المدونة العربية

قل ولا تقل / الحلقة العاشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: بتمجيد أو تمييز المظاهر التي تلائم عقيدتنا الراهنة
ولا تقل” بتمجيد أو تمييز المظاهر التي تلائم ايديولوجيتنا الراهنة

أهدى الي أحد الأصدقاء كتاب “الثابت والمتحول” لأدونيس السوري. فقرأته بعناية بسبب ما أثير حوله وبسبب رغبتي الصادقة في الإطلاع على فكر الرجل. وقد دونت من الملاحظات ما قد أجمعهها يوم في محاولة فهمي لما يريده. لكني لست هنا بصدد عرض رأي في أفكار أدونيس. إنما أكتب هنا عن لغته.

إن لأدونيس الحق، كما لأي كاتب، أن يلعن من يلعن ويستخف بمن يستخف من السابقين شعراء كانوا أم اصحاب فكر. لكنه ليس له الحق، لاهو ولا أي غيره، أن يعبث بلغة القرأن. وحين أقول “يعبث” فلا أعني أنه ليس له الحق في أن يستعمل كلمة في معنى جديد فهذا ولا شك حق مشروع يجيزه مبدأ التطور في أي شيء. لكن العبث يقع حين يأتي الكاتب بكلمة جديدة لا أصل لها في ما جاء عن العرب سمعاً أوقياساً. ذلك لأن هذا العبث يدعو للفوضى وحين تحل الفوضى في اللسان تقع فوضى أكبر في الفهم وعندها يتعذر على الإنسان أن يفهم ما يريده الآخرون بل يتعذر عليه فهم تراثه وتأريخه، وعندها تنتهي الأمة.

فأدونيس، شأنه في ذلك شأن أستاذه في الجامعة الذي كتب له “هذا معنى انتروبولوجية الدين”، يعتقد أن لغة العرب ميتة فلا يمكن أن نشتق منها كلمة تغني عن إستعارة كلمة من اللغة اللاتينية والتي ماتت منذ ألف عام، بل وحتى حين كانت حية فإنها لم يكن في وقتها علم يمكن أن يسمى “انتروبولوجي” حتى نبدو أكثر ثقافة في استعمال هذه الكلمة.

وكتاب “الثابت والمتحول” يغص بالدخيل من استعارة غير مسوغة أو اشتقاق لا أصل له في العربية. وتكاد تعثر بعدد من هذه الإستعمالات لكثرة ما ترد في الكتاب.

ومنها كلمة “أيديولوجية” فمن أين جاءت هذه البلوى التي اصبحت اليوم على لسان أغلب العرب حتى أولئك الذين لا يميزون بين الألف والياء؟

اذ يعتقد أن أول استعمال لكلمة “ايديولوجي” وقع عام 1769 حين اشتقها الكاتب الفرنسي دي تريسي (1754-1836) من كلمتين اغريقيتين وهما: “أيديا” وتعني “فكرة” وكلمة “لوجي” وتعني “علم”. فأراد من الكلمة الجديدة “ايديولوجي” أن تعني “علم الفكر”.

ويعتقد أنها دخلت اللغة الإنكليزية لأول مرة عام 1907 لتعني “مجموعة منظمة من الأفكار التي يمكن بواسطتها تفسير العالم”. وقد كان استعمالها في أوائل القرن العشرين محصوراً بين الماركسيين والإشتراكيين ثم شاع الإستعمال وعم.

وقد عرفها قاموس اكسفورد للفلسفة (2005) بأنها “خطة فكرية بتطبيقات عملية”.

وحيث إن العرب اشتقت من لسانها الفصيح كلمة “عقيدة” لتدل على الفكر الذي يصلب ويتمسك به الإنسان، وهكذا فهمها الناس وقبلوها، فلماذا لا تحل هذه الكلمة السهلة الفهم محل “ايديولوجيا” الثقيلة على سمع الإنسان العربي والتي تعني ضمناً أن من يفهمها لا بد وأن يكون قد اطلع على الفكر الأوربي الذي نقل عن الفكر الروماني والذي هو بدوره أخذ عن الفكر الإغريقي والذي لم يطلع فجأة بل أخذ عن فكر ما بين النهرين الذي امتد حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط.

قل: سِوارُ المرأة في يدها
ولا تقل: سُوارُ المرأة في يدها

كتب الكسائي: “ويقال سِوار المرأة للذي في يدها، ويقال إسوار بالألف وبغير ألف. قال الشاعر في السِّوار:

ألا طَرَقَت بعد الهُدُوءِ نَوارُ             تَهادى عليها دُملُجٌ وسُوارُ

وفي الجميع: أسورة. وقالت الخنساء في الإسوار:

مِثل الرُّدينيّ لمْ تَدْنَسْ حديدتُهُ           كأنه تحت طَيِّ البُرْدِ إسوارُ

وفي الجمع: أساوِرة وأسوؤة. وقرئ بهما.”

وأضاف المحقق: “والقراءة التي يشير اليها هي في قوله تعالى في سورة الزخرف: “فلولا القى عليه أسورة من ذهب”. وهي قراءة حفص، أما باقي السبعة فيقرءون: أساور. انظر التيسير للداني.”

قل: أم هذه كَبِدُ
ولا تقل: أم هذه كَبَدُ

كتب الكسائي: “وتقول: كَتِفٌ، بفتح الكاف وكسر التاء. قال الشاعر (وهو الأعشى):

قالت أرى رَجُلاً في كَفَّهِ كَتِفٌ أو يَخْصِفَ النَّعْلَ لهفي أيَّةً صَنَعا

وتقول: كَبِدٌ أيضاً بفتح الكاف وكسر الباء. قال الآخر:

لو كان بالفَرَدِ الحَوّالِ لأنصْدَعَتْ      من دونه كِبِدُ المُستَعِصِمِ الفَرِدِ

وتقول: هذه فَخِذٌ أيضاً بفتح الفاء وكسر الخاء. قال الشاعر (وهو أوس بن حجر):

على فَخِذَيِهِ من بُرايَةِ عُودِها            شَبيهُ سَفَى البُهمي اذا ما تَفَتَّلا

وتقول: هذه كَرِش الشاةِ بفتح الكاف وكسر الراء. قال الشاعر:

ذاتُ لسانين وسَحْرٍ وكَرِشْ

السحر: الرئة.

وكذلك: الفَحِثُ والحَفِثُ، وهو مثل الرمانة أسفل كرش البعير.”

(سفى: تراب. البهمي: نبات)

قل: تساهلت على فلان في هذا الأمر أي لِنت له ولم أتشدد عليه ولم أداقّه الحساب وغمضت عنه
ولا تقل: تساهلت مع فلان

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن كلمة “مع” تفيد الإشتراك ولأن تساهل ليس للإشتراك، ثم ان الإشتراك لو صح في تساهل لوجب أن يكون المعنى أنك ساهلته وساهلك. وليس هذا هو المراد. بل المراد أنك أظهرت له سهولة في الأمر، ومثال تساهل اليه قول الجوهري في مادة “غمض” يقال: “غمض عنه إذا تساهل عليه في بيع أو شراء”. وجاء في اساس البلاغة للزمخشري: “تساهل الأمر على فلان ضد تعاسر عليه”.

وروى أبو عبيد الله الزرباني في كتابه الموشح أن رجلاً كتب الى محمد بن داود الأصبهاني في الشعر روي، فأجابه محمد من قصيدة:

هبِ العروض تساهلنا عليك به                 فاي نحوٍ بهذا العقل يُحتقبُ

وقد استشهدنا بالشعر على أنه يقال “تساهل عليه” ولا يقال غيره، وإنما أوردنا اليه بعد النثر لئلا يقال ان الشاعر مضطر الى استعمال “على” لإقامة الوزن. وخلاصة القول هي أن “تساهل” ليس من أفعال الإشتراك وان المستعمل معه هو الحرف “على” فقل: تساهلت على فلان ولا تقل: تساهلت مع فلان. (م ج)

قل: إن جمع صاع هو أصُوع
ولا تقل: إن جمع صاع هو أصُع

وكتب المقدسي: “ويقولون في جَمْعِ صاعٍ: أصُعٌ. وصوابُهُ: أصْوُعٌ.”

وكتب الفيروزأبادي في القاموس: “وجمعه أصْوُعٌ وأصْؤُعٌ وأصْواعٌ وصُوعٌ، بالضم.”

قل: هي عُضوٌ
ولا تقل: هي عُضْوةٌ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “تكاد تُجمِع المجامع اللغوية على أن لفظ “عضو” اسمٌ مذكَّر لا مؤنَّث له من لفظه. وأصل العُضْو هو عُضْو الجسد. وجمعه أعضاء. فالرأس عضوٌ، واليد عضوٌ (لا عُضْوة) والرِّجْل عضو، والمرأة عضو لا عضوة، كما أن الأذن عضو، والأنف عضو من الأعضاء.

وأصبح للفظ العضو معنى “مُشْتَرِك في مؤسسة”، كجمعية، أو نادٍ، أو حزب، أو مجلس. وفي ذلك نقول : “فلانٌ عضوٌ في البرلمان، وفلانة عضو في حزب كذا”.

ومنه اشْتُقَّت كلمة العُضْوية، أي صفة العُضو ذكرا كان أو أنثى. فنقول: “فلان يتَمَتَّع وفلانة تتمتَّع بعُضْوية المجلس” ونقول: “هناك شروط للحصول على العُضْوية في…….).

لكن يَرِد على بعض الألسنة والأقلام استعمال “عُضْوة” في حق المرأة. فهل هذا خطأ ؟

إن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أجاز استعمال “عُضْوة” في حق المؤنث. والبتُّ في هذا الخلاف يعود إلى النساء. هل يُرِدن المساواة بالرجل ؟ فيفضِّلْن أن يتساوى الرجل والمرأة في إطلاق العضو المذكّر عليهما معا. أم يُرِدْن التميز ؟ بإطلاق العُضْو على الرجل والعُضْوة على المرأة ؟

في لغات أخرى يقوم جدال حول ما ينبغي أن يطلق على النساء من أسماء ونعوت. هل يقال مثلا الوزير، والنائب، والعضو للجنسين، أم يُميَّز بين الوزير والوزيرة، والنائب والنائبة، والرئيس والرئيسة، والسفير والسفيرة؟ البعض وجد لهذا الخلاف تسوية توفيقية، فالمرأة إذا كانت زوجة لرئيس أو سفير، يُطْلَق عليها السيدة الرئيسة، والسيدة السفيرة. وإذا كانت هي التي تمارس إحدى هذه الوظائف يُطْلَق عليها السيدة الرئيس، والسيدة السفير. وهكذا دَوَالَيْك.”

وقد سبق أن نقلنا عن استاذنا الجليل المرحوم الددكتور مصطفي جواد رأيا مخالفا لهذا فمن أراد التذكير فليعد الى الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.

قل: سكان القرية ألفُ نَسَمة
ولا تقل: سكان القرية ألفُ نَسْمة

وكتب عبد الهادي بوطالب: “وتعني كل كائن حي فيه روح. وتجمع على نَسَمٍ (بحذف تاء التأنيث) وعلى نَسَمات فنقول مثلا: “سكان القرية ألفُ نَسَمة”. “وسكان الصين يزيدون على مليار نَسَمة” “ونَسَمات العالم تتنامى بامتداد السنين والقرون”.”

وكتب ابن منظور في لسان العرب في باب “نسم”: ” النَّسَمُ والنَّسَمةُ: نفَسُ الروح… وما بها نَسَمة أَي نفَس…… والنَّسْمة العرْقة في الحمّام وغيره”.

 قل: الموضوع الذي ذكرنا سابقاً
ولا تقل: الموضوع الذي نوَّهنا عنه سابقاً

وكتب عبد الهادي بوطالب: “الفعل المجرد من هذه المادة هو نَاهَ يَنُوه نَوْها إذا ارتفع نقول : “ناهَ النباتُ أو الجدارُ” إذا ارتفع. ونوَّه على وزن فَعَّل  يتبعه حرف الباء فنقول: “نوَّهَ بفلان” أي رفع ذكرَه. كما نقول: “أَشادَ به” ونقول: “نوَّهت لجنة الامتحان بأطروحة الطالب وأعطته نقطة جيدة استحق بها الدكتوراه”.

لكن البعض يستعمل نَوَّه ومشتقاته في معنى ذَكَر أو أعلن ويُتبِعه بحرف عنه: فيقول: “الموضوع الذي نوَّهنا عنه فيما سبق” وهذا خطأ.”

ويكثر هذا في اعلام اليوم فلا يكاد يمر يوم الا وأحد المذيعين يعلمنا بأن فلاناً “نوه بكذا” وهو يريد “ذكر”. ولا أدري كيف تمكن هذا الخطأ من الإعلام بهذا الشكل لأنه لم يرد عن العرب أن “نوه” تعني غير شيء واحد. فقد عودنا ابن فارس في مقاييس اللغة أن يأتي بكل ما سمع عن العرب من استعمال للجذر الواحد.  وهذا ما كتبه ابن فارس في باب نوه:

“النون والواو والهاء كلمةٌ تدلُّ على سُموٍّ وارتفاع.  وناه النَّبات: ارتفع.  وناهَت النّاقةُ: رفعَتْ رأسَها وصاحت. ومنه نُهْتُ بالشَّيء ونوَّهتُ: رفعت ذِكْرَه. ويقولون: ناهَتْ نَفْسُه: قوِيَتْ.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة التاسعة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: بعد حِقْبةٍ من الزمن
ولا تقل: بعد حَقَبَة من الزمن

استمر المذيع قائلا “بعد حَقَبة” وكانه واثق من سلامة التعبير. ولو كان الخطأ في تغيير حركة حرف لهان الأمر لكنه يختلف حين يؤدي النطق بحركة مختلفة الى معنى مختلف كما هو الحال هنا.

