الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 5

وعدت في الحلقة السابقة أن أتحدث عن الانتفاضة.
لكن ما يستجد من أحداث يلزم بالتوقف للتعليق عليها، ولو قليلاً، بحكم ارتباطها بصلب موضوع هذه السلسلة.
أمس كنت في حديث مع صديق عزيز أسميه (آخر الناصريين) لم تؤثر في ثباته القومي أحداث سبعين عاماً من الاضطراب السياسي والتغرب الشخصي. فذكر عبارة أتفق معه فيها بالكامل لابد من إعادتها ونشرها بين الناس في وقت يبدو فيه التلوث الإعلامي والتشويش الساذج للأفكار المذهبية البائسة والتي لن تغير نتائج “سقيفة بني ساعدة” ولن تؤثر قيد أنملة في مستقبل الأمة العربية. وفحوى الحديث أنه يجب التنبه إلى أنه ليس كل من يطالب بوقف التدخل الإيراني في العراق هو بالضرورة عميل للصهيونية وليس كل من يطالب بانهاء الاحتلال الصهيوني للعراق هو في جيب إيران. فليس كل من يستنكر قيام الصهيونية باغتيال من تشاء كما تشاء وأنى تشاء عميل لإيران، وليس كل من يستنكر دعم وإسناد إيران للفساد المستشري في العراق عميل للصهيونية. ذلك لأنه ما من احد له الحق في أن يحتكر المبادئ.
إن ما وقع على أرض العراق من اغتيال صهيوني مخالف للقانون العراقي والقانون الدولي وما تبعه من ضرب قاعدة “عين الأسد” في غرب العراق مؤشر مهم ومؤكد لموضوع هذه المقالات في الصراع الإيراني الصهيوني على العراق. ذلك لأنه يجب على كل عربي في العراق أن يفهم أن هناك فرقاً كبيراً بين التعامل مع الإيرانيين وبين التعامل مع الصهاينة. ومن لا يقدر أن يفهم هذه الحقيقة فهو واحد من اثنين. فهو إما ساذج لحد أنه لا ينفع معه الحديث، وإما مغرض، يعرف ويحرف! فالعرب الذين يعيشون في أرض ما بين النهرين يختلفون عن باقي الأمة العربية في أنهم يجاورون من الأقوام غير العربية ما لا يجاوره أولئك. فهم، أي عرب العراق، وحدهم يجاورون الأكراد والفرس والأتراك. وهذه حقيقة فرضتها الجغرافيا والتأريخ وعلى عرب العراق العيش فيها. ولا يمكن لعرب العراق أن يكون لهم موقف واحد وشامل تجاه أي من هذه الشعوب المجاورة. فلا يمكن أن يكون لسنة العراق موقف معاد للفرس لأنهم اليوم شيعة بعد أن كانوا أكثر الشعوب تسنناً. ولا يمكن لشيعة العراق أن يعادوا الأتراك لتسننهم واضطهادهم الشيعة في السابق. ولا يمكن للعرب أن يعادوا الأكراد لأنهم يطمعون في السيطرة على أرض عربية. إن طبيعة الجيرة في كل علاقة هي أنها تقود لخلافات. لكن حقيقة الجيرة تلزم كل الأطراف باللجوء للبحث والحوار من أجل حل الخلاف لا اللجوء للعنف والحرب. هذا هو منطق العلاقة الإنسانية سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أم الدول.
أما الصهيونية فالموقف منها مختلف تماماً عن الموقف من شعوب الأكراد والفرس والأتراك. ذلك لأن العرب لم يختاروا أعدائهم بل الأعداء هم الذين اختاروا عداء العرب. فالعرب لم يغزو أحداً منذ ألف عام. والعرب لم يستوطنوا قارة أمريكا ويقيموا فيها المستعمرات على حساب السكان الأصليين، والعرب لم يقيموا قواعد عسكرية في شمال الجزر البريطانية وووووو… لكن الصهيونية هي التي جاءت قَضَّها بقَضِيضِها منذ مائة عام بشكل سافر فاحتلت أرضنا وخلقت دولة تجدد بها دولة الصليبيين في القرون الغابرة. واستباحت حرماتنا وقتلت ابناءنا واغتصبت نساءنا وسرقت خيراتنا وحين اعترضنا حاصرتنا ثم غزتنا. لقد أجبرتنا الصهيونية على قبول أن وجودها في أرضنا هو نفي لوجودنا. وهذا حال لا يمكن التعايش معه.
وهكذا يصبح عقد أية موازنة بين الخلاف مع جيراننا من شعوب الأكراد والفرس والأتراك والصراع مع الصهيونية مشروعاً صهيونياً.
فنحن نعيش اليوم خلافاً مع إيران لكننا نخوض صراعاً مصيرياً مع الصهيونية.
إن أهم ما نتج عن أحداث الأيام الأخيرة فوق أرض العراق هما أمران يمكن لي أن أشير لهما دون الدخول في أي حديث عن اتفاقيات سرية بين هذا وذلك، وذلك  لقيمتهما في الصراع الدائر على أرضنا.
أولاً: إن دقة الصواريخ الإيرانية الأحد عشر التي أصابت الأهداف في قاعدة “عين الأسد” لها قيمة كبرى لأن تلك الصواريخ هي بيد مقاتلي فلسطين في غزة ومقاتلي حزب الله في لبنان ومقاتلي جيش سورية العربية. وهذه النتيجة تكفي ضماناً لي بقيام سلاح لدى أولئك الذين يواجهون العدو الصهيوني على أرض العرب يمكنهم من خلق حالة من توازن الرعب تمنع العدو من التمادي في العدوان لمعرفته بدقة الرد الممكن. وهذه حالة جديدة في الصراع العربي الصهيوني لم تكن قائمة منذ عام 1948 حيث كان العدو يتمتع دائماً بتفوق نوعي في السلاح. أما أن يكون بيد الذين يواجهون العدو الصهيوني، والذي أثبتوا أنهم يقاتلونه فعلاً، سلاح ردع متكافئ، فإنه يمكن القول بان قواعد الصراع قد تغيرت، ولو جزئياً، لصالحنا.
ثانياً: إن قاعدة جديدة قد سنت في ميزان الهيمنة الصهيونية على العالم. وهذه القاعدة ليست بسيطة في مدلولها ولا يمكن تأويلها بادعاءات ساذجة في قيام تفاهم عليها. فلم يسبق منذ الحرب العالمية الثانية أن قاعدة عسكرية أمريكية ضربت ولم ترد الصهيونية عليها. وهذا لا يعني أن إيران هزمت الصهيونية ولا يعني أن الصهيونية غير قادرة على تدمير إيران. لكنه يعني، بشكل لا يقبل الجدل العبثي، أن قواعد اللعبة الصهيونية في أرضنا قد تغيرت. فقد اصبح الثمن المطلوب لمطلق الحرية للصهيونية باهضاً إلى حد يجعل عليها أن تحسب ألف حساب قبل تصعيد الموقف. وهو وضع يختلف كثيراً عما كان عليه في تسعينيات القرن الماضي حين كانت الطائرات والصواريخ الصهيونية تضرب العراق لمجرد أن قاعدة مقاومة طائرات بسيطة فيه أضاءت راداراتها.
نعود الآن للحديث عن الانتفاضة.
إن حق المواطن، أي مواطن، في التمتع بحياة كريمة آمنة ليس موضع جدل. وهذا يعني أن الدولة مكلفة بتأمين عوامل تحققه. فما الذي تحقق في العراق؟
لن أتحدث عن ما آل اليه العراق قبل استرجاع الكويت ذلك لأن في هذا الحديث عرضاً لتأريخ عقود لا يمكن إنصافه في صفحات. وقد لا يكون اتخاذ عام 1990 بداية للحديث عن الحياة في العراق سليماً لكنه لا بد من القبول من نقطة بداية لأي حديث. ويبدو لي أن استعادة الكويت مرحلة فاصلة يمكن اتخاذها بداية القياس والموازنة. فقد تمكنت حكومة العراق بالرغم من الحرب المدمرة مع إيران أن تضمن حداً أدنى من العيش والذي وإن تدنى عما كان عليه في رفاهية سبعينيات القرن إلا أنه كان مرضياً لحد ما وكان الأمن الفردي للمواطن مؤمناً، هذا إذا استثنينا العنف السياسي الذي كان يلحق بالخصوم السياسيين والذي يبدو أنهم يعتقدون أن تعرضهم للاضطهاد والعنف هو الفيصل في تأريخ العراق وهو لا يختلف كثيراً عما كتبه خصوم ستالين في مرحلة بناء روسيا الجديدة.
وفتح دخول العراق للكويت، دون أن يكون البعث قد أعد العدة لمواجهة نتائجه، الباب أمام الصهيونية لتنفيذ حلمها القائم منذ عقود وعقود في اجتياح الحدود الشرقية للأمة العربية. ففرضت حصاراً على العراق لم يسبق في تأريخ البشرية أن فرض مثيل له وقد لا يمكن تكراره. ولا يمكن الحديث عن هذا الحصار وأبعاده ونتائجه حيث إن  بعضها يبدو من قبيل الخيال لكنه حقيقة. وإن كنت قد أخرجت، مع شقيقي الدكتور طارق، كتاباً عن حصار الإبادة[1] يعطي صورة عن حجم الإبادة إلا اني لا بد أن أعطي أنموذجاً واحداً لذلك الطغيان.  فكل من يعرف القليل عن مجلس الأمن يعرف أن تشكيلته، التي أقامها الكبار وقنع بها الصغار، هي أن في المجلس خمسة أعضاء دائميين لكل منهم حق النقض وهو الحق الذي يعطل أي مشروع قرار يبحثه المجلس ويبطل دور الأعضاء الأربعة عشر الباقين. وقد يجد المراقب في هذا ظلماً! لكن حصار العراق جعل هذا الظلم يبدو هيناً. فقد قرر مجلس الأمن تشكيل “لجنة المقاطعة” من الأعضاء الخمسة عشر وكلفها مهمة الإشراف على طلبات العراق للاستيراد. وأضاف مجلس الأمن “الموقر” للجنة سلطة لا يمتلكها هو حيث أعطى لكل عضو سلطة رفض طلب استيراد لمادة ما يتقدم بها العراق. أي ان مجلس الأمن أعطى سلطة النقض لكل عضو من الأعضاء الخمسة عشر في قضايا تخص حياة المواطن العراقي اليومية في استيراد حاجاته الأساس دون أن يكون العضو ملزماً بإعطاء أي سبب ودون أن يكون لأي طرف حق الاعتراض على ذلك النقض. وأترك للقارئ أن يحكم بما كانت النتيجة حين كان رأي أي واحد من هؤلاء الخمسة عشر شخصاً لا يخضع لسلطة ولا رادع ولا مساءلة! فقد كان كافياً لممثل بريطانيا على سبيل المثال أن يعترض على طلب استيراد أقلام الرصاص بحجة أن “الكرافيت” فيها يمكن أن يستعمل في المفاعل النووي وهكذا منع تصدير اقلام الرصاص!!
لقد ولد أكثر شباب الانتفاضة في فترة حصار الإبادة ونشأ هؤلاء في ظل الحصار والغزو والاحتلال. وهكذا فإن الشباب الانتفاضة اليوم هم “جيل الحصار والغزو”. وليس سهلاً على المراقب أن يفهم كيف نشأت شخصية هذا الجيل الذي لم يعرف سوى الحرمان والعنف بينما سمحت له ثورة المعلومات الرقمية، والتي مكنته برغم سلبياتها، أن يطلع على ما يدور في العالم وما يتحقق للآخرين وما يحق له أن يطمح فيه. وهو حال لم يتوفر للأجيال التي سبقته. وهذا ما جعل الكثيرين من العراقيين يفاجؤون بشباب في منتصف العقد الثاني من العمر يصرخون في الشوارع أنهم يريدون وطناً.
لقد كان شباب الحصار يحلمون بحقهم في حياة كريمة. وحيث إنهم لم يكن لهم دور في الغزو والاحتلال فإنهم كانوا يترقبون أن تكون الوعود التي قطعها الغازي ومن معه من الخونة الأجراء قد تحمل جديداً ينقلهم من ذل الحصار إلى حياة أفضل. وقد ظلوا يأملون وان كانت قوانين الصهاينة الغزاة قد أوضحت منذ البداية أن هذا الحلم لن يتحقق. فالنظام السياسي الجديد بني على أسس المحاصصة المذهبية والعرقية. وهذه الأسس خلقت واقعاً لم يقم في أحلك فترات الحكم في العراق الحديث لما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أصبح المعيار الوحيد في السلطة هو الانتماء للحزب الديني الشيعي أو الحزب الديني السني أو الحزب القومي الكردي. وأمام هذا المعيار سقطت كل المعايير. فلم يعد مهماً ما تحمله من كفاءة أو مقدرة في ما يتطلبه الواجب. ولم يعد مهماً مدى الإخلاص في أداء الوظيفة التي يحتلها الشخص. ولم يعد الولاء للوطن موضوعاً له مكانته ما دام الولاء “للقبيلة” المذهبية أو العرقية معلناً وقد اتضح ذلك في انهيار الجيش العراقي أمام القاعدة في الموصل!
ولم يتوقف مشروع الغزاة في هدم العراق على التأسيس لنظام المحاصصة الذي ثبت فشله في لبنان بعد سبعين عاماً، بل إنهم زرعوا بذرة الفساد في فتح شهية المحرومين منذ عقود للمال. فاطلقوا حرية “الرشوة” والتي كانت قد بدأت بشكل ناعم في فترة الحصار. وهكذا نمى الفساد من قبول تدريجي إلى وباء عام. وكل من يقبل أن يرشي ويكرر ذلك فإنه يكون مستعداً أن يرتشي هو. وهكذا أصبح جهاز الدولة غارقاً في فساد لا حدود له من موظفين وأمن وقضاة. وأي بلد يصبح كذلك فإنه يصبح عسيراً إصلاحه.
وهذا لم يتحقق إلا لأن الغزاة جاؤوا بالفاسدين من شذاذ أهل العراق، وأغلبهم كانوا خارج العراق، ووضعوهم في مواضع الحكم خدماً لهم في أول فترة الغزو والاحتلال ثم ولاة الأمر بعد ذلك. وحيث إن الناس هم على دين ملوكهم، فإن فساد ولاة الأمر أفسد الناس بأسرع مما كان يعتقد. ولو كان ولاة الأمر صالحين لتعسر إفساد الناس حتى إذا كان الغزاة يعدون لذلك.
وانتظر جيل الحصار والغزو سنة وسنتين وعشر ولم يتغير شيء. وانتهى العراق الذي غدا ينتج أكثر من أربعة ملايين برميل نفط يومياً فيه ربع سكانه يكسبون دولارين في اليوم الواحد في وقت تحول فيه عدد من اللصوص الجدد إلى درجة أثرياء الخليج. وانحط التعليم واختفت الخدمات الصحية وهدمت البنى التحتية. ويكفي التذكير بأن العراق، الذي تمكن عام 1991 برغم الحصار وفي فترة أشهر من إعادة تأهيل 80% من توليد وتوزيع الكهرباء الذي دمرته الصهيونية في عدوانها، لم يتمكن بعد ستة عشر عاماً من “الحكم الديموقراطي” وتوفر المال ورعاية الصهيونية أن يصلح أزمة الكهرباء الخانقة في صيف تصل فيه درجة الحرارة إلى 60 درجة مئوية!
ولا بد من التذكير هنا في أن الصهيونية الغازية للعراق لم تكن مدينة لأحد بشيء فهي بذلك لم تكن ملزمة أن تأتي بأحد ليخدمها في إدارة البلد، إلا إذا كان ذلك العضروط أجيراً أو خادماً أو عميلاً قديماً لها. لذلك فإن كل من برز في المشروع السياسي أو أعطي منصباً بعد عام 2003 كان صهيونياً سواء أجاء من طهران أم من دمشق أم من لندن أم من باريس أم من واشنطون وتوابعها! ولو شئت لسميتهم بأسمائهم لكني لا أريد أن أكرمهم بذلك. إن سبب ما دفعني للتذكير بهذه الحقيقة هو ان الانتفاضة الصادقة والحية أنتجت طبقة جديدة من الخونة خرجوا على وسائل الإعلام وعاظاً للناس ينتقدون الفساد والسلوك وهم يحسبون أن الناس لا يعرفون أنهم شركاء في الخيانة جاؤوا مع المحتل وخرجوا على شركائهم ليس لسبب وطني أو لشعور بالندم والعار وإنما لأنهم لم يحصلوا على ما كانوا يطمعون فيه من غنيمة!
ولعل ما ميز انتفاضة تشرين أنها خرجت من المحافظات ذات الأغلبية الشيعية حيث ليس متوقعاً ان تخرج في شمال العراق الكردي ويمكن فهم سبب عدم خروجها في المحافظات ذات الأغلبية السنية. ولهذا مدلولان أولهما أنها ليست انتفاضة مذهب ضد مذهب مما يقطع الطريق على اتهامها بانها محاولة سنية ضد شيعة العراق فقد يقف في ساحة التحرير في بغداد منتفض من مدينة الثورة أمام جاره في قوات الجيش أو الأمن. وثانيهما ان الظلم والحرمان لا مذهب له والثورة عليهما كذلك لا مذهب لها.
وحيث إن السلطة الحاكمة في العراق هي شيعة في أغلبها فقد ظهرت الانتفاضة وكأنها ضد الفساد الشيعي وحده وهي ليست كذلك لأن الفساد بين السنة والأكراد لا يقل عن ذلك بين الشيعة إلا أن الموقف من الأغلبية هو الذي طغى. وحيث إن الولاء المذهبي لإيران سائد بين الوجوه الشيعية الحاكمة، وان لم تكن كلها في الحقيقة موالية لإيران، فقد بدت الانتفاضة موجهة لإيران. بل كان طبيعياً أن تكون شعارات المنتفضين ضد إيران.
وهنا لا بد من وقفة متفحصة وموضوعية من أجل استخلاص ما إذا كانت إيران هي التي أوجدت النظام السياسي الفاسد في العراق، أو إذا كانت قد دعمته رغم عدم إيجادها له. وإذا لم تكن أياً من الإثنين فما الذي فعلته حيال هذا الوضع.
هذا حديث الحلقة القادمة بإذن الله.

