قل ولا تقل / الحلقة السادسة عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: الى جانب تعرض ضباط مسيحيين للإغتيال
ولا تقل: ناهيك بتعرض ضباط مسيحيين للإغتيال

 كتب إبراهيم اليازجي قبل مائة عام كتابه (لغة الجرائد) الذي عرض فيه أمثلة من الخطأ الشنيع في لغة ما كان يكتب في جرائد ذلك الوقت وبَيَّن القول السليم. ويبدو أن الكثير من الخطأ الذي كان شائعاً وقتها مازال قائماً. لكن الأدهى من ذلك هو ان وسائل التواصل الإجتماعي في عالم الثورة الرقمية انتشرت بشكل واسع إذا ما قيس الأمر بعدد الجرائد في ايام اليازجي.  وأصبح الخطأ هو الشائع والمقبول بل إن بعض الكلمات العربية أصبحت اليوم تستعمل في عكس معناها تماماً كما هو الحال في الفعل “صمد” وفي الفعل “تقاطع” حتى لم يعد العربي يعرف إذا كان المتحدث يريد مثلاً في استعماله “صمد” أنه ثبت أم سار!

ومما كتبه اليازجي حول استعمال “ناهيك”: ويقولون هو شاعر بليغ ناهيك عن شجاعته أي فضلاً عن شجاعته مثلاً. ولا يستعمل ناهيك بهذا المعنى إنما يقال زيد رجل ناهيك من رجل كما يقال كافيك من رجل وحسبك من رجل أي هو كاف لك فكأنه ينهاك عن طلب غيره”.

أمس انتهيت من قراءة كتاب مذكرات أحد الساسة اللبنانيين المعاصرين. وهو كتاب ممتع لكن ما أحزنني هو ما جاء فيه من أخطاء يبدو أن عدداً منها يخص لبنان ولم ينفع كتاب اليازجي في تغييرها. فقد أكثر الكاتب من الإستعمال الخاطئ لكلمة “ناهيك”، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

ناهيك بتعرض ضباط مسيحيين للإغتيال
ناهيك بتوفير الخدمات التي يتطلبها
ناهيك بزعماء وحلفاء أيضاً
ناهيك بأكثر من عقد من الزمن

وحين فكرت في هذه الإستعمالات وجدت أن الكاتب لا شك يفكر حين يكتب، حتى من دون شعور، بلغة اعلام أجنبية وهذا حال أكثر الكتاب بالعربية اليوم. وهو في هذه الأمثلة يترجم عن الإنكليزية عبارة (Let alone). لكن الترجمة هذه بائسة لأن كلمة ناهيك لا تعني ما تعنيه العبارة الإنكليزية.

فناهي اسم فاعل من الفعل “نهى”. وآخذ ما جاء في مقاييس اللغة لإبن فارس في شرح معنى “ناهيك” فهو لا يختلف كثيراً عما جاء في معاجم العربية الأخرى. فقد جاء في المقاييس في باب “نهي”:

“النون والهاء والياء أصلٌ صحيح يدلُّ على غايةٍ وبلوغ. ومنه أنهيت إليه الخَبر: بلَّغته إياه.
ونِهايةُ كلِّ شيءٍ: غايته.
ومنه نَهَيته عنه، وذلك لأمرٍ يفعله. فإذا نَهَيته فانتهى عنك فتلك غايةُ ما كان وآخِره.
وفلانٌ ناهِيكَ من رجلٍ وَنَهْيُك، كما يقال حسبك، وتأويله أنَّه بِجدِّه وغَنَائه ينهاك عن تطلُّبِ غيره.
وناقة نَهِيَّةٌ: تناهَتْ سِمَناً.
والنُّهْيَة: العقل، لأنَّه ينهَى عن قبيح الفِعل والجمع نهىً.”

وهكذا يتضح أن العرب لم تستعمل “ناهيك” بالمعنى الذي يستعمله العامة اليوم. فاعدل عنه الى الصحيح من القول.

 

قل: عِنْدي وِقْرُ حَطَبٍ
ولا تقل: عِنْدي وَقْرُ حَطَبٍ

كتب الكسائي: ” وتقول عندي وِقْرُ حَطَبٍ ووِقْرُ حنطة. وكل ما يحمل فهو وِقْرٌ بكسر الواو. قال الله تبارك وتعالى: “فالحاملات وقْرا”.

وتقول: في أذنيه وَقْرٌ بفتح الواو وهو رجل مَوْقُورٌ إذا كان به صَمَمٌ. قال الله تعالى: “وفي آذاننا وَقْرٌ”.

 

قل: قد أشْكَلَ علي هذا الأمرُ
ولا تقل: قد شَكَلَ علي هذا الأمرُ

كتب الكسائي: “وتقول: قد أشْكَلَ علي هذا الأمرُ بالألف. قال الشاعر:
وإذا الأمورُ عليك يوماً أشْكَلَتْ         فَلِما يَزِينُكَ لا يَشِينُكَ فاعْمِدِ”

 

قل: أكد الفلسطينيون بأن اسرائيل وراء عملية الإغتيال
ولا تقل: اتهم الفلسطينيون إسرائيل بأنها وراء عملية الاغتيال

كتب عبد الهادي بو طالب: ” مما يستعمله الإعلام العربي خطأ في الحديث عن الانتفاضة وإسرائيل تعبيرات “بتهمة” و”بدعوى” و”بحجة”.
وتَرِدُ هذه التعابيرُ وأمثالُها على ألسنة إعلاميين ملتزمين بإسناد القضية الفلسطينية ولكنها توضع في غير موضعها، مما يعني أنهم يستعملونها بدون تدقيق.
نسمع ونقرأ هذا التعبير: “اتهم الفلسطينيون إسرائيل بأنها وراء عملية اغتيال الشهيد فلان”. في حين أن الاتهام هو نسبة عمل إلى الغير دون ثبوت دليل. والمفروض أن يصدر هذا في مصادر إعلام غير ملتزمة بإسناد الفلسطينيين، إما لأن هذه المصادر ضد الفلسطينيين، أو لأنها محايدة حياداً إيجابياً لصالح إسرائيل.
نقبل أن نسمع صياغة الخبر على هذا النحو من إعلام الولايات المتحدة الأميريكية أو بعض مصادر الإعلام الغربي، ولكنه غير مقبول من مصادر الإعلام العربي الملتزم، إذ أن اغتيال نشطاء المقاومة بالمروحيات والصواريخ الإسرائيلية يتجاوز التهمة إلى حد اليقين بارتكاب جريمة القتل. كما نسمع أيضاً من بعض هذه المصادر الأخيرة: “صرح الرئيس الفلسطيني أنه يُدين إسرائيل بتهمة الاغتيال”. والإدانة تكون بالجرائم، ولا تكون بمجرد التهمة بها.”

قل: جاء القوم بأجمُعِهم
ولا تقل: جاء القوم بأجمَعِهم

كتب الحريري: “ويقولون : جاء القوم بأجمَعِهم، لتوهمهم أنه أجمع، الذي يؤكد به في مثل قولهم: هو لك أجمع، والاختيار أن يقال: جاء القوم بأجمُعهم بضم الميم لأنه مجموع جمع، فكان على أفْعُل، كما يقال : فرخ وأفرُخ وعبد وأعبُد.

ويدل على ذلك أيضاً إضافته إلى الضمير وإدخال حرف الجر عليه، و”أجمع” الموضوع للتوكيد لا يضاف ولا يدخل عليه الجار بحال. ونظير أجمع قولهم في المثل المضروب لمن كان في خصب ثم صار إلى أمرع منه: وقع الربيع على أربع، يعنى بأربع جمع ربيع.”
كتب الحنفي: “وقال الحريري أيضاً:  يقولون: جاء القومُ بأَجْمَعِهِمْ، بفتح الميم، ظنّاً منهم أَنّهُ أَجْمَعُ الذي يُؤَكّدُ به. وليس كذلك لأنّه لا يدخل عليه الجار، وإنّما هو بضم الميم، جمع كعَبْد وأَعْبُد.”
وكتب أبو الثناء الآلوسي في تعليقه على الحريري: ” (فيقولون جاء القوم بأجمعهم. والاختيار أن يقال جاءوا بأجمعهم بضم الميم؛ لأنهُ (مجموع) لفظ (جمع) فكان على وزن (افعل) كفرخ وأفرخ، وعبد وأعبد. وليس من ألفاظ التأكيد كاجمع في نحو هو لك أجمع. ويدل على ذلك إضافته إلى الضمير، وإدخال الحرف الجار عليه واجمع الموضوع للتأكيد لا يضاف ولا يدخله الجار بحال. ونظير اجمع مضموم الميم أربع بضم الباء في المثل المضروب لمن كان في خصب، ثم صار إلى أمرع منه. وقع الربيع على أربع فهو فيه جمع ربيع). وما ذكر في الفرق بين اجمع واجمع هو ما ذكره أبو علي بعينهِ والذي ذهب إليه معظم النحاة واللغويين جواز ما منعهُ. وهو الأصح. قال ابن بري حكى ابن السكيت في باب ما يضم ويفتح بمعنى جاء القوم بأجمُعهم وأجمَعهم وكذا حكاه الجوهري وغيره. وقال الرضي قد تضاف أجمع إضافة ظاهرة فيؤكد بها لكن بباء زائدة نحو جاءني القوم بأجمعهم. ومثار الخلاف على ما قيل أنهُ لما امتنع صرفه ذهب بعضهم إلى أنهُ للوزن والتعريف. وتعريفه بنية الإضافة وقيل هو نوع آخر من التعريف مستقل فمن أجاز إضافته بناه على الأول ومن منعهُ بناه على الثاني؛ لأنهُ كالعلم فلا يضاف. وأما كونه لا يدخله الجار فقيل؛ لأن دخوله يخرجهُ عن التبعية ولا يخفى ضعفه. فالباء تزاد في بعض ألفاظ التأكيد بلا خلاف نحو جاءَني زيد بنفسه وبعينه على أنهُ بعد السماع لا ينبغي أن يبقى نزاع، وما ألطف قول بعضهم وقد ساعده على ذلك جواز زيادة الباء المذكورة.

بدا وقد كان اختفى وخاف من مراقبه
فقلت هذا قاتل بعينه وحاجبه

 

قل: جاء يطلب الزَّعامةَ
ولا تقل: جاء يطلب الزِّعامةَ

كتب الحنفي: “وكذلك قول بعضهم: الزِّعامة، بكسر الزاي، خَطَأٌ. وإنّما الصواب فتحها. ومثل قولهم: الزِّمَخْشَرِيّ ، فإنَّ الصواب فتح الزاي.”

قل: نحن في سَعَة
ولا تقل: نحن في سِعَة

كتب الحنفي: “قال الجوزي: العامة تقول: نحن في سِعَةٍ، بكسر السين. والصواب فتحها.”
وكتب الفيروزأبادي في القاموس: “وَسِعَه الشيءُ، بالكسر يَسَعُه، كَيَضَعُهُ، سَعَةً، كدَعَةٍ، وزِنَةٍ.
وما أسَعُ ذاكَ: ما أُطيقُهُ. واللهُمَّ سَعْ عَلَيْنا، أي: وَسِّعْ “ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ”: أمرٌ بالقرارِ فيه.
ويقالُ: وسِعَتْ رَحْمَةُ الله كلَّ شيءٍ، ولكلِّ شيءٍ، وعلى كلِّ شيءٍ.
وأوسعَ: صارَ ذا سَعَةٍ، و~ اللَّهُ تعالى عليه: أَغْناهُ، كوَسَّعَ عليه.
{وإِنَّا لمُوسِعُونَ}: أغْنِياءُ قادِرونَ.”

 

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

 