فكلمة “حَقَبَة” هي جمع “حاقب”، كما في كفرة جمع كافر  وحلقة جمع حالق. وهذه أي حَقَبَة هي اسم الفاعل من الفعل “حَقَب”. فما معنى هذا الفعل؟

فقد كتب ابن فارس في مقاييس اللغة في باب “حقب”: “الحاء والقاف والباء أصلٌ واحد، وهو يدلّ على الحبْس. يقال حَقِب العام، إذا احتبس مطرُه…. وحَقِب البعيرُ، إذا احتبسَ بولُه”. وكتب ابن فارس في لسان العرب: “والحاقِبُ: هو الذي احْتاجَ إِلى الخَلاءِ، فلم يَتَبَرَّزْ، وحَصَرَ غائطَه”. ولا علاقة لهذه الكلمة بما أراده المذيع.

فهو ولا شك أراد كما يريد العديد من المذيعين في زمننا هذا أن يقول “حِقْبَة”. والحِقْبَة بكسر الحاء هي السنة كما قال ابن منظور وجمعها “حِقَب”.

أما الجوهري فقد كتب في الصحاح: “والحِقْبَةُ، بالكسر، من الدَّهْرِ: مُدَّةٌ لا وَقْتَ لها، والسَّنَةُ،”.

فقل “حِقٍبَة” ولا تقل “حَقَبة” اذا أردت الزمن وليس حبس البول أو الغائط.

قل: أغلقتُ البابَ فهو مُغْلَق
ولا تقل: أغلقتُ البابَ فهو مَغْلُوق

كتب الكسائي: “وتقول أغلقتُ البابَ فهو مُغْلَق ولا يقال مَغْلُوق. قال حاتم الطائي:

ولا أقولُ لِقِدْرِ القومِ قد غَلِيَتْ           ولا أقولُ لبابِ الدّأرِ مَغْلُوقُ

لكنْ أقول غَلَت للقومِ قِدْرُهُمٌ             والبابُ مُغْلَقُ أو فالبابُ مَصْفوقُ”

وأضاف المحقق: “نسبة البيت لحاتم الطائي خطأ بكل تأكيد، فهو لأبي الأسود الدؤلي في ديوانه واصلاح المنطق والمنصف لأبن جني ولسان العرب (غلق) وهو بلا نسبة في تصحيح الفصيح.” انتهى

وأرى ما قاله المحقق سليما ولو من نظرة عقلية. ذلك لأنه لم يعرف أن حاتم الطائي كان معنيا باللغة ومشاكلها والتي لم يكن في يومه الكثير منها. أما أبو الأسود الدؤلي فقد كان مهتما باللغة والنحو كما هو معروف مما يجعل نسبة البيتين له مقبولة حيث يتضح أنه أراد منهما تصحيحا لخطأ لغوي كان سائدا في وقته. واذا كان الكسائي لم يتحقق من قائل البيت برغم التقارب الزمني، فكيف للقارئ اليوم أن يتحقق من صدق أي خبر او رواية نقلها الأولون؟

قل: هذا يومٌ مَغْيُومٌ
ولا تقل: هذا يَوْمٌ غَائِمٌ

كتب الكسائي: “وتقول أصحوٌ هي أم غَيْمٌ؟ ويقال يَوْمٌ غَيْمٌ. قال الشاعر:

كَمْ من زَمانٍ قَد عَمَرْتُ حَرْسَا

يَوْمَيَنِ غَيْمَينِ ويَوْمَاً شَمْسَا

نَسْتَأنِفُ الغَدَّ ونُمْضِي الأمْسَا

ويقال: هذا يومٌ مَغْيُومٌ أيضاً. قال علقمة:

حَتَّى تَذَكَّرَ بَيْضَاتٍ وهَيَّجَه       يَوْمُ رَذَاذٍ عليه الرِّيحُ مَغْيُومُ”.

قل: هو رجلٌ رَبْعَة
ولا تقل: هو رجلٌ رَبْعٌ

واضاف ثعلب بعد الكتابة في باب ما يقال للمؤنث دون هاء وما يقال في وصف المذكر بالهاء باباً آخر في ما يقال للمذكر والمؤنث بالهاء فكتب: “قالوا: رجلٌ رَبْعَة وامرأة رَبْعَة (لا طويل ولا قصير) ورجلٌ مَلُولَة وامرأة مَلُولَة، ورجل فَرُوقَة وامرأة فَرُوقَة (كثير الفزع)، ورجل صَرُورَة وامرأة صَرُورًة (للذي لم يحج)، ورجل هُذَرَة وامرأة هُذَرَة (للكثير الكلام)، ورجل هُمَزة لُمَزة وامرأة هُمَزَة لُمَزَة (وهو الذي يعيب الناس في حروف كثيرة).”

قل: أكدّت الأمر والوصية والكتاب أؤكده تأكيداً ووكدّتها توكيداً
ولا تقل: أكدّت على الأمر وعلى الوصية وعلى الكتاب

كتب مصطفى جواد: “وإنما تستعمل على للإنسان المأمور بالفعل والعمل. تقول: أكدّت على فلان الأمر وأكدّت على فلان الوصية وما أشبه ذلك.

يقال تأكّد عندي الأمر وتأكّد عندنا الخبر فالأمر متأكّد والخبر متأكّد، ويقال قياساً على كلام العرب “تأكّدت الأمر” و “تأكّدت الخبر” قياساً على قول العرب “تبيّنت الأمر وتحقّقت الخبر وتعمّدت الإعراض وتحرّيت الحقيقة” فما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم.

ولا يقال: تأكّدت من الأمر ولا تأكّدت من الخبر ولا تأكّدت من المبلغ.

قل: مَثَلُهُ كمَثَلِ
ولا تقل: مَثَلُهُ كمِثْلِ

وكتب عبد الهادي بوطالب: هذه صيغة أخرى تستعمل للتشبيه، يفتح فيها الميم والثاء من كلمة مَثَل بخلاف سابقتها(مِثْل). والمثَل هو نظير الشيء وشِبْهه.
وقد ورد هذا التعبير كثيرا في آيات القرآن الكريم. ومن بينها قوله تعالى: “فمَثَلُه كَمَثَل الكَلْب إن تحمِلْ عليه يَلْهث أو تتركْه يَلْهَثْ”. “فمثَله كمثَل صَفْوانٍ عليه تراب”. “مَثَلهم كَمَثَل الذي استَوْقَد نارا”.
ويلاحَظ في هذه الآيات تكرار لفظ المثل (بفتح الميم والثاء) مسبوقا بكاف التشبيه لكن ورد في آيات أخرى الاقتصار على لفظ مَثل مبدوءا بحرف كاف التشبيه بدون تكرار لفظ مَثَل وذلك في قوله تعالى : “إنما مَثَل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء” وهذا يعني “مَثَل ماءٍ أنزلناه” وقوله: “مَثَل الذين كفروا بربهم أعمالُهم كَرَمادٍ” (أي مَثَل رماد) وقوله : “واضرب لهم مَثَل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناه من  السماء”.

وأقترح أن لا يعوض في هذه التراكيب لفظ مِثْل بلفظ مَثَل اتباعا لنهج القرآن وتوحيدا للغة العربية.

وقد يردُّ عليَّ البعض فيقول ولماذا لا نقول في هذه التراكيب مِثْلُه مِثْلُ كذا لأنه لم يرد في المعاجم اللغوية التفريق بينهما، وأقول رغم ذلك يحسن التفريق بين التعبيرين لتوحيد اللغة ما أمكن ولنبتعد بها عن الفوضى. وهذا هو منهجي في هذا الكتاب.

وما دمنا نتحدث عن المِثْل والمَثَل فلْنذكر أن المثل بفتح الميم والثاء يطلق على “جملة مفيدة من المقولات تُقتَطع من كلام وتُنقَل مما وردت فيه إلى مشابهه بدون تغيير”. ومن هذه الأمثال العربية مثال : الجارَ قبل الدار” ولا يجوز النطق بالجار مرفوعا لأنه مفعول به منصوب بتقدير فعل احترِم الجارَ. والأمثال لا يتغير فيها لا لفظها ولا شكل حروفها.
ومن أمثال العرب : “الصيفَ ضيَّعْتِ اللَّبَنَ (بفتح الفاء دائما في آخر كلمة الصيف على أنه ظرف زمان) وبكسر التاء في ضيَّعْتِ لأن الخطاب في الأصل كان موجها لأنثى. والمطلوب المحافظة على المَثَل كما كُتب أو نُطق به من صاحبه.

والمِثْل، والمَثَل، والمِثال ليس لها معنى واحد. فالمِثال هو القالَب الذي يُقدَّر على مِثْله ونقول: “أعطى مثالا ساميا”. و”فلان تلميذ فلان يُعمَل على مثاله” (ولا نقول على مَثَله بالفتح أو مِثْله بالكسر والسكون). ونقول : “ضرب مثلا” ولا نقول مثالا. ففي القرآن الكريم : “وضرَب لنا مثَلا ونسِيَ خَلْقه”.

وحينما نتحدث عن المَثَل بمعنى المقولة العربية نقول : “أورد مَثَلا من أمثال العرب”، ولا نقول من أمثلتهم. فهذا جمع مثال، ونقول: “فلان أصبح في الذكاء مَضْرِب الأمثال” أي يُضرَب به الْمَثل.

قل: هذا أمر يعرفه الوارد والصادر
ولا تقل: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد

كتب الحريري: “ويقولون: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد، ووجه الكلام أن يقال: الوارد والصادر لأنه مأخوذ من الورد والصدر، ومنه قيل للخادع: يورد ولا يصدر، ولما كان الورد تقدم الصدر وجب أن تقدم لفظة الوارد على الصادر.

ويماثل قولهم: الوارد والصادر قولهم: القارب والهارب، فالقارب الذي يطلب الماء، والهارب الذي يصدر عنه.”

قل: قد طَرَّ شاربه (بفتح الطاء)
ولا تقل:  قد طُرَّ شاربه (بضم الطاء)

كتب الحريري: “ويقولون لمن نبت شاربه: قد طُر شاربه بضم الطاء، والصواب أن يقال: طَر بفتح الطاء، كما يقال: طر وبر الناقة، إذا بدا صغاره، وناعمه، ومنه يقال: شارب طرير، وعليه قول الشاعر:

وما زلت في ليلى لدن طر شاربي ** إلى اليوم أبدي إحنة وأواحن

وأضمر في ليلى لقوم ضغينة ** وتضمر في ليلى علي الضغائن

فأما طُر بضم الطاء فمعناه قطع، ومنه اشتقاق اسم الطرار، وبه سميت الطرة لأنها تقطع. وأما قولهم: جاء القوم طُرّاً فهو بمعنى جاء القوم جميعا، وانتصابه على الحال أو المصدر.

ونقيض هذا الوهم قولهم في النادم المتحير: سَقط في يده بفتح السين، والصواب أن يقال فيه: سُقط في يده بضمها. وقد سمع عنهم: أسقط إلا أن الأول أفصح، لقوله تعالى: “ولما سُقط في أيديهم”.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

لأن سورية هي آخر خندق عربي فإني أكتب لها!

الإتحاد الأوربي وسورية والحصار

لن أكتب اليوم عن مجلس الأمن الدولي وقرارته التي تستخف بميثاق الأمم المتحدة وتعول على بؤسنا وعجزنا عن الرد حتى في حقل القانون اذا كان عجزنا في حقل القوة لا يحتاج لبرهان.

لكني أكتب اليوم، وبايجاز، عن الحصار الإقتصادي الذي فرضه الإتحاد الأوربي على سورية بحجة كونه مطابقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي.

وأول ما يجب التذكير به هو ان الحصار اذا فرض على بلد فانه يشمل شعب ذلك البلد. وتعريض أي شعب أو مجموعة محددة من شعب لأذى جسدي أو نفسي هو جريمة إبادة على وفق تعريفها في القانون الدولي. والحصار، اذا شئت، هو جريمة ضد الإنسانية وهو جريمة إرهاب. وهذا كله ثابت ومتفق عليه بين دول العالم وأقرت به المحاكم الدولية. واكتفي بهذا القدر من التذكير هنا.

وما ينتج عن هذا التذكير هو أن ما يرتكب بحق شعب سورية الثابت والصابر هو جريمة سبق أن تعرض لها شعب العراق، الأبي يومها، لإثني عشر عاماً!

وقبل أن يطلع البائسون من ابناء هذه الأمة ليصرخوا: أين الضمير العالمي؟ أين منظمات حقوق الإنسان العالمي؟ أين… أين… أين؟

لا بد أن نسأل أين العرب الذين سكتوا عن الإبادة بحق شعب العراق ويسكتون اليوم عن ابادة شعب سورية؟

إن منظمات حقوق الإنسان الأوربية، اذا صدقت في نياتها، فهي أكثر استعداداً في تبني قضايا حقوق الإنسان في دوائر تحركها وقد تدعم مطالب تتعلق بخرق حقوق الإنسان خارج أوربا لكنها تحتاج أولاً لمن يحرك تلك الشكاوى في تلك المناطق المتضررة.