 

عبد الحق العاني

 

[1]  Genocide in Iraq (Vol I), The Case Against The UN Security Council And Member States, Abdul-Haq Al-Ani and Tarik Al-Ani, Clarity Press, Inc., Atalanta, 2012

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 4

انتهيت في الحلقة السابقة للسؤال عن سبب فشل إيران في العراق. لكنه لا بد  لي قبل الدخول في هذا أن أتوقف قليلاً عند ما استجد من حدث تصعيدي خطير في اغتيال الصهيونية لعدد من القادة الإيرانيين والعراقيين قرب مطار بغداد. ويبدو أني بشكل غير مقصود بدأت بكتابة هذه السلسلة، بعد أن أجلتها لمدة عام بسبب انشغالي بمقاضاة أعداء العراق، في وقت يتطلب متابعة مستمرة لإن مستجدات الحدث تكاد تكون يومية.

إن أهم ما يمكن استخلاصه من العدوان العسكري الأخير هو:

أولاً: إن الولايات المتحدة، كما قلت في الحلقات السابقة، ما زالت تحتل العراق وتتصرف فيه كأية قوة محتلة في التأريخ. فهي لا تسأل أحداً عن إذن التحرك فوق أرضه أو سمائه. وهذا يعني كما أسلفت أن أي وضع سياسي في العراق لا قيمة له ما دامت الصهيونية قادرة على ازالة ما لا ترضى عنه بعمل عسكري. والاغتيال الأخير دليل ذلك. ولو كانت إيران تحتل العراق، كما يقول عدد من الجهلة وعدد من المغرضين، لما أمكن لأحد أن يقتل أحد اكبر قادتها على ارض العراق وبطائرات تطير من أرض العراق. وأكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع حيث لن أعود لبحث هذه الحقيقة بعد اليوم. ولن أضيع وقتي في حوار حولها.

ثانياً: إن الصهيونية أرادت أن ترسل رسالة ليس فقط لإيران والعراق ولكن لكل العالم مفادها أنها، أي الصهيونية، تمتلك الحق بالتصرف في اغتيال من تشاء، متى تشاء وأينما تشاء. إن سكوت العالم، وعلى الأخص في أوربا وهي وحدها القادرة اليوم على تحديد الطغيان الصهيوني، أمام هذا السلوك الإجرامي يعني أننا وصلنا لوضع جديد في العلاقات الدولية يستخف بكل قواعد العلاقات الدولية التي اتفق عليها العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي شكلت النظام السياسي الدولي الجديد المحدد بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وهو وضع لا يختلف كثيراً عن وضع العالم عشية الحرب العالمية الثانية وسقوط عصبة الأمم.

ثالثاً: إن دعوى من ينادي بأن ينأى العراق عن دائرة الصراع وتسوية الحسابات يبدو وكأنه طلب من يعيش خارج التأريخ والواقع. ذلك لأن البلد المحتل لا يمكن أن يكون خارج صراعات القوة التي تحتله. وقد أثبت اغتيال قاسم سليماني أنه لا يمكن أن يكون العراق حراً في تحقيق هذا الطلب أذا صدقت نية المطالب بالنأي بالنفس. وهذا كان حال فرنسا بعد أن احتلها هتلر في الحرب العالمية الثانية حيث حسمت الحرب العالمية على ارضها. وحتى لو افترضنا، من باب الجدل، أن العراق دولة مستقلة تمتلك السيادة والقرار فإنه، أي العراق، يظل غير قادر على تحقيق النأي عن الصراع وتسوية الحسابات بين الصهيونية وأعدائها ذلك لوجود القواعد العسكرية المنتشرة فوقه والتي تنطلق منها العلميات العسكرية الصهيونية مما يؤدي بالنتيجة لكونها هي، وبالتبعية أرض العراق، هدف أي رد يأتي من أعداء الصهيونية.

رابعاً: إن الصراع الإيراني الصهيوني على العراق حقيقة وليست مجرد أفكار أنتجها عبد الحق لتسويد صفحات مقال. ذلك لأن اغتيال قاسم سليماني على أرض العراق لا علاقة له بالعراق ومشاكله أو مصلحته. بل هو مطلب صهيوني نادت به إسرائيل لسنوات بسبب مساهمة سليماني في دعم حزب الله في لبنان وسورية العربية مما أضر بالمشروع الصهيوني. وقد ثبت هذه الحقيقة كل من رئيس وزراء إسرائيل والرئيس الأمريكي النزق مما يغلق باب الجدل حولها. فالعراق أصبح ساحة الصراع بين الهيمنة الإيرانية والهيمنة الصهيونية على أرض العرب. وهذه الحقيقة لا علاقة لها أين أقف واين يقف الآخرون من هذا الصراع. إنها حقيقة الواقع الذي يجب أن يفهمه ويقره الجميع عند الحديث عن العراق اليوم. إذ لا يكفي الاستنكار ورفع الشعارات والمطالب. بل يجب أن يكون واضحاً أين يقف كل شخص أو مشروع ولماذا يهدف هذا الموقف.

أعود الآن لمتابعة حديثي عن سبب فشل إيران آخذاً في ذلك الحديث شيئاً مما استجد.

