قل ولا تقل / الحلقة الثامنة والتسعون

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: ينبغي لك أن تتروض ولا تترك الروض (أي ينبغي لك أن تروضَ بدنك أو تُروِّضه بأفعال الرياضة المعروفة)
ولا تقل: ينبغي لك أن تَتَريّض ولا تترك التريّض

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الرياضة مأخوذة من الفعل “راض يروض” فعينه أي وسطه “واو” ولا “ياء” وانما أبدلت الواو ياءً في “رياضة” لسكون عين فعلها “راض يروض” ولكسر ما قبلها في المصدر وهو الراء، فأصلها “رواضة”. ولو كانت العين متحركة لبقيت الواو سالمة، ألا ترى أنك تقول: “راوَضَه في البيع رواضاً ومراوضةً”. وإنك لا تقول “راوَضَه رياضاً ولا مرايضةً”.

قال ابن فارس في المقاييس: “الراء والواو والضاد أصلانِ متقاربانِ في القياس، أحدهما يدلُّ على اتّساعٍ، والآخَرُ على تلْيِينٍ وتسهيل” ثم قال “وأما الأصل الآخَر: فقولهم رُضْتُ النّاقَة أرُوضُها رياضةً”.

وقال الجوهري في الصحاح: “ورَضْتُ المُهْرَ أَرُوضُهُ رياضاً، ورِياضَةً، فهو مَروضٌ. وناقَةٌ مَروضَةٌ، وقد ارْتاضَتْ. وكذلك رَوَّضْتُهُ تَرْويضاً، شدِّد للمبالغة. وقومٌ رُوّاضٌ وراضَةٌ.”

ونقل رينهارت المستشرق الهولندي في معجمه المستدرك على المعجمات العربية من كتب الأدب قولهم: “راضَ نفسه أي ثقّفها وهذّبها وراض نفسه عليه أي تحمله وكابده، وروّض سيرته أي أصلحها وروضه عليه أي عوّده إياه”. ولم أجد الفعل “ترَوّض” ولا مصدره “التروّض” في معجم لغوي ولا في كتاب أدبي، ولكنه فعل قياسي صحيح وهو مثل “تعوّد وتعوّض وتقوّل وتحوّل” من حيث الإشتقاق وهو من الأفعال الخاصة بفاعلها الصادرة عن رغبة منه فيها نحو “تحوّل وتعلّم وتأدّب وتقدّم” وقد اقتضت الحاجة اشتقاقه من الثلاثي “راض يروض” فهو واوي العين لا يائيها، وينبغي الرجوع الى الأصل عند الإشتقاق فيقال “تروّضت أتروّض تروّضاً” كما يقال “قوّمت البضاعة أو ما جرى مجراها، أقوّمها تقويماً” أي عيّنت قيمتها أعينها تعييناً. ولا يشتق الفعل من القيمة فمن الخطأ المبين قولهم “قيمت البضاعة وتقييم البضاعة”.

فقل: ينبغي لك أن تتروّض ولا تترك التروّض.

 

قل: هذه ليلةٌ مَطيرٌ
ولا تقل: هذه ليلَةٌ مَطيرةٌ

 كتب الكسائي: “ويقال هذه امرأة جميلٌ وجاريةٌ حَسِيبٌ، وليلةٌ مَطِيرٌ وعينٌ كَحِيِلٌ ولحيةٌ دَهِينٌ بغير هاء. وكذلك كل ما كان على فعيل (وعندي المرأة).”

وأضاف المحقق للتوضيح: “ما بين المعقوفين ليس الا عند العلائي، وهي زيادة مهمة لأن الشرط في ورود فيعل للمؤنث بغير هاء أن تكون بمعني مفعول وأن يذكر قبلها الموصوف.  وهذا معنى قول الكسائي هنا: “وعندي المرأة”، ففي اصلاح المنطق: اذا كان فعيل نعتاً لمؤنث وهو في تأويل مفعول كان بغير هاء….. فاذا لم تذكر المرأة قلت: مررت بقتيلة”. وانظر كذلك المذكر والمؤنث للفراء وفصيح ثعلب.”

وكذلك: كفٌّ خَضِيبٌ وحمارة وَدِيقٌ. قال تعالى: “لعل الساعة قريب”.

وقد بنت العرب “فعيلاً” بغير هاء أيضاً. ومنه قوله تعالى: “وقالت عجوزٌ عقيمٌ” ولم يقل عقيمة. وكذلك دُرَّاعَة جديد.

وقد يكون فعيل أيضاً للجميع فتقول: في الدار نساءٌ كثير وهذه حبابٌ جديد، قال الشاعر:

يا عاذلاتي لا تٌرِدنَ ملامَتي             إن العواذِلَ لسنَ لي بأميرِ

فقال بأميرِ ولم يقل بأميرات. وذلك أنه جمعه على لفظ فعيل.”

واضاف المحقق:” الوديق: تريد الفحل. حباب: جمع حِبّ بمعنى الخابية وهو فارسي معرب.”

وقد بنت العربُ “فَعُولاً” بغير هاء أيضاً. من ذلك: هذه امرأة ولودٌ وكَسُوبٌ وخَدُومٌ ووَدُودٌ. ورَمَكَةٌ عضوضٌ وَجَمُوحٌ وعَثَورٌ. وأمٌّ نَزُورٌ اذا كانت قليلةَ الولادة. قال الشاعر (وهو كثير عزة كما جاء في لحن العوام للزبيدي):

بُغاثُ الطَّيرِ أكثرُها فِراخَاً        وأمُّ الصَّقْرِ مَقْلاتٌ نَزُورُ

ومنه قوله تعالى: “ياأيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا”.

ومنه أمٌّ بَرُورٌ على مثال فَعُول. قال الشاعر:

فلا أحَدٌ في الناس ابن ولا أخٌ           ولا أمٌّ بَرُورٌ بالبنين ولا أبُ

فَذَكَّرَ لأنه مبني على فعول.”

 

قل: هي امرأة مبهاج
ولا تقل: هي امرأة مبهاجة

كتب الكسائي: ” وقد بنت العرب “مفعالاً” بغير هاء منه قولهم: امرأة مِكسال، مِطعان، ومِغناج، ومِعطال ومِتفال، ومِبهاج، ومِضحاك، ومِعطار. قال الله جل ثناؤه: “إن جهنم كنت مِرصادا”. وقال ذو الرِّمَّةِ:

غَرَّاءُ عَيناءُ مِبهاجٌ اذا سّفَرَتْ           وتَحْرِجُ العيْنُ منها حين تنتَقِبُ”

 

قل: امرأة طالقٌ
ولا تقل: امرأة طالقةٌ

كتب الكسائي: ” ويقال امرأة طالِقٌ وطاهِرٌ وحائضٌ وطامِثٌ وريحٌ عاصِفٌ بغير هاء. فاذا قال لك قائل، قد قال تعالى: “ولسليمان الريح عاصفة” فاثبت الهاء. قيل: هذا على مبالغة المدح والذم. قال الأعشى:

أيا جَارَتي بيني فإنك طالِقَهْ              كذاكِ أمورُ الناسِ غادٍ وَطَارِفَهْ”

 

قل: هو رَجُلٌ شّتَّامَة
ولا تقل: هو رجُلٌ شَتَّام

كتب الكسائي: “وللعرب أحرف كثيرة من المذكر بالهاء على مبالغة المدح والذم، كقولهم: رجل شّتَّامة وعَلاَّمَة وطَلاَّبَة وجّمَّاعَة وبَذَّارَة وسَيَّارة في البلاد وجَوَّلَة ورجلٌ راوِيَة وباقِعَة وداهِيَة. ورجلٌ لَجَوجَة وصَرُورَة،وهو الذي لم يَحِجَّ قط، قال النابغة الذبياني:

لو أنها عَرَضَت لأشْمَطَ راهبٌ  يَخْشى الإله صَرُورَةً مُتَعَبِّدِ

لَرَنَا لبَهْجَتِها وحُسِنَ حَديِثِها              ولَخَاله رَشَدَاً ولإن لم يَرْشُدِ

ويقال رجل هيابة وهو الذي تأخذه الرعدة عند الخصومة، فلا يقدر على الكلام. ومثله جَثَّامَة، قال الشاعر:

تُتْبِئكَ أني لا هّيَّابَة وَرَعُ          عندَ الخُطُوبِ ولا جّثَّامَةٌ حَرَضُ

ورجل فَحاشَة وكذلك وَقَاعة وبَسّامَة وهِلباجَة. قال الشاعر:

قد زعمَ الحيدَرُ أني هالكُ

وإنما الهالكُ ثم الهالِكُ

هِلباجةٌ ضَاقَتْ به المسالِكُ”.

(الباقعة: الداهية. الهلباجة: الأحمق)

 

قل:  هي إمرأة حائض
ولا تقل: هي إمرأة حائضة

ونأخذ مما كتب ثعلب في “باب ما يقال للأنثى بغير هاء” ما يلي: “تقول إمرأة طالق، وحائض، وطاهر، وطامث بغير هاء. وكذلك إمرأة قتيل فإن قلت: رأيت قتيلة ولم تذكر إمرأة أدخلت فيه الهاء. وكفٌّ خضيبٌ وعينٌ كحيلٌ ولحية دهينٌ.  وكذلك إمرأة صبورٌ وشكورٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة مِعطارٌ  ومِذكارٌ ومِئناث. وكذلك مُرضِعٌ ومُطفِلٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة حامل إذا أردت حُبلى، فإن أردت أنها تحمل شيئا ظاهراً قلت: حاملة. وكذلك إمرأة خَودٌ. وتقول: مِلحفَة جديد وعجوزٌ، وتقول: هي رَخْلٌ للأنثى من أولاد الضأن، وهذه فَرَسٌ. وهكذا جميع ما كان للإناث خاصة فلا تدخِلَنَّ في الهاء، وهو كثير فقس عليه.”