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 5

وعدت في الحلقة السابقة أن أتحدث عن الانتفاضة.
لكن ما يستجد من أحداث يلزم بالتوقف للتعليق عليها، ولو قليلاً، بحكم ارتباطها بصلب موضوع هذه السلسلة.
أمس كنت في حديث مع صديق عزيز أسميه (آخر الناصريين) لم تؤثر في ثباته القومي أحداث سبعين عاماً من الاضطراب السياسي والتغرب الشخصي. فذكر عبارة أتفق معه فيها بالكامل لابد من إعادتها ونشرها بين الناس في وقت يبدو فيه التلوث الإعلامي والتشويش الساذج للأفكار المذهبية البائسة والتي لن تغير نتائج “سقيفة بني ساعدة” ولن تؤثر قيد أنملة في مستقبل الأمة العربية. وفحوى الحديث أنه يجب التنبه إلى أنه ليس كل من يطالب بوقف التدخل الإيراني في العراق هو بالضرورة عميل للصهيونية وليس كل من يطالب بانهاء الاحتلال الصهيوني للعراق هو في جيب إيران. فليس كل من يستنكر قيام الصهيونية باغتيال من تشاء كما تشاء وأنى تشاء عميل لإيران، وليس كل من يستنكر دعم وإسناد إيران للفساد المستشري في العراق عميل للصهيونية. ذلك لأنه ما من احد له الحق في أن يحتكر المبادئ.
إن ما وقع على أرض العراق من اغتيال صهيوني مخالف للقانون العراقي والقانون الدولي وما تبعه من ضرب قاعدة “عين الأسد” في غرب العراق مؤشر مهم ومؤكد لموضوع هذه المقالات في الصراع الإيراني الصهيوني على العراق. ذلك لأنه يجب على كل عربي في العراق أن يفهم أن هناك فرقاً كبيراً بين التعامل مع الإيرانيين وبين التعامل مع الصهاينة. ومن لا يقدر أن يفهم هذه الحقيقة فهو واحد من اثنين. فهو إما ساذج لحد أنه لا ينفع معه الحديث، وإما مغرض، يعرف ويحرف! فالعرب الذين يعيشون في أرض ما بين النهرين يختلفون عن باقي الأمة العربية في أنهم يجاورون من الأقوام غير العربية ما لا يجاوره أولئك. فهم، أي عرب العراق، وحدهم يجاورون الأكراد والفرس والأتراك. وهذه حقيقة فرضتها الجغرافيا والتأريخ وعلى عرب العراق العيش فيها. ولا يمكن لعرب العراق أن يكون لهم موقف واحد وشامل تجاه أي من هذه الشعوب المجاورة. فلا يمكن أن يكون لسنة العراق موقف معاد للفرس لأنهم اليوم شيعة بعد أن كانوا أكثر الشعوب تسنناً. ولا يمكن لشيعة العراق أن يعادوا الأتراك لتسننهم واضطهادهم الشيعة في السابق. ولا يمكن للعرب أن يعادوا الأكراد لأنهم يطمعون في السيطرة على أرض عربية. إن طبيعة الجيرة في كل علاقة هي أنها تقود لخلافات. لكن حقيقة الجيرة تلزم كل الأطراف باللجوء للبحث والحوار من أجل حل الخلاف لا اللجوء للعنف والحرب. هذا هو منطق العلاقة الإنسانية سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم الدول.
أما الصهيونية فالموقف منها مختلف تماماً عن الموقف من شعوب الأكراد والفرس والأتراك. ذلك لأن العرب لم يختاروا أعدائهم بل الأعداء هم الذين اختاروا عداء العرب. فالعرب لم يغزو أحداً منذ ألف عام. والعرب لم يستوطنوا قارة أمريكا ويقيموا فيها المستعمرات على حساب السكان الأصليين، والعرب لم يقيموا قواعد عسكرية في شمال الجزر البريطانية وووووو… لكن الصهيونية هي التي جاءت قَضَّها بقَضِيضِها منذ مائة عام بشكل سافر فاحتلت أرضنا وخلقت دولة تجدد بها دولة الصليبيين في القرون الغابرة. واستباحت حرماتنا وقتلت ابناءنا واغتصبت نساءنا وسرقت خيراتنا وحين اعترضنا حاصرتنا ثم غزتنا. لقد أجبرتنا الصهيونية على قبول أن وجودها في أرضنا هو نفي لوجودنا. وهذا حال لا يمكن التعايش معه.
وهكذا يصبح عقد أية موازنة بين الخلاف مع جيراننا من شعوب الأكراد والفرس والأتراك والصراع مع الصهيونية مشروعاً صهيونياً.
فنحن نعيش اليوم خلافاً مع إيران لكننا نخوض صراعاً مصيرياً مع الصهيونية.
إن أهم ما نتج عن أحداث الأيام الأخيرة فوق أرض العراق هما أمران يمكن لي أن أشير لهما دون الدخول في أي حديث عن اتفاقيات سرية بين هذا وذلك، وذلك  لقيمتهما في الصراع الدائر على أرضنا.
أولاً: إن دقة الصواريخ الإيرانية الأحد عشر التي أصابت الأهداف في قاعدة “عين الأسد” لها قيمة كبرى لأن تلك الصواريخ هي بيد مقاتلي فلسطين في غزة ومقاتلي حزب الله في لبنان ومقاتلي جيش سورية العربية. وهذه النتيجة تكفي ضماناً لي بقيام سلاح لدى أولئك الذين يواجهون العدو الصهيوني على أرض العرب يمكنهم من خلق حالة من توازن الرعب تمنع العدو من التمادي في العدوان لمعرفته بدقة الرد الممكن. وهذه حالة جديدة في الصراع العربي الصهيوني لم تكن قائمة منذ عام 1948 حيث كان العدو يتمتع دائماً بتفوق نوعي في السلاح. أما أن يكون بيد الذين يواجهون العدو الصهيوني، والذي أثبتوا أنهم يقاتلونه فعلاً، سلاح ردع متكافئ، فإنه يمكن القول بان قواعد الصراع قد تغيرت، ولو جزئياً، لصالحنا.
ثانياً: إن قاعدة جديدة قد سنت في ميزان الهيمنة الصهيونية على العالم. وهذه القاعدة ليست بسيطة في مدلولها ولا يمكن تأويلها بادعاءات ساذجة في قيام تفاهم عليها. فلم يسبق منذ الحرب العالمية الثانية أن قاعدة عسكرية أمريكية ضربت ولم ترد الصهيونية عليها. وهذا لا يعني أن إيران هزمت الصهيونية ولا يعني أن الصهيونية غير قادرة على تدمير إيران. لكنه يعني، بشكل لا يقبل الجدل العبثي، أن قواعد اللعبة الصهيونية في أرضنا قد تغيرت. فقد اصبح الثمن المطلوب لمطلق الحرية للصهيونية باهضاً إلى حد يجعل عليها أن تحسب ألف حساب قبل تصعيد الموقف. وهو وضع يختلف كثيراً عما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي حين كانت الطائرات والصواريخ الصهيونية تضرب العراق لمجرد أن قاعدة مقاومة طائرات بسيطة فيه أضاءت راداراتها.
نعود الآن للحديث عن الانتفاضة.
إن حق المواطن، أي مواطن، في التمتع بحياة كريمة آمنة ليس موضع جدل. وهذا يعني أن الدولة مكلفة بتأمين عوامل تحققه. فما الذي تحقق في العراق؟
لن أتحدث عن ما آل اليه العراق قبل استرجاع الكويت ذلك لأن في هذا الحديث عرضاً لتأريخ عقود لا يمكن إنصافه في صفحات. وقد لا يكون اتخاذ عام 1990 بداية للحديث عن الحياة في العراق سليماً لكنه لا بد من القبول من نقطة بداية لأي حديث. ويبدو لي أن استعادة الكويت مرحلة فاصلة يمكن اتخاذها بداية القياس والموازنة. فقد تمكنت حكومة العراق بالرغم من الحرب المدمرة مع إيران أن تضمن حداً أدنى من العيش والذي وإن تدنى عما كان عليه في رفاهية سبعينيات القرن إلا أنه كان مرضياً لحد ما وكان الأمن الفردي للمواطن مؤمناً، هذا إذا استثنينا العنف السياسي الذي كان يلحق بالخصوم السياسيين والذي يبدو أنهم يعتقدون أن تعرضهم للاضطهاد والعنف هو الفيصل في تأريخ العراق وهو لا يختلف كثيراً عما كتبه خصوم ستالين في مرحلة بناء روسيا الجديدة.
وفتح دخول العراق للكويت، دون أن يكون البعث قد أعد العدة لمواجهة نتائجه، الباب أمام الصهيونية لتنفيذ حلمها القائم منذ عقود وعقود في اجتياح الحدود الشرقية للأمة العربية. ففرضت حصاراً على العراق لم يسبق في تأريخ البشرية أن فرض مثيل له وقد لا يمكن تكراره. ولا يمكن الحديث عن هذا الحصار وأبعاده ونتائجه حيث إن  بعضها يبدو من قبيل الخيال لكنه حقيقة. وإن كنت قد أخرجت، مع شقيقي الدكتور طارق، كتاباً عن حصار الإبادة[1] يعطي صورة عن حجم الإبادة إلا اني لا بد أن أعطي أنموذجاً واحداً لذلك الطغيان.  فكل من يعرف القليل عن مجلس الأمن يعرف أن تشكيلته، التي أقامها الكبار وقنع بها الصغار، هي أن في المجلس خمسة أعضاء دائميين لكل منهم حق النقض وهو الحق الذي يعطل أي مشروع قرار يبحثه المجلس ويبطل دور الأعضاء الأربعة عشر الباقين. وقد يجد المراقب في هذا ظلماً! لكن حصار العراق جعل هذا الظلم يبدو هيناً. فقد قرر مجلس الأمن تشكيل “لجنة المقاطعة” من الأعضاء الخمسة عشر وكلفها مهمة الإشراف على طلبات العراق للاستيراد. وأضاف مجلس الأمن “الموقر” للجنة سلطة لا يمتلكها هو حيث أعطى لكل عضو سلطة رفض طلب استيراد لمادة ما يتقدم بها العراق. أي ان مجلس الأمن أعطى سلطة النقض لكل عضو من الأعضاء الخمسة عشر في قضايا تخص حياة المواطن العراقي اليومية في استيراد حاجاته الأساس دون أن يكون العضو ملزماً بإعطاء أي سبب ودون أن يكون لأي طرف حق الاعتراض على ذلك النقض. وأترك للقارئ أن يحكم بما كانت النتيجة حين كان رأي أي واحد من هؤلاء الخمسة عشر شخصاً لا يخضع لسلطة ولا رادع ولا مساءلة! فقد كان كافياً لممثل بريطانيا على سبيل المثال أن يعترض على طلب استيراد أقلام الرصاص بحجة أن “الكرافيت” فيها يمكن أن يستعمل في المفاعل النووي وهكذا منع تصدير اقلام الرصاص!!
لقد ولد أكثر شباب الانتفاضة في فترة حصار الإبادة ونشأ هؤلاء في ظل الحصار والغزو والاحتلال. وهكذا فإن الشباب الانتفاضة اليوم هم “جيل الحصار والغزو”. وليس سهلاً على المراقب أن يفهم كيف نشأت شخصية هذا الجيل الذي لم يعرف سوى الحرمان والعنف بينما سمحت له ثورة المعلومات الرقمية، والتي مكنته برغم سلبياتها، أن يطلع على ما يدور في العالم وما يتحقق للآخرين وما يحق له أن يطمح فيه. وهو حال لم يتوفر للأجيال التي سبقته. وهذا ما جعل الكثيرين من العراقيين يفاجؤون بشباب في منتصف العقد الثاني من العمر يصرخون في الشوارع أنهم يريدون وطناً.
لقد كان شباب الحصار يحلمون بحقهم في حياة كريمة. وحيث إنهم لم يكن لهم دور في الغزو والاحتلال فإنهم كانوا يترقبون أن تكون الوعود التي قطعها الغازي ومن معه من الخونة الأجراء قد تحمل جديداً ينقلهم من ذل الحصار إلى حياة أفضل. وقد ظلوا يأملون وان كانت قوانين الصهاينة الغزاة قد أوضحت منذ البداية أن هذا الحلم لن يتحقق. فالنظام السياسي الجديد بني على أسس المحاصصة المذهبية والعرقية. وهذه الأسس خلقت واقعاً لم يقم في أحلك فترات الحكم في العراق الحديث لما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أصبح المعيار الوحيد في السلطة هو الانتماء للحزب الديني الشيعي أو الحزب الديني السني أو الحزب القومي الكردي. وأمام هذا المعيار سقطت كل المعايير. فلم يعد مهماً ما تحمله من كفاءة أو مقدرة في ما يتطلبه الواجب. ولم يعد مهماً مدى الإخلاص في أداء الوظيفة التي يحتلها الشخص. ولم يعد الولاء للوطن موضوعاً له مكانته ما دام الولاء “للقبيلة” المذهبية أو العرقية معلناً وقد اتضح ذلك في انهيار الجيش العراقي أمام القاعدة في الموصل!
ولم يتوقف مشروع الغزاة في هدم العراق على التأسيس لنظام المحاصصة الذي ثبت فشله في لبنان بعد سبعين عاماً، بل إنهم زرعوا بذرة الفساد في فتح شهية المحرومين منذ عقود للمال. فاطلقوا حرية “الرشوة” والتي كانت قد بدأت بشكل ناعم في فترة الحصار. وهكذا نمى الفساد من قبول تدريجي إلى وباء عام. وكل من يقبل أن يرشي ويكرر ذلك فإنه يكون مستعداً أن يرتشي هو. وهكذا أصبح جهاز الدولة غارقاً في فساد لا حدود له من موظفين وأمن وقضاة. وأي بلد يصبح كذلك فإنه يصبح عسيراً إصلاحه.
وهذا لم يتحقق إلا لأن الغزاة جاؤوا بالفاسدين من شذاذ أهل العراق، وأغلبهم كانوا خارج العراق، ووضعوهم في مواضع الحكم خدماً لهم في أول فترة الغزو والاحتلال ثم ولاة الأمر بعد ذلك. وحيث إن الناس هم على دين ملوكهم، فإن فساد ولاة الأمر أفسد الناس بأسرع مما كان يعتقد. ولو كان ولاة الأمر صالحين لتعسر إفساد الناس حتى إذا كان الغزاة يعدون لذلك.
وانتظر جيل الحصار والغزو سنة وسنتين وعشر ولم يتغير شيء. وانتهى العراق الذي غدا ينتج أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يومياً فيه ربع سكانه يكسبون دولارين في اليوم الواحد في وقت تحول فيه عدد من اللصوص الجدد إلى درجة أثرياء الخليج. وانحط التعليم واختفت الخدمات الصحية وهدمت البنى التحتية. ويكفي التذكير بأن العراق، الذي تمكن عام 1991 برغم الحصار وفي فترة أشهر من إعادة تأهيل 80% من توليد وتوزيع الكهرباء الذي دمرته الصهيونية في عدوانها، لم يتمكن بعد ستة عشر عاماً من “الحكم الديموقراطي” وتوفر المال ورعاية الصهيونية أن يصلح أزمة الكهرباء الخانقة في صيف تصل فيه درجة الحرارة إلى 60 درجة مئوية!
ولا بد من التذكير هنا في أن الصهيونية الغازية للعراق لم تكن مدينة لأحد بشيء فهي بذلك لم تكن ملزمة أن تأتي بأحد ليخدمها في إدارة البلد، إلا إذا كان ذلك العضروط أجيراً أو خادماً أو عميلاً قديماً لها. لذلك فإن كل من برز في المشروع السياسي أو أعطي منصباً بعد عام 2003 كان صهيونياً سواء أجاء من طهران أم من دمشق أم من لندن أم من باريس أم من واشنطون وتوابعها! ولو شئت لسميتهم بأسمائهم لكني لا أريد أن أكرمهم بذلك. إن سبب ما دفعني للتذكير بهذه الحقيقة هو ان الانتفاضة الصادقة والحية أنتجت طبقة جديدة من الخونة خرجوا على وسائل الإعلام وعاظاً للناس ينتقدون الفساد والسلوك وهم يحسبون أن الناس لا يعرفون أنهم شركاء في الخيانة جاؤوا مع المحتل وخرجوا على شركائهم ليس لسبب وطني أو لشعور بالندم والعار وإنما لأنهم لم يحصلوا على ما كانوا يطمعون فيه من غنيمة!
ولعل ما ميز انتفاضة تشرين أنها خرجت من المحافظات ذات الأغلبية الشيعية حيث ليس متوقعاً ان تخرج في شمال العراق الكردي ويمكن فهم سبب عدم خروجها في المحافظات ذات الأغلبية السنية. ولهذا مدلولان أولهما أنها ليست انتفاضة مذهب ضد مذهب مما يقطع الطريق على اتهامها بانها محاولة سنية ضد شيعة العراق فقد يقف في ساحة التحرير في بغداد منتفض من مدينة الثورة أمام جاره في قوات الجيش أو الأمن. وثانيهما ان الظلم والحرمان لا مذهب له والثورة عليهما كذلك لا مذهب لها.
وحيث إن السلطة الحاكمة في العراق هي شيعة في أغلبها فقد ظهرت الانتفاضة وكأنها ضد الفساد الشيعي وحده وهي ليست كذلك لأن الفساد بين السنة والأكراد لا يقل عن ذلك بين الشيعة إلا أن الموقف من الأغلبية هو الذي طغى. وحيث إن الولاء المذهبي لإيران سائد بين الوجوه الشيعية الحاكمة، وان لم تكن كلها في الحقيقة موالية لإيران، فقد بدت الانتفاضة موجهة لإيران. بل كان طبيعياً أن تكون شعارات المنتفضين ضد إيران.
وهنا لا بد من وقفة متفحصة وموضوعية من أجل استخلاص ما إذا كانت إيران هي التي أوجدت النظام السياسي الفاسد في العراق، أو إذا كانت قد دعمته رغم عدم إيجادها له. وإذا لم تكن أياً من الإثنين فما الذي فعلته حيال هذا الوضع.
هذا حديث الحلقة القادمة بإذن الله.

 

عبد الحق العاني

 

[1]  Genocide in Iraq (Vol I), The Case Against The UN Security Council And Member States, Abdul-Haq Al-Ani and Tarik Al-Ani, Clarity Press, Inc., Atalanta, 2012