لا بد أن نتذكر أن إيران، والتي كانت سعيدة للتخلص من المشروع القومي العربي في العراق والذي مثله حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق ثلاثة عقود والذي ما كان ليزول لولا الغزو الصهيوني، دخلت العراق عن طريق خدمها من قوات بدر. لكن إيران واجهت الحقائق التالية حين دخلت العراق عن طريق عملائها:

  1. إنها لم يكن لها دور في اختيار أعضاء ما سمي بمجلس الحكم من الخونة الذين اختارتهم الصهيونية والذي سيدخلون تأريخ الخيانة كما دخله إبن العلقمي. ذلك لأن اختيار الصهيونية لعدد ممن كانوا يعيشون في إيران أعضاء في مجلس الخيانة ذلك لم يكن بسبب أهمية إيران في القرار وإنما أولاً لكونهم من الشيعة، وهو عرضي، وثانياً لأنهم كانوا على إتصال بالصهيونية سواء أكان ذلك بعلم إيران وموافقتها أم لا. وهذه العلاقة لهم بالصهيونية اضافت عنصراً جديداً من التعقيد في التعامل مع حقيقة ارتباطهم الصهيوني وشعورهم بالولاء المذهبي لإيران.
  1. إنها، أي إيران، لم يكن لها أي دور في التغيير الشامل الذي أدخله الصهاينة للعراق عن طريق تشريع أكثر من مائة قانون غيرت العراق سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً وعسكرياً حيث أصبح لزاماً على من يعمل في العراق أن يتعامل مع الحدث في ظل ذلك التغيير.
  1. إنها لم يكن لها أي دور في صياغة أو تعديل الدستور الذي كتبه الصهاينة للعراق عام 2005 والذي يدعي عدد من الأميين العراقيين اليوم أنهم شاركوا في صياغته ثم تسود الصفحات وتصرف الساعات في الحوار عما كتب أصلاً وما أدخل عليه من تعديل وكأنه حقاً مشروع عراقي أصيل. فلو ان إيران كان لها دور في صياغة دستور عام 2005 في العراق لاعترضت على عدد من مبادئه ليس لأن تلك المبادئ لا تخدم العراق فحسب بل بسبب أنها تفتح باب المشاكل لإيران. ونكتفي بمثال واحد على ذلك لتقريب الصورة. فلو ان إيران كان لها رأي لاعترضت على قيام عراق اتحادي بين العرب والأكراد. ذلك لأن دعم إيران لعراق اتحادي لا بد أن يفتح أعين وشهية شعوب الأزيريين والعرب والأكراد والبلوش للحديث عن إيران اتحادي وهو ما لا تريده ولا تسمح بالحديث عنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن فهم هذه الحقائق مهم لفهم الواقع الذي وجدت إيران نفسها تعمل فيه حين وضعت أقدامها في العراق عن طريق مجموعة من الجهلة والمتخلفين والأميين، وهو كل ما كان لديها من العراقيين الذين لجؤوا اليها.

كما إنه كان على إيران أن تتعامل مع المرجعية الدينية في النجف ذلك لأنه قد يبدو غريباً لكثير من العرب أن يكتشفوا أن مرجعية النجف ليست على توافق مع مرجعية إيران الدينية. وسبب ذلك يعود لتأريخ المرجعية في النجف ونشوء ولاية الفقيه وصعودها. فمرجعية النجف التي كان تأريخها السياسي يتأرجح في القرن العشرين حتى حسمه محسن الحكيم في الفتوى ضد الشيوعية والتي أظهرت انحياز المرجعية الكامل سياسياً للصهيونية حين كانت ليست ملزمة على الدخول في معركة الإنحيازات والولاءات. وقد تولى أولاد محسن الحكيم قيادة التعاون مع الصهيونية وتوجوه بالمشاركة في الإعداد للغزو ودخول العراق مع الصهاينة.

لكن الوضع في إيران كان مختلفاً ولأسباب عدة ليس هذا مجال الخوض فيها. إلا أن ما يهمنا هنا هو أن الخميني حين بعث نظرية ولاية الفقيه للوجود فإنه ادرك عن يقين أنها لا يمكن لها أن تنتصر ما دامت الصهيونية تتحكم بالمنطقة فكان طبيعياً أن يكون مشروعه لبناء الدولة الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه معاديا للصهيونية. وهكذا كان. وحين ورث علي الخامنئي الولاية فقد وجد نفسه في مواجهة مرجعية السيستاني المهادنة للصهيونية وقد أوجز ذلك الموقف الصعب حين تساءل مرة بقوله إنهم يقولون إنهم يوالون علياً لكنهم لا يتعرضون لأمريكا. وليس صعباً على القارئ أن يفهم ما أراده ومن المقصود!

وهذا الموقف الصعب الذي كان على مرجعية ولاية الفقيه أن تتعامل معه يتضح من حقيقة أن مرجعية ولاية الفقيه ليس لها تقليد ذو قيمة في العراق في الوقت الذي يقدر السيستاني فيه تحريك الملايين كما فعل في الدعوة للتصديق على دستور عام 2005 والذي لو كان الأمر بيد الخامنئي لدعا لرفضه. وهذا يعني بالضرورة أن أغلب جماهير الشيعة في العراق، مهما كان تعاطفهم أو عدمه مع إيران، لم يكونوا في حقيقة الأمر في إمرة الفقيه في إيران بل هم في إمرة مرجعية النجف. وهذه الحقيقة مهمة ويجب ادراكها لمن أراد أن يعرف حقاً ما جرى ويجري في العراق وماذا فعلت إيران أو ماذا كان يجب أن تفعل. فقد دخل العديد من عملاء الصهيونية من الملتحفين بغطاء مظلومية الشيعة من هذا الباب مدعين الولاء لإيران في الوقت الذي كانت فيه أهواؤهم حقا في الجانب المعادي لإيران. ولن أسمي أحداً لكن يكفي أن نلقي نظرة واحدة على أولاء الذين كانوا في الصف الأول من المسؤولين في العراق في أعقاب الغزو وننظر أين انتهى الذين اختفوا منهم عن المسرح السياسي. فهم لم يذهبوا إلى طهران بل تراهم في واشنطون أو لندن أو باريس أو في عاصمة صهيونية أخرى! فإذا كانوا حقاً رجال طهران في العراق فلماذا لم يتقاعدوا في بيت سادتهم الفرس؟

أما أجهزة الدولة الإيرانية فقد كان عليها التعامل مع حقائق جديدة في وجود أجهزة المخابرات الدولية في العراق التي تتحرك بمطلق الحرية. فكان شاغلها الأول هو منع تغلغل هذه الأجهزة في إيران وزعزعة الأمن القلق في أساسه في ظل الحصار الخانق. وهذه الحالة القاهرة قضت بغض النظر عما سواها. ولو أدى ذلك للتعامل مع فاسدين من العراقيين لما كان هناك من ضرر اذا خدم ذلك الأمن القومي الإيراني وحمى ذلك حدود إيران من الاختراق.

وحيث إن العراق لم يكن شيعياً في أغلبيته حيث كان السنة وما زالوا يشكلون قوة حقيقية بينما يشكل الأكراد ليس قوة فحسب بل واقعاً سياسياً أوجده الغزو الأول عام 1991 وشبه الاستقلال الذي تمتعوا به منذ عام 1991 وحى عام 2003. وقد نجح الصهاينة في استغلال هذه الحقائق لإجبار إيران على التعامل كرد فعل وليس مبادرة في أغلب مراحل. فرضخ الإيرانيون لأكراد العراق شريطة عدم قيامهم بتأجيج الشعور بالاستقلال بين أكراد إيران.  فجاز لأكراد العراق الفساد دون أي ضغط إيراني!

فما أن انتهى الصهاينة من تسليح وإطلاق يد الميليشيات الشيعية التي جاءت من إيران بحجة مكافأتها على القتال ضد صدام حسين، كما قال بول بريمر، حتى بدأت بتسليح شباب أهل السنة في الصحوة وما شابهها بحجة حمايتهم من ميليشيات الشيعة! ثم ما لبثت أن بعثت الحياة بتنظيم القاعدة الذي أوجدته في أفغانستان بمال الأعراب لتطلق شذاذ المسلمين من جديد في حرب اساسها اجتثاث الشيعة من المنطقة: حيث لم يرفعوا شعاراً غيره! ولا يخفى على أبسط مراقب أن هدف الصهيونية، من تجميع رجالها القدماء في القاعدة وإعادة تنظيمهم وتمويلهم وتسليحهم ومنحهم ممر العبور من تركيا، كان وما زال من أجل منع قيام محور معاد لإسرائيل يمتد من جبال زغروس حتى الأبيض المتوسط. فالصهيونية ليست سنية ولا شيعية ولا نصرانية وهي تنظر لكل سكان المنطقة من المنظار ذاته من التعالي والاحتقار وليس لها من هدف سوى الهيمنة المطلقة والإذلال وتفعل في سبيل ذلك كل شيء.

هذي ليست سوى نظرة عابرة للحقائق التي وجدت إيران نفسها تتعامل معها في العراق وهي لا تمتلك من مفاتح القوة سوى عدد محدود من الأفراد الذين يمكن لها حقاً الإعتماد عليهم. ولو كان قادة المشروع السياسي الشيعي في العراق في جيب إيران لما وقعوا معاهدات الذل والتي سميت، من باب الاستخفاف بالعقول، معاهدات أمنية منحت الصهيونية كل السلطة وأبقت العراق رهينة لها. فلو كان أي من علاوي أو المالكي أو الجعفري أو العبادي أو المنتفجي في جيب إيران لما انتهى الوضع إلى أن تطير الطائرات الصهيونية من أرض العراق لتقتل قادة إيران على أرض العراق. ثم تنتهي بأن تأمر المنتفجي بأن يحمي سفارتها ومواطنيها!

لكن ما قلته أعلاه لا يجيب على السؤال المشروع، ألا وهو لماذا سمحت إيران للفساد أن يستشري في العراق بالشكل الأسطوري الذي هو عليه اليوم؟ وهو أمر لا يمكن لإيران أن تدعي أنها لم تساهم فيه بالرغم من حقيقة أن الصهيونية هي التي جاءت بالفاسدين وسلمتهم العراق. حيث إنه لا بد لإيران من أن ترد عن سبب فشلها في ردع رجالها عن الانشغال بالفساد وحده دون أية مساهمة أخرى في إدارة الدولة إذا لم نقل المساهمة في البناء والتطوير للدولة التي خرجت من ثلاثة عشر عاماً من الحصار وغزو واحتلال مدمرين.

إن علة الفساد ليست ظاهرة عراقية ولا عربية فهي موجودة في بني الإنسان ويحدد انتشار الفساد النظم والقوانين والأعراف السائدة في أي مجتمع. فبقدر قوة هذه الضوابط يجري التحكم بالفساد. وتتحكم بهذه الضوابط ونموها عوامل معقدة لست أدعي الإحاطة بها وحتى لو كنت فليس هذا موضع بحثها. لكن ما يهمنا هنا هو أن ندرك أن غزو أي بلد يعني إنهاء النظم القائمة في البلد المغزو. ولو أراد الغازي أن يضم الأرض له فإنه كان سيأتي بنظمه لتحل فيها. وقد حل الغزو الصهيوني النظام السياسي والاجتماعي في العراق كما أسلفت القول. ولم يأت، عن قصد، ببديل. فأصبح العراق ساحة مكشوفة لأية قاعدة جديدة في التعامل بين الناس. وحين تكون السلطة العسكرية الحاكمة تتطلع للفوضى تحت سمعها وبصرها، وحين تكون المؤسسة الدينية تتطلع لكسب مالي، وحين تكون الجماهير المحرومة والجائعة بسبب الحصار المدمر تحلم بكسب مالي سهل وحين يكون المتعلمون القادمون من أوربا رسل الانتفاع السريع الذي تعلموه من نظم الدعم المالي المفسدة، فحينها يصبح الفساد سنة وقاعدة التعامل بين الناس لأن كل الأطراف المساهمة راغبة فيه، ولا توجد قوة ضده تردعه أو تحدده!! ولأن أحدا لم يكن معنيا ببناء دولة!