كتب الحريري: ومن ذلك توهمهم أن الراحلة اسم يختص بالناقة النجيبة، وليس كذلك بل الراحلة تقع على الجمل والناقة، والهاء فيها هاء المبالغة،  كالتي في داهية وراوية، وإنما سميت راحلة لأنها ترحل، أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كما جاء في التنزيل: “في عيشة راضية” بمعنى مرضية.

وقد ورد فاعل بمعنى مفعول في عدة مواضع من القرآن كقوله تعالى: “لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم” أي لا معصوم. وكقوله سبحانه: “من ماء دافق” أي مدفوق، وكقوله عز اسمه “أنا جعلنا حرما آمنا” أي مأمونا فيه. وجاء أيضا مفعول بمعنى فاعل، كقوله تعالى: “حجابا مستورا”، أي ساترا، “كان وعده مأتيا” أي آتيا. وقد يكنى عن الفعل بالراحلة لكونها مطية القدم وإليها أشار الشاعر الملغز بقوله:

رواحلنا ست ونحن ثلاثة ** نجنبهن الماء في كل مورد

 

قل: إمرأةٌ نُفَسَاءُ
ولا تقل: إمرأةٌ نَفِسَة

كتب الزبيدي: “يقولون إمرأة “نَفِسَة” والصواب “نُفَسَاء”، ونَفِسَتْ المرأة ونُفِسَتْ فهي منفوسة، قال الشاعر:

………………………..              إذا النُّفَسَاءُ أصبحتْ لمْ تُخّرَّسِ

والصَّبِيّ أيضاً “مَنفُوس” أي مولود، قال الهذلي:

فيا لَهْفَتي على ابن أخْتِيَ لَهْفَةً           كما سَقَطَ المَنفُوسُ بين القَوابِلِ

وفي الحديث: “ما من نفْسٍ مَنفوسَةٍ إلا وقد كٌتِبَ لها رِزْقَها وأجَلِها”.

وتجمع “النُّفَسَاء” على “نُفَسَاوات” و “نِفَاس: مثل “عُشَراء” و “عِشَار” و “عُشَراوات” وهي التي عليها عشرة أشهر من وقت الحمل. وأنشدنا أبو علي:

رٌبَّ شَرِيبٍ لَكَ ذِي حُسَاسِ

شَرَابُهُ كالحَزِّ بالمَوَاسي

ليسَ بِرَيَّانٍ ولا مُواسِي

أقْعَسُ يَمشي مِشْيَةَ النِّفَاسِ

و “النِّفاسِ” أيضاً: الولادة. وإنّما قيل للمرأة نفساء من أجل الدِّماء. ويقال للدم: نَفْسٌ، ومنه الحديث عن ابراهيم النخعي: في كل ذي نفس سائلة، يعني: الدم.

 

قل: إن جمع مرأة مراء
ولا تقل: إن جمع مرآة مرايا

كتب الحريري: “ويقولون في جمع مرآة: مرايا، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين حين قال:

قلت لما سترت لحيته ** بعض البلايا

فتن زالت ولكن ** بقيت منها بقايا

فهب اللحية غطت ** منه خدا كالمرايا

من لعينيه التي تقسم ** في الخلق المنايا

والصواب أن يقال فيها: مراء على وزن مراع، فأما مرايا فهي جمع ناقة مري وهي التي تدر إذا مري ضرعها، وقد جمعت على أصلها الذي هو مرية، وإنما حذفت الهاء منها عند إفرادها لكونها صفة، لا يشاركها المذكر فيها.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة السابعة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: سألتقي أنا وفلان ونلتقي نحن والقادمون والتقيا هما وأصحابهما
ولا تقل: سألتقي فلاناً وسألتقي وإياه وما أشبه ذلك

وقل: نلتقي نحن وأنتم
ولا تقل: نلتقي واياكم

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الفعل “التقى” يأتي تارة للفردية وتارة للإشتراك. فالفردية تكون في نحو قولنا “التقيت فلاناً في المجلس” و “التقيت الشيء في الطريق” أي لقيتهما. قال الشاعر:

لما التقيت عميراً في كتيبته      عاينت كاس المنايا بيننا بددا

وإذا جاء الفعل “التقى” للإشتراك فهو بمعنى تفاعل المشترك. ومن البديهي في العربية أن تكون أفعال الإشتراك فيها صادرة عن فاعلين مختلفين أو أكثر منهما. أن الشركة لا تصدر عن واحد. وكذلك ما ينوب عن الفاعلين، وإذا عطف الإسم الظاهر أو الضمير على الضمير المستتر المرفوع وجب الفصل بينهما بفاصل لفظي كالضمير وغيره. كقوله تعالى “ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة”. فالفاصل هو “أنت”. وكقوله تعالى “سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء”. فالاصل هو “لا” ولا يجوز العطف بغير الفاصل في الكلام المنثور. وقد ورد في العشر نادرا كقول بعض الشعراء:

زعم الأخيطلُ من سفاهة رأيهِ   ما لم يكن وأب له لينالا

وإذا كان الفعل مشتركاً في مثل “سألتقي أنا وفلان” و “نلقي نحن والقادمون” فالعطف واجب كما ذكرت آنفاً. ولا يجوز أبداً أن يكون المعطوف مفعولا معه. ولذلك لا يصح أن يقال “سألتقي وفلاناً ونلتقي واياكم”، و “وهذا يتفق والأصول”، و “وهذا يتناسب والتعاليم”، و “وهذا يتعارض والقانون”. فالصواب: “سألتقي أنا وفلان”، و “نلتقي نحن وأنتم”، و “هذا يتفق هو والأصول”، و “هذا يتناسب هو والتعاليم”، و “هذا يتعارض هو والقانون”، برفع المعطوف أو جعله ضمير رفع إن لم يكن اسماً ظاهراً.

أما قولهم “نلتقي بكم” فهو تعبير مولد جائز، لم يعرفه الفصحاء، والياء فيه نابت عن كلمة “مع” والأصل “نلتقي معكم”، وكلمة “مع” نابت عن الواو العاطفة. وذاك مثل اجتمع فلان وفلان ثم قيل “اجتمع فلان مع فلان” ثم قيل “اجتمع فلان بفلان”.”

 قل: الْتقَى فلانٌ وفلانٌ أو الْتقَى فلانٌ بفلانٍ
ولا تقل: التقى فلانٌ فلاناً

وكتب عبد الهادي بوطالب: “تَعِجُّ الإذاعات والتلفزات والكتب بأخطاء في استعمال هذه الأفعال. والأصوب اتِّباع الطرائق التالية:
إن الأفصح في استعمال التقى هو الربط بواو العطف فنقول: “الْتقَى فلانٌ وفلانٌ على رأي واحد” مثلما نقول: “اجتمع فلانٌ وفلانٌ في مأدُبة واحدة”. لكن يجوز استعمال الباء أو مع فنقول: “التقى فُلانٌ بفُلان، أو التقى فُلان مع فُلان” مثلما نقول : “اشترك فلان مع فلان في شركة واحدة” ونقول: “تباحث فلان مع فلان في أمر يهُمهما”. لكن أخذ يشيع على الألسنة والأقلام: “التقى فلانٌ فلاناً” وهذا خطأ. ففعل التقى لازم بينما فعل لقِيَ متعدٍّ. ولذلك يجوز: “لقِيَ فلان فلانا على الطريق”.
أما التقاه فلم ترد في اللغة إلا بمعنى رآه.

قل: عَضِضْتُ اللقمة
ولا تقل: عَضَضْتُ اللقمة

كتب الكسائي: “وتقول عَضِضْتُ اللقمة بكسر الضاد، وكذلك غَصِصْتُ بالطعام. وكذلك صَمِمْتُ (عن الكلام) أيضاً ومَسِسْتُ بكسر السين، وبَرِرْتُ والدي.

قال الشاعر في شاهد عَضِضْتُ:

الآن لما أبْيَّضَ مَسْرُبَتي          وَعَضِضْتُ من نابي على جِذْمِ

(مسربة: شعر وسط الصدر.   جذم الأسنان: منابتها.)

وقال آخر في شاهد صَمِمْتُ:

ألمْ تَرَني صَمِمْتُ وكدتُ أعمى  عن الخَبَرِ الذي حُدِّثْتُ أمسِ

وقال آخر في شاهد مَسِسْتُ:

تَكادُ يَدي تَندى اذا ما مَسِسْتُها    وينبُتُ في أطرافها الوَرَقُ الخُضْرُ

قل: هو خَيْرٌ من زيد
ولا تقل: هو أخيرُ من زيد

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “هو خير من زيد وشر منه ولا يبنى على “أفعل”. وكذلك جميع الألوان والعيوب الظاهرة والخلق الثابتة لا يقال في شيء منها “ما أفعله”  ولا “هو أفعل من كذا”. فلا يقال ما أبيضه ولا ما أصفره ولا ما أسوده ولا ما أعماه  وأعرجه، ولكن يقال: ما أشدَّ سواده وما أقبحَ عماه وعَرَجَه، وهو أشدُّ بياضاَ وصفرةً ونحو ذلك.”