فما الذي فعله العربي عامة والسوري خاصة في التصدي لحصار الإبادة المجرم بحق شعب سورية؟

أتوقف هنا لأسوق خبراً لا أظن أن كثيراً من العرب قد سمعوا به وذلك لعلاقته بما أكتب عنه. قام الإتحاد الأوربي (وأعني به مفوضية الإتحاد الأوربي) باصدار قوائم عديدة بحجز أموال عدد من الذين أشارت الولايات المتحدة على أنهم يمولون تنظيم القاعدة وسارع مجلس الأمن الدولي، والذي يعمل في خدمة الصيهونية العالمية، لقبول هذا القرار وتبعه الإتحاد الأوربي.

قام أحد الأغنياء من شعب جزيرة العرب ممن حجزت أمواله بطلب استشارة قانونية. فاشير عليه في أن يرفع دعوى أمام المحكمة الأوربية ضد الإتحاد الأوربي بتهمة خرق حقوقه الأساس التي حماها ميثاق حقوق الإنسان الأوربي.

وحين سمعت المحكمة الأوربية القضية فانها قضت بحقه في الطعن بقرار مفوضية الإتحاد الأوربي بحجز أمواله. وحين استأنفت المفوضية ذلك الحكم وقف مع طلب الإستئناف تسع دول من دول الإتحاد الأوربي كما يتوقع المراقب. لكن الإستئناف رد.

واصدرت المحكمة الأوربية حكماً قد يكون من أكثر الأحكام التي صدرت في محكمة لها صفة دولية منذ الحرب العالمية الثانية أهمية وخطورة، ليس فقط من حيث قيمته القانونية ولكن بسبب أن أحكام المحكمة الأوربية ملزمة وقاطعة في ثماني وعشرين دولة أوربية!

وأهم ما جاء في الحكم هو أن قرارات مجلس الأمن اذا عرضت على ميثاق حقوق الإنسان الأوربي ووجد أنها معارضة لمبادئ الميثاق فانها تصبح غير ملزمة لأحد بل ويصبح الإلتزام بذلك القرار خرقاً للقانون الأوربي.

وقيمة هذا القرار هو أنها المرة الأولى التي تصدر فيها محكمة دولية حكماً يجيز الطعن بقرارات مجلس الأمن الدولي. فقد عودتنا المحاكم الوطنية بل وحتى محكمة العدل الدولية على أن قرارات مجلس الأمن لا تخضع لأية مراجعة قانونية.

والذي حدث هو أن أموال ابن جزيرة العرب أطلقت ورفع الحجز عنها وتبعه العشرات من الذين حجزت أموالهم.

فهل يعقل أن مواطناً واحداً من ابناء جزيرة العرب أثاره حجز ماله كي يلجأ للقضاء فينال حقه، ولا يتحرك سوري واحد للمقاضاة أمام المحكمة الأوربية ضد الإتحاد الأوربي الذي يعتدي على حقه في الحياة خلافاً لقانونه الذي شرعه هو وأعلن مراراً أنه يلتزم به؟

ترى هل المال عندنا أعز من الحياة؟

 

عبد الحق

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة الثامنة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: مَشَيتُ حتى أعْيَيْتُ
ولا تقل: مَشَيتُ حتى عَيَيْتُ

كتب الكسائي: ” وتقول مَشَيتُ حتى أعْيَيْتُ بالألف ولا تقول عَيَيتُ إنما يقال في الأمر الذي ينسد عليك، فيقال فلانٌ عَيِيٌّ بأمره من العِيِّ. قال الشاعر:

تَزَحْزَحي عَنِّي يا بَرْذُونَه
إن البَراذِيِنَ أذا جَرِيِنَه
معَ العتاقِ ساعَةً أعْيَيْنَه”

 

قل: أسهب فلان في كلامه فهو مُسهِب أو أسهِب فهو مُسهَب وكلامه مُسهَبٌ فيه
ولا تقل: كلامه مُسْهَب
(بغير جار ومجرور)

وكتب مصطفى جواد: “والسبب في ذلك ميز صفة المتكلم عن صفة الكلام. قال ابن فارس في المقاييس: “السين والهاء والباء أصلٌ يدلُّ على الاتّساع في الشيء… ويقال حفر القوم فأسهبوا، أي بلغوا الرَّمْل. وإذا كان كذا كان أكثر للماء وأوسَعَ لـه. ويقال للرّجُل الكثير الكلام مُسْهَب، بفتح الهاء. كذا جاء عن العرب أَسْهَبَ فهو مُسْهَبٌ، وهو نادر”. بلغوا الرمل ولم يخرج الماء، وأسهب الفرس اتسع في الجري وسبق، وأسهب الرجل إذا أكثر من الكلام فهو مسهَب بفتح الهاء، ولا يقال مُسهِب بكسرها وهو نادر وأسهِب الرجلُ على ما لم يسم فاعله إذا ذهب عقله من لدغ الحية.

وجاء في لسان العرب: “والـمُسْهِبُ والـمُسْهَبُ: الكثيرُ الكلامِ؛ قال الجعْدِيُّ: غَيْرُ عَيِـيٍّ، ولا مُسْهِب ويروى مُسْهَب. قال: وقد اختُلف في هذه الكلمة، فقال أَبو زيد: الـمُسْهِبُ الكثير الكلام؛ وقال ابن الأَعرابي: أَسْهَب الرجلُ أَكثرَ الكلام، فهو مُسْهَب، بفتح الهاءِ، ولا يقال بكسرها، وهو نادر. قال ابن بري: قال أَبو علي البغدادي: رجل مُسْهَبٌ، بالفتح، إِذا أَكثر الكلام في الخطإِ، فإِن كان ذلك في صواب، فهو مُسْهِبٌ، بالكسر لا غير….. وفي حديث ابن عمر، رضي اللّه عنهما: قيل له: ادْعُ اللّهَ لنا، فقال: أَكْرَه أَن أَكونَ من الـمُسْهَبِـين، بفتح الهاءِ، أَي الكَثِـيري الكلام”.

قلت: وجود مُسهَب موجب لوجود أسهِب، وقد نقلنا أنه يقال: أسهب فلان إذا ذهب عقله من لدغ حية فهو مسهَب. وزاد في اللسان: “من لَدْغِ حَيَّةٍ أَو عَقْرَبٍ….. وقيل هو الذي يَهْذي من خَرَفٍ.” ومن هذا استنتجوا أن المسهَب الكثير الكلام في الخطأ لأن الخرف والملدوغ يهذيان، وجاء في الأخبار أن ابا سفيان بن حرب قال لعبد الله بن الزبعري: مالك تسهب في شعرك؟ قال حسبك من الشعر غرة لائحة أو وصمة فاضحة”. ذكر ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ونقل قول علي (ع) لبعضهم “وقد اسهبت في ذكر عثمان ولعمري ما قتله احد سواك”. ونقل في ذكر فتى من مقاتلة صفين “ثم شد لا ينثني حتى يضرب بسيفه ثم جعل يلعن علياً ويشتمه ويُسهبُ في ذمه”. ونقل أيضاً أن جماعة من الخطباء تكلموا عند مسلمة بن عبد الملك، فأسهبوا في القول ولم يصنعوا شيئاً. والشواهد كثيرة لا يتسع المقام لأكثر من هذا منها.

 

قل: ألغى المتعاقدان العَقْد فهو مُلْغىً
ولا تقل: ألغى المتعاقدان العَقْد فهو لاغ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يشيع على الألسنة والأقلام استعمال لاغ بمعنى باطل بدلا من مُلغىً. وهذا هو الصحيح. لاغٍ اسم الفاعل من لَغا يلْغُو (اللازم). الشخصُ أخطأ أو قال كلاما لا فائدة فيه. وفاعل ذلك هو اللاغي. والمصدر منه اللَّغْو. ومن ذلك كتاب: “لَغْو الصيف”.

وجاء في الحديث الذي يُردّد على سمع المصلين يوم الجمعة قبل الخطبة: “إذا قلتَ لصاحبكَ أنْصِت (وفي رواية أخرى صَهْ أي اسكتْ) والإمام يخطبُ يومَ الجمعة فقد لغَوْتَ، ومن لَغَا فلا جُمُعَة له”.

أما الفعل الرباعي من هذه المادة فهو ألْغَى يُلْغِي إلغاءَ الشيءَ أبطله أو أسقطه من الحساب. واسم الفاعل منه مُلْغٍ واسم المفعول منه مُلْغىً. وعليه نقول: “ألغى المتعاقدان العَقْد فهو مُلْغىً (لا لاغ) و”الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية صار مُلْغىً من محكمة الاستئناف”. كما نقول ألغى الموعدَ، أو ألغى السفرَ.

ومع ذلك أرى مناسبا استعمال “لاغٍ” من فعل لغا اللازم في حالة واحدة. هي حالة انتهاء شيء تلقائيا أي من ذاته دون فعل فاعل فنقول : “وصلت العقدةُ نهايتَها وأصبحت لاغِيَة” أو “هذا الحكم أصبح لاغِيا بالتقادم”.”

 

قل: جلَسَ وَحدَه
ولا تقل: جَلَسَ لوَحدِه

كتب عبد الهادي بوطالب: “في الأغاني المصرية الجميلة أغنية يتردد فيها : “عايْشِين لِوَحْدِنا” وأخرى تقول: “بَاحِبَّكْ لِوَحْدَك”. والتعبيران يَرِدان – لا محالة – في لغة الأشرطة المصرية ويؤخذان على أنهما عربيان فصيحان.
لكن استعمال الإعلام العربي الفصيح لهما خطأٌ يجب تصحيحه. إذ يقال “جلستُ وَحْدي” بدون لام. و”نعيش وَحْدَنا” (أو مع بعضِنا). و”أحبُّكِ وَحْدَكِ”.
ولفظ وَحْد يأتي منصوبا إما لأنه مفعول مطلق لفعل: وحَد يَحِد وَحْدا، وإما لأنه حال: جلست وحْدي (أي منفردا).

وقد يتعدى بعَلَى فنقول: “جلس عَلَى وَحْدِه” وفي الغالب يبقى في صيغة المفرد لا يُثنَّى ولا يُجمع. ولذلك أوصي توحيدا للغتنا أن نقتصر على تعبير: “جلست وحْدي” بدون إدخال أي حرف جر عليه لا “اللام” ولا “على” وذلك بغرض توحيد اللغة، وبدون تثنية. ولو أن التثنية جاءت في بعض اللهجات أو اللغات. فلا نقول جلسا وحدَيْهِما وهو صواب، ولكن الأصوب أن نقول جلسا وحدهما، وجلسوا وحدهم. لكن تجوز إضافة وحْد بصيغة المفرد في التعابير التالية أو ما شابهها فنقول: “هو نسيج وَحْدِه”، وهي “نسيج وَحْدِها”، وهما نسيج وَحْدِهما، وهم نسيج وَحْدِهم، وهنّ نسيج وحدِهن. وهكذا. وتعني هذه التعابير أن المتحدَّث عنه لا نظير له، وأنه متميز بسمات الخير التي لا يضاهيه أو يفوقه فيها غيرُه.

وتُستعمَل كلمة النسيج في الغالب في الثوب، لأنه إن كان نسيجا ممتازا فلا يُنسَج على مِنْواله غيرُه. والمِنْوال هو الخشبة التي يحوك عليها الحائك الثوبَ، أي ينسج عليها الثوب. وكلمة مِنْوال تعني أيضا نفس النَّسَق والأسلوب، ونقول: “إن الكاتب في كتابه الجديد نسج على منوال الكاتب الفلاني”. أي على طريقته ومنهجيته وأسلوبه. ويمكن استعمال كلمة طِينة في نفس المعنى ونفس السِّياق: “فلان ينتمي في أفكاره إلى طِينة المفكرين العَلْمانيين”. وتستعمِل اللغةُ الفرنسية كذلك اسمَ كلمة النسيج (ETOFFE) للدلالة على الثوب أو القُماش، والطريقة والأسلوب.”

 

قل: يا أبت افعل ما تؤمر
ولا تقل: يا أبتي افعل ما تؤمر

كتب الحريري: يقولون عند نداء الأبوين: يا أبتي ويا أمتي، فيثبتون ياء الإضافة فيهما مع إدخال تاء التأنيث عليهما، قياسا على قولهم: يا عمتي، وهو وهم يشين وخطأ مستبين، ووجه الكلام أن يقال: يا أبت ويا أمت، بحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسر، كما قال تعالى: “يا أبت لا تعبد الشيطان”، “يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا”، أو يقال: يا أبتا ويا أمتا بإثبات الألف، والاختيار أن يوقف عليهما بالهاء، فيقال: يا أبه ويا أمه فإن قيل: فكيف دخلت تاء التأنيث على الأب، وهو مذكر فالجواب أنه لا غرو في ذلك، ألا ترى أنهم قالوا: رجل ربعة ورجل فروقة فوصفوا المذكر بالمؤنث، وقالوا: امرأة حائض، فوصفوا المؤنث بالمذكر، وإنما يستعمل ما ذكرناه في النداء خاصة فأما قولهم: عمتي وخالتي، فإن التاء فيهما تثبت في غير موطن النداء.