ويبقى السؤال قائماً: ما الذي فعلته إيران لتحديد الفساد الذي أوصل العراق لما هو عليه اليوم؟ فهل حاسبت أحداً من رجالها المسؤولين في العراق المحتل عن الفساد أو حاولت ايقافه؟ وان لم تفعل فلماذا؟ إن الإجابة بأنه كان عليها أن تختار بين الدفاع عن أمنها القومي بأية وسيلة وبين إقامة نظام ولو نصف عادل في العراق ليس مقنعاً. إن التضحية بمستقبل العراق ليس في مصلحة العراق ولا حتى في مصلحة إيران. ولا يمكن لإيران أن تتنصل من المسؤولية. إن كل الشواهد التي يراها مراقب الحدث العراقي في السنوات العشر الماضية يدل على مسؤولية إيران المشتركة مع الصهيونية عن ما جري في العراق وما آل اليه الأمر الذي دفع للانتفاضة……

وهذا حديث الحلقة القادمة.

 

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 3

ماذا فعلت إيران في العراق بعد 2003؟

انتهيت في الجزء السابق بالسؤال: “ما الذي فعلته إيران أمام الوجود الصهيوني المستبيح للعراق؟”
لكني لا بد أن اكتب قليلاً عن ما وصلني من ردود وملاحظات حول ما كتبت في الحلقتين السابقتين.
إن مما شك فيه ان من يكتب لا بد ان يجد بين قرائه من يقف معه ومن يقف ضده ومن يقف متفرجاً ومن يقف مستفيداً. وهذه الحقيقة قائمة في كل وقت ومكان ومن لا يقبلها فليس له أن يكتب أصلاً. فقد وصلني رأي من تابعي إيران من أهلي العراقيين يقول بأنه مع ما تفعله إيران في العراق مهما كان ذلك وكيفما تم. ووصلني رأي من تابعي الصهيونية في العراق يقول بأنه لا خلاص للعراق من إيران إلا على يد الهيمنة الصهيونية المطلقة، وإن كان يسميها بالأمريكية، وكأن هناك فرقاً بين الإثنين! ويذكرني هذا بما كان يقوله عدد من العراقيين قبل غزو 2003 بأنهم مستعدون للتعاون مع مناحيم بيغن للتخلص من صدام حسين، وكان لهم ذلك.
لكن الذي يهمني أكثر من اطلاعي على ما كنت أعرفه عن انقسام أهلي العراقيين المحزن هو ان ما كتبته أثار عدداً من الأسئلة. وهذا الجانب الإيجابي يعني أني أصبت الهدف في دفع حالة التفكر لما كان ولما يمكن أن يكون. لكن القراء الكرام الذين سألوني عن رأيي في الحرب العراقية الإيرانية ودخول الكويت والحصار والغزو إنما يحملونني ما لا يمكن أن أجيب عليه في سلسلة من مقالات قصيرة تحدد معالم الحدث أكثر من تحليله. لأن الإجابة على أسئلة كهذه تعني دراسة سياسية تأريخية لسبعين عاماً للعراق. فلا يمكن إعطاء رأي منصف في صدام حسين دون دراسة وصوله للحكم ولا يمكن دراسة وصوله للحكم دون دراسة المشروع القومي العربي في العراق ولا يمكن دراسة المشروع القومي في العراق دون دراسة الصراع العربي الصهيوني، وهكذا. بل ان دخول صدام حسين للكويت لا يمكن أن يدرس دون الرجوع إلى نهاية القرن التاسع عشر حين تم اقتطاع ميناء العراق العميق على شاطئ الخليج باحتلال بريطانيا لقضاء الكويت، وهو الأمر الذي رفضته كل حكومات العراق، وليس صدام حسين وحده. فإذا خيبت ظن البعض في عدم الرد على هذه الأسئلة فليس ذلك لكسلي ولكنه لعدم مقدرة سلسلة مقالات أن تنصف التأريخ.
لقد شاركت في إعداد أربعة كتب، باللغة الإنكليزية، عن العراق في الأعوام الاثنتي عشرة الماضية، وما زلت أشعر أن هناك الكثير مما لم نقله فكيف لي أن أوفي الأمر حقه في عدد محدود من مقالات! ولا بد أن أكثر من قارئ سوف يسأل: ترى لماذا كتبتم بالإنكليزية؟ والجواب المحزن هو عدم وجود ناشر عربي لكتب عن العراق، إما بسبب الخوف من غضب السعودية التي تتحكم بأكثر دور النشر والتوزيع، كما اكتشفت في مسيرتي في السنوات العشر الماضية، أو بسبب اقتناع الناشر كما ادعى عدد منهم بعدم اهتمام القارئ العربي. وكلاهما أو أي سبب آخر هو مؤشر على بؤس حال هذه الأمة. وقد تمكنا بعد سنوات من إيجاد ناشر لكتابين مترجمين من الأربعة وما زال كتابان عن “الإبادة في العراق” ينتظران الترجمة والنشر إن وجد ناشر.
أعود الآن لمواصلة الحديث حيث انتهيت في الحلقة السابقة.
قلت في الحقلة الأولى إني لن أدخل في عرض للحرب العراقية الإيرانية للأسباب التي بينت. هذا إلى جانب أن ثلاثة من الكتب التي أشرت لها عرضت الحرب في إطار تحليل أسباب الصراع وما آل اليه العراق. لكن المهم هنا هو إدراك أهم الدروس التي خرجت منها إيران من حرب الأعوام الثمانية.  فقد أدركت إيران ما يلي:
  1. إن جيش العراق بعقيدة قومية هو العقبة الكأداء أمام مشروعها في الهيمنة على المنطقة. وكلما ازدادت قوته كلما ازداد خطره في تحجيم مشروع إيران للمنطقة.
  2. إن بوابة الخليج لن تفتح للاستباحة ما دام جيش العراق القومي قائماً.
  3. إن مستقبل إيران لن يؤمن إلا بالاعتماد الكامل على النفس.
وهكذا عملت إيران.
فقد انشغل حكام العرب الذين يمتلكون، بسبب العارض الجغرافي، مصادر الطاقة والمال في أوربا وأمريكا بشراء الفنادق وفرق كرة القدم والبنايات البائسة وسندات الاستثمار، التي لا تساوي الورق المكتوبة عليها إذا شاء رب الدار أن يلغيها. هذا إلى جانب انشغالهم بتأمين حصار العراق!
أما إيران فقد أدركت أثناء الحرب المريرة والحصار الذي كان مفروضاً عليها معنى الحاجة. فأقامت سياسة البناء على قاعدة الاعتماد على النفس للوصول إلى الاكتفاء الذاتي. وهي وان لم تتمكن من تحقيق ذلك كاملاً إلا أنها نجحت بشكل متميز إذا ما قيست بأية دولة في المنطقة إذ تمكنت في ثلاثين عاماً أن تبني اقتصاداً وطنياً نشطاً وصناعة حربية وطنية تغني جيشها عن الحاجة للسلاح أو العتاد كما حدث لها في حرب الأعوام الثمانية. فهي اليوم، دون مبالغة في القول، قوة إقليمية يحسب لها الغرباء عن المنطقة أكثر من حساب.
أما الدرس الثاني الذي تعلمته إيران من الحرب فقد قضى بوجوب حل جيش العراق القومي. وفي هذا اتفقت إيران مع المشروع الصهيوني الذي كان هدفه الأول حل جيش العراق ذلك لأن للصهيونية ثأراً قديماً يقضي بضرورة حل أو هدم كل الجيوش التي حاربت في فلسطين عام 1948.
وحين نتحدث عما فعلته إيران في العراق فلا يمكن أن نفصل ذلك عما فعلته الصهيونية حيث إن إيران لم تكن سيدة الموقف في العراق في أي يوم وبرغم كل ما يقال فإن العراق كان وما زال محتلاً بيد الصهيونية. ويجب فهم هذه الحقيقة عند أية محاولة فهم للدور الإيراني في العراق ومن لا يفهم هذه الحقيقة أو يحاول أن يتجاوزها بالنظر إلى الدور الإيراني بمعزل فإنه يلعب دور الشيطان الأخرس. ولو لم يكن الأمر كذلك فإن الصهيونية ستكون إما جمعية خيرية أو جمعية أغبياء جاءت بابنائها ومالها لتسلم العراق لإيران!
وأول قرارين أصدرهما الصهيوني الأمريكي ورفيقه البريطاني كانا في اجتثاث البعث وحل جيش العراق وكل قوى الأمن والمخابرات. وكلا القرارين كان الهدف الأول للصهيونية في العراق وهو هدفها الآن في سورية. وقد وافقت إيران عليهما للأسباب التي سبق وأوجزت. فحققت إيران جزءاً من هدفها الأكبر دون أن تكون هي المنفذ. وحيث إن العراق كان بيد الصهيونية فإن إيران كان تتحرك بقدر ما يتاح لها وما يمكنها أتباعها من عمله ضمن نطاق الاحتلال الصهيوني الكامل للعراق.
وقد يقول المراقب غير المدقق إن الصهيونية ارتكبت حماقة في حل جيش العراق إذ كان يجب أن تفعل ما فعلته في اليابان وألمانيا بالإبقاء على هيكله الأساس وتغيير القيادات فحسب. لكن الأمر ليس كذلك. فحين كان الهدف من الحرب العالمية الثانية هو الانتصار في الحرب وإخضاع العدو فإن الهدف من غزو العراق كان بداية مشروع رسم خريطة جديدة لأرض العرب. وهذا المشروع يقتضي تشظية وتقسيم المنطقة لطوائف، لكي تسود الصهيونية وهو مما لم يكن عليه الحال في نهاية الحرب العالمية الثانية. وهكذا كان حل الجيش وكتابة دستور العراق الذي ثبت قاعدة ذلك التقسيم والذي جعل من العراق، وهو أصغر من ولاية كاليفورنيا، دولة اتحادية. فتصور الصغار أن جعل العراق دولة اتحادية نقله إلى مصاف الدول العظمى!
ولم تكن الصهيونية مشغولة بموضوع بناء جيش جديد للعراق لأنها كانت معنية بتقسيمه لا بنائه. وهنا تصورت إيران أن بمقدورها أن تضع يدها على مؤسسة جديدة لجيش العراق وتجعل منه جيشاً موالياً لها من حيث تركيبة مذهبية في جوهرها تفتقد لأي انتماء قومي سوى الولاء للمذهب والمرجعية الدينية في أغلب الظروف. وهذا سيحقق لها قيام جيش يمسك بالعراق الذي قسمته الصهيونية دون أن يشكل خطراً محتملاً عليها كما فعل جيش العراق القومي في ثمانينيات القرن الماضي. ولم تخش الصهيونية ذلك فأتاحت لإيران أن تفعل ذلك. حيث إن الصهيونية كانت مدركة أن جيشاً كهذا لا يمكن له أن يفعل شيئاً لأن تسليحه وتدريبه كان بيدها أولاً، وثانياً لأن جيشاً بلا عقيدة ليس سوى جهاز مسلكي لا قيمة له في أي صراع! وقد أثبتت الأحداث صحة ما توقعته الصهيونية فحين ولد تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ابن القاعدة التي بنتها الصهيونية في أفغانستان بمال الأعراب، عجز جيش العراق الجديد عن مواجهتها مما اضطر المرجعية، التي سكتت عن غزو العراق، أن تفتي بالجهاد ضد “داعش”، فكان الحشد الشعبي.
وحيث إني قد أسلفت بأن وجود إيران في العراق كان له هدفان مرتبطان أولهما بالهيمنة على المنطقة بسبب ديني/مذهبي أو بسبب قومي وثانيهما حماية الأمن القومي الإيراني أمام الوجود الصهيوني في العراق، فقد أصبح الشاغل الرئيس لإيران في العراق هو تأمين حدودها الغربية من الاختراق الأمني ومن تحريك الشعور القومي لدى الأقوام المتعددة التي تشكل الخريطة السكانية لدولة إيران. فكان عليهم الاعتماد على العراقيين الذين لجؤوا اليها في العقود الثلاثة التي سبقت الغزو. وهؤلاء في أغلبهم لم يكونوا من أكرم القوم ولا أنظفهم ولا أقدرهم. ذلك لأن العديد من الذين لجؤوا لإيران تركوها لأسباب أهمها عدم احترام الإيرانيين لللاجئين العراقيين. وهم أمر قد لا يصرح به أحد اليوم لكن الذي عاصروا الفترة التي سبقت الغزو على بينة من أمرهم.
 أما العراقيون الذين كانوا في العراق فقد كان الكرام منهم على حذر من ركب قطار الغزو بسرعة. فهم حتى إذا كانوا معادين للبعث فإنهم لم يكونوا مرحبين بغزو أجنبي لوادي الرافدين فليس من إنسان أياً كان لا يعرف ما يعني غزو أرضه. كما ان العقول القادرة هي عقول حرة بطبيعة الأشياء. وهكذا انتهى العراق، بإشراف إيراني، يديره أناس من شذاذ القوم من باحث عن مال أو باحث عن جاه أو باحث عن شرف أو باحث عن شهادة مزورة، حيث لم يجد الإيرانيون يومها غيرهم لإدارة العراق. وكانت الصهيونية مرتاحة لهذا الحال دون أدنى شك ذلك لأنه حقق لها المطلوب في ابقاء العراق ممزقاً عاجزاً مع تحميل تبعية ذلك الفشل لإيران بسبب أتباعها الذين يديرون الأمر وليس تبعية ذلك للصهيونية التي خلقت الحال وأمسكت بكل المفاتيح!
فانتهى العراق، الذي كانت صفة “الرشوة” فيه هي أسوأ ما يمكن أن تطلق على موظف، يحتل آخر السلم في الفساد من بين 180 دولة في العالم لأن “الرشوة” أصبحت سنة في الدولة العراقية الحديثة التي خلقتها الصهيونية ويديرها رجال إيران.
وهنا لابد للمراقب أن يسأل: أترى إن إيران ليست مدركة لما حدث، وانها ستبدو المسؤولة عما يحدث في العراق؟ ولماذا لم تفعل شيئا لمنعه؟ أم هل كانت عاجزة حقا عن فعل شيء لمنع ذلك؟
فقد نقل رامزي كلارك عن أحد قادة القوة الجوية الأمريكية أن دمار 95% من انتاج الطاقة الكهربائية في العراق عام 1991 كان لإجبار العراقيين على ازاحة صدام حسين عن الحكم. وبرغم أن القائد الأمريكي كان كاذباً، والأنكلو ساكسون هم سادة الكذب في العالم، إلا ان نظام البعث نجح في إعادة أكثر من نصف انتاج الكهرباء وشغله وأدامه برغم الحصار مدة اثني عشر عاماً كما فعل في توزيع الحصص التموينية ومنع قيام مجاعة حقيقية في البلد.
فلماذا لم يتمكن الإيرانيون من اعادة الكهرباء للعراق بعد 16 عاما من النظام “الديموقراطي” الذي تدعمه إيران والصهيونية ودون أن يكون له عدو يهدده وينتج أربعة ونصف مليون برميل نفط يومياً؟ فحتى لو افترضنا، وهي ليست فرضية بعيدة عن الصحة، ان الصهيونية لا تريد اعادة الكهرباء للعراق فلماذا لم تتمكن إيران من إقناع رجالها بحل هذه المشكلة الحقيقية؟
وهل ترضى إيران الفقيه، أو إيران الدولة، داخلها بفساد يشبه من قريب او بعيد الفساد السائد في العراق اليوم؟ وإذا لم ترضه فكيف تسكت عن، إن لم نقل تسعى كي تمنع، هذا الفساد الذي نخر الدولة والناس وأفسد علاقاتهم؟
أم ان إيران وصلت لنتيجة مفادها انها أمام خيارين: إما أن تبقي على الفاسدين لتمسك بزمام الأمور أو أن تتخلى عنهم فتفقد العراق؟ فاختارت الأول!
ولا بد للناظر بموضوعية، ومتجنبًا العواطف ما أمكن ذلك، أن يتوقف قليلاً ويتأمل ملياً. فليس من المعقول أن الساسة في إيران لا يدركون هذه الحقائق والنتائج السلبية لما حدث في العراق على مشروعهم وأمنهم القومي بل وحتى على صورتهم في المنطقة اليوم قوة محتلة فاسدة. ولا أشك أنهم مدركون، فقد أثبتت إيران دهاء في سياساتها في التعامل مع أوربا والصهيونية على الصعيد الدولي ولا يمكن أن تكون غبية في فهم واقع المنطقة. وإذا كان هذا الحال فلماذا سمحت إيران بوصول الأمر في العراق لما آل اليه؟
والجواب على هذا السؤال المهم سيكون في الحلقة القادمة ان شاء الله.