قل ولا تقل / الحلقة الخامسة عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟
إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)
فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: الأمر المعروض أمامنا
ولا تقل: الأمر المطروح أمامنا
شاع بين الكتاب وفي الإعلام بأشكاله الاستعمال المتكرر للكلمات “طرح” و “أطرح” و “المطروحة” حين يراد بها عرض أمر للبحث أو الجدل حوله. ولست على يقين متى دخل هذا الاستعمال المبتذل، لكنه لم يكن معروفاً عند العرب وقد يكون دخوله في وقت متأخر ما يشير إلى أنه مولد.
فما الذي قالت العرب في الفعل ومشتقاته؟ لننظر في أمهات معاجم العربية، لا الدخيلة الجاهلة والمنتشرة على وسائل الإعلام والتي تشوه لغة الناس وتعطي جِزافاً معاني للكثير من الكلمات مما لم تعرفه العرب.
فقد جاء في لسان العرب في باب “طرح”:
“ابن سيده: طَرَحَ بالشيء وطَرَحَه يَطْرَحُه طَرْحاً واطَّرَحَه وطَرَّحه: رمى به؛ أَنشد ثعلب: تَنَحَّ يا عَسِيفُ عن مَقامِها، وطَرِّح الدَّلْوَ إِلى غُلامِها الأَزهري: والطِّرْحُ الشيء المطروحُ لا حاجة لأَحد فيه….”
وكتب الجوهري في الصحاح:
“طَرَحْت الشيءَ، وبالشيء، طَرْحاً، إذا رَمَيْتَه.  النَوَى بفلانٍ كلَّ مَطْرَح، إذا نَأَتْ به. تَطْريحاً، إذا أكْثَرَ من طَرحِهِ. أي أبعده، وهو افْتَعَلَه…”
وكتب الفيروزأبادي في القاموس:
” طَرَحَهُ، وـ به، كمَنَعَ: رَماهُ، وأبْعَدَهُ،
كاطَّرحَهُ وطَرَّحَهُ. والطَّرَحُ، بالكسْرِ وكقُبَرٍ والطريحُ المَطْروحُ والطَّرَحُ مُحرَّكةً: المكانُ البَعيدُ،…..”
ثم جمع ابن فارس هذا المعنى فكتب في مقاييس اللغة:
” الطاء والراء والحاء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على نَبْذ الشَّيءِ وإِلقائِهِ. يقال طَرَحَ الشَّيْءَ يطرحُه طرحا ذلك الطَّرَح، وهو المكان البعيد. النَّوَى بفلانٍ كلَّ مَطرَحٍ، إذا نأتْ به ورمت به…”
وهكذا يبدو واضحا أن العرب لم تستعمل الفعل “طرح” إلا بمعنى “نبذ” و “ألقي بعيدا” وكان لا حاجة لأحد فيه. فكيف يمكن والحال هذا أن يستعمل اليوم كي يعني أنه أمر معروض للبحث وهناك حاجة لذلك، حيث لا يدل الفعل “طرح” على هذا المعنى.
إن استعمال الفعل في غير معناه أو ضده هو ليس من باب التطور حيث يكون التطور لحاجة مستجدة أو لعدم وجود كلمة تغني عن المطلوب. أما وان العرب استعملت فعل “عرض” ومشتقاته فلا حاجة لاستعارة فعل النبذ للدلالة على العرض.
قل: عرضت الأمر ولا تقل طرحت الأمر.
قل: مَرَّتْ عليه أرابيعُ
ولا تقل: مَرَّتْ عليه أربِعاءات
كتب الكسائي: ” ويقال سبتاٌ وسبتان وأسبُتٌ وسُبُوتٌ وأسباتٌ. وأحدٌ وأحدان، وآحادٌ. مثل أسس الحائطِ وآساس.
واثنين واثناوان وأثانين يا هذا، وأثانيُّ
وثُلاثاء وثُلاثاوان وثُلاثاوات وأثْلِثَة
وأربعاء وأربعاوان وأربعاوات وأرابيع
وخَميس وخميسان وخميساوات وأخمسة
وجُمعة وجُمعَتَان وجُمُعات وجُمع.”
قل: عندي دِرْهَم
ولا تقل: عندي دُرْهَم
كتب الكسائي: “ويقال عندي دِرْهَم بكسر الدال وفتح الهاء.”
قل: القنابِل والبراعِم والدراهِم (بكسر الحرف الرابع أي الحرف الذي قبل آخر الكلمة)
ولا تقل: القنابُل والبراعُم والدراهُم.
 كتب مصطفى جواد: “وكذلك تلفظ جميع الجموع التي على هذا الوزن كالخنافِس والزوارِق والبيارِق.”
قل: ما زال يبحث عن هُوَيَّة
ولا تقل: ما زال يبحث عن هَوِيَّة
وكتب عبد الهادي بوطالب: لا يصح في لفظ الهَوية فتح الهاء. وهو خطأ شائع على ألسنة الكثيرين في المغرب العربي والمشرق العربي على السواء. أصل الهُوية هي كلمة هُو (بضم الهاء ولا أحد ينطق بها بفتحها).
والأصل فيها السؤال: من هو فلان؟ والجواب هو كذا وكذا. وما يجيء في الجواب هو هُوية الشخص: اسمه، وجنسيته، ووطنه وخصائصه. ونقول إذن هُوية شخص، وهُوية شعب، وورقة التعريف، أو ورقة الهُوية.
فليتذكر الإعلامي لفظ هُو حين ينطق بالهُوية. لأن الهُوية ليست إلا هُو مع ياء النسبة. أما الهَوية (بفتح الهاء) فلا وجود لها في العربية وبالتالي لا دلالة لها. وتوجد كلمة الهاوية (بفتح الهاء) وهي تعني الحفرة العميقة، والأُخدود. وجاء إطلاقها في القرآن على جهنم :”وأما من خفّتْ موازينه فأمه هاوية. وما أدراك ماهيه، نار حامية”.
قل: أجنب الرجل اذا جاء من الغائط
ولا تقل: جنب الرجل اذا جاء من الغائط
كتب الحريري:ويقولون لمن أصابته الجنابة: قد جنب، فيوهمون فيه، لأن معنى جنب أصابته ريح الجنوب، فأما من الجنابة، فيقال فيه: قد أجنب.
وجوز أبو حاتم السجستاني في جنب، واشتقاقه من الجنابة وهي البعد، فكأنه سمي بذلك لتباعده عن المساجد إلى أن يغتسل، فأما قول ابن عباس، رضي الله عنه: الإنسان لا يجنب، والثوب لا يجنب، فأراد به أن الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب وكذلك الثوب إذا لبسه الجنب.”
وعلق أبو الثناء الآلوسي على ما كتبه الحريري فقال:
“… هذا هو الحق فيقال أجنب وجنب كما في الفائق وغيره في القاموس قد أجنب وجَنِبَ أي بكسر النون وجَنُبَ أي بضمها، وأجنب أي على زنة المجهول واستجنب وهو جنب يستوي للواحد والجمع، أو يقال جنبان وأجناب.
فلا معنى لعد ذلك من الأوهام إلَّا فضول الكلام (واشتقاقه من الجنابة وهي البعد)، وكأنه سمي بذلك لأن متعاطي سببها يبعد في الغالب عن الناس بحيث لا يرونه عند الفعل، ولعله أولى من قوله (وكأنه سمي بهِ لتباعده عن المساجد إلى أن يغتسل)، إذ اللغة سابقة على وجوب الاغتسال فتأمل.”
قل: دَخَلَ المسجِدَ رِجالٌ جُنُبٌ
ولا تقل: دَخَلَ المسجِدَ رِجالٌ أجْناب
كتب الكسائي: “وتقول رجلٌ جُنُب، ورجلان جُنُب، ونسوة جُنُبٌ للمذكر والمؤنث سواء.”
قل: قطعته إرْبا إرْبا
ولا تقل: قطعته إرَبا إرَبا
وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: “من قبيح أوهامهم أنهم يجمعون الإرب، وهو العضو، على إرَبٍ فيقولون: قطعته إرَبا إرَبا (بفتح الراء) ، أي أجزاء، فيقعون في الوهم والصواب أن يقال: قطعته إرْبا إرْبا “بتسكين الراء”، أي عضوا عضوا، لأن الإرب يجمع على آراب وليس على إرب.”انتهى
وكتب ابن فارس في مقاييس اللغة في باب “ارب”:
” الهمزة والراء والباء لها أربعةُ أصولٍ إليها ترجِع الفروع: وهي الحاجة، والعقل، والنَّصيب، والعَقْد. فأمّا الحاجة فقال الخليل: الأرَب الحاجة، وما أَرَبُك إلى هذا، أي ما حاجتك. والمأْرَبة والمَأْرُبَة والإرْبة، كل ذلك الحاجة. قال الله تعالى: غَيْرِ أُوْلِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ [النور 31]……
والإرْب: العقل. قال ابن الأعرابيّ: يقال للعقل أيضاً إربٌ وإرْبة كما يقال للحاجة إرْبَةٌ وإرْبٌ. والنعت من الإرْبِ أرِيبٌ، والفعل أَرُب بضم الراء. وقال ابن الأعرابيّ: أرُبَ الرجل يَأْرُبُ إرَباً.
وأما النَّصيب فهو والعُضْو من بابٍ واحد، لأنَّهما جزء الشّيء. قال الخليل وغيرُه: الأُرْبَة نَصيب اليَسَرِ من الجَزُور.
وقال ابن مُقْبِل:
لا يفرحون إذا ما فاز فائزهم              ولا تُرَدُّ عليهم أُرْبَةُ اليَسَرِ
وأما العَقْد والتشديد فقال أبو زيد: أرِبَ الرجل يَأْرَبُ إذا تشدَّد وضَنَّ وتَحَكَّر. ومن هذا الباب التأريب، وهوالتحريش، يقال أرَّبت عليهم. وتَأَرَّب فلانٌ علينا إذا التوى وتَعَسَّر وخالَف. قال الأصمعيّ: تَأَرَّبْتُ في حاجتي تشدّدت، وأَرّبْت العقدة أي شدّدتها. وهي التي لا تَنْحلُّ حتى تُحَلّ حَلاًّ. وإنما سمّيت قِلادة الفرَس والكلب أُرْبَةً لأنّها عُقِدَتْ في عُنُقهما. قال المتلمّس:
لو كنتَ كَلْبَ قنيصٍ كنت ذا جُدَد            تكون أُرْبَتُه في آخر المَرَسِ
قال ابنُ الأعرابي: رجل أرِبٌ إذا كان مُحكَم الأمر.”
قل: أدخل في عمله بَلُّورا كثيرا
ولا تقل: أدخل في عمله بِلُّورا كثيرا
كتب الحنفي: “يقولون للحجر المعروف بِلُّور، بكسر الباء وضم اللام. وفي القاموس: البَلُّور كتَنُّور وسَنّوْر.”
وجاء في القاموس”
” البَلُّورُ، كتَنُّورٍ وسِنَّوْرٍ وسِبَطْرٍ: جَوْهَرٌ م.
وكسِنَّوْرٍ: الضَّخْمُ الشُّجاعُ، والعظيمُ من مُلوكِ الهِنْدِ.”
وفوق كل ذي علم عليم!
وللحديث صلة….

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 4

انتهيت في الحلقة السابقة للسؤال عن سبب فشل إيران في العراق. لكنه لا بد  لي قبل الدخول في هذا أن أتوقف قليلاً عند ما استجد من حدث تصعيدي خطير في اغتيال الصهيونية لعدد من القادة الإيرانيين والعراقيين قرب مطار بغداد. ويبدو أني بشكل غير مقصود بدأت بكتابة هذه السلسلة، بعد أن أجلتها لمدة عام بسبب انشغالي بمقاضاة أعداء العراق، في وقت يتطلب متابعة مستمرة لإن مستجدات الحدث تكاد تكون يومية.

إن أهم ما يمكن استخلاصه من العدوان العسكري الأخير هو:

أولاً: إن الولايات المتحدة، كما قلت في الحلقات السابقة، ما زالت تحتل العراق وتتصرف فيه كأية قوة محتلة في التأريخ. فهي لا تسأل أحداً عن إذن التحرك فوق أرضه أو سمائه. وهذا يعني كما أسلفت أن أي وضع سياسي في العراق لا قيمة له ما دامت الصهيونية قادرة على ازالة ما لا ترضى عنه بعمل عسكري. والاغتيال الأخير دليل ذلك. ولو كانت إيران تحتل العراق، كما يقول عدد من الجهلة وعدد من المغرضين، لما أمكن لأحد أن يقتل أحد اكبر قادتها على ارض العراق وبطائرات تطير من أرض العراق. وأكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع حيث لن أعود لبحث هذه الحقيقة بعد اليوم. ولن أضيع وقتي في حوار حولها.

ثانياً: إن الصهيونية أرادت أن ترسل رسالة ليس فقط لإيران والعراق ولكن لكل العالم مفادها أنها، أي الصهيونية، تمتلك الحق بالتصرف في اغتيال من تشاء، متى تشاء وأينما تشاء. إن سكوت العالم، وعلى الأخص في أوربا وهي وحدها القادرة اليوم على تحديد الطغيان الصهيوني، أمام هذا السلوك الإجرامي يعني أننا وصلنا لوضع جديد في العلاقات الدولية يستخف بكل قواعد العلاقات الدولية التي اتفق عليها العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي شكلت النظام السياسي الدولي الجديد المحدد بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وهو وضع لا يختلف كثيراً عن وضع العالم عشية الحرب العالمية الثانية وسقوط عصبة الأمم.

ثالثاً: إن دعوى من ينادي بأن ينأى العراق عن دائرة الصراع وتسوية الحسابات يبدو وكأنه طلب من يعيش خارج التأريخ والواقع. ذلك لأن البلد المحتل لا يمكن أن يكون خارج صراعات القوة التي تحتله. وقد أثبت اغتيال قاسم سليماني أنه لا يمكن أن يكون العراق حراً في تحقيق هذا الطلب أذا صدقت نية المطالب بالنأي بالنفس. وهذا كان حال فرنسا بعد أن احتلها هتلر في الحرب العالمية الثانية حيث حسمت الحرب العالمية على ارضها. وحتى لو افترضنا، من باب الجدل، أن العراق دولة مستقلة تمتلك السيادة والقرار فإنه، أي العراق، يظل غير قادر على تحقيق النأي عن الصراع وتسوية الحسابات بين الصهيونية وأعدائها ذلك لوجود القواعد العسكرية المنتشرة فوقه والتي تنطلق منها العلميات العسكرية الصهيونية مما يؤدي بالنتيجة لكونها هي، وبالتبعية أرض العراق، هدف أي رد يأتي من أعداء الصهيونية.

رابعاً: إن الصراع الإيراني الصهيوني على العراق حقيقة وليست مجرد أفكار أنتجها عبد الحق لتسويد صفحات مقال. ذلك لأن اغتيال قاسم سليماني على أرض العراق لا علاقة له بالعراق ومشاكله أو مصلحته. بل هو مطلب صهيوني نادت به إسرائيل لسنوات بسبب مساهمة سليماني في دعم حزب الله في لبنان وسورية العربية مما أضر بالمشروع الصهيوني. وقد ثبت هذه الحقيقة كل من رئيس وزراء إسرائيل والرئيس الأمريكي النزق مما يغلق باب الجدل حولها. فالعراق أصبح ساحة الصراع بين الهيمنة الإيرانية والهيمنة الصهيونية على أرض العرب. وهذه الحقيقة لا علاقة لها أين أقف واين يقف الآخرون من هذا الصراع. إنها حقيقة الواقع الذي يجب أن يفهمه ويقره الجميع عند الحديث عن العراق اليوم. إذ لا يكفي الاستنكار ورفع الشعارات والمطالب. بل يجب أن يكون واضحاً أين يقف كل شخص أو مشروع ولماذا يهدف هذا الموقف.

أعود الآن لمتابعة حديثي عن سبب فشل إيران آخذاً في ذلك الحديث شيئاً مما استجد.

لا بد أن نتذكر أن إيران، والتي كانت سعيدة للتخلص من المشروع القومي العربي في العراق والذي مثله حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق ثلاثة عقود والذي ما كان ليزول لولا الغزو الصهيوني، دخلت العراق عن طريق خدمها من قوات بدر. لكن إيران واجهت الحقائق التالية حين دخلت العراق عن طريق عملائها:

  1. إنها لم يكن لها دور في اختيار أعضاء ما سمي بمجلس الحكم من الخونة الذين اختارتهم الصهيونية والذي سيدخلون تأريخ الخيانة كما دخله إبن العلقمي. ذلك لأن اختيار الصهيونية لعدد ممن كانوا يعيشون في إيران أعضاء في مجلس الخيانة ذلك لم يكن بسبب أهمية إيران في القرار وإنما أولاً لكونهم من الشيعة، وهو عرضي، وثانياً لأنهم كانوا على إتصال بالصهيونية سواء أكان ذلك بعلم إيران وموافقتها أم لا. وهذه العلاقة لهم بالصهيونية اضافت عنصراً جديداً من التعقيد في التعامل مع حقيقة ارتباطهم الصهيوني وشعورهم بالولاء المذهبي لإيران.
  1. إنها، أي إيران، لم يكن لها أي دور في التغيير الشامل الذي أدخله الصهاينة للعراق عن طريق تشريع أكثر من مائة قانون غيرت العراق سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً وعسكرياً حيث أصبح لزاماً على من يعمل في العراق أن يتعامل مع الحدث في ظل ذلك التغيير.
  1. إنها لم يكن لها أي دور في صياغة أو تعديل الدستور الذي كتبه الصهاينة للعراق عام 2005 والذي يدعي عدد من الأميين العراقيين اليوم أنهم شاركوا في صياغته ثم تسود الصفحات وتصرف الساعات في الحوار عما كتب أصلاً وما أدخل عليه من تعديل وكأنه حقاً مشروع عراقي أصيل. فلو ان إيران كان لها دور في صياغة دستور عام 2005 في العراق لاعترضت على عدد من مبادئه ليس لأن تلك المبادئ لا تخدم العراق فحسب بل بسبب أنها تفتح باب المشاكل لإيران. ونكتفي بمثال واحد على ذلك لتقريب الصورة. فلو ان إيران كان لها رأي لاعترضت على قيام عراق اتحادي بين العرب والأكراد. ذلك لأن دعم إيران لعراق اتحادي لا بد أن يفتح أعين وشهية شعوب الأزيريين والعرب والأكراد والبلوش للحديث عن إيران اتحادي وهو ما لا تريده ولا تسمح بالحديث عنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن فهم هذه الحقائق مهم لفهم الواقع الذي وجدت إيران نفسها تعمل فيه حين وضعت أقدامها في العراق عن طريق مجموعة من الجهلة والمتخلفين والأميين، وهو كل ما كان لديها من العراقيين الذين لجؤوا اليها.

كما إنه كان على إيران أن تتعامل مع المرجعية الدينية في النجف ذلك لأنه قد يبدو غريباً لكثير من العرب أن يكتشفوا أن مرجعية النجف ليست على توافق مع مرجعية إيران الدينية. وسبب ذلك يعود لتأريخ المرجعية في النجف ونشوء ولاية الفقيه وصعودها. فمرجعية النجف التي كان تأريخها السياسي يتأرجح في القرن العشرين حتى حسمه محسن الحكيم في الفتوى ضد الشيوعية والتي أظهرت انحياز المرجعية الكامل سياسياً للصهيونية حين كانت ليست ملزمة على الدخول في معركة الإنحيازات والولاءات. وقد تولى أولاد محسن الحكيم قيادة التعاون مع الصهيونية وتوجوه بالمشاركة في الإعداد للغزو ودخول العراق مع الصهاينة.

لكن الوضع في إيران كان مختلفاً ولأسباب عدة ليس هذا مجال الخوض فيها. إلا أن ما يهمنا هنا هو أن الخميني حين بعث نظرية ولاية الفقيه للوجود فإنه ادرك عن يقين أنها لا يمكن لها أن تنتصر ما دامت الصهيونية تتحكم بالمنطقة فكان طبيعياً أن يكون مشروعه لبناء الدولة الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه معاديا للصهيونية. وهكذا كان. وحين ورث علي الخامنئي الولاية فقد وجد نفسه في مواجهة مرجعية السيستاني المهادنة للصهيونية وقد أوجز ذلك الموقف الصعب حين تساءل مرة بقوله إنهم يقولون إنهم يوالون علياً لكنهم لا يتعرضون لأمريكا. وليس صعباً على القارئ أن يفهم ما أراده ومن المقصود!

وهذا الموقف الصعب الذي كان على مرجعية ولاية الفقيه أن تتعامل معه يتضح من حقيقة أن مرجعية ولاية الفقيه ليس لها تقليد ذو قيمة في العراق في الوقت الذي يقدر السيستاني فيه تحريك الملايين كما فعل في الدعوة للتصديق على دستور عام 2005 والذي لو كان الأمر بيد الخامنئي لدعا لرفضه. وهذا يعني بالضرورة أن أغلب جماهير الشيعة في العراق، مهما كان تعاطفهم أو عدمه مع إيران، لم يكونوا في حقيقة الأمر في إمرة الفقيه في إيران بل هم في إمرة مرجعية النجف. وهذه الحقيقة مهمة ويجب ادراكها لمن أراد أن يعرف حقاً ما جرى ويجري في العراق وماذا فعلت إيران أو ماذا كان يجب أن تفعل. فقد دخل العديد من عملاء الصهيونية من الملتحفين بغطاء مظلومية الشيعة من هذا الباب مدعين الولاء لإيران في الوقت الذي كانت فيه أهواؤهم حقا في الجانب المعادي لإيران. ولن أسمي أحداً لكن يكفي أن نلقي نظرة واحدة على أولاء الذين كانوا في الصف الأول من المسؤولين في العراق في أعقاب الغزو وننظر أين انتهى الذين اختفوا منهم عن المسرح السياسي. فهم لم يذهبوا إلى طهران بل تراهم في واشنطون أو لندن أو باريس أو في عاصمة صهيونية أخرى! فإذا كانوا حقاً رجال طهران في العراق فلماذا لم يتقاعدوا في بيت سادتهم الفرس؟

أما أجهزة الدولة الإيرانية فقد كان عليها التعامل مع حقائق جديدة في وجود أجهزة المخابرات الدولية في العراق التي تتحرك بمطلق الحرية. فكان شاغلها الأول هو منع تغلغل هذه الأجهزة في إيران وزعزعة الأمن القلق في أساسه في ظل الحصار الخانق. وهذه الحالة القاهرة قضت بغض النظر عما سواها. ولو أدى ذلك للتعامل مع فاسدين من العراقيين لما كان هناك من ضرر اذا خدم ذلك الأمن القومي الإيراني وحمى ذلك حدود إيران من الاختراق.