قل: شَبِعَ فلان شِبَعَاً حَسَناً
ولا تقل: شَبِعَ فلان شِبْعَاً حَسَناً

كتب الزبيدي: “ويقولون هم في “شِبْعٍ” والصواب “شِبَعٍ”، تقول شَبِعَ شِبَعَاً حَسَناً. قال امرؤ القيس:

فَتَوسِعَ أهلنَا أقِطَاً وسِمْناً          وَحَسْبُكَ من غِنَى شِبَعٌ وَرِيُّ

قل: أُجرِي امتحان القَبُول (بفتح القاف) في وظيفة التعليم
ولا تقل: أُجرِي امتحان القَبول (بضم القاف) في وظيفة التعليم

وكتب عبد الهادي بوطالب: “نفس الخطأ الذي يقع في كلمة الجَنوب يقع في كلمة القَبول (بفتح القاف) وهو الصحيح. ويقع بعض المتحدثين في المشرق العربي في الخطأ فيَضُمُّون القاف. يقال : “إما القَبول وإما الرفض” و”أُجرِي امتحان القَبول في وظيفة التعليم”.
وجاء في بعض معاجم اللغة العربية ذكر القبول بضم القاف، لكن فتح القاف هو الأصوب. ففي القرآن :”فَتَقَبَّلها ربُّها بقَبول حسنٍ وأنْبَتَها نَباتا حَسَنا”.”

قل: بذلَ قُصارَى جهده للإصلاح
ولا تقل: بذلَ قَصارَى جهده للإصلاح

وكتب عبد الهادي بوطالب: في مناظرة بين أساتذة جامعيين قدمتها قناة تلفزيونية عربية تبثُّ من لندن نطق أحدهم بكلمة قُصارى محرفة إذ نطقها بفتح القاف، بعد أن تقدمه محاور ونطقها بالضم كما يجب أن تُنطَق، فلم يسع الذي نطق بالضم في البداية إلا أن “يصحح” وينطقها بالفتح وتوالت الكلمة بخطأها طيلة الندوة. قُصارَى بضم القاف تستعمل في هذا التعبير وأمثاله : “بذلَ قُصارَى جهده للإصلاح”، أي أشد الجَهد وأقصاه. كما نقول: “بذل غاية الجهد للإصلاح”. وتأتي الكلمة بمعنى حَسْب، أي كفى. ونقول : “قُصاراك أن تفعل كذا”.

قل: ساغ لي الشراب
ولاتقل: انساغ لي الشراب

كتب الحريري:ويقولون: انساغ لي الشراب، فهو منساغ، والاختيار فيه ساغ، فهو سائغ كما قال الشاعر:

فساغ لي الشراب وكنت قبلا ** أكاد أغص بالماء الحميم

وفي القرآن: “لبنا خالصا سائغا للشاربين”، وقد جاء في تفسيره أنه لم يغص به أحد قط، ومن حكى أنه سمع في بعض اللغات انساغ لي الشيء، أي جاز فإنه مما لا يعتد به، ولا يعذر من استعمله في ألفاظه وكتبه.”

قل: قام الرجلان
ولا تقل: قاما الرجلان

كتب الحريري:ويقولون: قاما الرجلان وقاموا الرجال فيلحقون الفعل علامة التثنية، والجمع، وما سمع ذلك إلا في لغة ضعيفة لم ينطق بها القرآن ولا أخبار الرسول عليه السلام، ولا نقل أيضا عن الفصحاء، ووجه الكلام توحيد الفعل، كما قال سبحانه في المثنى: “قال رجلان”، وفي الجمع: ” إذا جاءك المنافقون”. فأما قوله تعالى: “وأسروا النجوى الذين ظلموا” فالذين بدل من الضمير الذي في لفظة أسروا، وقيل: بل موضعه نصب على الذم، أي أعني الذين كفروا، وكذلك قوله تعالى: “ثم عموا وصموا كثير منهم”، فكثير بدل من الضمير الذي في لفظتي “عموا وصموا” فإن تأخر الفعل ألحق علامة التثنية والجمع، فقيل: الرجلان قاما، والرجال قاموا، ويكون الألف في قاما والواو في قاموا اسمين مضمرين، والفرق بين الموضعين انك إذا قدمت الفعل كانت علامة تثنية الفاعل وجمعه تغني عن إلحاق علامة في الفعل، وإذا أخرت الفعل صار الفاعل بتقدمه مبتدأ، فلو أفرد الفعل فقيل: الناس خرج لجاز أن يتوهم أنك تريد منهم جزءا ، لجواز أن يقال : الناس خرج سيدهم .”

قل: لن تبلغوه إلا بشِقِّ الأنفسِ
ولا تقل: لن تبلغوه إلا بشَقِّ الأنفسِ

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الشق (بفتح الشين)، ويعني الصدع، والشق (بخفض الشين)، ويعني المشقة والعنت، فيضعون هذا مكان ذاك ويقعون في الوهم، لأن الأول مأخوذ من: شق الجدار يشقه شقا، أي صدعه وجعل فيه شقوقا. ومنه قولهم: شق الخوارج عصا المسلمين، أي فرقوا جمعهم وكلمتهم، وصدعوا تلاحمهم ووحدتهم.

أما الثاني (بخفض الشين) فمأخوذ من شق عليه الأمر يشق شقا ومشقة، أي ثقل وصعب ومنه قوله تعالى: “لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس” أي بالتعب والجهد، ونظيره قول الشاعر:

والخيل قد تجشم أربابها الشق ، وقد تعتسف الراوية

ومثله من الفعل قول شوقي:

لحاها الله أنباء توالت ** على سمع الولي بما يشق

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة السادسة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: قام بعمل نجله ونقدره
ولا تقل: قام بعمل ترفع له القبعات

نسمع بين حين وآخر من يقول إن فلاناً قام بعمل “ترفع له القبعات”. وقد يسأل سائل: ما الخلل في هذا؟ والجواب هو ما سبق وكتبنا عنه مراراً في أن العربية تعاني من التغرب الذي أصبح يجري في شريانها بل في عقول الناطقين بها. ذلك لأن اللغة، أية لغة، هي انعكاس لفكر الناطقين بها. وحين استعمل الأوربيون عبارة “I raise my hat for that” والتي تترجم “ارفع قبعتي لهذا” على سبيل المثال فان الإنكليزي كان يعبر عن حالة سلوكه في كشف الإحترام والتقدير الذي يقوده لرفع قبعته والتي لا يرفعها عادة عن رأسه. وهذا تعبير جميل يمت بصلة للثقافة والسلوك السليم في المجتمع الإنكليزي.

لكن ما علاقة العربي الذي لم يعرف “القبعة” يوماً بهذا؟ أي ما علاقته بهذا الإستعمال الذي لا يحدث أثراً في سمع العربي الأصيل والذي لم يسبق له أن سمع العبارة الإنكليزية؟ فاذا كان العربي لا يضع قبعة على رأسه مما يدفعه لرفعها في معرض الإحترام والتبجيل، فما معنى العبارة؟

ان التغرب في ذهن العربي أصبح جزءاً من تكوينه العقلي حتى عاد يردد العبارة المترجمة والتي تمكنت منه وان كانت لا علاقة لها بفكره ومفرداته.

إن خطر هذا على مستقبل العربية لا يمكن أن يبالغ فيه، وما لم يسارع المعنيون في ايقاف هذا السيل، والذي تشكل وسائل الإعلام أداته التخريبية الرئيسة، فقد تنقرض اللغة العربية في قرن من الزمان كما توقعت منظمة “اليونسكو”.

قل: دعه حتى يسكتَ من غضبه
ولا تقل: دعه حتى يسكنَ من غضبه

كتب الكسائي: ” وتقول: دعه حتى يسكتَ من غضبه، بالتاء ولا يقال: يسكن بالنون. قال الله عز وجل: “ولما سكت عن موسى الغضَبُ”.

قل: قد اشتريتُ بِطَانَةً جيدةً
ولا تقل: قد اشتريتُ بَطَانَةً جيدةً

كتب الكسائي: “وتقول: قد اشتريتُ بِطَانَةً جيدةً، بكسر الباء. قال الله جل ذكره: “ياايها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكم”.

قل: ما كلَّمتُه قَطّ
ولا تقل: ما كلَّمتُه أبَدَاً

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول ما كلمته قَطُّ ولا أكلمه أبداً لأن قَطُّ للماضي وأبَدَاَ للمستقبل”.

قل: حَصَل فلان على الشيء يَحصل عليه
ولا تقل: حَصُل عليه ولا حَصَّل عليه

كتب مصطفى جواد: “لأنه من باب نَصَر ينصُر، ولأن “فَعُل يفعُل” خاص بالغرائز وأشباهها نحو شَرُف ولطُف وظرُف ونظُف، والحصول ليس فيه غريزة ولا شبه غريزة.”

قل: وضعَ المتاعَ في الخِزانَة
ولا تقل: وضعَ المتاعَ في الخَزانَة

كتب الزبيدي: “ويقولون “الخَزانَة” فيفتحون والصواب “الخِزانَة” (بكسر الخاء) وهو المكان الذي يخزن فيه المتاع و “الخِزانة” أيضاً عمل الخازن، مثل الوِلاية والإمارة.

قل: نيرُ الثوبِ
ولا تقل: نيرةُ الثوبِ

كتب المقدسي: “ويقولون: نِيرَةُ الثوبِ  وصوابُهُ: نِيرٌ، وجَمْعُها: نِيَرٌ.” انتهى

وكتب ابن فارس في المقاييس: “النون والياء والراء كلمة تدلُّ على وضوحِ شيءٍ وبُروزه. يقال لأخدود الطَّريقِ الواضحِ منه نِير. قال: ثم قيس على هذا نِيرُ الثّوب: عَلَمُه، سمِّي به لبُروزه ووضوحه.”