 

عبد الحق العاني

 

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 2

الصراع ما بعد 2003

لقد غير غزو الصهيونية للعراق واحتلاله قواعد الصراع وفرض ظروفاً جديدة في المنطقة. وحقيقة غزو العراق أبعد بكثير مما يبدو للعيان وأعمق مما كتب عنه الكتاب أو فهموه. ذلك لأن احتلال ما بين النهرين هو نقطة فاصلة في تأريخ المنطقة كما كان الحال على مد العصور. ولا يمكن للإدعاء بأن إيران ساهمت في، أو ساعدت على، غزو العراق أن يكون ستراً على الجريمة الأكبر وهي أن العرب، كل العرب، شعوباً وحكومات ساهموا في حصار العراق وغزوه واحتلاله. فحصار الإبادة للعراق لإثني عشر عاماً طالبت به الحكومات العربية وساهم فيه المواطن العربي الذي وقف متفرجاً. أما الغزو العسكري والاحتلال فقد انطلق من أرض عربية، لا تركية ولا فارسية!

لقد كان لإيران رغبة في دمار العراق القومي لأنها أدركت وتدرك أن العراق العربي القومي يقف أمام مشروعها الإيراني في التوسع والهيمنة وهذا ينطبق على جناحي السلطة في إيران، ولاية الفقيه والعلمانيين الفرس. وحين اقترب موعد غزو العراق واحتلاله في الحلقة التالية من مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة فإن إيران وجدت في ذلك فرصة لإنهاء المشروع القومي في العراق وبناء قوة موالية لها فيه بانتظار ما ستؤول اليه الأمور. وهكذا كان.

واعتقد كل من الإيراني والصهيوني أنه يستغل الآخر لمشروعه. فقد أرسلت إيران العراقيين الذين دربتهم خلال سنين ليكونوا نواة القوة العسكرية الجديدة بعد الغزو والخراب. أما الصهاينة الذين احتلوا العراق فلم يكن لديهم من الخونة العراقيين الذين جاؤوا معهم ما يمكن أن يشكل نواة قوة عسكرية تمسك بالأرض. كما إن قرار حل الجيش العراقي هو أحد أهداف الغزو الصهيوني الأولى ذلك لأن حل أي جيش عربي هو نصر للصهيونية. لذا فقد وجدوا أن لا بد لهم من الاستعانة بالقوة المدربة والمسلحة القادمة من إيران. وهكذا قام التفاهم على المهادنة في وقت كان يطمع كل طرف أن ينتهي الأمر لصالحه. أي ان الصراع الإيراني الصهيوني على العراق انتقل منذ الأسابيع الأولى للاحتلال ولو جزئياً الى صراع داخل العراق على العراق وليس صراعاً خارج العراق عليه كما كان قبل الغزو.

ولعل من المحزن أن يكتشف دارس التأريخ أن موقف إيران هذا من غزو العراق والذي يجب أن يفهم من جهة هدف إيران في الهيمنة على المنطقة رافقه مؤشر خطير في اكتشاف فشل المشروع القومي العربي في التجذر في العراق حيث كان يجب أن يكون. فقد صمتت المرجعية الشيعية في العراق عن التصدي للغزو والاحتلال، وهو واجب ديني شرعي استندت له المرجعية لاحقاً حين دعت للجهاد ضد الدولة الإسلامية بعد سنوات. ولا بد أن يفهم هذا الصمت على أن المرجعية اعتقدت أن الولاء المذهبي أسبق من الولاء الوطني القومي لأرض العرب، حتى وان لم تكن المرجعية الشيعية في العراق موالية للفقيه.

وصمت شيعة آخرون في أرض العرب، لا أشك في صدق انتمائهم في معركة الصراع مع الصهيونية، وللسبب نفسه كما يبدو. وهو أمر لا يمكن لي أن أقبله ولا أغفره.

فما الذي كشفه الغزو والاحتلال، ونتج عن، مما دعم الصراع على العراق؟

لقد كشف الغزو الصهيوني للعراق الكثير من الخلل في مفهوم الحكم بالحزب الجماهيري والذي ثبت عجزه في النظام الشيوعي في مرحلة متزامنة مما ليس هذا مكان عرضه. لكن أهم نتيجة كشفها الغزو والاحتلال هي أن حزب البعث لم يكن بالقوة والتماسك العقائدي الذي كان قادته يعتقدونه. فقد تهاوى حزب الملايين في أيام وتبين أن أكثر المنتمين اليه كانوا منتفعين لا مؤمنين. أما القلة القليلة التي آمنت بالمشروع القومي فقد أمكن تحييدها أو التخلص منها بسهولة.

فإذا بالعراق يتحول إلى ساحة خالية سرعان ما امتلأت بحركات دينية، كانت حتى وقت قريب وهمية في وجودها وطاقاتها، إلى جانب أجهزة مخابرات عالمية صهيونية في أغلبها وشركات حماية أمنية هي في حقيقتها جيوش سرية تعمل تحت الغطاء الأمني ويمكن تفعيلها في أي وقت لأي هدف تختاره الصهيونية.

وقد ظهر الإسلام السياسي المفلس على حقيقته فهو لا يمتلك أية رؤية لإقامة دولة خارج الشعارات المذهبية التي تحرك غرائز الناس. والشعارات الدينية لا تبني دولة. فقد مضى 16 عاماً على الغزو وثلاث دورات انتخابية ولم أقرأ برنامجاً سياسياً واحداً حتى اليوم لأي حزب عن الدولة المرجوة!

وتبين أن هذه الأحزاب أصبحت عربة يركبها الفاشلون للوصول إلى مناصب في الدولة من أجل الإثراء الفاحش بالفساد والسرقة والرشوة. ولعل من المحزن أني شاهدت عدداً كبيراً من أصدقائي المتعلمين، وهم من الشيعة على الأغلب، يتهافتون لدعم النظام السياسي المذهبي الجديد متناسين ما كانوا يدعون من انتماءات ماركسية أو قومية أو يسارية علمانية. ولا أشك أن أكثرهم اليوم نادمون على ذلك التدافع لدعم النظام السياسي الذي أنشأته الصهيونية في العراق بعد غزو 2003.