وقد أذكرني السوسن أبياتا أنشدنيها علي بن عبد العزيز الأديب المعري لأبي بكر بن القوطية الأندلسي، يصف فيها السوسن مما أبدع فيه وأحسن، فأوردتها على وجه التشذير لسمط هذا الفصل، والتأبين لمن درج من أولي الفضل، وهي:

قم واسقنيها على الورد الذي فعما ** وبادر السوسن الغض الذي نجما
كأنما ارتضعا خلفي سمائهما ** فأرضعت لبنا هذا ، وذاك دما
جسمان قد كفر الكافور ذاك وقد ** عق العقيق احمرارا ذا وما ظلما
كأن ذا طلية نصت لمعترض ** وذاك خد غداة البين قد لطما
أولا فذاك أنابيب اللجين وذا         **     جمر الغضا حركته الريح فاضطرما

 

قل: هاتيا ما عندكما
ولا تقل: هاتا ما عندكما

كتب الحريري: “ويقولون للإثنين: هاتا بمعنى أعطيا، فيخطئون فيه، لأن هاتا اسم للإشارة إلى المؤنثة الحاضرة، وعليه قول عمران بن حطان:

وليس لعيشنا هذا مهاة ** وليست دارنا هاتا بدار

وإن قلنا لعل بها قرارا ** فما فيها لحي من قرار

والصواب أن يقال لهما: هاتيا بكسر التاء لأن العرب تقول للواحد المذكر هات بكسر التاء، وللجمع: هاتوا، لا كما تقول العامة: هاتم، والدليل عليه قوله تعالى: “قل هاتوا برهانكم”. ويقولون للمؤنث: هاتي ولجماعة الإناث هاتين، وتقول للاثنين من المذكر والمؤنث: هاتيا من غير أن يفرقوا في الأمر لهما، كما لم يفرقوا بينهما في ضمير المثنى في مثل قولك: غلامهما وضربهما، ولا في علامة التثنية التي في قولك: الزيدان والهندان، وكان الأصل في هات: آت المأخوذ من أت، أي أعط، قلبت الهمزة هاء، كما قلبت في أرقت الماء، وفي إياك فقيل: هرقت وهياك.

وفي ملح العرب أن رجلا قال لأعرابي: هات، فقال: والله ما أهاتيك، أي أعطيك.”

 

قل: أُعطي لفلان خَطابة الجامع الفلاني
ولا تقل: أُعطي لفلان خِطابة الجامع الفلاني

كتب الحنفي: أقول: ويقولون أُعطي لفلان خِطابة الجامع الفلاني، بكسر الخاء. وليس ذلك من كلام العرب. قال الجوهري: وخَطُبَ، بالضم ، خَطابةً، بالفتح، أي صار خطيباً. وفي القاموس: خَطَبَ على المنبر خَطابةً، بالفتح.

 

قل: أعضاء المؤتمر يستضفيون الجمعية العلمية
ولا تقل: الجمعية العلمية تعرض استضافة أعضاء المؤتمر

كتب ابراهيم السامرائي: “أقول: الاستضافة طلب الرجل من آخر أن ينزله لديه ضيفاً، يقال: استضفته، أي طلبت إليه أن أكون ضيفه ينزلني عنده وليس هذا حاصلاً في الاستعمال الجديد.

ثم إن المؤتمر من الكلم الجديد الذي ينبغي لنا أن ندرجه في المعجم الجديد للعربية المعاصرة. وإذا عدنا إلى الفعل ((إاْتَمَر)) في فصيح العربية فلا نجد شيئاً من دلالة المؤتمَر.” انتهى

وكتب ابن منظور في لسان العرب: ” واسْتَضافه: طلب إليه الضِّيافة؛ قال أَبو خِراشٍ: يَطِيرُ إذا الشَّعْراء ضافتْ بِحَلْبِه، كما طارَ قِدْحُ المُسْتَضِيفِ المُوَشَّمُ وكان الرجل إذا أَراد أَن يَسْتَضيف دار بِقدْحٍ مُوَشَّم ليُعْلم أَنه مُسْتَضِيف.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة السابعة بعد المائة

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: هذا صُندُوق
ولا تقل: هذا َصَندُوق

كتب الكسائي: “وتقول صُندوق بضم الصاد، وزُنبُور وبُهلُول. والبهلول من الرجال: السيد. والجمع بهاليل، كقول عبيد الله بن قيس الزيات يمدح عمر بن عبد العزيز:

من البهاليل من أُميَّةَ يز   دادُ اذا ما مدَحْتَهُ كَرَمَا

وكذلك أيضاً: عُصْفُور، وقُرقُور (السفينة الطويلة) وقُرْبُوس. قال الشاعر في شاهد ذلك:

لَلُقمّةٌ بِجَرِيِشِ المِلْحِ آكُلُها        ألَذُّ من ثَمْرَةٍ تُحْسَى بِزُنْبُورِ

وأكلة قّدَّمَتْ للهُلْك صاحبها             كَحَبَّةِ القمحِ دّقَّتٍ عُنْقَ عًصْفُوُرِ

وكذلك بُرغُوث وخُرطوم وحُلقُوم، من قول الله عز وجل: “اذا بلغت الحُلقوم”. وغُرمولُ الفرس! وهوقضيبه. كالعُرجون وكذلك صُعلُوك.”

(والقٌربوس هو حنو السرج كما جاء في لسان العرب وهو لغة لأن الأصل هو قَرَبوس)

 

قل: فلان يّسْتَحِقُّ كذا
ولا تقل: فلان يَسْتأهل كذا

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول: فلانٌ يستحق كذا وهو أهل لكذا فأما قولهم يسْتأهل فهو مُسْتَأهل فَمُوَلَّدٌ ومعناه عند العرب الذي يأكل الإهالةَ وهي الشحم. أقول استعماله بمعنى الإستحقاق سائغ في القياس، فيسْتَأهل يَسْتَفعِلُ من لفظ الأهلِ مثل يسْتَأصِلُ  ويَسْتَأسِد من لفظ الأصلِ والأسدِ”.

وكتب الحنفي: “قال الحريري والجوزي: يقولون: فلانٌ يَسْتَأْهِلُ الإكرامَ، وهو مُسْتَأْهِلٌ للأنعام، ولم تُسْمَعْ هاتان اللفظتان في كلام العرب ولا صَوَّبَهُما أحدٌ من علماء الأدب،  ووجْهُ الكلام: يستحقّ الإكرام، وهو أَهلٌ لذلك. أقول: وعليه كلام الجوهري حيث قال: يقولون: فلانٌ أَهلٌ لكذا، ولا تَقُلْ: مُسْتَأْهِلٌ، والعامةُ تقوله. وقال صاحب القاموس: واسْتَأْهَلَهُ: استَوْجَبَهُ، لُغَةٌ جَيِّدَةٌ، وإنكارُ الجوهريّ باطِلٌ. وفي الكشاف، في سورة العنكبوت: وأنّه لا يستأهلُ ما يستأهلون.”

 

قل: أجّرَ داره إيجاراً (أي اسكنها غيره باجرة)
ولا تقل: أجَّرها تأجيراً

كتب مصطفى جواد: “فمعنى أجّرها فيها الآجر وهو الذي نسميه الطابوق، هذا لصاحب الارض متولي أمرها. أما الساكن فيها بأجرة فيقول استأجرت الدار استئجاراً وهو مستأجر. وتقول “دفعت بدل الإستئجار الى مؤجر الدار”. أي صاحبها ومتولي أمرها، فهو مؤجر وأنت مستأجر.

وتقول: يا فلان استأجر لي دارا وتساهل على المؤجر وادفع اليه الأجرة بسرعة، فقد اضطررت الى الإنتقال من هذه الدار لأن مؤجرها شرس الأخلاق.”

فقل: استأجرت داراً لأسكنها فأنا مستأجر وقد دفعت أجرتها اي بدل سكناها

ولا تقل: أنا مؤجر ولا مؤجرها لهذا المعنى فصاحب الدار مؤجر وأنا مستأجر وفعله إيجار وفعلي استئجار.”

 

قل: الإتحاد المغربي
ولا تقل: الإتحاد المغاربي

وكتب عبد الهادي بو طالب: ويقولون “الدولتي” هذه نسبة بالياء غريبة إلى كلمة دولة، يستعملها خطأ إعلاميون وأساتذة جامعيون يقصدون بها التفريق بين النسبة إلى دَولةٍ بالمفرد ودُوَلٍ بالجمع، ويظنون أنهم يُحسنون صنعا وهم يُفسدون قواعد اللغة.

التاء الموجودة في كلمة دولة حرف تأنيث زائدة تُحذَف عند النسب. ونقول في النسبة إلى مكَّة مَكِّي، ولا نقول مكَّتِيّ. وفي النسبة إلى لَفْظة نقول لفظي ولا نقول لَفْظَتيّ، كما نقول لفظي نسبة إلى لَفْظ.
وإذا كان يراد التفريق بين النسبة إلى دَوْلة والنسبة إلى دُوَل بالجمع، فلنخصص لفظ دَوْلي (بفتح الدال وتسكين الواو) للنسبة إلى المفرد (دَوْلة)، و”دُوَلي” بالنسبة للجمع (دُوَل).

والمعروف أن أغلبية النحاة ينصحون بنسبة الجمع إلى مفرده. (وهؤلاء هم البصريون). ومنهم من يجيز النسبة إلى الجمع (وهم الكوفيون). ولضرورة التفريق يحسن أن نأخذ بقاعدة الكوفيين فننسب إلى الجمع عندما نريد الحديث عن عدد من الدُّول.

كما نقول بالنسبة للقانون الصادر عن دولة وطنية واحدة هذا قانون دوْلي (National)، وهذا قانون دُوَلي (International) أي قانون مجموعة دول أو منظمات دولية.

وكتب عبد الهادي بوطالب: وعلى ذكر النسبة نذكِّر بأن النسبة في قواعد اللغة تأتي بالياء كما تأتي بالإضافة، لكن أصبحت النسبة بالياء في لغة الإعلام طاغية على النسبة بالإضافة حتى لتكادُ هذه الأخيرة تُنْسَى.
ومن أجل إيثار بعض اللغويين النسبةَ بالياء على النسبة بالإضافة أطلقوا على اتحاد المغرب الكبير اسم الاتحاد الْمَغاربي بصيغة الجمع، مع أن المغرب كان دائما مفردا يطلق على المملكة المغربية. ويوجد لما عداه من الأقطار اسم خاص به : الجزائر، تونس، ليبيا، موريتانيا. وتاريخيا لم يُعرَف قط جمع “المغارب” حتى يُنسَب إليه المغاربي. وقد ورد هذا الجمع في القرآن بالنسبة لجهات الغروب كما وردت المشارق بالنسبة لجهات الشروق، وذلك في قوله تعالى:” فلا أقسم برب المشارق والمغارب”.

ولأقطار المشرق العربي تجمعات عربية ولم يُسَمَّ مجموعُها باسم المشارق. ولم يُنسبْ إليها بصيغة المشارقي. وإنما يقال المشرق العربي لا غير. فلْنعدلْ عن اسم المغاربي إلى اتحاد المغرب العربي، أو اتحاد المغرب الكبير.”

 

قل: ما زال الصهاينة في هَضْبَة الجولان
ولا تقل: ما زال الصهاينة في هَضَبَة الجولان

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يُفْتح خطأ حرف الضاد من كلمة الهَضبة. ويتكرر ذلك في لغة الإعلام خاصة عند الحديث عن هضْبة الجُولان. والصواب هو هَضْبة وجمعها هَضَبات. وهذا يندرج في قاعدة جمع فَعْلة على فَعَلات كما سبق ذكره.”

 

قل: ابتعت عبداً وجارية
ولا تقل: ابتعت عبداً وجارية أخرى

كتب الحريري: “ويقولون: ابتعت عبدا وجارية أخرى، فيوهمون فيه لأن العرب لم تضف بلفظتي آخر وأخرى إلا ما يجانس المذكور قبله، كما قال سبحانه: “أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى”، وكما قال تعالى: “فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر”، فوصف جل اسمه مناة بالأخرى لما جانست العزى واللات، ووصف الأيام بالأخر لكونها من جنس الشهر، والأمة ليست من جنس العبد لكونها مؤنثة، وهو مذكر، فلم يجز لذلك أن يتصف بلفظة أخرى، كما لا يقال: جاءت هند ورجل آخر، والأصل في ذلك أن آخر من قبيل أفعل الذي تصحبه من، ويجانس المذكور بعده، يدل على ذلك أنك إذا قلت: قال الفند الزماني، وقال آخر، كان تقدير الكلام: وقال آخر من الشعراء، وإنما حذفت لفظة من لدلالة الكلام عليها وكثرة استعمال آخر في النطق، وأما قول الشاعر:

صلى على عزة الرحمن وابنتها ** ليلى وصلى على جاراتها الأخر

فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها، لتكون الأخر من جنسها، ولولا هذا التقدير لما جاز أن يعقب ذكر البنت بالجارات، بل كان يقول: وصلى على بناتها الأخر.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة السادسة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: هات المَحْبُرَة
ولا تقل: هات المِحْبَرَة 

كتب الكسائي: “وتقول: هات المَحْبُرَة، بفتح الميم وضم الباء، على مثال: مَفْعُلَة. وكذلك جلست في المَشْرُفَة. وكذلك: مررت بالمَقْبُرة، وكذلك حلقت مَسْرُبتي، والمَسْرُبَة: شعر الصدر. ومن صفة النبي صلى الله عليه وآله، أنه كان دقيق المَسْرُبَة.

وما كان من الآلات مما يرفع ويوضع، مما في أوله ميم، فاكسر الميم أبداً، اذا كان على مِفْعَل و مِفْعَلَة، تقول في ذلك: هذا مِشْمَل ومِثْقَبٌ، و مِقْوَدٌ، ومِنْجَل، ومِبْرَد، ومِقْنَعَة، ومِصْدّعَة، ومِجْمَرَة، ومِسْرَجَة، ومِشْرَبَة، ومِرْفَقَة، ومِخّدَّة، ومِحَسَّة، ومِظَلَّة، فهذا كله مكسور الأول أبداً. سوى: مُنخُل، ومُسْعُط، ومُدهُن، ومُدُقّ، ومُكحُل، فان هذه الأحرف جاءت عن العرب بضم الميم.”