قل: قال ذلك لأنه افترضَ أن يكون كذلك
ولا تقل: قال ذلك لأنه فَرَضَ أن يكون كذلك

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يقع التباس في التفريق بين فعلي فَرَض وافْتَرض ومشتقات هاتين الكلمتين كمفروض ومفْتَرَض، ولكلِّ معناه وموضع استعماله.

فَرَضَ يَفْرِض فَرْضا إذا أوجب فعلَ شيء. فنقول :”فرض الله علينا صومَ رمضان” و”صومُ رمضان مفروضٌ على المؤمنين كما أن الصلاة مفروضةٌ عليهم”. ونقول :”الصلاة فَرْضٌ” وفي القرآن الكريم :”ما كان على النبيِّ من حَرَجٍ فيما فَرَضَ الله له”.

أما افْتَرَض فتعني اعتبر الأمر مُسلَّما به، أو اعتقد أو ظن أن الشيء واقع أو مُسَلَّم به. ويقال :”نقول هذا على سبيل الافتراض لأنه لا يوجد على وقوع هذا الشيء دليل”.

أما الخطأ فهو في استعمال أحدهما مكان الآخر. وهذا يقع كثيرا. فيقال مثلاً :” هذا أمر مفتَرَضٌ ولا مناصَ منه” والصواب مفروض. ويقال: ” قال ذلك لأنه فَرَضَ أن يكون ذلك قد وقع”. والصواب لأنه افْتَرض.”

قل: هذا أمرٌ مرومٌ
ولا تقل: هذا أمرٌ مُرامٌ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “مروم من فعل رام بمعنى طلبَ الشيءَ وقَصَدَه. اسم الفاعل رائِم واسم الفعل مَرُوم. ونقول : “شارك في المباراة ورامَ الفوزَ فيها فلم ينجح”.

ويأتي الفعل مبنياً للمجهول في قولنا مثلاً: “كلُّ شيء على ما يُرام”.
ولا ينبغي أن تُحدِث هذه الصيغة التباساً فنقول: “هذا مُرام” بل “هذا مَرُوم” أي مقصودٌ ومطلوب. فمُرام اسم مفعول من أَرَام لا رام. وأرام يُريم (الرباعي) لا وجود له في العربية.”

قل: رأيت ضَبعاً عرجاء
ولا تقل: رأيت ضَبعَةً عرجاء

كتب الحريري:ويقولون: الضبعة العرجاء، وهو غلط، ووجه الكلام أن يقال: الضبع العرجاء لأن الضبع اسم يختص بأنثى الضباع، والذكر منها ضبعان، ومن أصول العربية أن كل اسم يختص بجنس المؤنث مثل حجر وأتان وضبع وعناق، لا تدخل عليه هاء التأنيث بحال، وعلى هذا جميع ما يستقرى من كلام العرب، وحكى ثعلب قال: أنشدني ابن الأعرابي في أماليه:

تفرقت غنمي يوما فقلت لها ** يارب سلط عليا الذئب والضبعا

فسألته حين أنشدنيه: أدعا لها أم عليها فقال: إن أراد أن يسلطها عليها في وقت واحد فقد دعا لها، لأن الذئب يمنع الضبع والضبع تدفع الذئب فتنجو هي، وإن أراد أن يسلط عليها الذئب في وقت والضبع في وقت آخر فقد دعا عليها.

وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة قل من اطلع على خبئها وانكشف له قناع سرها وهي أن من أصول العربية التي يطرد حكمها، ولا ينحل نظمها أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث لأنه هو الأصل، والمؤنث فرع عليه إلا في موضعين: أحدهما أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع، قلت: ضبعان، فأجريت التثنية على لفظ المؤنث الذي هو ضبع لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان وإنما فعل ذلك فرارا مما كان يجتمع من الزوائد لو ثني على لفظ المذكر.

والموضع الثاني أنهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي التي هي مؤنثة دون الأيام التي هي مذكرة وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق، والأسبق من الشهر ليلته.  ومن كلامهم: سرنا عشرا من بين يوم وليلة.”

قل: نشم الناس في الأمر
ولا تقل: نشب الناس في الأمر

كتب الحريري: “يقولون لمن بدأ في إثارة شر أو فساد أمر: قد نشب فيه، ووجه الكلام أن يقال: قد نشم بالميم لاشتقاقه من قولك: نشم اللحم، إذا بدأ التغير والإرواح فيه، وعلى هذا جاء في حديث مقتل عثمان رضي الله عنه: فلما نشم الناس في الأمر، أي ابتدأوا في التوثب على عثمان، والنيل منه.

وكان الأصمعي يرى أن لفظة نشم لا تستعمل إلا في الشر، وأن منها اشتقاق قولهم: دقوا بينهم عطر منشم، لا أن هناك عطرا يدق حقيقة. وقال غيره: بل منشم عطارة، ما تطيب بعطرها أحد فبرز لقتال إلا وقتل أو جرح، وقيل: بل الإشارة في المثل إلى عطارة أغار عليها قوم، وأخذوا عطرا كان معها، فأقبل قومها إليها فمن شموا منه رائحة العطر قتلوه. ومن أوله على هذا قال: هو عطر من شم، فجعله مركبا من كلمتين. وقيل: الكناية فيه عن قرون السنبل الذي يقال إنه سم ساعة.

وذكر ابن الكلبي أنها امرأة من خزاعة كانت تبيع العطر، فتطيب بعطرها قوم، وتحالفوا عى الموت فتفانوا. وقال غيره: بل هي صاحبة يسار الكواعب، وكان يسار هذا عبدا أسود يرعى الإبل، إذا رأته النساء ضحكن منه، فيتوهم أنهن يضحكن من حسنه، فقال يوما لرفيق له: أنا يسار الكواعب ما رأتني حرة إلا وعشقتني، فقال له رفيقه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكل لحم الحوار، وإياك وبنات الأحرار. فأبى وراود مولاته عن نفسها، فقالت له: مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه، فأتته بموسى، فلما أدنى أنفه إليها لتشمه الطيب جدعته. وفي الشين من منشم روايتان: الكسر والفتح، وإن كان الكسر أكثر وأشهر.

ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم: ما عتب أن فعل كذا، ووجه الكلام ما عتم، أي ما أبطأ، ومنه اشتقاق صلاة العتمة لتأخير الصلاة فيها. ومدح بعض الأعراب رجلا فقال: والله ما ماء وجهك بقاتم ولا زادك بعاتم.”

قل: زرتُ أنطاكيِةَ
ولا تقل: زرتُ أنطاكِيِّةَ

كتب الحنفي: “قال ابن السّاعاتي في أماليه: ما كان من بلاد الروم وفي آخره ياءٌ متبوعة بهاءٍ فهي مخففة كانطاكِيَة ومَلَطْيَة وقُونية وقَيْسَارِيةَ، والعامة تشدِّد الياء.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

15 أيار  2018

قل ولا تقل / الحلقة الخامسة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: تَحْرِص عليهم
ولا تقل: تَحْرَص عليهم

كتب الكسائي: “تقول “حَرَصتُ بفلان، بفتح الراء، قال الله عز وجل “وما أكثر الناس ولو حَرَصْتَ بمؤمنين”. ولا تقول “تَحْرَصُ، بفتح الراء، قال الله تعالى: “إن تَحْرِصْ على هداهم فإن اللهَ لا يهدي من يضل”.

وأضاف المحقق في تعليقه على قول الكسائي “حَرَصْتُ بفلان”:

هذا قول أبي ذؤيب الهذلي:

ولقد حَرَصتُ بأن أُدافع عنهمُ           فاذا المنيَة أقبَلَت لا تُدفَعُ

عَدّاه بالباء لأنه في المعنى “همَمْتُ”، والمعروف: حَرَصت عليه. انظر لسان العرب (حرص). وفي المزهر للسيوطي: “قال ابن دستويه في شرح الفصيح: قول العامة: حَرِصْتُ بالكسر أحرص لغة صحيحة إلا انها في كلام الفصحاء قليلة، والفصحاء يقولون بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل.

أما حول ما قاله الكسائي في الفعل المضارع فقد كتب المحقق:

“في العلائي: تقول لا تحرِص بكسر الراء دون فتحها. وفي موضع آخر من “ومضارعه بكسرها” تقول: لا تَحْرِص.  وفي لسان العرب (حرص): واما حَرِصَ يَحْرَصُ فلغة رديئة. قال الأزهري: والقراء مجمعون على: ولو حَرَضْتَ بمؤمنين.”

 

قل: طابَ حَمِيمُكَ للخارج من الحمام
ولا تقل: طابَ حَمَّامُك للخارج من الحمام

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “يقال للخارج من الحمام طابَ حَميمُكَ أي عَرَقُكَ لأن عَرَقَ الصحيح طّيِّبٌ خلاف المريض، ولا يقال طاب حمامك.” انتهى

وكتب الجوهري في الصحاح: “والحَميمُ الماء الحارّ. وقد اسْتَحْمَمْتُ، إذا اغتسلتَ به. هذا هو الأصلُ ثمَّ صار كلُّ اغتسالٍ استحماماً بأي ماء كان….. والحَميمُ المطر الذي يأتي في شدَّة الحرّ. والحميمُ العَرَقُ. وقد اسْتَحَمَّ، أي عَرِقَ.”