وحيث إن العراق لم يكن شيعياً في أغلبيته حيث كان السنة وما زالوا يشكلون قوة حقيقية بينما يشكل الأكراد ليس قوة فحسب بل واقعاً سياسياً أوجده الغزو الأول عام 1991 وشبه الاستقلال الذي تمتعوا به منذ عام 1991 وحى عام 2003. وقد نجح الصهاينة في استغلال هذه الحقائق لإجبار إيران على التعامل كرد فعل وليس مبادرة في أغلب مراحل. فرضخ الإيرانيون لأكراد العراق شريطة عدم قيامهم بتأجيج الشعور بالاستقلال بين أكراد إيران.  فجاز لأكراد العراق الفساد دون أي ضغط إيراني!

فما أن انتهى الصهاينة من تسليح وإطلاق يد الميليشيات الشيعية التي جاءت من إيران بحجة مكافأتها على القتال ضد صدام حسين، كما قال بول بريمر، حتى بدأت بتسليح شباب أهل السنة في الصحوة وما شابهها بحجة حمايتهم من ميليشيات الشيعة! ثم ما لبثت أن بعثت الحياة بتنظيم القاعدة الذي أوجدته في أفغانستان بمال الأعراب لتطلق شذاذ المسلمين من جديد في حرب اساسها اجتثاث الشيعة من المنطقة: حيث لم يرفعوا شعاراً غيره! ولا يخفى على أبسط مراقب أن هدف الصهيونية، من تجميع رجالها القدماء في القاعدة وإعادة تنظيمهم وتمويلهم وتسليحهم ومنحهم ممر العبور من تركيا، كان وما زال من أجل منع قيام محور معاد لإسرائيل يمتد من جبال زغروس حتى الأبيض المتوسط. فالصهيونية ليست سنية ولا شيعية ولا نصرانية وهي تنظر لكل سكان المنطقة من المنظار ذاته من التعالي والاحتقار وليس لها من هدف سوى الهيمنة المطلقة والإذلال وتفعل في سبيل ذلك كل شيء.

هذي ليست سوى نظرة عابرة للحقائق التي وجدت إيران نفسها تتعامل معها في العراق وهي لا تمتلك من مفاتح القوة سوى عدد محدود من الأفراد الذين يمكن لها حقاً الإعتماد عليهم. ولو كان قادة المشروع السياسي الشيعي في العراق في جيب إيران لما وقعوا معاهدات الذل والتي سميت، من باب الاستخفاف بالعقول، معاهدات أمنية منحت الصهيونية كل السلطة وأبقت العراق رهينة لها. فلو كان أي من علاوي أو المالكي أو الجعفري أو العبادي أو المنتفجي في جيب إيران لما انتهى الوضع إلى أن تطير الطائرات الصهيونية من أرض العراق لتقتل قادة إيران على أرض العراق. ثم تنتهي بأن تأمر المنتفجي بأن يحمي سفارتها ومواطنيها!

لكن ما قلته أعلاه لا يجيب على السؤال المشروع، ألا وهو لماذا سمحت إيران للفساد أن يستشري في العراق بالشكل الأسطوري الذي هو عليه اليوم؟ وهو أمر لا يمكن لإيران أن تدعي أنها لم تساهم فيه بالرغم من حقيقة أن الصهيونية هي التي جاءت بالفاسدين وسلمتهم العراق. حيث إنه لا بد لإيران من أن ترد عن سبب فشلها في ردع رجالها عن الانشغال بالفساد وحده دون أية مساهمة أخرى في إدارة الدولة إذا لم نقل المساهمة في البناء والتطوير للدولة التي خرجت من ثلاثة عشر عاماً من الحصار وغزو واحتلال مدمرين.

إن علة الفساد ليست ظاهرة عراقية ولا عربية فهي موجودة في بني الإنسان ويحدد انتشار الفساد النظم والقوانين والأعراف السائدة في أي مجتمع. فبقدر قوة هذه الضوابط يجري التحكم بالفساد. وتتحكم بهذه الضوابط ونموها عوامل معقدة لست أدعي الإحاطة بها وحتى لو كنت فليس هذا موضع بحثها. لكن ما يهمنا هنا هو أن ندرك أن غزو أي بلد يعني إنهاء النظم القائمة في البلد المغزو. ولو أراد الغازي أن يضم الأرض له فإنه كان سيأتي بنظمه لتحل فيها. وقد حل الغزو الصهيوني النظام السياسي والاجتماعي في العراق كما أسلفت القول. ولم يأت، عن قصد، ببديل. فأصبح العراق ساحة مكشوفة لأية قاعدة جديدة في التعامل بين الناس. وحين تكون السلطة العسكرية الحاكمة تتطلع للفوضى تحت سمعها وبصرها، وحين تكون المؤسسة الدينية تتطلع لكسب مالي، وحين تكون الجماهير المحرومة والجائعة بسبب الحصار المدمر تحلم بكسب مالي سهل وحين يكون المتعلمون القادمون من أوربا رسل الانتفاع السريع الذي تعلموه من نظم الدعم المالي المفسدة، فحينها يصبح الفساد سنة وقاعدة التعامل بين الناس لأن كل الأطراف المساهمة راغبة فيه، ولا توجد قوة ضده تردعه أو تحدده!! ولأن أحدا لم يكن معنيا ببناء دولة!

ويبقى السؤال قائماً: ما الذي فعلته إيران لتحديد الفساد الذي أوصل العراق لما هو عليه اليوم؟ فهل حاسبت أحداً من رجالها المسؤولين في العراق المحتل عن الفساد أو حاولت ايقافه؟ وان لم تفعل فلماذا؟ إن الإجابة بأنه كان عليها أن تختار بين الدفاع عن أمنها القومي بأية وسيلة وبين إقامة نظام ولو نصف عادل في العراق ليس مقنعاً. إن التضحية بمستقبل العراق ليس في مصلحة العراق ولا حتى في مصلحة إيران. ولا يمكن لإيران أن تتنصل من المسؤولية. إن كل الشواهد التي يراها مراقب الحدث العراقي في السنوات العشر الماضية يدل على مسؤولية إيران المشتركة مع الصهيونية عن ما جري في العراق وما آل اليه الأمر الذي دفع للانتفاضة……

وهذا حديث الحلقة القادمة.

 

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 3

ماذا فعلت إيران في العراق بعد 2003؟

انتهيت في الجزء السابق بالسؤال: “ما الذي فعلته إيران أمام الوجود الصهيوني المستبيح للعراق؟”
لكني لا بد أن اكتب قليلاً عن ما وصلني من ردود وملاحظات حول ما كتبت في الحلقتين السابقتين.
إن مما شك فيه ان من يكتب لا بد ان يجد بين قرائه من يقف معه ومن يقف ضده ومن يقف متفرجاً ومن يقف مستفيداً. وهذه الحقيقة قائمة في كل وقت ومكان ومن لا يقبلها فليس له أن يكتب أصلاً. فقد وصلني رأي من تابعي إيران من أهلي العراقيين يقول بأنه مع ما تفعله إيران في العراق مهما كان ذلك وكيفما تم. ووصلني رأي من تابعي الصهيونية في العراق يقول بأنه لا خلاص للعراق من إيران إلا على يد الهيمنة الصهيونية المطلقة، وإن كان يسميها بالأمريكية، وكأن هناك فرقاً بين الإثنين! ويذكرني هذا بما كان يقوله عدد من العراقيين قبل غزو 2003 بأنهم مستعدون للتعاون مع مناحيم بيغن للتخلص من صدام حسين، وكان لهم ذلك.
لكن الذي يهمني أكثر من اطلاعي على ما كنت أعرفه عن انقسام أهلي العراقيين المحزن هو ان ما كتبته أثار عدداً من الأسئلة. وهذا الجانب الإيجابي يعني أني أصبت الهدف في دفع حالة التفكر لما كان ولما يمكن أن يكون. لكن القراء الكرام الذين سألوني عن رأيي في الحرب العراقية الإيرانية ودخول الكويت والحصار والغزو إنما يحملونني ما لا يمكن أن أجيب عليه في سلسلة من مقالات قصيرة تحدد معالم الحدث أكثر من تحليله. لأن الإجابة على أسئلة كهذه تعني دراسة سياسية تأريخية لسبعين عاماً للعراق. فلا يمكن إعطاء رأي منصف في صدام حسين دون دراسة وصوله للحكم ولا يمكن دراسة وصوله للحكم دون دراسة المشروع القومي العربي في العراق ولا يمكن دراسة المشروع القومي في العراق دون دراسة الصراع العربي الصهيوني، وهكذا. بل ان دخول صدام حسين للكويت لا يمكن أن يدرس دون الرجوع إلى نهاية القرن التاسع عشر حين تم اقتطاع ميناء العراق العميق على شاطئ الخليج باحتلال بريطانيا لقضاء الكويت، وهو الأمر الذي رفضته كل حكومات العراق، وليس صدام حسين وحده. فإذا خيبت ظن البعض في عدم الرد على هذه الأسئلة فليس ذلك لكسلي ولكنه لعدم مقدرة سلسلة مقالات أن تنصف التأريخ.
لقد شاركت في إعداد أربعة كتب، باللغة الإنكليزية، عن العراق في الأعوام الاثنتي عشرة الماضية، وما زلت أشعر أن هناك الكثير مما لم نقله فكيف لي أن أوفي الأمر حقه في عدد محدود من مقالات! ولا بد أن أكثر من قارئ سوف يسأل: ترى لماذا كتبتم بالإنكليزية؟ والجواب المحزن هو عدم وجود ناشر عربي لكتب عن العراق، إما بسبب الخوف من غضب السعودية التي تتحكم بأكثر دور النشر والتوزيع، كما اكتشفت في مسيرتي في السنوات العشر الماضية، أو بسبب اقتناع الناشر كما ادعى عدد منهم بعدم اهتمام القارئ العربي. وكلاهما أو أي سبب آخر هو مؤشر على بؤس حال هذه الأمة. وقد تمكنا بعد سنوات من إيجاد ناشر لكتابين مترجمين من الأربعة وما زال كتابان عن “الإبادة في العراق” ينتظران الترجمة والنشر إن وجد ناشر.
أعود الآن لمواصلة الحديث حيث انتهيت في الحلقة السابقة.
قلت في الحقلة الأولى إني لن أدخل في عرض للحرب العراقية الإيرانية للأسباب التي بينت. هذا إلى جانب أن ثلاثة من الكتب التي أشرت لها عرضت الحرب في إطار تحليل أسباب الصراع وما آل اليه العراق. لكن المهم هنا هو إدراك أهم الدروس التي خرجت منها إيران من حرب الأعوام الثمانية.  فقد أدركت إيران ما يلي:
  1. إن جيش العراق بعقيدة قومية هو العقبة الكأداء أمام مشروعها في الهيمنة على المنطقة. وكلما ازدادت قوته كلما ازداد خطره في تحجيم مشروع إيران للمنطقة.
  2. إن بوابة الخليج لن تفتح للاستباحة ما دام جيش العراق القومي قائماً.
  3. إن مستقبل إيران لن يؤمن إلا بالاعتماد الكامل على النفس.
وهكذا عملت إيران.
فقد انشغل حكام العرب الذين يمتلكون، بسبب العارض الجغرافي، مصادر الطاقة والمال في أوربا وأمريكا بشراء الفنادق وفرق كرة القدم والبنايات البائسة وسندات الاستثمار، التي لا تساوي الورق المكتوبة عليها إذا شاء رب الدار أن يلغيها. هذا إلى جانب انشغالهم بتأمين حصار العراق!
أما إيران فقد أدركت أثناء الحرب المريرة والحصار الذي كان مفروضاً عليها معنى الحاجة. فأقامت سياسة البناء على قاعدة الاعتماد على النفس للوصول إلى الاكتفاء الذاتي. وهي وان لم تتمكن من تحقيق ذلك كاملاً إلا أنها نجحت بشكل متميز إذا ما قيست بأية دولة في المنطقة إذ تمكنت في ثلاثين عاماً أن تبني اقتصاداً وطنياً نشطاً وصناعة حربية وطنية تغني جيشها عن الحاجة للسلاح أو العتاد كما حدث لها في حرب الأعوام الثمانية. فهي اليوم، دون مبالغة في القول، قوة إقليمية يحسب لها الغرباء عن المنطقة أكثر من حساب.
أما الدرس الثاني الذي تعلمته إيران من الحرب فقد قضى بوجوب حل جيش العراق القومي. وفي هذا اتفقت إيران مع المشروع الصهيوني الذي كان هدفه الأول حل جيش العراق ذلك لأن للصهيونية ثأراً قديماً يقضي بضرورة حل أو هدم كل الجيوش التي حاربت في فلسطين عام 1948.
وحين نتحدث عما فعلته إيران في العراق فلا يمكن أن نفصل ذلك عما فعلته الصهيونية حيث إن إيران لم تكن سيدة الموقف في العراق في أي يوم وبرغم كل ما يقال فإن العراق كان وما زال محتلاً بيد الصهيونية. ويجب فهم هذه الحقيقة عند أية محاولة فهم للدور الإيراني في العراق ومن لا يفهم هذه الحقيقة أو يحاول أن يتجاوزها بالنظر إلى الدور الإيراني بمعزل فإنه يلعب دور الشيطان الأخرس. ولو لم يكن الأمر كذلك فإن الصهيونية ستكون إما جمعية خيرية أو جمعية أغبياء جاءت بابنائها ومالها لتسلم العراق لإيران!
وأول قرارين أصدرهما الصهيوني الأمريكي ورفيقه البريطاني كانا في اجتثاث البعث وحل جيش العراق وكل قوى الأمن والمخابرات. وكلا القرارين كان الهدف الأول للصهيونية في العراق وهو هدفها الآن في سورية. وقد وافقت إيران عليهما للأسباب التي سبق وأوجزت. فحققت إيران جزءاً من هدفها الأكبر دون أن تكون هي المنفذ. وحيث إن العراق كان بيد الصهيونية فإن إيران كان تتحرك بقدر ما يتاح لها وما يمكنها أتباعها من عمله ضمن نطاق الاحتلال الصهيوني الكامل للعراق.
وقد يقول المراقب غير المدقق إن الصهيونية ارتكبت حماقة في حل جيش العراق إذ كان يجب أن تفعل ما فعلته في اليابان وألمانيا بالإبقاء على هيكله الأساس وتغيير القيادات فحسب. لكن الأمر ليس كذلك. فحين كان الهدف من الحرب العالمية الثانية هو الانتصار في الحرب وإخضاع العدو فإن الهدف من غزو العراق كان بداية مشروع رسم خريطة جديدة لأرض العرب. وهذا المشروع يقتضي تشظية وتقسيم المنطقة لطوائف، لكي تسود الصهيونية وهو مما لم يكن عليه الحال في نهاية الحرب العالمية الثانية. وهكذا كان حل الجيش وكتابة دستور العراق الذي ثبت قاعدة ذلك التقسيم والذي جعل من العراق، وهو أصغر من ولاية كاليفورنيا، دولة اتحادية. فتصور الصغار أن جعل العراق دولة اتحادية نقله إلى مصاف الدول العظمى!
ولم تكن الصهيونية مشغولة بموضوع بناء جيش جديد للعراق لأنها كانت معنية بتقسيمه لا بنائه. وهنا تصورت إيران أن بمقدورها أن تضع يدها على مؤسسة جديدة لجيش العراق وتجعل منه جيشاً موالياً لها من حيث تركيبة مذهبية في جوهرها تفتقد لأي انتماء قومي سوى الولاء للمذهب والمرجعية الدينية في أغلب الظروف. وهذا سيحقق لها قيام جيش يمسك بالعراق الذي قسمته الصهيونية دون أن يشكل خطراً محتملاً عليها كما فعل جيش العراق القومي في ثمانينيات القرن الماضي. ولم تخش الصهيونية ذلك فأتاحت لإيران أن تفعل ذلك. حيث إن الصهيونية كانت مدركة أن جيشاً كهذا لا يمكن له أن يفعل شيئاً لأن تسليحه وتدريبه كان بيدها أولاً، وثانياً لأن جيشاً بلا عقيدة ليس سوى جهاز مسلكي لا قيمة له في أي صراع! وقد أثبتت الأحداث صحة ما توقعته الصهيونية فحين ولد تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ابن القاعدة التي بنتها الصهيونية في أفغانستان بمال الأعراب، عجز جيش العراق الجديد عن مواجهتها مما اضطر المرجعية، التي سكتت عن غزو العراق، أن تفتي بالجهاد ضد “داعش”، فكان الحشد الشعبي.
وحيث إني قد أسلفت بأن وجود إيران في العراق كان له هدفان مرتبطان أولهما بالهيمنة على المنطقة بسبب ديني/مذهبي أو بسبب قومي وثانيهما حماية الأمن القومي الإيراني أمام الوجود الصهيوني في العراق، فقد أصبح الشاغل الرئيس لإيران في العراق هو تأمين حدودها الغربية من الاختراق الأمني ومن تحريك الشعور القومي لدى الأقوام المتعددة التي تشكل الخريطة السكانية لدولة إيران. فكان عليهم الاعتماد على العراقيين الذين لجؤوا اليها في العقود الثلاثة التي سبقت الغزو. وهؤلاء في أغلبهم لم يكونوا من أكرم القوم ولا أنظفهم ولا أقدرهم. ذلك لأن العديد من الذين لجؤوا لإيران تركوها لأسباب أهمها عدم احترام الإيرانيين لللاجئين العراقيين. وهم أمر قد لا يصرح به أحد اليوم لكن الذي عاصروا الفترة التي سبقت الغزو على بينة من أمرهم.
 أما العراقيون الذين كانوا في العراق فقد كان الكرام منهم على حذر من ركب قطار الغزو بسرعة. فهم حتى إذا كانوا معادين للبعث فإنهم لم يكونوا مرحبين بغزو أجنبي لوادي الرافدين فليس من إنسان أياً كان لا يعرف ما يعني غزو أرضه. كما ان العقول القادرة هي عقول حرة بطبيعة الأشياء. وهكذا انتهى العراق، بإشراف إيراني، يديره أناس من شذاذ القوم من باحث عن مال أو باحث عن جاه أو باحث عن شرف أو باحث عن شهادة مزورة، حيث لم يجد الإيرانيون يومها غيرهم لإدارة العراق. وكانت الصهيونية مرتاحة لهذا الحال دون أدنى شك ذلك لأنه حقق لها المطلوب في ابقاء العراق ممزقاً عاجزاً مع تحميل تبعية ذلك الفشل لإيران بسبب أتباعها الذين يديرون الأمر وليس تبعية ذلك للصهيونية التي خلقت الحال وأمسكت بكل المفاتيح!
فانتهى العراق، الذي كانت صفة “الرشوة” فيه هي أسوأ ما يمكن أن تطلق على موظف، يحتل آخر السلم في الفساد من بين 180 دولة في العالم لأن “الرشوة” أصبحت سنة في الدولة العراقية الحديثة التي خلقتها الصهيونية ويديرها رجال إيران.
وهنا لابد للمراقب أن يسأل: أترى إن إيران ليست مدركة لما حدث، وانها ستبدو المسؤولة عما يحدث في العراق؟ ولماذا لم تفعل شيئا لمنعه؟ أم هل كانت عاجزة حقا عن فعل شيء لمنع ذلك؟
فقد نقل رامزي كلارك عن أحد قادة القوة الجوية الأمريكية أن دمار 95% من انتاج الطاقة الكهربائية في العراق عام 1991 كان لإجبار العراقيين على ازاحة صدام حسين عن الحكم. وبرغم أن القائد الأمريكي كان كاذباً، والأنكلو ساكسون هم سادة الكذب في العالم، إلا ان نظام البعث نجح في إعادة أكثر من نصف انتاج الكهرباء وشغله وأدامه برغم الحصار مدة اثني عشر عاماً كما فعل في توزيع الحصص التموينية ومنع قيام مجاعة حقيقية في البلد.
فلماذا لم يتمكن الإيرانيون من اعادة الكهرباء للعراق بعد 16 عاما من النظام “الديموقراطي” الذي تدعمه إيران والصهيونية ودون أن يكون له عدو يهدده وينتج أربعة ونصف مليون برميل نفط يومياً؟ فحتى لو افترضنا، وهي ليست فرضية بعيدة عن الصحة، ان الصهيونية لا تريد اعادة الكهرباء للعراق فلماذا لم تتمكن إيران من إقناع رجالها بحل هذه المشكلة الحقيقية؟
وهل ترضى إيران الفقيه، أو إيران الدولة، داخلها بفساد يشبه من قريب او بعيد الفساد السائد في العراق اليوم؟ وإذا لم ترضه فكيف تسكت عن، إن لم نقل تسعى كي تمنع، هذا الفساد الذي نخر الدولة والناس وأفسد علاقاتهم؟
أم ان إيران وصلت لنتيجة مفادها انها أمام خيارين: إما أن تبقي على الفاسدين لتمسك بزمام الأمور أو أن تتخلى عنهم فتفقد العراق؟ فاختارت الأول!
ولا بد للناظر بموضوعية، ومتجنبًا العواطف ما أمكن ذلك، أن يتوقف قليلاً ويتأمل ملياً. فليس من المعقول أن الساسة في إيران لا يدركون هذه الحقائق والنتائج السلبية لما حدث في العراق على مشروعهم وأمنهم القومي بل وحتى على صورتهم في المنطقة اليوم قوة محتلة فاسدة. ولا أشك أنهم مدركون، فقد أثبتت إيران دهاء في سياساتها في التعامل مع أوربا والصهيونية على الصعيد الدولي ولا يمكن أن تكون غبية في فهم واقع المنطقة. وإذا كان هذا الحال فلماذا سمحت إيران بوصول الأمر في العراق لما آل اليه؟
والجواب على هذا السؤال المهم سيكون في الحلقة القادمة ان شاء الله.