 

قل: يُوشِكُ أن يكون كذا
ولا تقل: يُوشَكُ أن يكون كذا

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “ويُوشِك أن يكون كذا (بكسر الشين) مثل يُسْرِع وبمعناه. وهو سِدادٌ من عَوَزٍ وسِدادُ القارورةِ، وكل ما تسد به شيئاً فهو بالكسر. فأما السَّدادُ بالفتح ففي القول والفعل ومعناه الصواب.”

 

قل: ازدراه يزدريه ازدراءاً أي احتقره احتقاراً
ولا تقل: ازدرى به

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “ازدراه” بمعنى احتقره وتنقصه وهو متعد بنفسه الى مفعوله كما يقال عابه وذمّه وثَلَبَه فلا حاجة الى زيادة الباء، وزيادة الباء ليست قياسية إلا فيما استدركته من قاعدة دلالة الفعل على الدفع والتحريك مثل دفعه ودفع به وألقاه وألقى به ورماه ورمى به ولفظه ولفظ به وأداه وأدى به. والظاهر ان “ازدرى به” ناشئ من تصحيف قولهم “أزرى به يزري إزراءاً” أي احتقره وهذا غلط، والصحيح “ازدراه يزدريه ازدراءاً” وفي غيره يقال “زري عليه زرياً وزراية وأزرى به إزراءاً”.

فقل: “ازدراه يزدريه ازدراءاً”. وازدرى به هذا الغلط ليس بحديث فقد وقع في مثل كلام ابن حجر العسقلاني في القرن التاسع للهجرة كما في كتاب “رفع الأصر عن قضاة مصر”.

 

قل: هذا أسلوب جيد كلماتُه مَصوغةٌ بدقة وحسن بيان
ولا تقل: هذا أسلوب جيد كلماتُه مُصاغةٌ بدقة وحسن بيان

وكتب عبد الهادي بوطالب: من فعل صاغ يصُوغ صَوْغاً وصِيَاغةً. والفعل ثلاثي أجوف حرفُ عِلَّته واو. وهو على شكل مَقُول، ومَصُون، ومَلُوم. اسم الفاعل من صاغ هو صائغ واسم المفعول هو مَصُوغ. والفعل يفيد صُنْعَ شيءٍ على مثالٍ مُعَيّن. والأصلُ فيه صَوْغُ الحُلِيّ. ونقول: “صاغ الصائغُ من الذهب عِقْدا”. وصاغ المعدِنَ إذا صبَّه ووضعه في قالَب أو على شكل خاص.

ويستعمل فعل صاغ وما يأتي منه في الحديث عن الموسيقى، فنقول : “صاغ الموسيقي (أو الموسيقار) فلان ألحانه على ألحان الآخر”. ودخلت الكلمة في قواعد الصرف إذ يقال: “جاءت صياغة هذه الكلمة على وزن كذا أو كذا”.

ويُجمَع اسم الفاعل (صائغ) على صَاغَة وصُوَّاغ: وسُوق صَوْغ الحُلِيّ (أو صياغته) أو بيعه ذهبا أو فضة أو غيرهما تسمى سوق الصَّاغَة. (وهو مستعمل كثيرا في المغرب). لكن يطلق لفظ الصَّاغَة أيضا على من يصنعون الكلام ويبرعون في صَوْغ البيان فنقول: “فلان من صَاغَة الكلام” أي من المُبدِعين في الأدب شعرا أو نثرا.

أما المَصُوغ (اسم المفعول) فيُستعمَل في جميع هذه المعاني: “هذا الحُلِيّ مَصُوغٌ من ذهب خالص رفيع” ونقول: “هذا أسلوب جيد كلماتُه مَصوغةٌ بدقة وحسن بيان”.

 

قل: فمات ثلاثة ركاب والراكبان الباقيان نَجَوَا
ولا تقل: فمات ثلاثة ركاب والراكبان الباقيان نَجَيَا

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يُرتكَب هذا الخطأ في فعلي “نجا” و”دعا” في حالة التثنية، فنسمع في بعض الإذاعات والتلفزات استعمال نجَيَا، ودَعَيَا والصواب نَجَوَا ودَعَوَا.

نجا ينجو فعل معتل اللام (الآخر) بالواو التي يجب أن تبقى في حالة التثنية ونقول: “وقع حادث سير اصطدام سيارتين، فمات ثلاثة ركاب والراكبان الباقيان نجوا”.

أما إذا كان الفعل معتلا بالياء فتبقى الياء في صيغة المثنى. ونقول نسِيَا ورضِيا. وجاء في القرآن الكريم: “فلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ ربَّهما لئِن آتَيْتَنا صالحاً لنكونَنَّ من الشاكرين”. كما جاء في قوله تعالى: “فَلمَّا بلغا مَجْمَع بَيْنِهما نسِيَا حُوتهما”.”

 

قل: عندي ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مائة درهم.
ولا تقل: عندي ثمان نسوة وثمان عشرة جارية وثمانمائة درهم.

كتب الحريري: “ويقولون: عندي ثمان نسوة وثمان عشرة جارية وثمانمائة درهم. فيحذفون الياء من ثمان في هذه المواطن الثلاثة، والصواب إثباتها فيها، فيقال: ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مائة درهم، لأن الياء في ثمان ياء المنقوص وياء المنقوص تثبت في حال الإضافة وحالة النصب كالياء في قاض، فأما قول الأعشى:

ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ** وثمان عشرة واثنتين وأربعا

فإنه حذف الياء لضرورة الشعر، كما حذفت من المنقوص المعرف في قول الشاعر:

وطرت بمنصلي في يعملات ** دوامي الأيد يخبطن السريحا

يريد الأيدي، وقد جوز في ضرورات الشعر حذف الياءات من أواخر الكلم والاجتزاء عنها بالكسرة الدالة عليها، كقول الراجز:

كفاك: كف ما تليق درهما       جودا وأخرى تعطي بالسيف الدما”

 

قل: إعمل بِحَسَب ذلك
ولا تقل: إعمل بِحَسْب ذلك

كتب الحريري:  “ويقولون: اعمل بحسْب ذلك بإسكان السين، والصواب فتحها لتطابق معنى الكلام، لأن الحسَب بفتح السين هو الشيء المحسوب المماثل معنى المثل والقدر، وهو المقصود في هذا الكلام، فأما الحسب بإسكان السين، فهو الكفاية، ومنه قوله تعالى: “عطاء حسابا” أي كافيا، وليس المقصود به هذا المعنى وإنما المراد: اعمل على قدر ذلك.
ويناسب هاتين اللفظتين في اختلاف معنييهما باختلاف هيئة أوسطهما قولهم: الغبْن والغبَن، والميْل والميَل، والوسْط والوسَط، والقبْض والقبَض والخَلْف والخَلَف، وبين كل لفظتين من هذه الألفاظ المتجانسة فرق يمتاز معناها فيه بحسب إسكان وسطها وفتحه، فالغبن بإسكان الباء يكون في المال، وبالفتحة يقع في العقل والرأي، والميل بإسكان الياء من القلب واللسان وبفتحها يقع فيما يدركه العيان، والوسط بالسكون ظرف مكان يحل محل لفظة بين، وبه يعتبر، والوسط بفتح السين: اسم يتعاقب عليه الإعراب، ولهذا مثل النحويون، فقالوا: يقال: وسط رأسه دهن. ووسط رأسه صلب، والقبض بإسكان الباء مصدر قبض وبفتحها اسم الشيء المقبوض،  وأما الخلف والخلف فعند أكثر أهل اللغة أن الخلف بإسكان اللام يكون من الطالحين، وبفتحها من الصالحين.

وأنشدت لأبي القاسم الآمدي في مرثية غرة خلف عرة:

خلفت خلفا ولم تدع خلفا ** ليت بهم كان لا بك التلف

وقيل فيهما: إنهما يتداخلان في المعنى، ويشتركان في صفة المدح والذم، فيقال: خلف صدق وخلف سوء، وخلف صدق وخلف سوء، والشاهد عليه قول المغيرة ابن حبناء التميمي:

فنعم الخلف كان أبوك فينا ** وبئس الخلف خلف أبيك فينا

وقال بعضهم: إن الخلف بفتح اللام من يخلف في أثر من مضى، والخلف بإسكان اللام اسم لكل قرن مستخلف، وعليه فسر قوله تعالى: “فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة” وعليه يؤول قول لبيد:

وبقيت في خلف كجلد الأجرب **

يعني به القرن الذي عاصره آخر عمره.

وحكى أبو بكر بن دريد، قال: سمعت الرياشي يفصل بين قولهم: أصابه سهم غرَب بفتح الراء، وغرْب بإسكان الراء، وقال: المعنى في الفتحة أنه لم يدر من رماه، وفي الإسكان أنه رمي غيره فأصابه، ولم يميز بين معنى اللفظتين سواه.”

 

قل: ما رأيته منذ يوم الجمعة
ولا تقل:  ما رأيته منذ وقت

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ويقولون في جواب من يسالهم عن صديق: ما رأيته منذ وقت طويل، فيوهمون، لأن مجرور هذا الحرف، وكذلك مذ، لا يكون إلا اسم زمان، ولا يكون ذلك الزمان إلا معينا لا مبهما، في الماضي أو الحاضر وليس في المستقبل. والصواب أن تقول: ما رأيته منذ يوم الجمعة، ومذ يوم الجمعة ولا تقل: مذ غد ولا منذ وقت، لأن الأول يقع في المستقبل، والآخر مبهم. ومذ أصلها منذ، فخففت. ومنذ أصلها (من) الجارة و (إذ) الظرفية، فجعلتا كلمة واحدة، ولذا كسرت ميمها في بعض اللغات باعتبار الأصل فقالوا: مِنذُ. وأما مذ فقد حركوا آخرها بالضم عند دخولها على معرفة ولم يحركوها بالكسر كعادتهم منعا من التقاء الساكنين لأن الذال مضموم في منذ. وللنحاة في هذين الحرفين آراء. فمنهم من يرى أن الخفض واجب بعد مذ لما مضى وما لم يمض وبعضهم يرفع بمنذ ما مضى وما لم يمض. والصواب أن يخفض بمذ ما لم يمض ويرفع ما مضى، ويخفض بمنذ ما لم يمض ما مضى. ومعنى هذين الحرفين ابتداء الغاية مثل من إن كان الزمان ماضيا، كقول زهير:

لمن الديار بقنة الحجر ** أقوين مذ حجج ومذ دهر

أي: من حجج ومن دهر. ونظيره قول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ** وربع عفت آثاره منذ أزمان

وإن كان الزمان حاضرا فمعناهما الظرفية، كقولك: ما رأيته منذ يومنا.
أما إذا كان الزمان معدودا فهما بمعنى (من وإلى) نحو: ما رأيته مذ يومين، أي من يومين وإلى الآن. وقد يدخلان على اسم مرفوع أو جملة، فيكونان حينئذ اسمين كقولك: ما رأيته مذ يومان، أو منذ يوم الجمعة، والشاهد على الجملة الفعلية قول الشاعر:

ما زال مذ عقدت يداه إزاره ** فسما فأدرك خمسة الأشبار

والشاهد على الجملة الإسمية قول الأعشى:

ما زلت أبغي الخير مذ أنا يافع ** وليدا وكهلا حين شبت وأمردا

ورب متسائل عما أورده الزجاجي في بناء ما بعد مذ على الفتح خلافا لرأي النحاة في قول الشاعر:

لقد رأيت عجبا مذ أمسا ** عجائزا مثل السعالي خمسا

يأكلن ما في رحلهن همسا ** لا ترك الله لهن ضرسا

ونجيب هذا المتسائل بأن لفظة أمس في هذا الشاهد هي اسم مجرور بمنذ وعلامة جره الفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف وهي لغة بني تميم ، وأن الزجاجي وهم في إيراد الشاهد تأكيدا لزعمه أن من العرب من يبني أمس على الفتح.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة الخامسة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: هي امرأة صَلِفَةٌ في خيرها
لا تقل: هي امرأة صَلِفَةٌ في أخلاقها

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “الصَّلَفُ: قِلَّة الخير لا التيه، وامرأة صَلِفَةٌ: قليلة الخير لا التي تحظى عند زوجها”.

 

قل: تسلمت المبلغ وحققت تسلم المبلغ
ولا تقل: استلمت المبلغ وحققت استلام المبلغ

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “تسلم والتسلم” غير “استلم والإستلام” وليس تسلم واستلم من أصل واحد بل هما من أصلين مختلفين. فالتسلم أخذ الشيء سالماً وادخاله في السلم. والإستلام من السلمة، وهي الجمر وفيه يقول الشاعر وهو بجير بن غنمة الطائي:

ذاك خليلي وذو يعاتبني          يرمي ورائي بالسهم والسلمة

ومنه استلام الحجر الأسود في الحج أي مسه باليد ومسحه بها وهما كالمصافحة وقد جاء في الحديث النبوي: الحجر يمين الله فمن شاء صافحه بها. قال الشريف الرضي: “المراد أن الحجر جهة من جهات التقرب الى الله تعالى فمن استلمه وباشره قرُب من طاعة الله تعالى فكان كاللاصق بها والمباشر لها”.