 

قل: أقام بسورية من بلاد الشام
ولا تقل: أقام بسوريّا ولا سُوريَا

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن سورية هي من بلاد الشام على قول أو هي بلاد الشام على قول آخر. وقد ذكر الزمخشري في كتابه الفائق ما هذا نصه: “قال كعب (رحمه الله) ان الله بارك للمجاهدين في صليات أرض الروم كما بارك لهم في شعير سورّيَة”. قال الزمخشري: “الصليات نبات تجذبه الأبل وتسميه العرب خبزة الإبل…وسورّية هي الشام والكلمة رومية”. وقال ياقوت في معجم البلدان: “سورية موضع بالشام بين خناصرة وسلمية والعامة تسميه سورية”، ثم نقل قول بعض شيوخ الروم لملكهم هرقل “أنشدك الله أن تدع سورية جنة الدنيا للعرب وتخرج منها ولم تعذر”. وقول هرقل “سلام عليك يا سورية سلام مودع لا يرجو أن يرجع اليك أبداً”. فقل سوريّة ولا تقل: سُورّيا ولا سُوريَا.”

 

قل: وَرَقُ الدِّفْلى مُرُّ
ولا تقل: وَرَقُ الدِّفْلةِ مُرُّ

وكتب الزبيدي: “يقولون لضرب من الشجر “دِفْلَة” والصواب “دِفلى” على مثال “فِعلى” والأل للتأنيث. وقال أبو علي: العرب تقول “هو أمرُّ من الدِّفْلى وأحلى من العسل”.

وقال أبو حنيفة الإصبهاني: يقال لشجر الدِّفْلى “الحَبَنُ” وزنادها جيدة فيما زعموا، ولا يأكل الدفلى شيء، وهو للحافر سَمٌّ نَحّار. وقال الأحمر: الدَّفْلى للواحد والجمع.

  

قل: كاد الرجل ينجح
ولا تقل: كاد الرجل أن ينجح

وكتب عبد الهادي بو طالب: “أما بعد فعل كاد (وهو أيضا من أفعال المقاربة) فأنصح ألا تُستَعمَل بعده “أَنْ”. ففي القرآن: “يكاد سَنا بَرْقٍه يذهبُ بالأبصار”. وإن كان ورد استعمالها في المقولة المشهورة: “كاد المُريبُ أن يقول خذوني”.

ومما أخذ يشيع على الألسنة والأقلام استعمال كلمة “الكاد” ويقولون:”وبالْكادِ حصل منه على وعد”. وفي هذا التعبير أدخلت أل التعريفية على الفعل (كاد) وهي لا تدخل إلا على الاسم والأحسن استعمال “بصعوبة” بدلا من بالكاد.

 

قل: اتخذت سِردابا بعشر درج
ولا تقل: اتخذت سَردابا بعشر درج

وكتب الحريري: ويقولون: اتخذت سَردابا بعشر درج، فيفتحون السين من سرداب، وهي مكسورة في كلام العرب، كما يقال: شِمراخ وسِربال وقِنطار وشِملال، وما أشبه ذلك مما جاء على فِعلال بكسر الفاء.

ثم إن العرب فرقت بين ما يرتقى فيه وما يحدر منه، فسمت ما يرتقى فيه إلى العلو درجا وما يتحدر فيه إلى السفل دركا، ومنه قوله تعالى: “إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار” وجاء في الآثار: أن الجنة درجات والنار دركات.” انتهى

وهكذا نرى أن العرب وضعوا قواعد حتى للأعجمي اذا ما دخل الاستعمال في العربية. فكلمة “سرداب” فارسية لكنها ما أن دخلت الإستعمال عند العرب حتى جعلوها على وزن “مِفعال”.

 

قل: أرض يَنْعَبُ فيها الغُرابُ
ولا تقل: أرض يَنْعُبُ فيها الغُرابُ

كتب الحريري: “ويقولون في مضارع ذخر يذخُر بضم الخاء، والصواب فتحها، كما يقال: فخر يفخر وزخر البحر يزخر، ومن أصول العربية أنه إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق التي هي الهمزة والهاء والعين والحاء الغين والخاء، كان الأغلب فتحها في المضارع، نحو سأل يسأل وذهب يذهب ونعب ينعب وسحر يسحر، وفغر فاه يفغر، وفخر يفخر، فإن نطق في بعضها بالكسر أو بالضم فهو مما شذ عن أصله، وندر عن رسمه.”

 

قل: وضع الدجاج في الخُمِّ
ولا تقل: وضع الدجاج في القن

جاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ويقولون لمحبس الدجاج وقفص الدواجن والطير: القن، فيوهمون، والصواب أن يقال له: الخم، لأن القن هو العبد الذي ولد من أب مملوك، والجمع قنان وأقنة، ومنه قول جرير:

إن سليطا في الخسار إنه ** أبناء قوم خلقوا أقنه

ومنه أيضا أنهم يطلقون على الحبل الذي يشد به السروال والمنطق. اسم الدكة، والصواب أن يقال له التكة. ويقولون لموجودات المنزل ومتاعه: عفش والصواب أن يقال لها: شوار أو أثاث. ويقولون للبلعوم: الحُنجُرة (بضم الحاء والجيم)، والصواب الحَنجَرة (بفتحهما)، والجمع حناجر، ومنه قوله تعالى: “وبلغت القلوب الحناجر”. انتهى

وجاء في لسان العرب: “والخُمُّ: قَفَصُ الدجاج؛ قال ابن سيده: أَرى ذلك لخبث رائحته.”

 

قل: جاءني في وَضَحِ النهار
ولا تقل: جاءني في وَضْحِ النهار

وكتب عبد الهادي بوطالب: “وَضَحُ الصُّبحِ هو وقت ظهور الصباح بعد انكشاف ظلام الليل. ووَضَحُ النهار هو وقت ظهور وقت النهار ببزوغ الشمس واضحة للعيان (أي للمعاينة بالبصر). وبعض المتحدثين يخطئون فلا يفتحون الواو والضاد. وتختلف ألسنتهم على تشويه الكلمة فيضع البعض على الواو الضمة أو الكسرة ويسكِّن البعض الضاد والصواب هو الوَضَح. وفعله وضَح يضِح ضَحة (بدون واو كما هو الشأن في سَعة (من وسِع) ودَعَة (من وَدَع). كما أن مصدره هو وُضوح.

ويطلق الوَضَح أيضا على الطريق المستقيم الذي يسهل السير عليه. ويُعبَّر عن هذا النوع من الطريق بالمَحَجَّة. وفي الحديث: “عليكم بالْمَحَجَّة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك”. وعلى ذلك نقول: “حُجَّة فلان واضحة كوَضَح الصبح أو وَضَح النهار”. كما يُطلق الوَضَح على البياض الناصع فهو بذلك لا يشوبه لون آخر يفقد به وضوحه. وفي معنى الجلاء والوضوح يقال أيضا وضَح الوجهُ أي بان حسنه.”

 

قل: ملكتهم بِلقِيس
ولا تقل: ملكتهم بَلْقِيس

كتب الحنفي: “قال الصقلي: يقولون: بَلْقيس، بفتح الباء. والصواب كسرها.”

 

قل: كانت حرفته الحِجَامَة
ولا تقل: كانت حرفته الحَجَامَة

كتب الحنفي: “أقول: يقولون للحِرْفَةِ المعروفة: الحَجامة، بفتح الحاء، وهو بكسرها في القاموس: وحِرْفَتُهُ الحِجامة ككِتابة. وفي المختار: الأسم الحِجامة، بالكسر. وكذلك لا يتحقّقون معناه فإنّهُ المصُّ، وإنّما سُمي بها لأنّه يمصُّ الدم بعد القطع، كذا في القاموس.”

وجاء في لسان العرب: ” وأَصل الحَجْمِ المصّ….. قال ابن دريد: الحِجامةُ من الحَجْمِ الذي هو البَداءُ لأَن اللحم يَنْتَبِرُ أَي يرتفع.” وكتب الفيروزأبادي في القاموس عن معنى “حجم” الذي كتب عنه ابن دريد: “الحَجْمُ من الشيءِ: مَلْمَسُه الناتِئُ تَحْتَ يَدِكَ.”

 

قل: هذه مسابقة حسنة وظاهرة حسنة وعلامة حسنة وإمارة حسنة وطالعة حسنة
ولا تقل: بادرة حسنة

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “البادرة” عند إطلاقها عند العرب تدل على غير الحسن، وغير المستحسن، إذا كانت بادرة إنسان وكانت معنوية لا مادية. جاء في لسان العرب: “والبادِرَةُ الحِدَّةُ، وهو ما يَبْدُرُ من حِدَّةِ الرجل عند غضبه من قول أَو فعل. وبادِرَةُ الشَّرِّ: ما يَبْدُرُكَ منه؛ يقال: أَخشى عليك بادِرَتَهُ.”

وبَدَرَتْ منه بَوادِرُ غضَبٍ أَي خَطَأٌ وسَقَطاتٌ عندما احْتَدَّ.
والبادِرَةُ البَدِيهةُ. والبادِرَةُ من الكلام: التي تَسْبِقُ من الإِنسان في الغضب؛ ومنه قول النابغة: ولا خَيْرَ في حِلْمٍ إِذا لم تَكُنْ له / بَوادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا”.

وهذا من التعابير البلاغية وذلك أن الشاعر نفى الخوف من بوادره وأراد أنه ليس له بوادر فتخاف وتخشى، والذي أشعرنا بذلك هو أن البوادر مخشية مخوفة سواءاً أكانت منه أم كانت من غيره.