وقد وجدت إيران أنها أمام صعوبة كبيرة لا تواجهها الصهيونية في أدارة العراق. وسبب ذلك هو اختلاف هدف الطرفين حول مستقبل العراق. فإيران كانت تريد دولة قوية تحت وصاتيها تؤمن لها حدود أمنها القومي الغربية وتساعدها غلى مد هيمنتها لباقي أرض العرب. أما الصهيونية فكانت تريد دويلة ضعيفة مقسمة استهلاكية، كحال دول مجلس التعاون الخليجي، تعيش في فوضى مادام بالإمكان التحكم بتلك الفوضى وعدم خروج الأمر عن سيطرتها. فدولة الطوائف هي أسهل دولة للتحكم حيث تسعى كل طائفة ضعيفة لاكتساب ود الصهيونية من أجل بقائها باذلة في سبيل ذلك كل ما تملكه من بقية كرامة ان كان لها كرامة في الأصل. وحتى لا يطعنن أحد بهذا الاستنتاج فإني أدعو كل عراقي يريد أن يعرف حقاً ما تريده الصهيونية للعراق أن يقرأ مجموعة القوانين التي اصدرها “بريمر” الرئيس المطلق لما سمي من باب الاستخفاف بنا “سلطة الإئتلاف المؤقتة”. ومن لم يقرأ تلك القوانين بجملتها، بل ان من ليس لديه نسخة منها يمكن له الرجوع لها متى شاء،  فهو ليس مهتماً بالعراق ومستقبله ولا يحق له أن يتحدث عن كل ما يتعلق بالعراق لأن من لم يفهم ما الذي تريده الصهيونية من غزو العراق واحتلاله لا يمكن له أن يفهم ما يحدث اليوم.[1]

أما إيران فلا ينفعها عراق مقسم وضعيف تتنازعه صراعات قومية أو مذهبية لأن ذلك لا بد وأن يمتد لها ويعبث بأمنها القومي بسبب حقيقة تركيب الدولة الإيرانية. لكن الخطر الأكثر مداهمة هو وصول القوات العسكرية الصهيونية إلى الحدود الغربية لإيران. كما أن تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لكل أجهزة المخابرات الدولية وإمكانية عبور منتسبي تلك الأجهزة بسهولة، وعلى الأخص من شمال العراق، إلى داخل إيران شكل وما زال كابوساً دائماً.

وحيث إن الصهيونية هي التي احتلت العراق عام 2003 فان كل فعل جديد في العراق كان لها أما إيران فإن أغلب ما كانت تقوم به هو ردة فعل في عمل يتصدره الشعور بتهديد أمنها القومي. ولا ننسى أن العراق عام 2004 أصبح أكثر تهديداً للأمن القومي الإيراني مما كان عليه عام 2002. فقد قام المحتل الصهيوني للعراق، سواء أوقع اتفاقيات أمنية مع عملائه من الأشخاص، الذين لا يليق بي أن أكرمهم بذكر اسمائهم، أم لم يوقع، بتحويل العراق إلى واحدة من أكبر القواعد في أرض العرب. فالسفارة الأمريكية في بغداد هي أكبر سفارة لأية دولة في العالم من حيث عدد منتسبيها، وأشك ان وزارة الخارجية العراقية تعرف حقاً عدد منتسبيها. أما رجال المخابرات الصهاينة العاملين في العراق، أياً كانت جنسياتهم، فلا يعلم عددهم إلا الله! ثم هناك رجال الشركات الأمنية، وهم في حقيقة الأمر جيش المرتزقة الجاهز للعمل عند الضرورة. وأولاء لا أعتقد أن أية سلطة في العراق تعرف عددهم أو جنسياتهم أو خلفياتهم! وهناك خلايا الموساد التي وصلت كل زاوية في العراق بعد أن كانت قبل عام 2003 محصورة في شمال العراق منذ معركة هندرين في ستينيات القرن الماضي.

وهناك القواعد الأمريكية المنتشرة في كل العراق والتي تتحرك ليس فقط دون إذن من السلطة الوهمية لحكومة بغداد وإنما دون علمها. فحين تحرك رتل من الآليات العسكرية من البصرة حتى الحدود الأردنية لم يسمع بالخبر رئيس الوزراء العراقي الا من وسائل الإعلام الغربية كما سمعنا نحن.

وقد يبدو هذا الاحتلال مخيفاً في أبعاده، لكن الأدهى من كل ذلك هو الهيمنة الجوية الصهيونية المطلقة على سماء العراق. فليس في العراق من مسؤول (إذا صح لنا أن نستعير هذه الكلمة العربية الجميلة) يعرف حقاً ما الذي تمتلكه الصهيونية في العراق من سلاح جوي وأجهزة تجسس واستطلاع وفي أي قاعدة وما إذا كانت الصهيونية قد وضعت سلاحاً نووياً في العراق، ووووو..

إن هذه الحقائق التي أعرفها ولا بد أن إيران تعرفها قبلي، بل وأفضل مني، هي التي تجد إيران أن عليها أن تتعامل معها من أجل حماية أمنها القومي. ولا يصح أن ننسى ونحن نحاسب إيران على ما فعلت في العراق أن إيران لم تأت بالصهاينة للعراق ليصلوا حدودها. وإنما الذين جاؤوا بالصهيونية للمنطقة هم العرب عموماً وشريحة كبيرة من أهلي العراقيين البائسين. وحين أقول هذا فاني لا أحاول أن أجد الأعذار لإيران لكني أرغب في أن يكون التحليل موضوعياً وعقلانياً. ذلك لأن مما ساهم في التدخل الإيراني في العراق هو ان العراق تحول، بفعل ابنائه، إلى ساحة صهيونية على حدود بلاد فارس مما يعرض أمن تلك البلاد للخطر. كما أن الوجود الصهيوني المستبيح لأرض العراق حدد إمكانية المشروع الإيراني من الامتداد غرباً.

سأكتب في الحلقة القادمة “ما الذي فعلته إيران أمام الوجود الصهيوني المستبيح للعراق؟”

عبد الحق العاني

 

[1]  جمعت تشريعات المحتل كلها في كتاب من ثلاثة أجزاء ونشر على موقع أمازون ويمكن الحصول عليه من الرابط التالي:

https://www.amazon.com/s?i=digital-text&rh=p_27%3A%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%82%D8%AA%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&s=relevancerank&text=%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%82%D8%AA%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&ref=dp_byline_sr_ebooks_1

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 1

خلفية تأريخية

لا بد من البدء بتعريف العراق. ذلك أني حين أشير للعراق فلست أعني العراق بحدوده السياسية التي رسمها الإحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى. وقد يظن القارئ أن هذا أمر ثانوي لكنه ليس كذلك لأن جذور الصراع وما آل اليه الحال ساهمت حدود العراق المصطنعة في تكوينه. فالعراق الجغرافي والسياسي هو بلاد ما بين النهرين. وحين نرجع للتأريخ المدون نجد أن هذه الأرض بدأت دولة كبرى (امبراطورية) سكنها الساميون باختلاف قبائلهم. وحيث إن الإمبرطورية لا ترسم حدوداً سياسية فان دول ما بين النهرين امتدت بشكل طبيعي بين منبع الفراتين (الفرات ودجلة) حتى نهاية الخليج كما يقتضي الحال لمنابع الأنهار أن تنتهي في عمق بحارها من أجل تجارتها وتوسعها. وذلك كله قبل أن يصل الأتراك أو الأكراد للمنطقة. وحين اصبحت بغداد عاصمة الدولة العربية الإسلامية (العباسية) فقد كان العراق السياسي كذلك دون حدود لعدم وجود حاجة لذلك. فالأتراك كانوا قبائل مشتتة ومتخلفة أما الخليج فلم يكن مسكوناً إلا بعدد من الأعراب البائسين الذين كان يشرفهم أن يكونوا من رعايا امبراطورية بغداد. وحين ورثت الدول العثمانية عراق العباسيين بحجة كونها خلافة اسلامية تحافظ على دين محمد، وإن لم تفعل أياً من ذلك، فقد كان العراق السياسي في تعريف الدولة يتكون من ثلاث ولايات هي الموصل وبغداد والبصرة. وكي نعرف ما هي حدود العراق السياسي حتى عام 1913 فما علينا سوى أن نطلع على التقسيم الإداري كما هو محفوظ في وثائق الدولة العثمانية. ويهمنا هنا ولاية البصرة وليس بغداد والموصل لأسباب واضحة. وقد ورد التقسم الإداري لولاية البصرة كما يلي:

التقسم الإداري لولاية البصرة عام 1913

تنقسم ولاية البصرة الى أربعة ألوية ويشكل كل لواء الأقضية المبينة أدناه:

لواء البصرة: (قضاء البصرة، قضاء القرنة، قضاء الفاو، قضاء الكويت)
لواء المنتفك: (قضاء الناصرية، قضاء المنتفك، قضاء الحي، قضاء سوق الشيوخ)
لواء العمارة: (قضاء العمارة، قضاء المجر الكبير، قضاء علي الغربي)
لواء نجد: (قضاء الهفوف، قضاء القطيف، قضاء قطر، قضاء الرياض)

وقد جاء في كتاب “خير الكلام في التقصي عن أغلاط العوام” وهو من كتب اللغة العربية لعلي بن بالي القسطنطيني الحنفي المتوفى سنة 992 هـ ما نصه ” قال الصقلي: مما يشكل قولهم: عُمَان، بضم العين وتخفيف الميم: بلد على شاطيء البحر بين البصرة وعدن.” وهذا النص الوارد في كتاب من كتب العربية يثبت لنا أن ما كان معروفاً في القرن العاشر الهجري أنه لم يكن بين البصرة وعدن سوى عمان. وهو ما يبدو كان الحال حتى عام 1913، أي أن ولاية البصرة كانت تنتهي في حدود دولة عمان. وهذه هي حدود العراق الجنوبية الجغرافية والسياسية والتأريخية وهكذا يجب أن تكون وستكون!

هذا هو جنوب العراق السياسي الذي كان. ولا يغير ذلك اي تدخل أجنبي رسم حدوداً تتفق مع مصالحه. فقد جاء الصليبيون ومكثوا 200 عام وغيروا وبدلوا وحين رحلوا عاد كل شيء لما فرضه التأريخ. إن من لا يفهم هذه الحقائق عن العراق السياسي ويعتقد أن القانون مطابق  للمشروع الصهيوني في المنطقة يعيش خارج التأريخ أما الذي يعيش حقائق الأمور فهو ليس “من العالقين في الماضي” كما وصفهم أحد المسؤلين في الخليج وانما يعيش على وفق قواعد التأريخ والسياسة والقانون!

وكانت هذه الأرض من اقدم ما استوطن. وهذا الإستيطان أدى بدوره لنشوء حضارات متعاقبة قدمت للعالم ما لا حاجة للتذكير به. لكن هذا الخير الذي منحه الفراتان أدى كذلك لتصارع الغرباء على العراق في مد العصور. وبرغم ان خصب الأرض لم يعد سبب الطمع في أرض العراق وبرغم أن النفط لم يعد السبب الرئيس، إلا أن العراق ظل مطلب الغزاة كلما سنحت الفرصة بذلك.

وهناك اسباب مادية وغير مادية لهذا الطمع في الهيمنة على العراق ليس هنا مكان عرضها ومحاولة فهمها، اذا افترضنا امكانية ذلك، لكن يكفي في نظرة سريعة أن نفهم بعضاً من سبب تعلق كثيرين من أهل الأرض بالعراق. فتأريخ اليهود في العراق لأنهم عاشوا فيه آلاف السنين وكتبوا التلمود فيه. وتأريخ النصارى في العراق أعرق من غيره حيث كانت الكنيسة النسطورية من أقدم الكنائس. أما الإسلام فارتباطه بالعراق أعمق من أي أرض بعد المدينة ذلك لأن الفقه الإسلامي أغلبه ولد في العراق فالفقه السني عراقي والفقه الجعفري عراقي والفقه الأباضي عراقي والباطنية عراقية والتصوف عراقي، وما من معتقد في الإسلام الا وله جذر عراقي.

أما طمع أوربا بالعراق (وأعني بأوربا القارة وما ولد عنها من استيطان أوربي في قارتي أمريكا واستراليا) فله سبب يتجاوز المادة والجغرافية. إنها عقدة النقص التي يحس بها الأوربي الذي يعتقد يقيناً بتفوقه الحضاري علينا لكنه يشعر بالنقص في أن دينه، بل ربه الذي يقتدي به، هو واحد منا ومن أرضنا. لذلك اعتقد أن له الحق في هذه الأرض، حتى قبل التقنية والثورة الصناعية وآلة الحرب المدمرة الجديدة، فجاء بالغزو الصليبي واستوطن.