 

عبد الحق العاني

 

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 2

الصراع ما بعد 2003

لقد غير غزو الصهيونية للعراق واحتلاله قواعد الصراع وفرض ظروفاً جديدة في المنطقة. وحقيقة غزو العراق أبعد بكثير مما يبدو للعيان وأعمق مما كتب عنه الكتاب أو فهموه. ذلك لأن احتلال ما بين النهرين هو نقطة فاصلة في تأريخ المنطقة كما كان الحال على مد العصور. ولا يمكن للإدعاء بأن إيران ساهمت في، أو ساعدت على، غزو العراق أن يكون ستراً على الجريمة الأكبر وهي أن العرب، كل العرب، شعوباً وحكومات ساهموا في حصار العراق وغزوه واحتلاله. فحصار الإبادة للعراق لإثني عشر عاماً طالبت به الحكومات العربية وساهم فيه المواطن العربي الذي وقف متفرجاً. أما الغزو العسكري والاحتلال فقد انطلق من أرض عربية، لا تركية ولا فارسية!

لقد كان لإيران رغبة في دمار العراق القومي لأنها أدركت وتدرك أن العراق العربي القومي يقف أمام مشروعها الإيراني في التوسع والهيمنة وهذا ينطبق على جناحي السلطة في إيران، ولاية الفقيه والعلمانيين الفرس. وحين اقترب موعد غزو العراق واحتلاله في الحلقة التالية من مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة فإن إيران وجدت في ذلك فرصة لإنهاء المشروع القومي في العراق وبناء قوة موالية لها فيه بانتظار ما ستؤول اليه الأمور. وهكذا كان.

واعتقد كل من الإيراني والصهيوني أنه يستغل الآخر لمشروعه. فقد أرسلت إيران العراقيين الذين دربتهم خلال سنين ليكونوا نواة القوة العسكرية الجديدة بعد الغزو والخراب. أما الصهاينة الذين احتلوا العراق فلم يكن لديهم من الخونة العراقيين الذين جاؤوا معهم ما يمكن أن يشكل نواة قوة عسكرية تمسك بالأرض. كما إن قرار حل الجيش العراقي هو أحد أهداف الغزو الصهيوني الأولى ذلك لأن حل أي جيش عربي هو نصر للصهيونية. لذا فقد وجدوا أن لا بد لهم من الاستعانة بالقوة المدربة والمسلحة القادمة من إيران. وهكذا قام التفاهم على المهادنة في وقت كان يطمع كل طرف أن ينتهي الأمر لصالحه. أي ان الصراع الإيراني الصهيوني على العراق انتقل منذ الأسابيع الأولى للاحتلال ولو جزئياً الى صراع داخل العراق على العراق وليس صراعاً خارج العراق عليه كما كان قبل الغزو.

ولعل من المحزن أن يكتشف دارس التأريخ أن موقف إيران هذا من غزو العراق والذي يجب أن يفهم من جهة هدف إيران في الهيمنة على المنطقة رافقه مؤشر خطير في اكتشاف فشل المشروع القومي العربي في التجذر في العراق حيث كان يجب أن يكون. فقد صمتت المرجعية الشيعية في العراق عن التصدي للغزو والاحتلال، وهو واجب ديني شرعي استندت له المرجعية لاحقاً حين دعت للجهاد ضد الدولة الإسلامية بعد سنوات. ولا بد أن يفهم هذا الصمت على أن المرجعية اعتقدت أن الولاء المذهبي أسبق من الولاء الوطني القومي لأرض العرب، حتى وان لم تكن المرجعية الشيعية في العراق موالية للفقيه.

وصمت شيعة آخرون في أرض العرب، لا أشك في صدق انتمائهم في معركة الصراع مع الصهيونية، وللسبب نفسه كما يبدو. وهو أمر لا يمكن لي أن أقبله ولا أغفره.

فما الذي كشفه الغزو والاحتلال، ونتج عن، مما دعم الصراع على العراق؟

لقد كشف الغزو الصهيوني للعراق الكثير من الخلل في مفهوم الحكم بالحزب الجماهيري والذي ثبت عجزه في النظام الشيوعي في مرحلة متزامنة مما ليس هذا مكان عرضه. لكن أهم نتيجة كشفها الغزو والاحتلال هي أن حزب البعث لم يكن بالقوة والتماسك العقائدي الذي كان قادته يعتقدونه. فقد تهاوى حزب الملايين في أيام وتبين أن أكثر المنتمين اليه كانوا منتفعين لا مؤمنين. أما القلة القليلة التي آمنت بالمشروع القومي فقد أمكن تحييدها أو التخلص منها بسهولة.

فإذا بالعراق يتحول إلى ساحة خالية سرعان ما امتلأت بحركات دينية، كانت حتى وقت قريب وهمية في وجودها وطاقاتها، إلى جانب أجهزة مخابرات عالمية صهيونية في أغلبها وشركات حماية أمنية هي في حقيقتها جيوش سرية تعمل تحت الغطاء الأمني ويمكن تفعيلها في أي وقت لأي هدف تختاره الصهيونية.

وقد ظهر الإسلام السياسي المفلس على حقيقته فهو لا يمتلك أية رؤية لإقامة دولة خارج الشعارات المذهبية التي تحرك غرائز الناس. والشعارات الدينية لا تبني دولة. فقد مضى 16 عاماً على الغزو وثلاث دورات انتخابية ولم أقرأ برنامجاً سياسياً واحداً حتى اليوم لأي حزب عن الدولة المرجوة!

وتبين أن هذه الأحزاب أصبحت عربة يركبها الفاشلون للوصول إلى مناصب في الدولة من أجل الإثراء الفاحش بالفساد والسرقة والرشوة. ولعل من المحزن أني شاهدت عدداً كبيراً من أصدقائي المتعلمين، وهم من الشيعة على الأغلب، يتهافتون لدعم النظام السياسي المذهبي الجديد متناسين ما كانوا يدعون من انتماءات ماركسية أو قومية أو يسارية علمانية. ولا أشك أن أكثرهم اليوم نادمون على ذلك التدافع لدعم النظام السياسي الذي أنشأته الصهيونية في العراق بعد غزو 2003.

وقد وجدت إيران أنها أمام صعوبة كبيرة لا تواجهها الصهيونية في أدارة العراق. وسبب ذلك هو اختلاف هدف الطرفين حول مستقبل العراق. فإيران كانت تريد دولة قوية تحت وصاتيها تؤمن لها حدود أمنها القومي الغربية وتساعدها غلى مد هيمنتها لباقي أرض العرب. أما الصهيونية فكانت تريد دويلة ضعيفة مقسمة استهلاكية، كحال دول مجلس التعاون الخليجي، تعيش في فوضى مادام بالإمكان التحكم بتلك الفوضى وعدم خروج الأمر عن سيطرتها. فدولة الطوائف هي أسهل دولة للتحكم حيث تسعى كل طائفة ضعيفة لاكتساب ود الصهيونية من أجل بقائها باذلة في سبيل ذلك كل ما تملكه من بقية كرامة ان كان لها كرامة في الأصل. وحتى لا يطعنن أحد بهذا الاستنتاج فإني أدعو كل عراقي يريد أن يعرف حقاً ما تريده الصهيونية للعراق أن يقرأ مجموعة القوانين التي اصدرها “بريمر” الرئيس المطلق لما سمي من باب الاستخفاف بنا “سلطة الإئتلاف المؤقتة”. ومن لم يقرأ تلك القوانين بجملتها، بل ان من ليس لديه نسخة منها يمكن له الرجوع لها متى شاء،  فهو ليس مهتماً بالعراق ومستقبله ولا يحق له أن يتحدث عن كل ما يتعلق بالعراق لأن من لم يفهم ما الذي تريده الصهيونية من غزو العراق واحتلاله لا يمكن له أن يفهم ما يحدث اليوم.[1]

أما إيران فلا ينفعها عراق مقسم وضعيف تتنازعه صراعات قومية أو مذهبية لأن ذلك لا بد وأن يمتد لها ويعبث بأمنها القومي بسبب حقيقة تركيب الدولة الإيرانية. لكن الخطر الأكثر مداهمة هو وصول القوات العسكرية الصهيونية إلى الحدود الغربية لإيران. كما أن تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لكل أجهزة المخابرات الدولية وإمكانية عبور منتسبي تلك الأجهزة بسهولة، وعلى الأخص من شمال العراق، إلى داخل إيران شكل وما زال كابوساً دائماً.

وحيث إن الصهيونية هي التي احتلت العراق عام 2003 فان كل فعل جديد في العراق كان لها أما إيران فإن أغلب ما كانت تقوم به هو ردة فعل في عمل يتصدره الشعور بتهديد أمنها القومي. ولا ننسى أن العراق عام 2004 أصبح أكثر تهديداً للأمن القومي الإيراني مما كان عليه عام 2002. فقد قام المحتل الصهيوني للعراق، سواء أوقع اتفاقيات أمنية مع عملائه من الأشخاص، الذين لا يليق بي أن أكرمهم بذكر اسمائهم، أم لم يوقع، بتحويل العراق إلى واحدة من أكبر القواعد في أرض العرب. فالسفارة الأمريكية في بغداد هي أكبر سفارة لأية دولة في العالم من حيث عدد منتسبيها، وأشك ان وزارة الخارجية العراقية تعرف حقاً عدد منتسبيها. أما رجال المخابرات الصهاينة العاملين في العراق، أياً كانت جنسياتهم، فلا يعلم عددهم إلا الله! ثم هناك رجال الشركات الأمنية، وهم في حقيقة الأمر جيش المرتزقة الجاهز للعمل عند الضرورة. وأولاء لا أعتقد أن أية سلطة في العراق تعرف عددهم أو جنسياتهم أو خلفياتهم! وهناك خلايا الموساد التي وصلت كل زاوية في العراق بعد أن كانت قبل عام 2003 محصورة في شمال العراق منذ معركة هندرين في ستينيات القرن الماضي.

وهناك القواعد الأمريكية المنتشرة في كل العراق والتي تتحرك ليس فقط دون إذن من السلطة الوهمية لحكومة بغداد وإنما دون علمها. فحين تحرك رتل من الآليات العسكرية من البصرة حتى الحدود الأردنية لم يسمع بالخبر رئيس الوزراء العراقي الا من وسائل الإعلام الغربية كما سمعنا نحن.

وقد يبدو هذا الاحتلال مخيفاً في أبعاده، لكن الأدهى من كل ذلك هو الهيمنة الجوية الصهيونية المطلقة على سماء العراق. فليس في العراق من مسؤول (إذا صح لنا أن نستعير هذه الكلمة العربية الجميلة) يعرف حقاً ما الذي تمتلكه الصهيونية في العراق من سلاح جوي وأجهزة تجسس واستطلاع وفي أي قاعدة وما إذا كانت الصهيونية قد وضعت سلاحاً نووياً في العراق، ووووو..

إن هذه الحقائق التي أعرفها ولا بد أن إيران تعرفها قبلي، بل وأفضل مني، هي التي تجد إيران أن عليها أن تتعامل معها من أجل حماية أمنها القومي. ولا يصح أن ننسى ونحن نحاسب إيران على ما فعلت في العراق أن إيران لم تأت بالصهاينة للعراق ليصلوا حدودها. وإنما الذين جاؤوا بالصهيونية للمنطقة هم العرب عموماً وشريحة كبيرة من أهلي العراقيين البائسين. وحين أقول هذا فاني لا أحاول أن أجد الأعذار لإيران لكني أرغب في أن يكون التحليل موضوعياً وعقلانياً. ذلك لأن مما ساهم في التدخل الإيراني في العراق هو ان العراق تحول، بفعل ابنائه، إلى ساحة صهيونية على حدود بلاد فارس مما يعرض أمن تلك البلاد للخطر. كما أن الوجود الصهيوني المستبيح لأرض العراق حدد إمكانية المشروع الإيراني من الامتداد غرباً.