ولذلك يكون صادقاً من يقول “والله استلمت الدنانير وما تسلمتها” إذا لم يقبض الدنانير. ومما أشاع هذا الغلط في العالمين قول ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون في ذكر بعض الملوك “فلما استلم زمام السلطة”. والصواب “فلما تسلم زمام السلطة” أو “فلما أمسك زمام السلطة”.

 

قل: أصابه نِقْرِسٌ في رجله
ولا تقل: أصابه نَقْرِسٌ في رجله

كتب الزبيدي: “ويقولون للداء يصيب الرَّجْلَ: “نَقْرِس”، والصواب “نِقْرِس” بكسر النون والراء، على مثال “فِعْلِل”. وقد نُقْرِسَ الرَّجُلَ إذا أصابه ذلك الداء.

والنِّقْرِس أيضاً: العالمُ وكذلك “النِّقْرِيس.

وكتب الحنفي: ويشبه ذلك زيادتهم الياء في نقريس، وإنما هو نِقْرِس بكسر النون وسكون القاف وكسر الراء وبعدها سين مهملة.” انتهى

وجاء في القاموس في باب (نقرس): ” النِّقْرِسُ، بالكسر: وَرَمٌ، ووَجَعٌ في مَفَاصِلِ الكَعْبَيْنِ وأصابعِ الرِّجْلَيْنِ، والهَلاكُ، والداهِيَةُ العظيمَةُ، والدليلُ الحاذِقُ الخِرِّيتُ، والطَّبيبُ الماهِرُ النَّظَّارُ المُدَقِّقُ، كالنِّقْرِيسِ فيهما، وشيءٌ يُتَّخَذُ على صَنْعَةِ الوردِ، تَغْرِزُهُ المرأةُ في رأسِها.” ولم تعرف العرب فعلا له وقد تكون الكلمة أعجمية معربة.

 

قل: هذا كلام مَقُولٌ ومُعاد
ولا تقل: هذا كلام مُقالٌ ومُعاد

وكتب عبد الهادي بوطالب: “الفعل قال واسم المفعول منه على صيغة مَفْعول أي مَقْوُول. لكن القاعدة أن تُخفّف هذه الصيغة فنقول عوضا عنها مَقُول.
ولمن أراد أن يعرف لماذا تحولت صيغة “مقْوُول” الثقيلة لاجتماع واويين فيها أن يعود إلى قواعد اللغة العربية في مصادرها. والذي يهمنا هو أن اسم المفعول من قال هو مَقُول، وأنه من الخطأ أن نقول هذا كلام مُقال. كما نقول هذا الكلام مُعاد لأن فعل قال ثلاثي مجرد، وفعل أعاد رباعي فاسم المفعول الآتي منه هو مُعاد.

سمعت في بعض القنوات الفضائية: “هذا كلام مُقالٌ (بضم الميم) ومُعاد”. والخطأ آت من أن من يرتكبه يخطر بباله أن الفعل رباعي. لكن فعل “أقال” يعني عَزَل من المنصب، أو أعفى من المهمة، أو ساعد على النهوض. وذلك في قولنا: “سقط أحد المارَّة على الرصيف. فأقاله من عَثْرته أحد المارين”.

ومن أدعية بعض المؤمنين قولهم متوجهين إلى الله : “يا مُثَبِّت الخطوات، يا مُقِيل العَثَرات”. ومن الدعاء المطلوب أن تدعو لغيرك به فتقول له: “أقال اللهُ عَثْرَتَك”. أي نجاك الله من الوقوع في القبائح والفواحش. ونقول: “أفَضلُ مَقُولٍ هو المُفيد” (نقصد بمَقُول الكلام). ويُستعْمَل المقُول مؤنثا فنقول: “أُثِرت عن الحكيم فلان مَقولةٌ جامعةٌ مفيدة هي. ونأتي بالعبارة كما استعملها صاحبها وأصبحت بعده شائعة. وعلى ذلك نقول: “مَقُولاتُ الحكماء حافلةٌ بالعِبَر”. أما قال يَقيل فتفيد: نام في وسط النهار. ومصدره قَيْل (بفتح القاف وسكون الياء) وقَيْلُولَة. وقد أصبح هذا المصدر (قَيْلُولة) اسما يدل على النوم في وسط النهار. وجاء في الحديث: “قِيلُوا (أي ناموا في وسط النهار) فإن الشياطين لا تَقيل”.”

 

قل: قدم الحجاج آحاد وثناء
ولا تقل: قدم الحجاج واحدا واحدا واثنين اثنين

كتب الحريري: “ويقولون: قدم الحاج واحدا واحدا، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والصواب أن يقال في مثله: جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع، أو يقال: جاؤوا موحد ومثنى ومثلث ومربع، لأن العرب عدلت بهذه الألفاظ إلى هذه الصيغ لتستغني بها عن تكرير الاسم، ويدل معناها على ما يدل مجموع الاسمين عليه، ولهذا امتنع أن يقولوا للواحد: هذا أحاد وللاثنين: هما مثنى، ولم يمتنعوا عن ذلك إلا لزيادة معنى في أحاد على واحد، وفي ثناء على اثنين.

وفسر قوله تعالى: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع” أي لينكح كل منكم ما طاب له من النساء إن شاء اثنتين اثنتين، أو ثلاثا ثلاثا، أو أربعا أربعا وليس انعطاف بعض هذه الأعداد على بعض انعطاف جمع، وكذلك هي في قوله سبحانه: “جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع”. أي منهم من له جناحان ومن له ثلاثة أجنحة، ومن له أربعة.

وقد اختلف أهل العربية فيما نطقت به العرب من هذا البناء، فقال الأكثرون: إنهم لم يتجاوزوا رباع إلا إلى صيغة عشار لا غير، كما جاء في شعر الكميت:

فلم يستر يثوك حتى رميت ** فوق النصال خصالا عشارا

وروى خلف الأحمر أنهم صاغوا هذا البناء منسقا إلى عشار، وأنشد عليه ما عزي إلى أنه موضوع فيه:

قل لعمرو : يا بن هند ** لو رأيت اليوم شنا

لرأت عيناك منهم ** كل ما كنت تمنى

إذ أتتنا فيلق شهباء ** من هنا وهنا

وأتت دوسر والملحاء ** سيرا مطمئنا

ومشى القوم إلى القوم ** أحادا وأثنى

وثلاثا ورباعا ** وخماسا فاطعنا

وسداسا وسباعا ** وثمانا فاجتلدنا

وتساعا وعشارا ** فأصبنا وأصبنا

لا ترى إلا كميا ** قاتلا منهم ومنا

وقد عيب على أبي الطيب قوله:

أحاد أم سداس في أحاد ** لييلتنا المنوطة بالتناد

ونسب إلى أنه وهم في أربعة مواضع في هذا البيت: أحدها أنه أقام أحاد مقام واحدة، وسداس مقام ست، لأنه أراد أليلتنا هذه واحدة أم واحدة في ست والموضع الثاني أنه عدل بلفظة ست إلى سداس وهو مردود عند أكثر أهل اللغة، الموضع الثالث أنه صغر ليلة على لييلة، والمسموع في تصغيرها: لييلية، والرابع أنه ناقض كلامه، لأنه كنى بتصغير الليلة عن قصرها، ثم عقب تصغيرها بأن وصفها بالامتداد إلى التناد.”

 

قل: علا الماءَ حَبابُه
ولا تقل: علا الماءَ حُبابُه

كتب الحنفي: “ويقولون للنُفّاخات التي تعلو الماء: حُباب، بضم الحاء، وهو بفتحها نَصَّ عليه في مختار الصحاح.” انتهى

وكتب الجوهري في الصحاح  في باب (حبب): “والحِباب بالكسر: المُحابَّةُ والمَوادَّةُ. والحُبابُ بالضم: الحُبُّ. قال الشاعر: فوالله ما أَدري وإني لصـادقٌ/ أَداءٌ عَراني من حُبابِكِ أمْ سِحْرُ.  وحَبابُ الماء بالفتح: مُعظمُهُ. قال طرفة: يَشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيْزومُها بها/ كما قَسَمَ التُرْبَ المُفايِلُ باليَدِ. ويقال أيضاً حَبابُ الماء: نُفَّاخاتُهُ التي تعلو….. وتقول أيضاً: حَبابُكَ أن تفعلَ كذا، أي غايتك. ”

وكتب ابن منظور في أصل المفايل: “والمُفايَلة والفِيَال والفَيال لُعْبة للصبيان، وقيل: لعبة لفِتيان الأَعراب بالتراب يَخْبَؤُون الشيء في التراب ثم يقسِمونه بقسمين ثم يقول الخابئ لصاحبه: في أَي القسمين هو؟ فإِذا أَخطأَ قال له: فال رأْيُك؛ قال طرفة: يَشُقُّ حَبَابَ الماءِ حَيْزُومها بها، كما قَسَمَ التُّرْبَ المُفايِلُ باليَدِ.”

 

قل: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الفضلى للمواطنين
ولا تقل: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الأفضل للمواطنين

وكتب الدكتور ابراهيم السامرائي: “وقرأت: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الأفضل للمواطنين”. أقول: و(الأفضل) هنا (أفعل) للتفضيل، وهي صفة للجمع (الخدمات). ولما كانت محلاّة بالألف واللام كان لنا أن نحملها على المطابقة فنقول: (الخدمات الفُضْلى). غير أن المعاصرين لايستشعرون معنى التفضيل في (الفضلى والكبرى والعليا) ونحو ذلك. ولم تدرك أنهم يتحرّون حدّ التفضيل.

أقول: ومن هذا قول الكثيرين: (الدولتان الأعظم)، والصواب (الدولتان العظميان)، فانظر كيف ننال من حدود العربية.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة الرابعة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: يَتَسَلَّلونَ منكم لِواذاً
ولا تقل: يَتَسَلَّلونَ منكم لِياذاً

بعث لي قبل أيام أخ أديب كريم بما يلي:
“الفرق بين السبط والحفيد
السبط: هو ابن البنت
الحفيد: هو ابن الإبن

والفرق بين المختال والفخور
المختال: في هيئته واللباس
الفخور: في قوله

والفرق بين أعوذ وألوذ
العياذ: للفرار من الشر
اللياذ: لطلب الخير.”

وهذا قليل من جمال هذه اللغة التي أنعم الله بها علينا.

ثم ما لبث أن استوقفني سؤال عن الفرق بين اللياذ واللواذ. فهل هناك فرق بين الإثنين؟ وهل المصدر أصل والفعل فرع أم أن الفعل هو الأصل والمصدر صادر عنه؟ وكيف يولد عن مصدرين فعل واحد؟

وكتب الجوهري في الصحاح:

“لاذَ به لِواذاً ولِياذاً، أي لجأ إليه وعاذَ به.

ولاوَذَ القومُ مُلاوَذَةً، أي لاذَ بعضُهم ببعض.  ومنه قوله تعالى: “يَتَسَلَّلونَ منكم لِواذاً”.  ولو كان من لاذَ لقال: لِياذاً.”

ويبدو لي أن الجوهري أراد القول ان:
لاذ  يلوذ لياذا
لاوذ يلاوذ لواذا

أما ابن فارس فقد توسع في شرح ذلك فكتب في باب: “لوح”:

“ومما شذَّ عنه أيضاً قولهم: ألاَحَ من الشَّيء: حاذَرَ لِوَاذاً [النور 63].  وكان المنافقون إذا أراد الواحدُ منهم مفارَقَةَ مجلسِ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لاذ بغيرِه متستِّراً ثم نهض. وإنما قال لواذاً لأنه من لاوَذَ وجعل مصدره صحيحاً، ولو كان من لاذ لقال لِياذاً.”

ولا يمكن الإنتهاء من هذا دون الإشارة الى ابن فارس حين ذكر الرسول الأكرم فإنه صلى عليه وآله ولم يشرك صحبه أجمعين كما يفعل أكثر المسلمين اليوم. وابن فارس ليس مبتدعاً وهو أقرب زمنا منا للإسلام. لكنه ما كان له أن يصلي على صحبه أجمعين لأنه كتب أنه كان في صحب رسول الله (ص) منافقون، ولا تقبل صلاة على رسول يشرك فيها معه من هم في الدرك الأسفل من النار!

 

قل: جَهَدْتُ به كل الجُهْد
ولا تقل: جَهِدْتُ به كل الجُهْد

 كتب الكسائي: “وتقول: جَهَدْتُ به كل الجُهْد، والجيم الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. قال الله تعالى: “والذين لا يجدون الا جُهْدَهُم”.

واضاف المحقق: “قال الفراء: يقال بلغت به الجَهْدَ (بفتح الجيم) اي الغاية. وتقول اجْهَد جَهْدَكَ (بفتح الجيم الثانية) في هذا الأمر أي ابلغ غايتك. وأما الجُهْد (بضم الجيم) فالطاقة. قال الله جل وعز: والذين لا يجدون إلا جهدهم أي طاقتهم.  قال ويقال: اجهد جُهْدَكَ”.