وقد صور الكاتب الفنزويلي “فرناندو بايس” طمع أو حقد أو كراهية الأوربي الظاهر أو الباطن لنا حين كتب بعد غزو عام 2003: “إنها لمفارقة حقا أن يأتي مخترع الكتاب الإلكتروني الى بلاد ما بين النهرين، حيث ولدت الكتب والتأريخ والحضارة، كي يدمرها”.

إن الوضيع الفريد للعراق أنتج حقيقة تأريخية فريدة في المنطقة. تلك هي ان العراق في كل تأريخه إما مركز دولة عظمى “امبراطورية” تمتد سيطرتها لمساحات أكبر بعشرات المرات من حجمها، كما أسلفت، وإما دولة مستباحة في زاوية من زوايا امبراطورية محتلة. ولم يكن بين هذين الحالين بديل لوضع مستقر أو طويل الأمد. فالعراق كان سومرياً أو أكدياً أو آشورياً أو بابلياً أو عباسياً في امبراطورياته. وكان فارسياً أو عثمانياً أو بريطانياً أو صهيونياً في امبراطوريات المحتل. ولم يكن بينها في الفترات القصيرة سوى بلد صغير ضائع تحت وصاية خارجية ويبحث عن مخرج لم يستقر له حال فيها.

وقد أنتج هذا العنف التأريخي حالة فريدة أخرى في المنطقة مفادها أنه لا يمكن أن تقوم بين جبال زغروس والبحر الأبيض المتوسط قوتان. أي يجب أن تهيمن قوة واحدة على هذه المنطقة فاذا وجدت قوتان فانهما سوف تتصارعان حتى يحسم الصراع لإحديهما. وهذا يعني أن العراق هو ساحة ذلك الصراع بين تلكما القوتين اذا لم يكن هو مقر القوة الضاربة في المنطقة. فحين قامت الإمبراطورية الفارسية على حدود الإمبراطورية الرومانية فقد اتفقا على تقاسم المنطقة فكان العراق للفرس وكانت بلاد الشام للروم. وحين ورث العثمانيون بيزنطة فإنهم تقاتلوا مع الفرس على المنطقة فملوكها أكثر الوقت وان كان العراق قد وقع بيد الصفويين لوقت قصير نسبياً في ذلك الصراع لكنه ظل مع ذلك ساحة الصراع دون أن يكون لأهله أي دور في مصيره.

وبعد أن أنهك العثمانيون الجهلة العراق، سلبوه لغته وتراثه وساقوا ابناءه للموت في حروبهم البائسة، جاءت الصهيونية للمنطقة بشكل سافر وتمثلت أول الأمر بالإحتلال البريطاني للعراق عام 1916. فحكم الصهاينة البريطانيون العراق مباشرة لمدة ثم تحكموا بمصيره لعقود بعدها، أي ان العراق ظل تحت مظلة الإمبراطورية البريطانية أثناء ما سمي بالحكم الوطني. لكن الإمبراطورية البريطانية كانت قد وصلت مرحلة الشيخوخة كما يحدث لأية امبراطورية. وتقضي قواعد التأريخ أنه حين تشيب الإمبراطورية فإن من كان تحت هيمنتها سوف يكتسب الحرية وان كان بشكل تدريجي. لكن الحال اختلف هنا. فقد مدت الصهونية التي ولدت في لندن يدها لتتحكم بسوق المال في نيويورك وترتب على ذلك التحكم بالولايات المتحدة الوريث الأنكلو ساكسوني للإمبراطورية البريطانية. على أن هذا الإنتقال لم يقد لفقدان بريطانيا دورها بالكامل في العراق، فقارئ التاريخ والباحث فيه سيجد أن كلاً من حرب 1991 وغزو العراق عام 2003 كان بدفع من لندن أكثر منه بدفع واشنطون!

وتمكنت الصهيونية العالمية من تأسيس قاعدة ثابتة لها عند نهاية الحرب العالمية الثانية في خلق دولة اسرائيل، دولة أوربية ثابتة تستبد وتبتز، مخففة بذلك الحاجة الى نقل الجيوش والأساطيل في المستقبل للهيمنة على المنطقة بشكل مستمر. لكن اسرائيل واجهت حقيقة الصراع التاريخي على المنطقة والذي عرضته أعلاه مع دولة ايران الصاعدة. فكما بينت أعلاه لا يمكن قيام دولتين قويتين بين جبال زغروس والأبيض المتوسط فانه لا بد من قيام صراع بين اسرائيل وايران على المنطقة.

وحين كانت ايران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي فان ولاء هذا الأخير للصهيونية خفف من الإحتكاك وان كانت لديه شخصياً أحلام بعودة مجد فارس كما تجلى في الإحتفال الشهير في تشرين الأول عام 1971 بمرور 2500 عام على انشاء مملكة فارس القديمة. لكن هذا الحال تغير بعد رحيل الشاه وسقوط نظامه وقيام الجمهورية الإسلامية. وهذا التغير في ايران قاد لمرحلة جديدة من الصراع المفتوح.

ولن أدخل في أي عرض للحرب العراقية الإيرانية وكيف لعبت هذه الحرب دوراً خطيراً في تطوير الصراع  في المنطقة وان كان هذا مهماً جداً لكن الخوض فيه سوف يبعدنا كثيرا عما نحن فيه من حقائق تقتضي التعامل معها كما هي. إلا أن هذا لا يعني عدم عرض حقيقة الدولة الإيرانية اليوم وهدف الصراع مع الصهيونية على المنطقة.

فالجمهورية الإسلامية في ايران اليوم دولة ذات تركيبة سياسية معقدة ومختلفه كثيراً عن جيرانها وهذا نتاج أربعين عاماً من بناء بدأت بثماني سنوات من حرب طاحنة. وولد عن كل ذلك ظهور قوتين في إيران احداهما تتبع الفقيه وخلفها حرس الثورة والثانية تضم رجال الدين وغيرهم مما لا يتبع ولاية الفقيه وكان يقف على رأس هذه المجموعة هاشمي رفسنجاني. ويتضح تعايش المجموعتين من حقيقة أن رفسنجاني ظل طيلة الفترة في موقعه القيادي برغم خلافه الواضح والعلني أحيانا مع الفقيه. كما إن كلاً من رؤساء الجمهورية السابق محمد خاتمي والحالي الشيخ روحاني هم من أتباعه ومؤيديه. فما الذي يجمع الإثنين وما الذي يفرقهم؟

إن ما يجمع الإثنين هو مصلحة ايران. فالفقيه يرى ان الإيرانيين هم أقدر على قيادة العالم الإسلامي لفشل العرب في تلك المهمة وهذا يعني ضرورة مد الهيمنة الفارسية على العراق وما بعده من بلاد الشام وجزيرة العرب لا من باب الرياء والكذب وانما لقناعته وايمانه بذلك. وقد لا تتفق معه لكنه على يقين وبينة من أمره. أما جماعة رفسنجاني فهم لا يؤمنون بالواجب الديني الذي يدعوهم لقيادة المسلمين لكنهم يعتقدون بسمو الفرس على من حولهم وهم بهذا مكلفين في الهيمنة على المنطقة. وهكذا فبرغم اختلاف النية والهدف الا أن الطرفين متفقان على ضرورة الهيمنة على المنطقة. ولا بد من ملاحظة حقيقة مهمة هنا وهي ان القوى التي تتصارع في ايران سواء أكانت خلف الفقيه أم لم تكن خلفه هي في جوهرها وطنية من حيث انها تخدم مصالح ايران. لذلك وجدت الصهيونية صعوبة في أن تخترق المؤسسة الحاكمة في ايران بينما نجحت بسهولة في عدد من الدول العربية والتي لم يكن الصراع الداخلي فيها صراعا وطنيا.

وللحديث صلة..

سنتابع في الحلقة التالية كيف تطور الصراع على العراق بعد 2003

 

لأن سورية هي آخر خندق عربي فإني أكتب لها!

الإتحاد الأوربي وسورية والحصار

لن أكتب اليوم عن مجلس الأمن الدولي وقرارته التي تستخف بميثاق الأمم المتحدة وتعول على بؤسنا وعجزنا عن الرد حتى في حقل القانون اذا كان عجزنا في حقل القوة لا يحتاج لبرهان.

لكني أكتب اليوم، وبايجاز، عن الحصار الإقتصادي الذي فرضه الإتحاد الأوربي على سورية بحجة كونه مطابقاً لقرارات مجلس الأمن الدولي.

وأول ما يجب التذكير به هو ان الحصار اذا فرض على بلد فانه يشمل شعب ذلك البلد. وتعريض أي شعب أو مجموعة محددة من شعب لأذى جسدي أو نفسي هو جريمة إبادة على وفق تعريفها في القانون الدولي. والحصار، اذا شئت، هو جريمة ضد الإنسانية وهو جريمة إرهاب. وهذا كله ثابت ومتفق عليه بين دول العالم وأقرت به المحاكم الدولية. واكتفي بهذا القدر من التذكير هنا.

وما ينتج عن هذا التذكير هو أن ما يرتكب بحق شعب سورية الثابت والصابر هو جريمة سبق أن تعرض لها شعب العراق، الأبي يومها، لإثني عشر عاماً!

وقبل أن يطلع البائسون من ابناء هذه الأمة ليصرخوا: أين الضمير العالمي؟ أين منظمات حقوق الإنسان العالمي؟ أين… أين… أين؟

لا بد أن نسأل أين العرب الذين سكتوا عن الإبادة بحق شعب العراق ويسكتون اليوم عن ابادة شعب سورية؟

إن منظمات حقوق الإنسان الأوربية، اذا صدقت في نياتها، فهي أكثر استعداداً في تبني قضايا حقوق الإنسان في دوائر تحركها وقد تدعم مطالب تتعلق بخرق حقوق الإنسان خارج أوربا لكنها تحتاج أولاً لمن يحرك تلك الشكاوى في تلك المناطق المتضررة.

فما الذي فعله العربي عامة والسوري خاصة في التصدي لحصار الإبادة المجرم بحق شعب سورية؟

أتوقف هنا لأسوق خبراً لا أظن أن كثيراً من العرب قد سمعوا به وذلك لعلاقته بما أكتب عنه. قام الإتحاد الأوربي (وأعني به مفوضية الإتحاد الأوربي) باصدار قوائم عديدة بحجز أموال عدد من الذين أشارت الولايات المتحدة على أنهم يمولون تنظيم القاعدة وسارع مجلس الأمن الدولي، والذي يعمل في خدمة الصيهونية العالمية، لقبول هذا القرار وتبعه الإتحاد الأوربي.

قام أحد الأغنياء من شعب جزيرة العرب ممن حجزت أمواله بطلب استشارة قانونية. فاشير عليه في أن يرفع دعوى أمام المحكمة الأوربية ضد الإتحاد الأوربي بتهمة خرق حقوقه الأساس التي حماها ميثاق حقوق الإنسان الأوربي.

وحين سمعت المحكمة الأوربية القضية فانها قضت بحقه في الطعن بقرار مفوضية الإتحاد الأوربي بحجز أمواله. وحين استأنفت المفوضية ذلك الحكم وقف مع طلب الإستئناف تسع دول من دول الإتحاد الأوربي كما يتوقع المراقب. لكن الإستئناف رد.

واصدرت المحكمة الأوربية حكماً قد يكون من أكثر الأحكام التي صدرت في محكمة لها صفة دولية منذ الحرب العالمية الثانية أهمية وخطورة، ليس فقط من حيث قيمته القانونية ولكن بسبب أن أحكام المحكمة الأوربية ملزمة وقاطعة في ثماني وعشرين دولة أوربية!