سأكتب في الحلقة القادمة “ما الذي فعلته إيران أمام الوجود الصهيوني المستبيح للعراق؟”

عبد الحق العاني

 

[1]  جمعت تشريعات المحتل كلها في كتاب من ثلاثة أجزاء ونشر على موقع أمازون ويمكن الحصول عليه من الرابط التالي:

https://www.amazon.com/s?i=digital-text&rh=p_27%3A%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%82%D8%AA%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&s=relevancerank&text=%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%82%D8%AA%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&ref=dp_byline_sr_ebooks_1

 

قل ولا تقل / الحلقة الرابعة عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: قد صَرَفْتُ فلاناً
ولا تقل: قد أصْرَفتُ فلاناً

كتب الكسائي: “وتقول قد صرفت فلاناً، وقد صَرَف وجهه عني، بغير ألف. ولا يقال: قد أصرفتُ فلاناً. قال الله عز وجل:” ثم انصرفوا صَرَفَ الله قلوبهم”. وتقول: قد صَرَفَت الكلبةُ بغير همزٍ إذا طلبت المعاضلةَ”. انتهى

وكتب ابن منظور في لسان العرب: ” الصَّرْفُ: رَدُّ الشيء عن وجهه، صَرَفَه يَصْرِفُه صَرْفاً فانْصَرَفَ……. أَصْرف الشاعرُ شِعْرَهُ يُصْرِفُه إصرافاً إذا أَقوى فيه وخالف بين القافِيَتَين؛ يقال: أَصْرَفَ الشاعرُ القافيةَ، قال ابن بري: ولم يجئ أَصرف غيره”.

قل: سَخِرْتُ من فلان
ولا تقل: سَخِرْتُ بفلان

كتب الكسائي: “وتقول: سَخْرْتُ من فلان بالميم ولا تسخر منه. ولا يقال: سَخِرْتُ بفلان بالباء. قال الله عز وجل: “لا يسخرْ قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم”.

وأضاف المحقق: وحكى أبو زيد: سَخِرْتُ به وهو أردأ اللغتين.” انتهى

وقد كتب ابن منظور: “سَخِرَ منه وبه” وكتب الفيروزأبادي في القاموس “سَخِرَ منه وـ به”. اما الجوهري فقد كتب في الصحاح: “سَخِرْت منه”، وكذا فعل ابن فارس في المقاييس فكتب: “سَخِرت منه”. لكنه يبدو أنه عاب القول الآخر فأضاف “ولا يزالون يقولون: سخِرت به، وفي كتاب الله تعالى: فإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُون”. ولست أرى أي سبب للإبقاء على اللغة الرديئة بعد ان جاء قول العليم العلام مبينا للصواب. اذ انه يمكن الإجتهاد في صحة كلمة ما إذا لم ترد في القرآن أما ما ورد فيها نص قرآني فليس بعد من سبب للنطق بها بشكل مختلف.

قل: هي عَرْصة
ولا تقل: هي عَرَصة

كتب مصطفى جواد: “وذكرنا لك السبب في الكلام على “أزمة” وأنها هكذا سمعت من العرب فإذا جمعت العَرْصة جمع مؤنث سالم قلت “عَرَصات” مثل ثَمرات ونَخلات وحَربات وأزَمات. وهذا الجمع مثل “عَرَصات” تستعمله لما بين الثلاث والعشر، تقول عندي ثلاث عَرَصات أربع عَرصَات خمس عَرَصات ست عَرَصات سبع عَرَصات ثماني عَرَصات تسع عَرَصات عشر عَرَصات، فإذا زاد عددها على ذلك قلت “عِراص”، وتقول عندنا عشر حَرَبات جمع حربة فإذا زاد عددها تقول “عندنا حِراب” كعِراص. وفي الحديقة عشرظَبَيات فإذا زاد عددهن قلت “في الحديقة ظِباء” على وزن حِراب وعِراص.

قل: استعرض المجتمعون عدة أحاديث
ولا تقل: استعرض المجتمعون هكذا أحاديث

وكتب عبد الهادي بوطالب: في لغة الإعلام بالمشرق العربي تَرِد كلمة “هكذا” بمعنى عِدَّة أو جملة أعداد. وتُصاغ الجملة على هذا النحو: “وتخلَّلَت الجلسةَ هكذا أحاديثُ شيِّقة”. و”استعرض المجتمعون هكذا ذكرياتٍ” أي عِدّةَ أحاديث، وعِدَّةَ ذكريات..ويقول بعض المحاضرين “اسمحوا لي أن أتقدم أمامكم بهكذا محاور لمناقشتها”.

واستعمال هكذا على هذا النحو خطأ. لأن “هكذا” كلمة واحدة مركبة من هاء التنبيه في أولها، وكاف التشبيه في وسطها، واسم الإشارة (ذا) في آخرها. وهي تفيد: على هذا النحو أو هذا الشكل.

وعندما نسرد تصريحا نطق به ناطق أو كتبه كاتب، ونريد أن نركِّز على كلمة أو جملة وردت فيه فإننا نذكرها ونضع بين هلالين كلمة “هكذا” ونقصد إبراز الكلمة السابقة لهكذا ونعني بها “بهذا اللفظ أو هذه العبارة”.

مثال ذلك: “وسمَّى مقاومةَ الفدائيين الفلسطينيين إرهابا (هكذا)” وتدل إضافة الكلمة على استنكار ما قبلها وتقييمه خلقيا أو التحفظ عليه.
وقد ورد استعمال “هكذا” بمعنى “على هذا النحو” أو “على هذا الشكل” في قوله تعالى عند ذكر قصة ملكة سبأ (بلقيس) والنبي سليمان: “فلما جاءت قيل أهكذا عرشُكِ قالت كأنه هو”.

لكن كلمة كذا (بدون هاء التنبيه) تُستعمل للدلالة على الشيء المجهول عدده أو نوعه أو ما لا يراد ذكره. فيقال : فعلتُ كذا وكذا. كما يقال: “اشتريتُ كذا كتابا” أي عددا من الكتب. و”رحلت كذا رحَلات”. وتأتي كلمة هكذا بمعنى “عدد من” على ألسنة بعض الإخوة العراقيين خاصة، ولعل استعمال هكذا بمعنى جملة أو عدد آت من اللهجة العراقية.

قل: قرأت آل حم وآل طس
ولا تقل: قرأت الحواميم والطواسين

وكتب الحريري “ويقولون: قرأت الحواميم والطواسين ووجه الكلام فيهما أن يقال: قرأت آل حم وآل طس ، كما قال ابن مسعود رحمه الله: آل حم ديباج القرآن.

وكما روي عنه أنه قال: إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن .

وعلى هذا قول الكميت بن زيد في الهاشميات:

وجدنا لكم في آل حم آية ** تأولها منا تقي ومعرب

يعني بالآية قوله تعالى في حم 16 * في القربى”.

وأيد ذلك الحنفي فكتب: قال الحريري: يقولون: قرأتُ الحواميمَ والطواسِينَ. والصواب: قرأت آل حم وآلَ طس. وعليه كلام صاحب القاموس.

وعلق ابو الثناء الآلوسي على ما كتبه الحريري فكتب: ” والخطاب لبني فاطمة رضي الله تعالى عنها السابق ذكرهم والآية:{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} [الشورى:23]، وعنى بالمعرب المظهر لمحبتهم وبالتقي من يخفي ذلك تقية، والمراد بتأول الآية معرفة ما توول إليه من لزوم محبتهم، والكلام فيها في تفسيرنا روح المعاني، وآل فيما ذكر ليس بمعنى الآل المشهور بل هو لفظ يذكر قبل ما لا يصح تثنينه وجمعه من الأسماء المركبة ونحوها؛ كتأبط شراً فإذا أرادوا تثنيته أو جمعه، وهو جملة لم يعهد فيه ذلك زادوا قبله لفظة آل أو ذو فيقال جاءني آل تأبط شرا، أو ذو تأبط شرا أي الرجلان أو الرجال المسمون بهذا الاسم كما قالوا آل حم بمعنى الحواميم؛ فهو هنا بمعنى ذو والمراد به ما يطلق عليه، ويستعمل فيه هذا اللفظ، وهو مجاز عن الصحبة المعنوية، وفي كلام الرضي وغيره إشارة إلى هذا ولم يصرحوا بتفسيره فعليك بحفظه بأنه من الفوائد الفرائد. نعم ما ذكر في الأصل مما سمعت قد تبع فيه صاحبه بعض من تقدمه، والصحيح خلافه. فقد جاء ما أنكره في الآثار، وسمع في فصيح الأشعار، انشد أبو عبيدة:

حلفت بالسبع الألى تطولت وبمئبن بعدها قد امئتت
وبثمان ثنيت وكررت وبالطواسين اللواتي ثلثت
وبالحواميم اللواتي سبعت وبالمفصل التي قد فصلت

وقال ثعلب في أماليهِ الطواسين مثل التوابيل جمع تابل، وحكي الطواسيم أيضاً على أن الميم بدل من النون وانشد الرجز المذكور، وقد يستعمل جمعه من غير ال. وانشد ابن عساكر في تاريخه:

هذا رسول الله في الخيرات جاء بيسن وحاميمات

فروى لهُ جمعا آخر، وعن سيبويه في نحو طس ما كان على وزن مفرد يجعل اسما كقابيل؛ فيجوز حكايته وإعرابه، ومعاملته معاملة الأسماء. وقال العنسي في السجاد وقد قتله:

يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم

فأعرب حم ومنعها الصرف بخلاف ما ليس فيهِ إلاَّ الحكاية نحو كهيعص.”

قل: هم يُريدون الوِحدة العربية
ولا تقل: هم يُريدون الوَحدة العربية

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: “ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الوَحدة (بفتح الواو) والوِحدة (بخفضها) فيقولون: الوَحدة العربية ويعنون انصهار الدول العربية في دولة واحدة، فيوهمون، لأن الوَحدة (بالفتح) تعني الانفراد، بينما الوِحدة (بالخفض) تعني الارتباط والانصهار وجمع الأجزاء. ومن الأولى ما جاء في الحديث: شر أمتي الوحداني المعجب بدينه المرائي بعمله. يعني المنفرد بنفسه المفارق للجماعة، وهو منسوب إلى الوحدة والانفراد بزيادة الألف والنون للمبالغة. وعلى هذا تكون الوحدة من الانفراد، وتكون الوحدة من الاتحاد.”

قل: هذا كوكب الزُّهَرة
ولا تقل: هذا كوكب الزُّهْرة

كتب الحنفي:وقال الصقلي: “يقولون للنجم المعروف: الزُّهْرة، بإسكان الهاء. والصواب فتحها.” انتهى

وجاء في لسان العرب: “والزُّهَرَةُ، بفتح الهاء: هذا الكوكب الأَبيض؛ قال الشاعر: قد وَكَّلَتْنِي طَلَّتِي بالسَّمْسَرَه، وأَيْقَظَتْنِي لطُلُوعِ الزُّهَرَه”.

(الطلة: الزوجة)

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 1

خلفية تأريخية

لا بد من البدء بتعريف العراق. ذلك أني حين أشير للعراق فلست أعني العراق بحدوده السياسية التي رسمها الإحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى. وقد يظن القارئ أن هذا أمر ثانوي لكنه ليس كذلك لأن جذور الصراع وما آل اليه الحال ساهمت حدود العراق المصطنعة في تكوينه. فالعراق الجغرافي والسياسي هو بلاد ما بين النهرين. وحين نرجع للتأريخ المدون نجد أن هذه الأرض بدأت دولة كبرى (امبراطورية) سكنها الساميون باختلاف قبائلهم. وحيث إن الإمبرطورية لا ترسم حدوداً سياسية فان دول ما بين النهرين امتدت بشكل طبيعي بين منبع الفراتين (الفرات ودجلة) حتى نهاية الخليج كما يقتضي الحال لمنابع الأنهار أن تنتهي في عمق بحارها من أجل تجارتها وتوسعها. وذلك كله قبل أن يصل الأتراك أو الأكراد للمنطقة. وحين اصبحت بغداد عاصمة الدولة العربية الإسلامية (العباسية) فقد كان العراق السياسي كذلك دون حدود لعدم وجود حاجة لذلك. فالأتراك كانوا قبائل مشتتة ومتخلفة أما الخليج فلم يكن مسكوناً إلا بعدد من الأعراب البائسين الذين كان يشرفهم أن يكونوا من رعايا امبراطورية بغداد. وحين ورثت الدول العثمانية عراق العباسيين بحجة كونها خلافة اسلامية تحافظ على دين محمد، وإن لم تفعل أياً من ذلك، فقد كان العراق السياسي في تعريف الدولة يتكون من ثلاث ولايات هي الموصل وبغداد والبصرة. وكي نعرف ما هي حدود العراق السياسي حتى عام 1913 فما علينا سوى أن نطلع على التقسيم الإداري كما هو محفوظ في وثائق الدولة العثمانية. ويهمنا هنا ولاية البصرة وليس بغداد والموصل لأسباب واضحة. وقد ورد التقسم الإداري لولاية البصرة كما يلي:

التقسم الإداري لولاية البصرة عام 1913

تنقسم ولاية البصرة الى أربعة ألوية ويشكل كل لواء الأقضية المبينة أدناه:

لواء البصرة: (قضاء البصرة، قضاء القرنة، قضاء الفاو، قضاء الكويت)
لواء المنتفك: (قضاء الناصرية، قضاء المنتفك، قضاء الحي، قضاء سوق الشيوخ)
لواء العمارة: (قضاء العمارة، قضاء المجر الكبير، قضاء علي الغربي)
لواء نجد: (قضاء الهفوف، قضاء القطيف، قضاء قطر، قضاء الرياض)

وقد جاء في كتاب “خير الكلام في التقصي عن أغلاط العوام” وهو من كتب اللغة العربية لعلي بن بالي القسطنطيني الحنفي المتوفى سنة 992 هـ ما نصه ” قال الصقلي: مما يشكل قولهم: عُمَان، بضم العين وتخفيف الميم: بلد على شاطيء البحر بين البصرة وعدن.” وهذا النص الوارد في كتاب من كتب العربية يثبت لنا أن ما كان معروفاً في القرن العاشر الهجري أنه لم يكن بين البصرة وعدن سوى عمان. وهو ما يبدو كان الحال حتى عام 1913، أي أن ولاية البصرة كانت تنتهي في حدود دولة عمان. وهذه هي حدود العراق الجنوبية الجغرافية والسياسية والتأريخية وهكذا يجب أن تكون وستكون!

هذا هو جنوب العراق السياسي الذي كان. ولا يغير ذلك اي تدخل أجنبي رسم حدوداً تتفق مع مصالحه. فقد جاء الصليبيون ومكثوا 200 عام وغيروا وبدلوا وحين رحلوا عاد كل شيء لما فرضه التأريخ. إن من لا يفهم هذه الحقائق عن العراق السياسي ويعتقد أن القانون مطابق  للمشروع الصهيوني في المنطقة يعيش خارج التأريخ أما الذي يعيش حقائق الأمور فهو ليس “من العالقين في الماضي” كما وصفهم أحد المسؤلين في الخليج وانما يعيش على وفق قواعد التأريخ والسياسة والقانون!

وكانت هذه الأرض من اقدم ما استوطن. وهذا الإستيطان أدى بدوره لنشوء حضارات متعاقبة قدمت للعالم ما لا حاجة للتذكير به. لكن هذا الخير الذي منحه الفراتان أدى كذلك لتصارع الغرباء على العراق في مد العصور. وبرغم ان خصب الأرض لم يعد سبب الطمع في أرض العراق وبرغم أن النفط لم يعد السبب الرئيس، إلا أن العراق ظل مطلب الغزاة كلما سنحت الفرصة بذلك.

وهناك اسباب مادية وغير مادية لهذا الطمع في الهيمنة على العراق ليس هنا مكان عرضها ومحاولة فهمها، اذا افترضنا امكانية ذلك، لكن يكفي في نظرة سريعة أن نفهم بعضاً من سبب تعلق كثيرين من أهل الأرض بالعراق. فتأريخ اليهود في العراق لأنهم عاشوا فيه آلاف السنين وكتبوا التلمود فيه. وتأريخ النصارى في العراق أعرق من غيره حيث كانت الكنيسة النسطورية من أقدم الكنائس. أما الإسلام فارتباطه بالعراق أعمق من أي أرض بعد المدينة ذلك لأن الفقه الإسلامي أغلبه ولد في العراق فالفقه السني عراقي والفقه الجعفري عراقي والفقه الأباضي عراقي والباطنية عراقية والتصوف عراقي، وما من معتقد في الإسلام الا وله جذر عراقي.

أما طمع أوربا بالعراق (وأعني بأوربا القارة وما ولد عنها من استيطان أوربي في قارتي أمريكا واستراليا) فله سبب يتجاوز المادة والجغرافية. إنها عقدة النقص التي يحس بها الأوربي الذي يعتقد يقيناً بتفوقه الحضاري علينا لكنه يشعر بالنقص في أن دينه، بل ربه الذي يقتدي به، هو واحد منا ومن أرضنا. لذلك اعتقد أن له الحق في هذه الأرض، حتى قبل التقنية والثورة الصناعية وآلة الحرب المدمرة الجديدة، فجاء بالغزو الصليبي واستوطن.