 

قل: إستخفيتُ منك
ولا تقل: إختفيتُ منك

ونأخذ مما كتب ثعلب في “باب حروف منفردة” ما يلي: “هو يوم الأربِعاء بفتح الألف وكسر الباء، وتقول ماء ملح ولا تقول ماء مالح، وسمك مملوحٌ ومليحٌ ولا تقل مالحٌ، وتقول رجل يمانٍ من أهل اليمن وتِهامٍ من أهل تهامة، وفعلت ذلك من أجلك ومن إجلك، وتقول ما رأيته مذ أول من أمس، فإن أردت يومين قبل ذلك قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس ولا تجاوز ذلك. والظل ظل الشجرة وغيرها بالغداة والفيء بالعشي. وإذا قيل ادن فتغّدَّ، فقل: ما بي تَغّدِّ وفي العشاء: ما بي تَعَشِّ، ولا تقل ما بي غَدَاءٌ ولا عَشَاءٌ لأنه الطعام بعينه. وتقول: لقيته لَقْية ولِقاءَة ولُقياناً ولا تقل: لَقَاة فإنه خَطأٌ. وتقول: أستخفيتُ منك أي تواريتُ، ولا يقال: اختفيتُ لإنما الإختفاء: الإظهار. وتقول: كَسَفَت الشمس وخَسِف القمر وهذا أجود الكلام. وتقول: أرعني سمعكً أي اسمع مني. وتقول بَخَصتُ عين الرجل وبَخَسْتُه حقه إذا نقصته. والبرد قارِسٌ واللبن قارِصٌ أذا بدأ يحمض. وتقول: دانَقٌ ودانِقٌ، وخَاتَمٌ وخَاتِمٌ، وطابَعٌ وطابِعٌ، وطابَقٌ وطابِقٌ، كل هذا صحيح جائز. وتقول: أمليتُ الكتاب أمليه إملاءً وأملَلْتُ أمِلُّ إملالاً، لغتان جيدتان جاء بهما القرآن.”

 

قل: أداء الدين وكِيان الدولة ورآه إياد عِياناً
ولا تقل: إداء وكَيان وأياد وعَيان

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “الأداء” اسم مصدر والمصدر التأدية كالزَّواج بالنسبة الى التزويج والسَّراح بالنسبة الى التسريح والطَّلاق بالإضافة الى التطليق والصلاة بالإضافة الى التصلية والسَّلام مع التسليم والكلام مع التكليم والزَّكاة مع التزكية والوَصاة مع التوصية فكلها مفتوحة. فالفتح غالب على اسم المصدر كما ذكرت لك ولا يقتصر على اسم مصدر التفعيل بل يكون أحياناً اسماً للأفعال كالعَطاء مع الإعطاء والبَيان مع الإبانة.

أما الكِيان فهو مصدر الفعل “كان” مثل قام قِياماً وذاد ذِياداً ولاذ لِياذاً وعاذ عِياذاً وصام صِياماً وصال صِيالاً وهلم جرّا. وأحياناً يأتي التأنيث مثل عاد عِيادة وزار زِيارة فالواو في المصدر تجعل ياءاً لأنها ساكنة في الفعل لفظاً لا أصالة.

وأما إياد فاسم علم للرجال وبه سمي إياد بن نزار بن معد بن عدنان أبو قبيلة إياد وهو مشتق من آده الحمل يؤوده إياداً أي ثقُل عليه وأناءه، إلا انهم لم يذكروا الإياد في المصادر ولكن القياس يوجبه ويهدي اليه.

وأما العِيان فهو مصدر للفعل “عاينه يعاينه” وأوله مكسور كجميع مصادر “فاعله يُفاعله” الآتية على وزن “فِعال” مثل باينه بِياناً وهو غير البَيان، وقايضه قِياضاً وغايره غِياراً وداينه دِياناً. وقيل ان الفِعال اسم مصدر لأنه أقل من المصدر الثاني وهو المفاعلة كالمباينة والمعاينة والمقايضة، ولكن هذا القول رُدّ على قائله بأن “الفِعال” أصله “فِيعال” ثم حذفت الياء تخفيفاً للفظ.”

وكتب عبد الهادي بوطالب: ويخطئ من يفتح الكاف. وهو مصدر من مصادر كان التي هي كَوْن، وكِيَان، وكَيْنُونة.

لكنه يعني أيضا هيئة، أو بِنْية، أو مؤسسة. وغالبا ما يراد منه التنقيص من الأهمية. فنقول الكِيَان الصهيوني تجنبا لكلمة دولة. ويعني ذلك عدم الاعتراف بإسرائيل. ويقال الكِيَانات المصطنعة، والكِيَانات الضعيفة أو الهشة.

 

قل: هذا الأمر واضح للعِيَان
ولا تقل: هذا الأمر واضح للعَيَان

وكتب عبد الهادي بوطالب: “عِيَان مصدر فعل عايَن وهو على وزن فِعال. ويفتح البعض العين خطأ. كما أن مصدره الآخر هو معايَنَة وهو قياسي كما نقول قِتال، ومقاتلة، وكِفاح ومكافحة، وجِهاد ومجاهدة.

ونقول: “هذا الأمر واضح للعِيَان”، أي للنظر بالعين. ونقول. “شاهِدُ عِيَان”، أي أن الشاهد حضر الحدث وشاهده بعينه، ويقال: “الشاهد العِيَاني” أي الذي شهد بما رأى. ومن الأمثال العربية المشهورة: “وليس الخَبَر كالعِيَان”.

وشهادة العِيَان أفضل وأقوى حُجَّةً من شهادة السَّمَاع. وقال الشاعر:

يا بْنَ الكِرام ألاَ تَدْنُو فَتُبْصِرَ ما
قد حدَّثُوك فمَا راءٍ كمَنْ سمِعا”

وكتب الحنفي: وعلى عكس ذلك قولهم: “العَيان” بفتح العين، فإنّما هي مكسورةٌ.

 

قل: هي كُفَةُ القميصِ
ولا تقل: هي كِفَةُ القميصِ

وقال ابن قتيبة: “صنفة الإزار: جانبه الذي لا هدب فيه، وهي الطُّرّة والكُفَّةُ، وطُرَّة النهر: شفيره. ورجل طِرارٌ كأنه أُلبس طُرَّةً من جمال. وكُفَّة القميص بالضم، فأما كِفَّة الميزان وكِفَّة الصائد وهي حبالته فهما جميعاً بالكسر.”

 

قل: استقبلت قافلة الحاج
ولا تقل: ودعت قافلة الحاج

كتب الحريري:ويقولون: ودعت قافلة الحاج، فينطقون بما يتضاد الكلام فيه لأن التوديع إنما يكون لمن يخرج إلى السفر، والقافلة اسم للرفقة الراجعة إلى الوطن، فكيف يقرن بين اللفظتين مع تنافي المعنيين ووجه الكلام أن يقال: تلقيت قافلة الحاج، أو استقبلت قافلة الحاج. ويشاكل هذا التناقض قولهم: رب مال كثير أنفقته، فينقضون أول كلامهم بآخره، ويجمعون بين المعنى وضده لأن رب للتقليل، فكيف يخبر بها عن المال الكثير.”

كتب الحنفي: قال الحريري: يقولون: ودّعت قافِلَةَ الحاجِّ، فينطقون بما يناقض الكلام، لأنّ التوديع إنّما يكون لمن يخرج إلى السفر، والقافلةُ اسمٌ للرُّفْقَةِ الراجعة إلى الوطن. أقول: فيه بحث، لأنّه نصَّ بعض من كبار أرباب اللغة كصاحب القاموس بأنّ القافلةَ الرُّفْقَةُ القُفّالُ والرفقةُ المُبْتَدِئةُ في السفر تفاؤلاً بالرجوع.  وبهذا يظهر ما في قول مَنْ جعل كلام الحريري هذا سنداً للردِّ على الجوهري في تفسير القيرُوان بالقافلة.”

وكتب ابراهيم السامرائي: “وقرأت قولهم : “قافلة عسكرية أمريكية تدخل شمال العراق . أقول: والقافلة هي العائدة في العربية، وقد ذهبوا إلى التفاؤل بالخير فوصفوا الجماعة العائدة التي لم تتعرض لأذىً في رحلتها بـ القافلة.

غير أن المعاصرين جهلوا هذه الخصوصية في الدلالة فتوسعوا فيها بل قلبوا الكلمة إلى ضدها فهي لديهم الجماعة الذاهبة.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة الثالثة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: شُدَّ ثوبكَ
ولا تقل: شِدَّ ثوبكَ

 كتب الكسائي:”وتقول شُدَّ ثوبكَ، وشُدَّ عليه بضم الشين. قال الله تعالى:”فشُدُّوا الوثاق”. إنتهى

كتب الجوهري في الصحاح: “وشَده: أي أوثقه، يَشُدُّهُ ويَشِدُّهُ أيضاً”. فاذا جاز على قول الجوهري أن يأتي مضارع “شد” على “يشُدُّ” أو “يشِدُّ” فإنه يجوز أن يكون الأمر “شُدَّ” أو “شِدَّ”.

 

قل: ودِدْتُ أني في منزلي
ولا تقل: ودَدْتُ أني في منزلي

كتب الكسائي: “وتقول ودِدْتُ أني في منزلي، بكسر الدال الأولى. قال بعض الأعراب:

أُحب بنيتي ووَدِدْت أني          حَفَرْتُ لها برابية قُبيرا

وأضاف المحقق: “وضعها ثعلب في الفصيح في باب (فعلت بكسر العين)، كما وضعها ابن قتيبة في أدب الكاتب في باب “ما جاء على فعلت بكسر العين والعامة تقوله على فتحها”. وقد روي عن الكسائي غير ما يذكره هنا فقد حكى الزجاجي عن الكسائي: ووَدَدْتُ الرجل بالفتح. وقد ضبطَ بروكلمان “قبيرا” بفتح القاف وكسر الياء. وقال في الهامش: “هي كلمة منحوتة من القبر والحفير، أو لعلها محرفة عن الكلمة الأخيرة”. ولست أدري ما الذي أغفله عن تصغير القبر على قبير؟” انتهى

وكتب ابن فارس في المقاييس في باب (ود): “الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على مَحَبَّةٍ. وَدِدْتُه أحببته. ووَدِدْتُ أنَّ ذاك كان، إذا تمنَّيْتَه، أَوَدُّ فيهما جميعاً. وفي المحبَّة الوُدُّ، وفي التَّمنِّي الوَدَادة. وهو وَديدُ فلانٍ، أي يُحِبُّه.

فأمَّا الوَدُّ: فـالوَتِد.”

 

قل: فلان شقيّ من الأشقياء
ولا تقل: شَقيّ من الشقاة

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الشقي صفة من شقي فلان يَشقى شقاءً إذا لم يكن سعيداً ولارفيع العيش هنيئه، ثم استعملته العامة للعيّار والمفسد واللص والشاطر لأن أفعاله تؤدي الى الشقاء أو شقاء النفس في الآخرة، وهو مثال لتطور معاني الألفاظ عند العامة. ولم تأت الصفة من شقي على وزن فاعل حتى يقال “الشاقي” كالباقي ثم يجمع على الشقاة، ويجوز استعمال الشاقي في غير هذا المعنى، قالت العرب: “شقا الله فلاناً يشقوه شَقواً أي صيره شقيّاً، فالله “الشاقي” وهو “المشقّو” ويقال أيضاً: انهم شقوا أبناءهم بسوء التربية فهم شقاة وأبناؤهم أشقياء.”

 

قل: كثرت المُغْرِيات في هذا العصر
ولا تقل: كثرت المُغْرَيات في هذا العصر

وكتب عبد الهادي بوطالب: “المُغرِيات اسم فاعل من أغرى يُغرِي إغراءً. أي حرَّض، وحثَّ. ونقول: “أغراه بقبول الوظيفة”. أي حثَّه على قبولها. و”أغراه بتناول الخمر” أي زيَّن له شربَها. و”أغراه بقبض الرشوة حبُّ المال”.
وتأتي أغرى بمعنى وعد بالشيء. ويُجمَع بين العبارتين فنقول: “حمله على فعل كذا بالوعد والإغراء”. وعكس الإغراء هو التحذير.

وجاء في النحو أن الإغراء هو حث المخاطَب على أمر محمود ليفعله، وأن صيغته تأتي بالاقتصار على المُغرَى بفعله ونصبه على أنه مفعول به. فنقول : “الصدقَ فيما تقول” على تقدير فعل الْزَم. والمعنى الزَم الصدقَ فيما تقول. ويمكن أن يُعدَّد في الجملة ما يحث المتكلمُ السامعَ والقارئَ على فعله فنقول : “الصدقَ والجدَّ والصَّبرَ”. أي الزم فعل هذه الخصال الثلاث وجميعُها مفعول به منصوب بفعل الزم المقدَّر.

أما عكس الإغراء وهو التحذير فله نفس الصيغة ويُنصَب مفعولا به على تقدير احذر. نقول : “الكسلَ والكذبَ والتهاونَ”. على تقدير فعل احذر أي احذرها جميعها.

والمغري هو الشيء الذي يُغْري أو من يُغْري، والجمع هو مُغْرِيات أي ما يُستعمَل للإغراء. فنقول : “كثرت المُغْريات في هذا العصر” أي الأشياء التي تُغري، أي تحث على عمل كذا. وغالبا ما نستعمل كلمة المُغْريات بمعنى المُلْهِيات (بكسر الهاء اسم فاعل) ونقول بسَبَب اختراع بعض المغريات وكثرة المُلْهِيات قلّ إقبال التلاميذ على الدرس أو المطالعة (مثلاً).
ومن ذلك يتبين أن نطق المغريات بفتح الراء خطأ لا مبرر له ولا أساس. ومثل هذا الخطأ يبدو لنا شنيعاً لو نطقنا كلمة المضحِكات بفتح الحاء وأنشدناها بالفتح مُحرَّفة في البيت الشعري التالي (وهو للمتنبي):

وكم ذا بمصر من المضحَكات (لا المضحِكات)

ولكنه ضَحكٌ كالْبُكَا”

 

قل: تلقيت رسالة مُفادُها كذا
ولا تقل: تلقيت رسالة مَفادُها كذا

وكتب عبد الهادي بوطالب: لا يوجد فعل فاد يَفيد (الثلاثي المجرد) حتى يمكن أن نأخذ منه تعبير مَفاد (بفتح الميم على وزن مَفْعَل). وإنما يوجد فعل أَفاد يُفيد (الرباعي). وعلى ذلك نقول مُفاد كما نقول مُراد (فعله أراد) ومُعاد (فعله أعاد) ومُقام (فعله أقام) بينما الكثيرون يقولون :”تلقيت رسالة مَفادُها كذا” و”بلغتني أخبار مَفادُها كذا” والصواب ضم الميم.