وأهم ما جاء في الحكم هو أن قرارات مجلس الأمن اذا عرضت على ميثاق حقوق الإنسان الأوربي ووجد أنها معارضة لمبادئ الميثاق فانها تصبح غير ملزمة لأحد بل ويصبح الإلتزام بذلك القرار خرقاً للقانون الأوربي.

وقيمة هذا القرار هو أنها المرة الأولى التي تصدر فيها محكمة دولية حكماً يجيز الطعن بقرارات مجلس الأمن الدولي. فقد عودتنا المحاكم الوطنية بل وحتى محكمة العدل الدولية على أن قرارات مجلس الأمن لا تخضع لأية مراجعة قانونية.

والذي حدث هو أن أموال ابن جزيرة العرب أطلقت ورفع الحجز عنها وتبعه العشرات من الذين حجزت أموالهم.

فهل يعقل أن مواطناً واحداً من ابناء جزيرة العرب أثاره حجز ماله كي يلجأ للقضاء فينال حقه، ولا يتحرك سوري واحد للمقاضاة أمام المحكمة الأوربية ضد الإتحاد الأوربي الذي يعتدي على حقه في الحياة خلافاً لقانونه الذي شرعه هو وأعلن مراراً أنه يلتزم به؟

ترى هل المال عندنا أعز من الحياة؟

 

عبد الحق

 

كيف تدفع روسيا ثمن انقيادها للصهيونية

ليس سراً اني أعتقد أن أكثر الساسة الروس في وزراة الخارجية بشكل خاص ممن لهم رأي مؤثر في سياسة بوتن الخارجية هم إما صهاينة أو أصدقاء لإسرائيل. وسبب هذا يعود إلى أن أغلب هؤلاء، برغم أنهم كانوا جميعاً أعضاء في الحزب الشيوعي السوفياتي، كانوا قد عملوا في الغرب وتلوثوا بداء الصهيونية المغري بأشكاله المختلفة. وهذا موضوع ليس هذا مكانه لكني وجدت أن أقدم له حتى يتبين لاحقاً سبب ما أشرت اليه في عنوان هذا المقال.

قام العراق بعد جولته الحمقاء في التورط في الكويت، وهو التورط الذي لم يحسب له أي حساب، بتنفيذ كل ما فرض عليه إما ظناً عن جهالة، وإما طمعاً في تودد، أو بسبب وعود فارغة، أن الصهيونية العالمية ستكف يدها وتعطيه فرصة أخرى.

انقر للمزيد “كيف تدفع روسيا ثمن انقيادها للصهيونية”

طالب زيفا من قناة المنار!

سمعت أحد المعلقين السوريين، والذي قدم له بأنه واحد من الخبراء والمحللين “الإستراتجيين” وما أكثرهم والحمد لله،  هذا الصباح وهو يقول من قناة المنار: “من كان يعتقد قبل سنوات أن قطر والسعودية كانت ستدعم هذا العدوان على سورية”.

وكدت أكسر شاشة الحاسوب الذي أراه منه!

أين عشت خلال تسعينات القرن الماضي وبداية هذا القرن؟

ألم تكن قطر والسعودية قاعدة تجمع جيوش الصهيونية التي غزت العراق عام 1991؟ ألم تخرج جيوش الصهاينة من جزيرة العرب والخليج لتغزو العراق وتحتله عام 2003؟

أم انك تريد أن تخفف شعورك بالذنب لأنك ساهمت في خراب العراق عام 1991 والذي قاد بالنتيجة لخراب سورية اليوم؟

إن كارثة سورية بدأت في العدوان على المشروع القومي في  العراق عام 1991 وانفتاحكم غير المفهوم على الرجعية العربية في مجلس التعاون الخليجي ثم وقوفكم كالمتفرج على غزو العراق واحتلاله.

لكن العجب كل العجب أنكم تتكلمون عن محور المقاومة الذي يمر في بغداد برغم أن العراق هو اليوم أكبر قاعدة أمريكية في الشرق كله!

فهل هناك أمر لا يعرفه العرب وتعرفه أنت ومن مثلك من أبواق التشويش؟

اذا كنت لا تعرف هذا فما لك والتعليق والتحليل!

عبد الحق

15 نيسان

ما لم تقله بريطانيا في قضية سيرغي سكربال

ليس غريبا أن تسخر أداة الإعلام الصهيوني لتعميم ما تريد أن يصدقه الناس في اتهام موسكو في الساعات الأولى من محاولة قتل الجاسوس الروسي الأصل سيرغي سكربال في سالسبوري في  4 آذار 2018 اذ ان التاريخ كما سبق وقلت ليس ما حدث فعلا ولكن ما اعتقد الناس أو صدقوا أنه وقع. فاذا ثابر الإعلام في نشر الإتهام وقبله الناس فسوف يصبح كقصة “المحرقة” حيث لا يهم مدى صحتها ما دام الناس قد صدقوا، بسذاجة، بموت خمسة ملايين يهودي فيها وان كان ذلك أكثر من عدد اليهود الذين كانوا في أوربا في ثلاثينيات القرن الماضي.

ولن أدخل في موضوع محاولة قتل سيرغي وابنته ومن يمكن أن يكون خلفها ولماذا تمت في هذا الوقت حيث إن ذلك له يوم آخر بعد أن ينتهي التحليل الكيميائي الذي يجريه الآن خبراء دوليون.

لكن الذي يجب الحديث عنه هو ما حدث أمام القضاء البريطاني في الأسبوع الماضي والذي يكشف ما يناقض ما قالته الحكومة البريطانية حتى اليوم!

فقد تقدمت الحكومة البريطانية يوم 20 آذار 2018، على وفق القانون، بطلب للمحكمة العليا للسماح لها بأخذ عينات من دم سيرغي وابنته من اجل اعطائها لمنظمة حظر السلاح الكيميائي (المنظمة)  للكشف عن نوع السم وللتأكد من أن العينات التي أخذها خبراء مركز “بورتن داون” البريطاني المختص بالسلاح الكيميائي هي حقا من الضحايا. وجاء الطلب أمام قاضي المحكمة العليا ويليامز والذي قرر، بعد موافقة الأطرف المشتركة في الطلب، على سماع الدعوى في جلسة سرية استثناء من قاعدة علنية الدعاوى. ثم اصدر حكمه يوم  22 أذار 2018  بالسماح بأخذ العينات.

فما الذي جرى وما الذي كشف حسب ما سمح القاضي بنشره؟

وأول ما نعرفه أن وزير الداخلية قدم الطلب وشارك فيه المحامي العام ممثلا لكل من سيرغي وابنته بسبب عجز الإثنين عن تمثيل نفسيهما لغيابهما عن الوعي.

وجاء في حكم القاضي ويليامز ثلاثة أمور لا بد من التوقف عندها.

أولها ان القاضي وافق على تمثيل المحامي العام لسيرغي وابنته بسبب غياب المقدرة العقلية لأي منهما في أن يعطي الموافقة. وهذا غير صحيح حيث إن للإثنين أقارب مما يوجب الإتصل بهم. بل أن والدة سيرغي العجوز ما زالت حية وهي أحرص الناس عليه وأعرف بما ينفعه من أي مسؤول بريطاني!

وقد أشار القاضي الى معرفة وزارة الداخلية بهذا لكن وزير الداخلية لم يقرر الإتصال بأي من الأقارب للحصول على الموافقة. ولم يشرح القاضي سبب ذلك بل انه لم يسأل وزير الداخلية عن سبب عدم قيامه بما يوجبه القانون. وحيث إن القانون ينص على انه اذا ما تعذر الحصول على موافقة الضحية أو أحد أقاربه تم اللجوء للمحامي العام. وهكذا تم تعيين المحامي العام لتمثيل مصلحة الإثنين.

وثانيهما هو ان القاضي وافق على الطلب دون اعلام القنصلية الروسية في لندن بالإجراء والسماح لها بابداء الرأي كما تقضي المادتان 36 و 37 من اتفاقية فينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 بضرورة اعلام قنصلية دولة المعتدى عليه، وذلك بحجة أن ميثاق فينا ليس جزءا من القانون البريطاني، وهو ادعاء لا اساس له في القانون لأن ميثاق فينا يشكل جزءا من القانون الدولي العام الذي يشمل بريطانيا وكل دول الإتحاد الأوربي.

وثالثهما وهو الأهم والأخطر في كل ما كشف حتى اليوم هو ماجاء في قرار القاضي عن ما قاله ممثل مركز “بورتن داون”  للسلاح الكيميائي والذي تولى أمر البحث البريطاني في نوع السم المستعمل وأصله. ذلك أن الخبير الذي أشار له الحكم باسم”سي سي” أعلم المحكمة بما يلي:

 “ان نماذج الدم التي أخذت من سيرغي سبركال وابنته كشفت بعد التحليل أنهما تعرضا لعامل عصبي أو مركب كيميائي مشابه. فقد تبين من النماذج المأخوذة وجود عامل عصبي من فصيل Novichok أو من عامل عصبي قريب منه”

فالخبير البريطاني لم يقل للمحكمة بان السم هو  Novichok  بدون شك. وهذا يعني أن أصحاب الإختصاص ما زالوا غير واثقين من حقيقة السم!

فكيف تمكنت الحكومة البريطانية أن تقنع كل حلفائها بان السم هومن فصيلة Novichok وأن روسيا مسؤولة عنه؟

أم ان الأمر ليس مهما مادام الحلفاء يكتفون بقول السيد الصهيوني كما فعلوا في اسلحة الدمار الشامل في العراق والسلاح الكيمياوي في سورية؟

وقد تكون روسيا خلف العملية وقد لا تكون! فالأمر ما زال تحت البحث وقد تكون المخابرات الروسية خلفه وقد تكون المخابرات الأمريكة أو البريطانية أو الإسرائيلية خلفه ولكل منها مصلحة في تسويد وجه روسيا. فالأمر ما زال موضع شك!

لكن أيعقل، وبوجود هذا الشك،  أن الضمير الأوربي يرى أن محاولة قتل اثنين جريمة لا تغتفر مما يقود لتردي علاقات هذا العدد من الدول الأوربية مع روسيا وهو الضمير نفسه الذي لم يطرد دبلوماسيا أمريكيا أو بريطانيا واحدا بعد غزو العراق والجرائم التي لا تحصى في القتل والخراب، والتي حولت العراق من دولة الى سراب !!!

عبد الحق العاني

29 آذار 2018

ما الذي جرى في الأمم المتحدة حول القدس؟

 

لم أكن لأكتب حول هذا الأمر لو لم أطلع على مقال الدكتور السفير سعد الدين زيادة والذي أثار اهتمام الكثيرين من أصدقائي. وسبب عدم رغبتي في الكتابة أني أعد الأمم المتحدة أكبر “لعبة” أنتجتها الحرب العالمية الثانية بهدف استحواذ الكبار على شؤون الأخرين بحجة أنها تنظم العلاقات بين الدول. إن التوازن الذي قام في اعقاب الحرب العالمية الثانية لم يكن بسبب وجود الأمم المتحدة وميثاقها وانما كان بسبب التوازن بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الشيوعي الذي وضع خطوطاً لا يتجاوزها أي طرف خوفاً من الصدام المباشر بين المعسكرين. وحين هدم النظام الشيوعي كان أول اختبار لقيمة الأمم المتحدة وميثاقها في حصار العراق ودماره وغزوه واحتلاله، والذي أسقط ورقة التوت عن عورة الكبار!

فالأمم المتحدة هي جميعة يحدد صلاحياتها ونشاطها ميثاقها الذي قبلته الدول الأعضاء. فميثاق الأمم المتحدة هو عقد والعقد ملزم للمتعاقدين. فلا يحق لأحد سواء أكان مجلس الأمن أم الجمعية العمومية العمل بتجاوز الميثاق دون تعديله أياً كانت الذريعة. انقر للمزيد “ما الذي جرى في الأمم المتحدة حول القدس؟”