وقد صور الكاتب الفنزويلي “فرناندو بايس” طمع أو حقد أو كراهية الأوربي الظاهر أو الباطن لنا حين كتب بعد غزو عام 2003: “إنها لمفارقة حقا أن يأتي مخترع الكتاب الإلكتروني الى بلاد ما بين النهرين، حيث ولدت الكتب والتأريخ والحضارة، كي يدمرها”.

إن الوضيع الفريد للعراق أنتج حقيقة تأريخية فريدة في المنطقة. تلك هي ان العراق في كل تأريخه إما مركز دولة عظمى “امبراطورية” تمتد سيطرتها لمساحات أكبر بعشرات المرات من حجمها، كما أسلفت، وإما دولة مستباحة في زاوية من زوايا امبراطورية محتلة. ولم يكن بين هذين الحالين بديل لوضع مستقر أو طويل الأمد. فالعراق كان سومرياً أو أكدياً أو آشورياً أو بابلياً أو عباسياً في امبراطورياته. وكان فارسياً أو عثمانياً أو بريطانياً أو صهيونياً في امبراطوريات المحتل. ولم يكن بينها في الفترات القصيرة سوى بلد صغير ضائع تحت وصاية خارجية ويبحث عن مخرج لم يستقر له حال فيها.

وقد أنتج هذا العنف التأريخي حالة فريدة أخرى في المنطقة مفادها أنه لا يمكن أن تقوم بين جبال زغروس والبحر الأبيض المتوسط قوتان. أي يجب أن تهيمن قوة واحدة على هذه المنطقة فاذا وجدت قوتان فانهما سوف تتصارعان حتى يحسم الصراع لإحديهما. وهذا يعني أن العراق هو ساحة ذلك الصراع بين تلكما القوتين اذا لم يكن هو مقر القوة الضاربة في المنطقة. فحين قامت الإمبراطورية الفارسية على حدود الإمبراطورية الرومانية فقد اتفقا على تقاسم المنطقة فكان العراق للفرس وكانت بلاد الشام للروم. وحين ورث العثمانيون بيزنطة فإنهم تقاتلوا مع الفرس على المنطقة فملوكها أكثر الوقت وان كان العراق قد وقع بيد الصفويين لوقت قصير نسبياً في ذلك الصراع لكنه ظل مع ذلك ساحة الصراع دون أن يكون لأهله أي دور في مصيره.

وبعد أن أنهك العثمانيون الجهلة العراق، سلبوه لغته وتراثه وساقوا ابناءه للموت في حروبهم البائسة، جاءت الصهيونية للمنطقة بشكل سافر وتمثلت أول الأمر بالإحتلال البريطاني للعراق عام 1916. فحكم الصهاينة البريطانيون العراق مباشرة لمدة ثم تحكموا بمصيره لعقود بعدها، أي ان العراق ظل تحت مظلة الإمبراطورية البريطانية أثناء ما سمي بالحكم الوطني. لكن الإمبراطورية البريطانية كانت قد وصلت مرحلة الشيخوخة كما يحدث لأية امبراطورية. وتقضي قواعد التأريخ أنه حين تشيب الإمبراطورية فإن من كان تحت هيمنتها سوف يكتسب الحرية وان كان بشكل تدريجي. لكن الحال اختلف هنا. فقد مدت الصهونية التي ولدت في لندن يدها لتتحكم بسوق المال في نيويورك وترتب على ذلك التحكم بالولايات المتحدة الوريث الأنكلو ساكسوني للإمبراطورية البريطانية. على أن هذا الإنتقال لم يقد لفقدان بريطانيا دورها بالكامل في العراق، فقارئ التاريخ والباحث فيه سيجد أن كلاً من حرب 1991 وغزو العراق عام 2003 كان بدفع من لندن أكثر منه بدفع واشنطون!

وتمكنت الصهيونية العالمية من تأسيس قاعدة ثابتة لها عند نهاية الحرب العالمية الثانية في خلق دولة اسرائيل، دولة أوربية ثابتة تستبد وتبتز، مخففة بذلك الحاجة الى نقل الجيوش والأساطيل في المستقبل للهيمنة على المنطقة بشكل مستمر. لكن اسرائيل واجهت حقيقة الصراع التاريخي على المنطقة والذي عرضته أعلاه مع دولة ايران الصاعدة. فكما بينت أعلاه لا يمكن قيام دولتين قويتين بين جبال زغروس والأبيض المتوسط فانه لا بد من قيام صراع بين اسرائيل وايران على المنطقة.

وحين كانت ايران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي فان ولاء هذا الأخير للصهيونية خفف من الإحتكاك وان كانت لديه شخصياً أحلام بعودة مجد فارس كما تجلى في الإحتفال الشهير في تشرين الأول عام 1971 بمرور 2500 عام على انشاء مملكة فارس القديمة. لكن هذا الحال تغير بعد رحيل الشاه وسقوط نظامه وقيام الجمهورية الإسلامية. وهذا التغير في ايران قاد لمرحلة جديدة من الصراع المفتوح.

ولن أدخل في أي عرض للحرب العراقية الإيرانية وكيف لعبت هذه الحرب دوراً خطيراً في تطوير الصراع  في المنطقة وان كان هذا مهماً جداً لكن الخوض فيه سوف يبعدنا كثيرا عما نحن فيه من حقائق تقتضي التعامل معها كما هي. إلا أن هذا لا يعني عدم عرض حقيقة الدولة الإيرانية اليوم وهدف الصراع مع الصهيونية على المنطقة.

فالجمهورية الإسلامية في ايران اليوم دولة ذات تركيبة سياسية معقدة ومختلفه كثيراً عن جيرانها وهذا نتاج أربعين عاماً من بناء بدأت بثماني سنوات من حرب طاحنة. وولد عن كل ذلك ظهور قوتين في إيران احداهما تتبع الفقيه وخلفها حرس الثورة والثانية تضم رجال الدين وغيرهم مما لا يتبع ولاية الفقيه وكان يقف على رأس هذه المجموعة هاشمي رفسنجاني. ويتضح تعايش المجموعتين من حقيقة أن رفسنجاني ظل طيلة الفترة في موقعه القيادي برغم خلافه الواضح والعلني أحيانا مع الفقيه. كما إن كلاً من رؤساء الجمهورية السابق محمد خاتمي والحالي الشيخ روحاني هم من أتباعه ومؤيديه. فما الذي يجمع الإثنين وما الذي يفرقهم؟

إن ما يجمع الإثنين هو مصلحة ايران. فالفقيه يرى ان الإيرانيين هم أقدر على قيادة العالم الإسلامي لفشل العرب في تلك المهمة وهذا يعني ضرورة مد الهيمنة الفارسية على العراق وما بعده من بلاد الشام وجزيرة العرب لا من باب الرياء والكذب وانما لقناعته وايمانه بذلك. وقد لا تتفق معه لكنه على يقين وبينة من أمره. أما جماعة رفسنجاني فهم لا يؤمنون بالواجب الديني الذي يدعوهم لقيادة المسلمين لكنهم يعتقدون بسمو الفرس على من حولهم وهم بهذا مكلفين في الهيمنة على المنطقة. وهكذا فبرغم اختلاف النية والهدف الا أن الطرفين متفقان على ضرورة الهيمنة على المنطقة. ولا بد من ملاحظة حقيقة مهمة هنا وهي ان القوى التي تتصارع في ايران سواء أكانت خلف الفقيه أم لم تكن خلفه هي في جوهرها وطنية من حيث انها تخدم مصالح ايران. لذلك وجدت الصهيونية صعوبة في أن تخترق المؤسسة الحاكمة في ايران بينما نجحت بسهولة في عدد من الدول العربية والتي لم يكن الصراع الداخلي فيها صراعا وطنيا.

وللحديث صلة..

سنتابع في الحلقة التالية كيف تطور الصراع على العراق بعد 2003

 

قل ولا تقل / الحلقة الثالثة عشرة بعد المائة

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 قل: عندي سلطة تقدير
ولا تقل: عندي سلطة استنسابية

كانت بلاد الشام وما زالت منبت العروبة. فحين بدأ الظلم والجهل العثماني ينحسر عن المشرق العربي كانت الشام أسرع أرض العرب طلباً للحرية وحماية للغة العرب. فولدت حركة تأليف ونشر في القرن التاسع عشر. وكان طبيعياً أن يولد عن اهمال الأتراك للغة القرآن أن يكون الإلمام بالعربية ضعيفاً ومتعثراً. وهكذا ساد استعمال غريب أحيانا وخاطئ أحيانا أخرى للغة. فتصدى لتلك الحالة عدد من الأدباء واللغويين الحريصين والغيارى طمعاً في اصلاح الحال.

وكان من بين أولاء الأديب واللغوي الشيخ ابراهيم اليازجي والذي أصدر كتابه المعروف “لغة الجرائد” ليبين الخطأ الشائع الإستعمال في ما كان سائداً في جرائد بلاد الشام في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد نقلنا عن “لغة الجرائد” الكثير في هذه السلسلة.

وربما اعتقد اليازجي أن  عمله أصلح العيب. لكن الأمر ما زال كما كان في عهده. فبعد أكثر  من مائة عام على صدور كتابه ما زال العديد من تلك الأخطاء سائداً اليوم. ويبدو أن مقدرة الإعلام الذي يزداد جهلاً مع الوقت على التقليد الأعمى للخطأ لا حدود له. فبرغم سهولة التأكد من الصحيح لا يريد الإعلامي أن يصحح. فما زلت تجد الإعلام اللبناني المرئي والمسوع والمكتوب يستعمل “يشي” بمعنى “يخبر” ويستعمل “العتيد” بمعنى “المقبل” ويستعمل “الكباش” بمعنى “الصراع”، وكثير غيرها من الخطأ الواضح. ثم دخل جديد من الخطأ في الإستعمال في استعمال “الصمود” بمعنى الثبات و”التقاطع” بمعنى الإتفاق وكثير مثل هذه.

وأمس استوقفني الاستعمال الواسع لكلمة “استنسب” في لبنان. فانت ما تنفك تسمع السياسي يقول “إن في هذا العمل استنساب”، أو “هذا إجراء استنسابي” لكنك لا تتوقف كثيرا عند ذلك لأنك تعرف أن أكثر ساسة لبنان يلغون اضعاف ما يعملون ولا قيمة لما يقولونه حتى تكلف نفسك مشقة البحث عن المعنى. لكن سبب توقفي هذه المرة هو أني سمعت عبارة تصدر عن قاضية في لبنان تقول فيها “لدي سلطة استنسابية”. فلم أفهم ما أرادته القاضية بالسلطة الإستنسابية. وحيث إن القاضية لا يمكن أن تريد لغواً في ما قالته وحيث إني حريص على سلامة لسان العرب فقد قررت أن أبحث عن  معنى “استنسابي” في لبنان.

فوجدت أحدهم يقول إن “استنسب” الشيء تعني وجده مناسباً ملائماً. وهذا ولا شك لا يعرف عن العربية الكثير. ثم سألت صديقاً لبنانياً عارفاً فرد علي بأن الإستعمال يعني ان يكون القرار كما يراه صاحبه مناسباً.

حينها تبين لي ان ما أرادته القاضية وما هو مفهوم في الإجراءات القضائية اللبنانية هو أن السلطة الإستنسابية هي ترجمة للمصطلح الإنكليزي “Discretionary Authority”. لكن ما هي العلاقة بين الكلمة المستعملة وبين المطلوب في المعنى من العبارة الإنكليزية/الفرنسية (اللاتينية الأصل). ذلك أن الفعل “استنسب” والذي اشتق منه استنساب واستنسابية لم تعرفه العرب الا بمعنى واحد وهو “انتسب”.

فقد جاء في لسان العرب: “وانْتَسَبَ واسْتَنْسَبَ: ذَكَرَ نَسَبه. أَبو زيد: يقال للرجل إِذا سُئِلَ عن نَسَبه: اسْتَنْسِبْ لنا أَي انْتَسِبْ لنا حتى نَعْرِفَك.” وجاء في القاموس المحيط: “واسْتَنْسَبَ: ذَكَرَ نَسَبَهُ.” ولم تعرف العرب معنى غير هذا للفعل “انتسب” وذلك سبب ما دعاني أول مرة وأنا اسمع فيها لبنانياً يستعمل عبارة “استنساب” أن أسأل عن علاقة النسب بما يريده!

وقد أخطأ اللبناني الذي أدخل هذا الإستعمال لكلمة استنساب لتعني كلمة “Discretion” اللاتينية الأصل. ذلك لأن الكلمة اللاتينية تعني في المفهوم القانوني “السلطة أو الحق الذي يمتلكه الشخص لتقرير أمر بناء على حكمه الشخصي”. وهكذا يبدو أن لا علاقة لهذا المعنى بكلمة “استنساب” والتي سادت في القضاء اللبناني. إن الإستعمال الأسلم والأكثر قبولا في السمع العربي (اذا استثنينا اللبناني الذي تلوث سمعه بهذه الكلمة) هو “سلطة التقدير” وهو ما يصح استعماله.

 

 قل: بَخَصْتُ عينه
ولا تقل: بَخَسْتُ عينه

كتب الكسائي: “وتقول بَخَصْتُ عينه بالصاد ولا يقال بَخَستُ بالسين، إنما البخسُ والنقص أن تنقص الرجُلَ حقه.”

قال عز من قائل: “ولا تبخسوا الناس أشياءهم”.

قل: أكلتُ شَبُّوطَاً عراقياً
ولا تقل: أكلتُ شُبُّوطَاً عراقيا

كتب الكسائي: “وتقول: سَمُّور  وشَبُّوط وكّلُّوب وسّفُّود وكل ما كان على فّعُّول، بتشديد العين مفتوح الأول. وكذلك دَبُّوق وعَبُّود وحَسُّون، إلا حرفين فان العرب تكلمت بهما بالضم والفتح وهما: السُبُّوح والقُدُّوس. وبعضهم يقول: السَّبُّوح والقُدُّوس.”

وأضاف المحقق: “السمور: دابة برية مثل السنور تتخذ الفراء من جلودها. وتقول لبست جُبة سَمُّور بفتح السين وضم الميم. الشبوط: ضرب من السمك بالعراق، دقيق الذنب، عريض الوسط، ليِّن المسِّ صغير الرأس. الكلوب: حديدة معقفة كالخطاف.”

قل: مسح الأرض يمسحها مسحاً (للقليل منها) ومِساحة (للكثير)
ولا تقل: مسح الأرض مَساحة (بفتح الميم)

كتب مصطفى جواد: “ومديرية المِساحة لا مديرية المَساحة، وكذلك القول في الصِناعة والزِراعة والنِجارة والعِطارة والحِدادة والبِزازة والبِوابة مهنة البواب وأمثالها.”

 قل: تعرّف بفلان
ولا تقل: تعرّف على فلان

وكتب اليازجي: “ويقولون تعرف على فلان إذا أحدث به معرفة وهو من التعبير العامي ومن الغريب أن أصحاب اللغة لا يذكرون ما يعبر به عن هذا المعنى لكن جاء في كتب المولدين تعرف به معدى بالباء وهو مبني على قولك عرفته به إذا جعلته يعرفه على ما يؤخذ من عبارة المصباح. وقد ورد مثل هذا في الإغاني في أخبار عبادل ونسبه وهو قوله فحركت بعيري لأتعرف بهن وأنشدهن. ومثله بعد سطر وفي نفح الطيب في الكلام عن يوسف الدمشقي وكان من الذين أخفاهم الله لا يتعرف به الا من تعرف له أي أظهر له معرفة نفسه ومثله في كلام ابن بطوطة وغيره مما لا حاجة الى استقصائه وفي كل ذلك كلام لا محل له في هذا المقام”.

وقد علق الأستاذ سليم الجندي على كلام اليازجي، كما نقله الأستاذ الدكتور محمد إحسان النص،  بقوله: “وقد قال في التاج: واعترف إليّ: أخبرني باسمه وشأنه، كأنه أعلمه به، وتعرّفت ما عندك: تطلبت حتى عرفت. وقال أيضاً: ائته فاستعرف إليه حتى يعرفك، وفي اللسان: أتيت متنكراً ثم استعرفت، أي عرّفته من أنا، وفي التاج أيضاً تعرّف إليه: جعله يعرفه، واعترف له: وصف نفسه … وأظن أن في هذا ما يعبر به عن المعنى الذي قال إن أصحاب اللغة لا يذكرونه. ”

قل: وضعتُ الماء في سَيْطَل
ولا تقل: وضعتُ الماء في سَطْلٍ

كتب الزبيدي: “ويقولون للإناء المتخذ من الصفر “سَطْل” والصواب “سَيْطَل” على مثال “فَيْعَل”، قال الطرماح يصف ثوراً:

يَقَقُ السَّراة كأنَّ في سَفَلاتِه              أثَرَ النَّئُور جرى عليه الإثْمِدُ

حَبِسَتْ صُهارَتُهُ فَظَلَّ عُثانُهُ             في سَيْطَلٍ كُفِئَتْ له يَتَرَدَّدُ

قال أبو بكر: العثان، الدخان.

قال يعقوب: النئور: شَحمةٌ يُوقَدُ تحتها ويُكفأ عليها طَشتٌ و سَيْطَلٌ فَيَعْلَقُ دخانُهُ بهما، فَيُؤخّذُ ما لَصِقَ من الدهان بالطشت أو السيطل فَيُذَرُّ في مَغْرِزِ الإبرة فيبقى سَوادُهُ ظاهِراً به.