 

قل: إن تصغير مختار هو مخير
ولا تقل: إن تصغير مختار هو مخيتير

كتب الحريري: ويقولون في تصغير مختار مخيتير، والصواب فيه مخير، لأن الأصل في مختار مختير، فالتاء فيه تاء مفتعل التي لا تكون إلا زائدة، ويدل على زيادتها في هذا الاسم اشتقاقه من الخير، ومن حكم التصغير حذف هذه التاء ، فلهذا قيل: مخير، ومن عوض من المحذوف قال مخيير.

وقد غلط الأصمعي في تصغير هذا الاسم غلطاً أودع بطون الأوراق، وتناقلته الرواة في الآفاق ذاك أن أبا عمر الجرمي حين شخص إلى بغداد ثقل موضعه على الأصمعي إشفاقاً من أن يصرف وجوه أهلها عنه، ويصير السوق له، فأعمل الفكر فيما يغض منه، فلم ير إلا أن يرهقه فيما يسأله عنه، فأتاه في حلقته، وقال له: كيف تنشد قول الشاعر:

قد كن يخبأن الوجوه تسترا ** فاليوم حين بدأن للنظار

أو حين بدين فقال له: بدأن، قال: أخطأت، فقال  بدين  قال: غلطت إنما هو حين بدون أي ظهرن.

فأسرها أبو عمر في نفسه، وفطن لما قصده به، واستأنى به إلى أن تصدر الأصمعي في حلقته، واحتف الجمع به، فوقف عليه وقال له: كيف تقول في تصغير مختار فقال: مخيتير، قال: أنفت لك من هذا القول، أما تعلم أن اشتقاقه من الخير، وأن التاء فيه زائدة ولم يزل يندد بغلطه ، ويشنع به، إلى أن انفض الناس من حوله.”

 

قل: أحَكَّني جسدي
ولا تقل: حَكَّني جسدي

كتب الحريري: “ويقولون أيضا: حكني جسدي فيجعلون الجسد هو الحاك، وعلى التحقيق هو المحكوك، والصحيح أن يقال: أحكني جسدي، أي ألجاني إلى الحك، كذلك يقولون: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه، لأنه هو المشتكي لا هي .” انتهى

لكن الفيروزأبادي خالف الكسائي فكتب في القاموس: “وحَكَّني وأحَكَّني واسْتَحَكَّنِي: دَعاني إلى حَكِّهِ، والاسْمُ: الحِكَّةُ”. وأخذ عنه ابن منظور فكتب في لسان العرب: “وحَكَّني وأَحَكَّني واسْتَحَكَّني: دعاني إِلى حَكِّه، وكذلك سائر الأَعضاء، والاسم الحِكَّةُ والحُكاكُ. قال ابن بري: وقول الناس حَكَّني رأْسي غلط لأَن الرأْس لا يقع منه الحَكّ.”

 

قل: افترقت الأهواء والآراء
ولا تقل: تفرقت الأهواء والآراء

كتب الحريري: “ويقولون تفرقت الأهواء والآراء، والاختيار في كلام العرب أن يقال في مثله: افترقت، كما جاء في الخبر: تفترق أمتي كذا وكذا فرقة أي تختلف، فأما لفظة التفرق فتستعمل في الأشخاص والأجسام فإذا قيل: إن لزيد ثلاثة إخوة متفرقين، كان المعنى أن كل واحد منهم ببقعة، وإن قيل في وصفهم: مفترقين كان المعنى أن أحدهم لأبيه وأمه والآخر لأبيه، والثالث لأمه، وكذلك يقال: فرق بتشديد الراء فيما كان من قبيل الجمع، وفرق بالتخفيف فيما يراد به التمييز كقولك: فرق بين الحق والباطل والحالي والعاطل.” انتهى

ويبدو من قول الحريري أنه يعيب على حسان بن ثابث قوله:

أكرم بقوم رسول الله قائدهم             إذا تفرقت الأهواء والشيع

لكن قول حسان له ما يؤيده حيث إن الجوهري لم يجد بينهما فرقا فكتب في الصحاح في باب (فرق):

وفَرَّقْتُ الشيء تَفْريقاً وتَفْرِقَةً، فانْفَرَقَ وافْتَرَقَ وتَفَرَّقَ.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

قل ولا تقل / الحلقة الثانية بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: عَجَزْتُ عن الشيء
ولا تقل: عَجِزْتُ عن الشيء

 كتب الكسائي: “وتقول: عَجَزْتُ عن الشيء، بفتح الجيم. ومنه قول الله تعالى: “أعَجَزْتُ أن أكون مثل هذا الغُرابِ”.

 

 قل: بعثت اليك بهدية
ولا تقل: بعثت اليك هدية

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول بعثت اليك غلاماً وأرسلت اليك رسولاً فتعدى الفعل بنفسه. فإن قلت بعثت اليك بهدية وأرسلت اليك بثوب ونحوه مما لا يتعدى  بنفسه جاز تعديه بالباء لأن التقدير بعثت اليك انساناً بهدية.”

 

قل: بَرِحَ فلان العاصمة يبْرَحُها بَراحاً بفتح الباء
ولا تقل: بارح فلان العاصمة مبارحة وبِراحاً بكسر الباء

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن العرب استعملت لهذا المعنى الفعل الثلاثي حسب أي برح.

جاء في لسان العرب: “والبَراحُ مصدر قولك بَرِحَ مكانَه أَي زال عنه وصار في البَراحِ….. وبَرِحَ الأَرضَ: فارَقَها. وفي التنزيل: “فلن أَبْرَحَ الأَرضَ حتى يَأْذَنَ لي أَبي..” فالقرآن الكريم يحتوي على استعمال “برح” الثلاثي متعدياً بنفسه في قوله تعالى “فلن أبرح الأرض” الآية. أما “بارح” فله معنى آخر، فقل قالوا “بارحه” بمعنى كاشفه وعالنه وجاهره. والمبارحة هي ما يسمى اليوم “المظاهرة”.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “قال أبو عُبيد: البِرَاح المكاشَفة، يقال بَارَحَ بِراحاً كاشَفَ.” والظاهر أنه مأخوذ من “برِح الشيء” أي انكشف وبان، ومنه المثل “برِح الخفاء”.

والظاهر أن الذي استعمل “بارح” قاسه على “غادر” وليس ذلك بمقيس. فلا يقال “تارك” بمعنة ترك ولا “باين” بمعنى بان ولا “ناظر” بمعنى نظر ولا “قاتل” يمعنى قتل، فلكل وزن معنى خاص به. ولا حكم للشذوذ. فقل: بَرِح مكانه وبرِح العاصمة ولا تقل: بارحهما فمعنى المبارحة المكاشفة وليست بمرادة في العبارة.”

 

قل: هذا كتابٌ مُخْطَأ فيه
ولا تقل: هذا كتابٌ مُخْطِئ

كتب الزبيدي: ” يقولون للكتاب الكثير الخطأ: “مُخْطِئ” والصواب: “مُخْطَأ فيه” تقول أخْطَأ الرجلُ إخْطَاءً، والإسم: الخَطَاءُ بالمد، والخَطَأ بالقصر. وقرأ الحسن: “إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْئَاً كبيراً”.

ويقال للرجل إذا أتى الذنب متعمدَّاً: قد خَطِئ يَخْطَأ خِطْئَاً، فهو خَاطِئ، والمكان مَخْطُوءٌ فيه. ويقال: لأن تُخْطِئ في الطريق أيسر من أن تَخْطَأ في الدِّين. ويقال خَطِئ الرجلُ، قال امرؤ القيس:

يا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئْنَ كاهِلا

يعني: أخْطَأن.

 

قل: قد خطئ في العمل (إذا تعمده)
ولا تقل: قد أخطأ في العمل (إذا تعمده)

كتب الحريري: ويقولون لمن يأتي الذنب متعمدا: قد أخطأ، فيحرفون اللفظ والمعنى لأنه لا يقال: أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل أو لمن اجتهد، فلم يوافق الصواب، وإياه عنى صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإنما أوجب له الأجر عن اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، والفاعل من هذا النوع مخطيء، والاسم منه الخطأ، ومنه قوله تعالى: “وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ”، أما المتعمد الشيء فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والاسم منه الخطيئة، والمصدر الخِطْء بكسر الخاء وإسكان الطاء، كما قال تعالى: “إن قتلهم كان خِطْأ كبيرا” قال الإمام أبو محمد رحمه الله: ولي فيما أنتظم هاتين اللفظتين وأحتضن معنييهما المتنافيين:

لا تخطون إلى خِطء ولا خطأ ** من بعدما الشيب في فوديك قد وخطا

فأي عذر لمن شابت مفارقه ** إذا جرى في ميادين الهوى وخطا

الخطيئة تقع على الصغيرة كما قال سبحانه إخبارا عن إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين السلام: “والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين” ويقع على الكبيرة كما قال تعالى: “بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”.”

 

قل: بدأت أمس ألعاب القُوى
ولا تقل: بدأت أمس ألعاب القِوى

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يقال خطأ في لغة الإعلام الرياضي : “ألعاب القِوَى” (بكسر القاف) والصواب ضمه لأنه جمع قُوَّة بضم القاف.

ونقول “قُوى الشر والطغيان”. و”قُوَى الفساد”. و”ميزان القُوَى”. وهذا جمع تكسير. ولأن المفرد قُوَّة ولأن اللفظ مؤنث فإنه يجمع أيضا جمع المؤنث على قُوَّات (دائما بضم القاف) ونقول القُوَّات المسلحة، والقُوَّات الجوية، والقُوَّات البحرية، والقوَّات الاحتياطية. وجاء في القرآن : “عَلَّمَه شديد القُوَى” بضم القاف.”

 

قل: عثر الجيشُ على لَغْمٍ موقوتٍ
ولا تقل: عثر الجيشُ على لَغَمٍ موقوتٍ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “ومما يجري خطأ على الألسنة فتح الغَين في لَغْم وجمعه ألغام. واللَّغْم ما يُملأ بمواد متفجرة تتفرقع عند مسه أو بالضغط عليه أو بتوقيته. فنقول: “عثرت الشرطة على لَغْمٍ كان على وشك الانفجار”. أو “اكتشف الجيش حقل ألغام”. ويقال “لَغْمٌ موقوت” أي يتفجر في وقت معين.

 وأعتقد أن هذا الخطأ (أي وضع حركة الفتح على عين الكلمة بدلا من السكون) يُرتكَب في اللهجة العربية السورية التي كثيرا ما تفتح فيها عين الكلمة (أي وسطها) إذا كانت اسماً ثلاثياً ساكن الوسط. فيفتح وسطها بدلًا من السكون. فيقال “العَصَر” (بدلا من العَصْر) و”الظُّهَر” (بدلا من الظُّهْر) كما يقال “القَصَر” (بدلا من القَصْر).

واللَّغْم بفتح اللام (ودائما بسكون الغين) يأتي مصدرا فِعلُه هو لغَمَ يَلْغَم لَغْما بمعنى أخبر بدون علم ولا يقين. كما يقال : “لغم البعير” أي ألقى بِلُغامه أي زَبَده.”

 

قل: هو معي (لمن تعب)
ولا تقل: هو عيان

كتب الحريري:ويقولون لمن تعب: هو عيان، والصواب هو أن يقال: هو معي، لأن الفعل منه أعيا، فكان الفاعل منه على وزن مفعل، كما يقال: أرخى الستر فهو مرخ، وأغلى فهو مغل، وعند أهل اللغة أن كل ما كان من حركة وسعي قيل فيه: أعيا، وما كان من قول ورأي قيل فيه عيي وعي، والاسم منهما عيي على وزن شجي.

وقيل فيه: عي على وزن شج وعم، ونظير هاتين اللفظتين في قولهم: عيي وعي، قولهم: حيي وحي، وقرئ بهما قوله تعالى: “ويحيى من حي عن بينة”، وحيي عن بينة.

 

قل: يعجبني مَناخُ لبنان
ولا تقل: يعجبني مُنَاخُ لبنان

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين المَناخ (بفتح الميم) والمُناخ (بضم الميم) فيقولون: مُناخ لبنان رائع، يريدون اعتدال هوائه، وغزارة مياهه، واخضراره الدائم، مما يجعله موافقا للصحة ومسرة للعين، فيوهمون ، لأن المُناخ (بضم الميم) هو مبرك الإبل، والمكان الذي تنوخ فيه، والنوخة: الإقامة.

أما المَناخ (بفتح الميم) فهو المقصود، وهو لفظ لاتيني معرب أصله الماناك، أي التقويم، وهو جدول زمني يحتوي على تعداد الأيام والأشهر، مع زمان طلوع الشمس والقمر وغروبهما، وأوقات الأعياد، إلى غير ذلك من الفوائد.

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn