعلمون القادمون من أوربا رسل الانتفاع السريع الذي تعلموه من نظم الدعم المالي المفسدة، فحينها يصبح الفساد سنة وقاعدة التعامل بين الناس لأن كل الأطراف المساهمة راغبة فيه، ولا توجد قوة ضده تردعه أو تحدده!! ولأن أحدا لم يكن معنيا ببناء دولة!

ويبقى السؤال قائماً: ما الذي فعلته إيران لتحديد الفساد الذي أوصل العراق لما هو عليه اليوم؟ فهل حاسبت أحداً من رجالها المسؤولين في العراق المحتل عن الفساد أو حاولت ايقافه؟ وان لم تفعل فلماذا؟ إن الإجابة بأنه كان عليها أن تختار بين الدفاع عن أمنها القومي بأية وسيلة وبين إقامة نظام ولو نصف عادل في العراق ليس مقنعاً. إن التضحية بمستقبل العراق ليس في مصلحة العراق ولا حتى في مصلحة إيران. ولا يمكن لإيران أن تتنصل من المسؤولية. إن كل الشواهد التي يراها مراقب الحدث العراقي في السنوات العشر الماضية يدل على مسؤولية إيران المشتركة مع الصهيونية عن ما جري في العراق وما آل اليه الأمر الذي دفع للانتفاضة……

وهذا حديث الحلقة القادمة.