وقال أبو علي في باب “فعائل من الممدود والمقصور”: إن العِلاوَةَ ما يُعلى على الحمل بعد أن يحمل على البعير من سَيْطَلٍ له أو سفرة. …..

وقد روى بعضهم: سَطْل، وقع ذلك في كتاب العين وشعر الطرماح.

قل: كان استرجاع بعض المسترِدَّات مشكوكاً فيه
ولا تقل: كان استرجاع بعض المسترَدَّات مشكوكاً فيه

وكتب عبد الهادي بوطالب: “ويقول البعض مسترِدّات (بكسر الراء)، بينما الفعل استردَّ يسترِدُّ اسْتِرْداداً متعدي ينصب مفعولاً به. نقول: “استردّ عافيتَه” إذا استرجعها. “واستردَّ دَينَه” إذا قبضه من المَدين. “واستردَّ أنفاسَه” إذا استراح بعد تعب.

والْمُسْتَرَدَّات كثيرا ما تطلق في اللغة الحديثة على ما يُستخلَص من الديون. فنقول: كان استرجاع بعض المسترَدَّات مشكوكا فيه.”

قل: سئل عنك الخير
ولا تقل: سأل عنك الخير

كتب الحريري: ويقولون في جواب من قال: سألت عنك: سأل عنك الخير فيستحيل المعنى بإسناد الفعل إليه، لأن الخير إذا سأل عنه فكأنه جاهل به أو متناه عنه، وصواب القول: سئل عنك الخير، أي كان من الملازمة لك والاقتران بك بحيث يسأل عنك.

وكتب أبو الثناء الآلوسي في كتابه “كشف الطرة عن الغرة”: “ويقولون في جواب من يقول سألت عنك سأل عنك الخير، بالبناء للفاعل، وإسناد الفعل إلى الخبر فيستحيل المعنى لان الخير إذا سأل عنه فكأنه جاهل به أو متناء وصواب القول سئل عنك الخير بالبناء للمفعول ،فيفيد الدعاء بان يكون الخير ملازماً للمخاطب ومقترنا به بحيث يسأل عنه من يسأله، وفيه انه لا خطأ فيما يقولون من جهة العربية والتركيب، وهو ظاهر لا يسأل عنه ولا من جهة المعنى كما توهم فإن لكل امرئ ما نوى، ولو جعل كناية عن توجه الخير الأتي إليه، وقصده كان فصيحا ًصحيحاً لان عادة القادم لبلد أن يسأل عمن يريده.”

قل: يشكو من عرق النَّسا
ولا تقل: يشكو من عرق النِّسا

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: “ومما يندرج في هذا الباب من استبدالهم الفتحة بالكسرة، قولهم للعرق الذي يخرج من الورك فيستبطن الفخذ ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر أو القدم ، عرق النسا (بخفض النون )، وهو وهم ظاهر لأن النسا والنساء تعني النسوة، وهو جمع امرأة، والصواب أن يقال عرق النسا (بفتح النون)، ومنه قول لبيد:

من نسا الناشط إذ ثورته ** أو رئيس الأخدريات الأول

ونظيره قول فروة:

لما رأيت ملوك كندة أعرضت ** كالرجل ، خان الرجل عرق نسائها”

وكتب الحنفي: “ومن أوهامهم  الفاضحة قولهم: عِرْقُ النِساء، للمرض المعروف،  يكسرون النون ويمدون الألف. والصواب فتحها وقصر الألف. ذكره الجوهري وصاحب القاموس.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

 

قل ولا تقل / الحلقة الثانية عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: وقع القوم في صَعودٍ وهَبُوط
ولا تقل: وقع القوم في صُعودٍ وهُبُوط

كتب الكسائي: “وتقول وقع القوم في صَعودٍ وهَبُوطٍ وحَدور، مفتوحات الأوائل. وكذلك: السَّحور، سَحور الصائم، والفَطور أيضاً على مثال: فَعُول. قال الله عز وجل: “سأرهقه صَعُودا”. وكذلك الرَّكوب، قال الله تعالى: “فمنها رَكُوبهم”.

وأضاف المحقق: “انظر في ذلك فصيح ثعلب وفي الإفهام: يقال “بين أيدينا صَعود وهَبوط وحَدود وكذلك السَحور والفَطور والوَلوع، بفتح أوائل الحروف. وفي العلائي: “والصَّعود بفتح الصاد هو الإسم والصُّعود بضمها هو المصدر”.

قل: قد وعَدْتُ فلانً خيراً
ولا تقل: قد أوعَدْتُ فلانً خيراً

كتب الكسائي: “وتقول: قد وعَدْتُ فلانً خيراً، ووعدته شَرَّاً بغير الف. قال الله تعالى: “إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم”.

فاذا لم تُظهر الخير والشر وأردت الوعيد قلت: قد أوعدته.

قال كعب بن زهير بن أبي سلمى من قصيدة يمدح فيها رسول الله (ص):

أُنبئْتُ أنَّ رسولَ الله أوْعَدَني            والعفوُ عند رسولِ الله مأمُولُ”

قل: كَسَب فلان مالاً
ولا تقل: كَسِب فلان مالاً

كتب مصطفى جواد: “لأنه من باب “ضرب”، تقول: كَسَبت مالاً أكسَبُه كَسباً وكِسباً ومكسباً، والمصدر الأخير على القياس، ولم يسمع عن العرب “كَسِبَ فلان” بكسر السين. ثم انه ليس من أفعال التغيير والألوان حتى يُسوِّغه القياس فالتغيير مثل “فرح وعطش وعمي وسكر وعرج” والألوان مثل “صفر وزرق وسود” وهو قليل الإستعمال في لغة العرب لأن العرب تفضل الخماسي على الثلاثي تقول: “اصفرّ وازرقَّ واسودَّ” وهلم جرا.”

قل: إذا لَقٌوا أصحابهم
ولا تقل: إذا لَقَوا أصحابهم

وكتب عبد الهادي بوطالب: “تختلف الألسنة في النطق بفعل لقِيَ (بكسر القاف) وفعل الْتقَى (بفتح القاف) في صيغة الجمع بواو المذكر فيقال لَقَوْا والْتَقُوا والصحيح العكس وهو لَقُوا والْتَقَوْا.

فعل لقِي تُقلَب ياؤه مع الواو ويُضَمُّ القاف: وفي القرآن الكريم: “وإذا لقُوا الذين آمنوا قالوا آمنا”.

أما فعل الْتقَى (بفتح القاف) فلا تتغير فتحته مع واو الجمع فنقول: “الطلبة الْتَقَوْا مع أستاذهم”.

وقد فصَّلت كتبُ النحو القواعدَ الضابطة لاستعمال الفعل المعتلِ آخرُه فلْيرجع إليها من يريد معرفتها.”

قل: انقطع عن الدراسة بتَعِلَّة رُسوبه في الامتحان
ولا تقل: انقطع عن الدراسة بذريعة رُسوبه في الامتحان

وكتب عبد الهادي بوطالب: “وفي اللغة العربية كلمتان للدلالة على حقيقة طبيعة ما ينسب إلى الغير. ويفهم منهما معناهما الدال على التستر وراء الأعذار الواهية لتبرير عمل لا يقبل التبرير.

كأن نقول: “قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينيا بذريعة أنه كان يُحضِّر لتفجير”. أو نقول: بتَعِلَّة أنه كان يُحضِّر لتفجير.

والذريعة في اللغة هي سبب يُلجَأ إليه للتملص من المسؤولية. فنقول: “قال إنه إنما سرق بذريعة شدة الحاجة”. وقال: “إن حكم القضاء عليه كان خطأ بذريعة أنه مظلوم”. و”انقطع عن الدراسة بذريعة رُسوبه في الامتحان”.

ولو وضعنا مكان كلمة الذّريعة كلمة “بتعِلَّة” لاستقام الكلام. فالتعِلَّة في اللغة هي الجهْد في البحث عن علةٍ ما لتبرير أمر. وفِعْلُ تَعلَّل بالشيء يعني أن العِلّة أو السبب الذي يُجهد المرء نفسَه لتقديمهما غير مؤكدَيْن أو غير صحيحَيْن: “تعلّل التلميذ بالمرض لتبرير غيابه عن المدرسة.” انتهى

لا بد من التوقف هنا للتعليق عل عبارتين وردتا في ما كتبه بو طالب في هذا الباب مما سبق لنا أن نقلناه في هذا المسلسل. وهما “الغير” و “تبرير”.

فقد نقلنا في الحلقة الحادية عشرة ما كتبه مصطفى جواد ونعيده هنا لأهميته:

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “الباء والراء في المضاعف أربعة اصول: الصدق وحكاية صوت وخلاف البحر ونبت، فأما الصدق فقولهم: صدق فلان وبرَّ وبرَّت يمينه: صدقت، وأبرّها أمضاها على الصدق وتقول برَّ الله حجك وأبرّه وحِجة مبرورة أي قبلت قبول العمل الصادق، ومن ذلك قولهم: يبر ربه أي يعطيه وهو من الصدق، قال:

لا همَّ لولا أن بكراً دونكا         يبرّك الناس ويفجرونكا

…. وقولهم للجواد السابق (المبرّ) هو من هذا، لأنه إذا جرى صدق وإذا حمل صدق، قال ابن الأعرابي: سألت اعرابياً هل تعرف الجواد المبر من البطيء المقرف؟ قال: نعم…. وأصل الإبرار ما ذكرناه من القهر والغلبة ومرجعه الضر، قال طرفة:

يكشفون الضر عن ذي ضرهم          ويبرون على الأبي المبر

ومن هذا الباب قولهم: “يبر ذا قرابته وأصله الصدق في المحبة، يقال رجل بارّ وبرّ وبررت والدي وبررت في يميني، وأبرّ الرجل ولد أولاداً أبراراً”.

وفي كل ما ذكر ابن فارس لم نر إلا “بر” الثلاثي  و “أبرّ ابراراً” الرباعي، وفتشنا الصحاح للجوهري فلم نجد فيه “برّره تبريراً” وذكر الراغب الأصبهاني في غريب القرآن الفعل الثلاثي حسب وقوله تعالى: “لا ينهاكم عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم” وقال “حج مبرور أي مقبول”. ولم يذكر الزمخشري في أساس البلاغة من الأفعال إلا الثلاثي والرباعي “أبرّ ابراراً” وكذلك المطرزي في المغرب والفيومي في المصباح المنير والمبارك بن الأثير في النهاية وإبن مكرم الأنصاري في لسان العرب والفيروزأبادي في القاموس والطريحي في مجمع البحرين وأحمد شدياق في كتابه “سر الليال في القلب والإبدال” ص 136.

وأنا أجيز “برّره يُبرّره تبريراً” لغير ذلك المعنى. أجيزه للبشر. فنقل الفعل الثلاثي اللازم الى الرباعي المضعف العين لإفادة نسبة المفعول الى أصل معنى قياسي عندي.  تقول: بخلّه أي نسبه للبخل، وبدّعه أي نسبه الى البدعة،  وبرّأه أي نسبه الى البراءة، وجرّمه اي نسبه الى الجرم، وجوّره أي نسبه الى الجور، حمّقه أي نسبه الى الحمق، وخطّأه أي نسبه الى الخطأ، وخوّنه أي نسبه الى الخيانة وخوّره أي نسبه الى الخور، وزكّاه أي نسبه الى الزكاة، وزنّاه أي نسبه الى الزنا، وسفهه أي نسبه الى السفاهة، وصدّقه أي نسبه الى الصدق، وضلّله أي نسبه الى الضلال، وظلّمه أي نسبه الى الظلم، وعدّله أي نسبه الى العدل، وعقّله أي عده عاقلاً وغلّطه اي نسبه الى الغلط، وفجّره أي نسبه الى الفجور وقدّسه أي نسبه الى القدس وكفّره أي  نسبه الى الكفر، فهذه واحد وعشرون من الضرب المذكور خطرت ببالي عند ذكري هذا الإشتقاق القياسي وليست العربية خلية من أفعال غيرها جاءت لهذا المعنى العام الخاص بالبشر.

فالصواب أن يقال: أبرّ الشيء يبرّه ابراراً أو سوّغه يُسوِّغه تسويغاً. جاء في مختار الصحاح “وساغ له ما فعل أي جاز وأنا سوغته أي جوزته”.

وفي المصباح المنير “ساغ سوغاً من باب قال: سهل مدخله في الحلق…. ومن هنا قيل: ساغ فعل الشيء بمعنى الإباحة ويتعدى بالتضعيف فيقال: سوّغته أي أبحته”.

أما الخلل في استعمال “الغير” وذلك بادخال “ألـ” على كلمة “غير” فقد أوردناه في الحلقة الحادية والأربعين من هذا المسلسل فمن أراد المزيد أمكنه العودة لتلك الحلقة.

قل: أنت تَكرُم علي
ولا تقل: أنت تُكرَم علي

كتب الحريري:ويقولون: أنت تُكرَم علي بضم التاء وفتح الراء، والصواب فيه تَكرُم، بفتح التاء وضم الراء لأن فعله الماضي كَرُم ومن أصول العربية أن كل ما جاء من الأفعال الماضية على مثال فَعُل بضم العين كان مضارعه على يفعُل ، نحو حَسُن يَحسُن وظَرُف يَظرُف وإنما ضمت عين المستقبل من هذا النوع ولم يخالف فيه بناء الماضي للمحافظة على المعنى الموضوع على هذا المثال، وذلك ان ضمة العين جعلت دليلا على فعل الطبيعة، فلو كسرت أو فتحت، لذهب ذلك المعنى.”

قل: الحوامل يطلقن والحادثات يطرقن
ولا تقل: الحوامل تطلقن والحادثات تطرقن

كتب الحريري: “يقولون: الحوامل تطلقن والحادثات تطرقن، فيغلطون فيه، لأنه لا يجمع في هذا القبيل بين تاء المضارعة والنون، التي هي ضمير الفاعل، ووجه الكلام أن يلفظ فيه بياء المضارعة المعجمة باثنتين من تحت، كما قال الله تعالى: “تكاد السماوات يتفطرن منه” وعلى هذا يقال: الغواني يمزحن والنوق يسرحن

وفيما يحكى أن مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد الراوية كانوا يشربون ذات يوم، ومعهم نديم لهم، فبدرت منه فلتة، فخجل ونهض، ولم يعد إليهم، وغاب أياما عنهم، فكتب إليه مطيع بن إياس:

أمن قلوص غدت لم يؤذها أحد ** إلا تذكرها بالرمل أوطانا

خان العقال لها فانبت إذ نفرت ** وإنما الذنب فيها للذي خانا

أوليتنا منك هجرانا ومقلية ** ولم تزرنا كما قد كنت تغشانا

خفض عليك فما في الناس ذو إبل ** إلا وأينقه يشردن أحيانا”

وقد سبق أن نقلنا ما كتبه بو طالب في هذا الباب وهو هذا:

وكتب عبد الهادي بوطالب: يخطئ من يقول أو يكتب: “النساء تتظاهرن في الشارع” أو “البنات تَتَبرَّجْنَ في الشارع”. والصواب استعمال ياء الغيبة في أول الفعل فنقول يتظاهرن، ويتبرجن، ويتفَوَّقْن على الرجال، لأن التأنيث يوجد في النون المسمى نون النسوة الواقع في آخر الفعل فلا يتكرر التأنيث مرتين. وقد جاء في القرآن الكريم: “والوالدات يُرْضِعْن أولادهن حوْلين كامليْن”.

 قل: قصصته بمقصين
ولا تقل: قصصته بمقص

كتب الحريري: ويقولون: قرضته بالمقراض، وقصصته بالمقص، فيوهمون فيه، كما وهم بعض المحدثين حين قال في صفة مزبون بالقيادة، وإن كان قد أبدع في الإجادة :

الق ابن إسحاق تلاقي فتى       ليس كمن عنه بمعتاض

إذا حبيب صد عن إلفه           تيها وأعيا كل رواض

ألف فيما بين شخصيهما          كأنه مسمار مقراض

والصواب أن يقال: مقراضان، ومقصان، وجلمان، لأنهما اثنان. ونظير هذا الوهم قولهم للاثنين: زوج وهو خطأ، لأن الزوج في كلام العرب هو الفرد المزاوج لصاحبه، فأما الاثنان المصطحبان فيقال لهما: زوجان، كما قالوا: عندي زوجان من النعال، أي نعلان، وزوجان من الخفاف، أي خفان، وكذلك يقال للذكر والأنثى من الطير زوجان، كما قال تعالى: “وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى”.

ومما يشهد بأن الزوج يقع على الفرد المزاوج لصاحبه قوله تعالى: “ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين” ثم قال سبحانه في الآية التي تليها: “ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين” فدل التفصيل على أن معنى الزوج الإفراد.

كتب الحريري: ويقولون في تصغير شيء وعين: شوي وعوينة، فيقلبون الياء فيهما واوا، والأفصح أن يقال: شييء وعيينة بإثبات الياء وضم أولهما. وقد جوز كسر أولهما في التصغير من أجل الياء، ليتشاكل الحرف والحركة ومن هذا القبيل قولهم في تصغير ضيعة: ضويعة، وفي تصغير بيت: بوبت، والاختيار فيهما ضييعة وبييت، كما أنشدت للخليل بن أحمد:

إن لم يكن لك جدي         أغناك خل وزيت

أو لم يكن ذا ولا ذا         فكسرة وبييت

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….