وقد اتصفت بادرة الإنسان المعنوية بالسوء في كتب اللغة كما ذكرت وفي اللغة الأدبية كما ذكرت في البيت “سهل الخليقة لا تخشى بوادره” وكقول الفرزدق:

إذا مالك ألقى العمامة فاحذروا         بوادر كفّي مالك حين يغضب

قال الشريف الرضي أراد الفرزدق أن مالكاً إذا ألقى العمامة طار حلمه وخيف سطوه وما دام معتماً فهو مأمون الهفوة أو مغمود السطوة، وعلى مجرى عادتهم وعُرف طريقتهم.

وجاء في تأريخ الطبري ذكر بادرة الجهل، وورد في مادة فرط من أساس البلاغة للزمخشري “ونخاف أن تفرط علينا بادرة” وورد في تأريخ الوزراء “أو بادرة تندم عليها”، فالبادرة مفروضة بالسوء أبداً حتى بادرة الدمع. إلا أن البادرة وردت كما نقلنا من لسان العرب بمعنى البديهة وهو القول المفاجئ ولا يشترط فيه الخير والحسن، وإنما يجوز فيه الإعجاب لبراعتها وإن كانت بذيئة في بعض الأحيان. قال أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة “ومتى لم تغفر لي الذنب البكر والجناية العذراء والبادرة الصادرة فقد أعنتني على ما كان مني”، فلو كانت البادرة حسنة لم يحتج صاحبها الى الغفران.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني
15 نيسان 2018

 

قل ولا تقل / الحلقة الرابعة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: ما أدى لمقتل طفل واصابه 10 مدنيين آخرين
لا تقل: ما أدى إلى ارتقاء طفل وإصابة 10 مدنيين آخرين

شاع في اعلام بلاد الشام بشكل خاص استعمال جديد لكلمة “ارتقى” أو “ارتقاء” لتعني “قتل” أو “مات” أو “توفي”. ولا أدري متى دخل هذا الإستعمال الغريب. لكنك ما أن تسمع اليوم احدى قنوات التلفزة في بلاد الشام أو تقرأ خبراً على موقع من المواقع التي تدعي العروبة حتى تسمع أو تقرأ مثل ما جاءت به قناة الميادين يوم 24 شباط في الخبر أعلاه.

وهذا ليس سوى حلقة من سلسلة العبث بالعربية والإساءة لها بل هدمها عن قصد أوجهل. فليست هناك حاجة لإستحداث استعمال فعل أو مصدر جديد حين يوجد في العربية عدد من المصادر والأفعال التي تفي بالمعنى. وهذا ليس تطور للغة بل هدم لها.

فلم تعرف العرب استعمال الفعل “ارتقى” بمعنى “مات” أو “قتل” حتى يصبح استعمال المصدر ليعني الموت أو القتل.

فهذا ابن منظور يكتب في اللسان: “ورَقِيَ إلى الشيءِ رُقِيّاً ورُقُوّاً وارْتَقى يَرْتَقي وتَرَقَّى: صَعِد.”

انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة الرابعة والتسعون”

قل ولا تقل / الحلقة الثالثة والتسعون

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: جاءت وحْدة عسكرية

ولا تقل: جاءت وحَدَة عسكرية

وكتب عبد الهادي بوطالب: “نسمع في الإذاعة والتلفزة هذا الخطأ :الوحَدة العسكرية، والوحَدة الإعلامية. والصواب هو تسكين حرف الحاء من كلمة الوحدة. وجمعها على فَعَلات.

ويحسن أن نذكر أن الإعلام لا يخطئ حين يتحدث عن الوحْدة الوطنية والوحْدة الترابية بتسكين حرف الحاء، فلم لا يتجنب الإعلام هذا الخطأ حين يتحدث عن الوحْدة العسكرية، والوحْدة الإعلامية؟” انتهى

وكتب ابن منظور في اللسان: وحكى سيبويه: الوَحْدة في معنى التوَحُّد. الجوهري: الوَحْدةُ الانفراد.

وفي الحديث: أَن الله تعالى لم يرض بالوَحْدانيَّةِ لأَحَدٍ غيره، شَرُّ أُمَّتي الوَحْدانيُّ المُعْجِبُ بدينه المُرائي بعَمَلِه، يريد بالوحْدانيِّ المُفارِقَ للجماعة المُنْفَرِدَ بنفسه، وهو منسوب إِلى الوَحْدةِ والانفرادِ، بزيادة الأَلف والنون للمبالغة.”

وكتب الجوهري في الصحاح: “الوَحْدَةُ: الانفرادُ. تقول: رأيته وحدَه.”

 

قل: نقص المبلغ ثلاثة أفلس أو أربعة أفلس وهلم جراً الى عشرة أفلس

ولا تقل: (نقص) ثلاثة فلوس ولا أربعة فلوس حتى العشرة

كتب مصطفى جواد: “لأن الأفلس جمع قلة وهو من الثلاثة الى العشرة فاذا زاد المبلغ على ذلك قيل فُلوس. وهكذا يقال أشهر للقلة وهي شهور لكثرة، فنقول أقام ببغداد ثلاثة أشهر أو ستة أشهر حتى العشرة فإذا جاوزتها إقامته قلنا: أقام فيها شهوراً نعني أكثر من عشرة أشهر، وكذلك القول في الأنظمة والنظم. فالأنظمة من الثلاثة الى العشرة والنظم من العشرة الى أكثر منها.”

 

قل: شهور كثيرة وأشهر قليلة

ولا تقل: شهور قليلة وأشهر كثيرة

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “الشهور” جمع تكسير للكثرة فهو على وزن “فُعول” فلا يمكن أن تكون عدته قليلة، فهو مثل “صدر وصدور” و “قلب وقلوب” و “نفس ونفوس” و “درب ودروب” و “عقل وعقول” و “حظ وحظوظ” و “جد وجدود” وألف غيرها من جموع الكثرة. ويشمل جمع الكثرة من العشرة إلى ما لا حد له. أما “الأشهر” فهو جمع تكسير للقلة أي لأدنى العدد، وهو من الثلاثة الى العشرة فلا يصح وصفه بالكثرة. وقد وضعت العرب جمع القلة وجمع الكثرة ليدلا بصيغهما وأوزانهما على المقدار العام للمعدود، إذا خلت العبارة من ذكر العدد مصروحاً. فإذا قلنا: أقام ببغداد أشهراً عُلم أن الإقامة لم تتجاوز عشرة أشهر وإذا قلنا: أقام شهوراً عُلم أنه أقام أكثر من عشرة أشهر، وعلى هذا يجري كل ما له جمعان على وزن “أفعُل و فُعول” كأفلس وفلوس، فإن لم يكن للإسم إلا جمع قلة قسنا له جمع كثرة وإن لم يكن له إلا جمع كثرة قسنا له جمع قلة. وينبغي لنا أن لا نتقيد بقول من قال: لا يجوز القياس في الجموع، فهذا تحكم من عنده فلا يلتفت اليه ولا يجعل عليه.

ثم ان اللغويين لم يستقصوا ذكر الجموع في كتب اللغة. ألا ترى أن “البغل” جمع فيها أي في كتب اللغة على “بغال وأبغال” فقط مع ان “الأبغل” جمع القلة للبغل قد ورد في كلام الفصحاء كما جاء في الجزء الثاني من تأريخ بغداد للخطيب وتأريخ الطبري. وكتاب الوزراء للجهشياري وكتاب “بدائع البدائع” لإبن ظافر الأزدي، وهذا يدل على أن العرب لا يخيمون عن القياس عند وجود الضرورة، ولذلك ينبغي أن يقال: عندي ثلاثة أفلس وأربعة أفلس وخمسة أفلس وستة أفلس وسبعة أفلس وثمانية أفلس وتسعة أفلس وعشرة أفلس فإذا زاد مقدرا العدد قيل: فلوس.

وهذا من أخص الخصائص في اللغة العربية أعني أن يُقدّر العدد بلفظ الجمع تقديراً عاماً، ويُعلم أنه قليل أو كثير. فقل: شهور كثيرة واشهر قليلة ولا تقل: شهور قليلة وأشهر كثيرة، هذا على سبيل التأكيد وإلا فقل شهور للكثير وأشهر للقليل.”

وكتب الحريري: ويقولون ثلاثة شهور وسبعة بحور، والاختيار أن يقال: ثلاثة أشهر وسبعة أبحر، ليتناسب نظم الكلام، ويتطابق العدد والمعدود، كما جاء في القرآن: “فسيحوا في الأرض أربعة أشهر” وفيه أيضا: “والبحر يمده من بعده سبعة أبحر”، والعلة في هذا الاختيار أن العدد من الثلاثة إلى العشرة وضع للقلة، فكانت إضافته إلى مثال الجمع القليل المشاكل له أليق به، وأشبه بالملاءمة له.

أمثلة الجمع القليل أربعة: أفعال، كما قال سبحانه: “فصيام ثلاثة أيام”، وأفعل: كما ورد في التنزيل أيضا ” سبعة أبحر”، وأفعلة: كقولك: تسعة أحمرة وفعلة، كقولك: عشرة غلمة.

وهذا الاختيار في إضافة العدد إلى جمع القلة مطرد في هذا الباب، اللهم إلا أن يكون المعدود مما لم يبن له جمع قلة، فيضاف إلى ما صيغ له من الجمع على تقدير إضمار من البعضية فيه، كقولك : عندي ثلاثة دراهم، وصليت في عشرة مساجد، أي ثلاثة من دراهم وعشرة من مساجد. ولسائل أن يعترض بقوله تعالى: “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء” فيقول: كيف أضاف الثلاثة إلى قروء، وهي جمع الكثرة، ولم يضفها إلى الأقراء التي هي جمع القلة.

والجواب عنه أن المعنى في قوله تعالى: “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء” أي ليتربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء، فلما أسند إلى جماعتهن ثلاثة، والواجب على كل واحدة منهن ثلاثة، أتى بلفظة قروء، لتدل على الكثرة والمرادة والمعنى الملموح.

 

قل: ما يزال أمامنا مسار طويل

ولا تقل: ما يزال أمامنا مَشْوار طويل

كتب بو طالب: “تُستعمَل هذه الكلمة في الإعلام كثيرا للدلالة على الطريق، أو المسار. وهي مأخوذة من العامية المصرية. ولم تدخل معاجم اللغة الفصحى. ويقال “ما يزال أمامنا مَشْوار طويل”
ومن أغرب ما عرفته عن هذه الكلمة ما قال لي عنها أحد الزملاء الأساتذة المصريين (الذي أقرَّ معي بأنها ليست عربية) من أنه يظنها محرفة عن كلمة “مارْشْوار” الفرنسية. لكن أخبرته أن هذه الكلمة ليست فرنسية ولا توجد في المعاجم الفرنسية. توجد كلمات في الفرنسية على صيغة “مارْشْوار” هي مثلا كلمة “دُورْتْوار” (Dortoir) التي تعني قاعة النوم المشتركة التي تُخصَّص في الداخليات المدرسية للتلاميذ ليناموا فيها. وكلمة “بَّارْلْوار” (Parloir) التي تعني مكانا مخصَّصا للحديث كالمكان المخصص لزائري السجناء للتحدث إليهم وهم وراء القضبان. وعليه فالأصوب أن نقول : “ما يزال أمامنا طريق طويل” أو “أمامنا مَسارٌ صعب”.

 

قل: رُدَّا علي القول

ولا تقل: أرددا علي القول

كتب الحريري:ومن أوهامهم في التضعيف قولهم للاثنتين: ارددا، وهو من مفاحش اللحن، ووجه الكلام أن يقال لهما: ردا كما يقال للجميع: ردوا، والعلة فيه أن الألف التي هي ضمير المثنى، والواو التي هي ضمير الجمع تقتضيان لسكونهما تحريك آخر ما قبلهما، ومتى تحرك آخر الفعل حركة صحيحة وجب الإدغام، وهذه العلة مرتفعة في قولك للواحد: اردد، فلهذا امتنع القياس عليه.”


قل: هو بين ظهرانَيهم
(بفتح النون)

ولا تقل: هو بين ظهرانِيهم (بكسر النون)

كتب الحريري: “ويقولون: هو بين ظهرانيهم بكسر النون، والصواب أن يقال: بين ظهرانيهم، بفتح النون، وأجاز أبو حاتم أن يقال: بين ظهريهم.
وحكى الفراء قال: قال أعرابي ونحن في حلقة يونس بن حبيب بالبصرة: أين مسكنك فقلت: الكوفة، فقال لي: يا سبحان الله هذه بنو أسد بين ظهرانَيكم وأنت تطلب اللغة بالبصرة قال: فاستفدت من كلامه فائدتين: إحداهما أنه قال: هذه، ولم يقل: هؤلاء، لأنه أشار إلى القبيلة فأنث، والثانية أنه قال: ظهرانيكم بفتح النون ولم يقل بكسرها.

ويحكى أن المغربي وقف على الجنيد فسأله عن قوله تعالى: “سنقرئك فلا تنسى”، فقال: سنقرئك التلاوة فلا تنس العمل به، ثم سأله عن قوله عز وجل: “ودرسوا ما فيه” فقال: تركوا العمل به، فقال: حرجت أمة أنت بين ظهرانَيها لا تفوض أمرها إليك.” انتهى

وتوسع ابن منظور في لسان العرب في ذلك فكتب:

“وهو نازل بين ظَهْرٍيْهم وظَهْرانَيْهِم، بفتح النون ولا يكسر: بين أَظْهُرِهم.
وفي الحديث: فأَقاموا بين ظَهْرانيهم وبين أَظْهرهم؛ قال ابن الأَثير: تكررت هذه اللفظة في الحديث والمراد بها أَنهم أَقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد لهم، وزيدت فيه أَلف ونون مفتوحة تأْكيداً، ومعناه أَن ظَهْراً منهم قدامه وظهراً وراءه فهو مَكْنُوف من جانبيه، ومن جوانبه إِذا قيل بين أَظْهُرِهم، ثم كثر حتى استعمل في الإِقامة بين القوم مطلقاً.”

 

قل: اشتقت اليك

ولا تقل: اشتقتك

ونأخذ مما جاء في كتاب فائت صحيح ثعلب في باب متفرق ما يلي: “نكَه في وجهه يَنْكَهُ (وينكه نَكْهاً إذا أمره بأن ينكه ليعلم أشارب هو أم غير شارب – اللسان)، أنا أفرق منك وأفزع منك ولا يقال أفرقك ولا أفزعك، ولكن أخشاك وأهابك. ويقال بنى فلان على أهله ولا يقال بني بأهله، ويقال اشتقت اليك ولا يقال: اشتقتك. دلاّل بيِّن الدَّلالَة، ودليل بيِّن الدِّلالة. طردته فذهب ولا يقال فانطرد. وهو سِمعان، ودِحَيَّة الكلبي، ويقال هو حسنُ الِبنْيَة، السَّرور بالفتح: الإسم، والسُّرور المصدر. وأهل الحجاز يقولون: خَرَجنا نَتّبَسَّط يريدون: نَتَنَزَّه. فلان يتَرَآى في المرآة وفي السيف أي ينظر وجهه فيهما. عايَرتُ في الميزان مُعايَرَة وعياراً ولا تقل: عَيَّرْتُ، ولكن عَيَّرْتُ الرجل فعله وعَيَّرته أمَّه وأباه إذا عبته بهما ولا تدخل الباء. استوجب ذلك فلان واستحقه ولا تقل: استأهله، ولكن يقال هو أهلُ ذلك وأهلٌ لذلك، والمستأهل: الذي يأخذ الإهالة. ألَّفْتُ بين الشيئين إذا ألزقتُ أحدهما بالآخر، وآلفْتُ بينهما إذا جمعتهما. ثلاثة أخوة مفترقين (ليس متفرقين) لأنك تريد: افترقوا في النسب، ولا تريد: تفرقوا في الأمر، وكذلك افترقت الأمة ولا تقل: تَفَرَّقت. قل عَلَيَّ في هذا الأمر مَضَرَّة ولا تقل: لي فيه مّضَرَّة، ولكن تقول: لي فيه مَنْفَعَة. وحَسَرَ عن رأسه يَحسِرُ، وكَشَفَ عن رِجلِهِ وسَفَرَ عن وجهه ولا يقال حسر إلا في الرأس. وحديث مُستَفيضٌ ولا يقال مُستفاضٌ ألا أن تقول: مستفاض فيه. الجِنازة (بالكسر): السرير الذي يحمل عليه الميت، والجَنازة (بالفتح): الميت. أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي للكميت: (كان مَيْتاً جِنازة خَيرَ ميْت/ غيَّبَتْه حَفائِرُ الأقوام). ( وجرى على هذا الرأي ابن سيده كما جاء في اللسان أما الأصمعي فقال الجِنازة (بالكسر) هو الميت نفسه. أما ابن قتيبة فقد جاء بالرأيين فقال في موضع بجواز الفتح والكسر وقال في موضع آخر انها بالكسر). ما رأيته البَتَّة ولا تقل: بتَّة. (ومذهب سيبويه وأصحابه أن البتَّة لا تكون إلا معرفة لا غير، وانما أجاز تنكيرها الفراء وحده).

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أيضا أنهم لا يفرقون بين الجَنازة ( بالفتح ) والجِنازة ( بالخفض )، وقد تباينت آراء اللغويين حولهما، فقال بعضهم: كلاهما بمعنى، وتعنيان الميت. وقال بعضهم الآخر: الجِنازة (بالخفض) تعني الميت على سريره، فإن لم يكن عليه فهو النعش. وقال آخرون: الجِنازة (بالخفض) هو السرير الذي يحمل عليه الميت. والصواب أن الجنازة (بالخفض) هي الجثة، وتقول العرب: ضرب الرجل حتى ترك جنازة، أي جثة هامدة، ومنه قول الكميت يذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

كان ميتا جنازة خير ميت ** غيبته حفائر الأقوام

واستعار بعض مجان العرب الجنازة لزق الخمر الفارغ، فقال عمرو بن قعاس:

وكنت إذا أرى زقا مريضا ** يناح على جنازته، بكيت

وأما الجَنازة ( بالفتح ) فتطلق على وجود الميت داخل سريره، فهما معا جنازة، فإن انفصلا، فواحدهما جِنازة ( بالخفض ) والآخر نعش وهو الآلة الحدباء التي كنى عنها كعب بن زهير بقوله:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ** يوما على آلة حدباء محمول

وجميع ما تقدم مأخوذ من الفعل جنز الشيء يجنزه جنزاً أي ستره.
ومما يذكر أن النوار لما احتضرت أوصت أن يصلي عليها الحسن رضي الله عنه، فقيل له ذلك، فقال: إذا جنزتموها فآذنوني، والمعنى: إذا كفنتموها بعد الغسل ووضعتموها في النعش بحيث تصير جنازة فارسلوا في طلبي.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

 

قل ولا تقل / الحلقة الثانية والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: أعلن الرئيس ترامب ما أسماه صَفْقَة القرن

ولا تقل: أعلن الرئيس ترامب ما أسماه صَفَقَة القرن

كتب قبل عقود العالم الجليل الذي ضيعه قومه الدكتور مصطفي جواد (غفر الله له ولوالديه) ما يلي: “ومن أشد الرزايا التي أصابت اللغة العربية أن ناساً من الكتاب والشعراء يكتبون وينظمون وينشرون كلماً غير مشكول، واللحن في غير المشكول لا يظهر، فاذا قرؤوا كتابة أنفسهم ونظمهم بان عوارهم. وانكشف لحنهم في أقبح الصور. وقد سمعت شاعراً مبدعاً يحب أن يقرن اسمه بالكبير ينشد قصيدة له فاذا هو لحانة يكسر المفتوح ويفتح المضموم وينون الممنوع من الصرف ويكسر المضموم ويضم المفتوح… ويفعل غير ذلك من الأوهام الصرفية دون النحوية لأن قواعد النحو معروفة محدودة، وأما الضبط الصرفي فيحتاج الى معجم مشكول أو سماع منقول مقبول. وهؤلاء قد حفظوا كلماً ملحوناً فيه من قوم لحانين وبقوا على جهالتهم”.

وحالنا اليوم أسوء من ذلك. فقد نتج عن ثورة المعلومات الرقمية انتشار وسائل الإعلام المسموعة والمرئية. وهذه بدورها يدير أكثرها أميون جيء بهم لإعتبارات سياسية أو دينية أو تجارية، وهم بدورهم استخدموا مذيعين ومراسلين لايقلون أمية عنهم.

فأصبح العربي المحب للغته، والذي كان من سوء حظه أن يوجد في هذا الزمن الرديء، لا خيار له سوى أن يعرض نفسه للأذى وهو يسمع الأخبار والتقارير الإعلامية. مهما حاول أن يستر نفسه وذلك بقراءة الأخبار على مواقع الإعلام غير مشكولة بدل سماعها من أفواه الأميين.

انتشر في الأسابيع الماضية خبر اعلان الرئيس الصهيوني في واشنطون أنه ينقل مقر عمله من مدينة تل أبيب الى القدس، ووصفته أكثر وسائل الإعلام بانه “صَفَقَة القرن”، وذلك بفتح الصاد والفاء والقاف. وهذا من شنيع القول لأن الصحيح هو “صَفْقَة القرن” بتكسين الفاء. وهو لا يختلف كثيرا عن قول مقدمي البرامج “حَلَقَة جديدة”، بفتح اللام.

ويبدو أن معدي الأخبار أو المذيعين أنفسهم يعتقدون أنه ما دام جمع “حلقة” هو “حَلَقَات” وجمع “صفقة” هو “صَفَقَات” فلا بد أن الأصل “صَفَقَة”. وقد سبق أن كتبنا عن هذا في حلقات سابقة من هذا المسلسل فمن أراد المزيد فليكلف نفسه مشقة العودة لها.

وجاء في المقاييس: “الصاد والفاء والقاف أصلٌ صحيح يدلُّ على ملاقاةِ شيءٍ ذي صَفْحةٍ لشيءٍ مثله بقُوَّة. من ذلك صَفَقْتُ الشَّيءَ بيدي، إِذا ضربتَه بباطن يدكِ بقُوّة. والصَّفْقَة ضربُ اليدِ على اليدِ في البَيْعِ والبَيْعةِ، وتلك عادةٌ جاريةٌ للمتبايِعين.”

أما “صَفَقَة” فهي جمع “صافق” كما ان “حَلَقَة” هي جمع “حالق” و “كَفَرَة” هي جمع “كافر”.

فقل: صَفْقَة القرن ولا تقل صَفَقَة القرن.

 

قل: هو رجلٌ نَسَّابَةٌ (إذا مدحته)

ولا تقل: هو رجل نَسَّابٌ

ونأخذ مما كتبه ثعلب في “باب ما أدخلت فيه الهاء في وصف المذكر” ما يلي: ” تقول رجلٌ راويةٌ للشعر ورجل عَلاّمَة، ونَسَّابَة، ومِجذامة (أي قاطع للأمور)، ومِطرابة (كثير الطرب)، ومِعزابة (من طالت عزوبته) وذلك إذا مدحوه، كأنما أرادو به داهية. وكذلك إذا ذمُّوه فقالوا رجلٌ لَحَّانة (أي كثير الخطأ)، وهِلباجة (الأحمق الضخم)، ورجل فَقَّاقَة (أي أحمقٌ هُذَرَة)، وجَخَّابَة (الأحمق الَّلحيم) في حروف كثيرة كأنهم أرادوا به بهيمة.”

 

قل: هو رجلٌ ذَميِمٌ تعني سيِّء الخُلُق

ولا تقل: هو رجلٌ دَميمٌ تعني سيِّء الخُلُق

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “الذَّميمُ معجماً (أي بالذال) السَّيِّء الخُلُقِ، وغير المعجم (بالدال) (هو) القميء.” إنتهى

وكتب ابن فارس في باب (ذم) في المقاييس: “الذال والميم في المضاعف أصلٌ واحد يدلُّ كلُّه على خلافِ الحمد. يقال ذَمَمْتُ فلاناً أذُمُّه، فهو ذميمٌ ومذموم، إذا كان غير حميد. ومن هذا الباب الذَّمَّة، وهي البئر القليلةُ الماء.”

وكتب في باب (دم): “الدال والميم أصلٌ واحد يدلُّ على غِشْيان الشَّيء، مِن ناحيةِ أنْ يُطْلَى به…. فأمَّا قولهم رجلٌ دميمُ الوجه فهو من الباب، كأنّ وجهَه قد طلِيَ بسوادٍ أو قُبْحٍ. يقال دَمَّ وجههُ يَدِمُّ دَمامةً، فهو دميم”.

 

قل: تكلم على مختلِف الشؤون (بكسر اللام من مختلِف)

ولا تقل: مختلَف الشؤون (بفتح اللام)

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “المختلِف” اسم فاعل منقول الى الصفة المشبهة لدوام الصفة فيه، اي صفة الإختلاف وهو مشتق من الفعل “اختلف يختلف” وهو فعل لازم مشترك أيضاً، مثل “اطّرد”. يقال “اختلفت الشؤون تختلف فهي مختلِفة أي خالف بعضها بعضاً فتنوعت فهي مختلِفة اي متنوعة ” واصل العبارة “تكلم على الشؤون المختلِفة” فالمختلفة صفة من الإشتقاق والإعراب. ثم قدمت الصفة على الموصوف فصارت مضافة الى ما بعدها فقيل “مختَلِف الشؤون”، وهكذا الحال في كل صفة تقدم على موصوفها، فإنها تفقد تأنيثها، تقول: ليس في هذا الأمر كبير فائدة ولا جليل عائدة. وكذلك الأمر إذا عملت الصفة في جمع التكسير المؤخر، كقوله تعالى في سورة النحل: “يخرج من بطونها شراب مختلِف ألوانه فيه شفاء للناس”، وكقوله عز من قائل: “ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءاً فأخرجنا به ثمرات مختلِفاً ألوانها ومن الجبال جُدد بيض وحُمر مختلف ألوانها وغرابيب سود”. ويجوز اشتقاق اسم مكان من اختلف وهو “المُختلَف”، تقول: هذا مختلَف طلاب العلم أي الطريق الذي يختلفون فيه لطلب العلم كطريق المعاهد العلمية.”

وكتب عبد الهادي بوطالب: لا يفرق الكثيرون بين مختلِف (بكسر اللام) ومختلَف (بفتح اللام) ويضعون كل واحد منهما موضع الآخر.
والصواب كسر اللام حين يكون اللفظ دلالة على اسم فاعل وفتحها حين يكون دالا على اسم مفعول.

والأصل في ذلك أن فعل اختلف لازم ويمكن تعديته بحرف من حروف الجر. والتعدية بحرف الجر (من) أو (على) مثلا قاعدة لغوية. وقد وضحنا هذا في حرف الخاء عندما تحدثنا عن اختلف فيه واختلف عنه، ونعود إلى ذلك فيما يلي:

نقول: “اختلف الأمرُ”. فالأمر مختلِفٌ. ونقول: “يختلِف النهارُ عن الليل والليلُ عن النهار”. ونقول :”كلٌّ منهما مُختلِفٌ عن الآخر”. لكن عندما نقول :” اختُلِف في صحة هذا الخبر” نقول :” الخبر مختلَف في صحته أو عدمها”.

وقد جاء في القرآن الكريم: “وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه”. والفعل هنا لازم فنقول: “الذين أوتوه مختلِفون فيه”، وجاء لفظ مختلِف بكسر اللام في آيات عديدة من القرآن عندما يكون لازما. وذلك مثلا في قوله تعالى :”يخرج من بطونها شرابٌ مختلِف ألوانُه”، وقوله: ” والسماء ذات الحُبُك إنكم لفي قول مختلِف”. وورد في القرآن استعمال مختلِف في صيغة الجمع كقوله: “يتساءلون عن النبإ العظيم الذي هم فيه مختلِفون”.
وكثيرا ما يقع الخطأ عندما يأتي لفظ مختلِف مضافا إلى ما بعده كمختلِف الأمور، ومختلِف الحاجات، ومختلِف  الأدوار، ومختلِف المذاهب. وفي جميع هذه الأمثلة وأمثالِها يُكسَر اللام لأن فعلها (اختلف) لازم.

 

قل: حط طائرٌ على الشجرة

ولا تقل: حط طيرٌ على الشجرة

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “الطائرُ للواحد أمّا الطير فهو اسم الجنس ولا يقال للواحد طير.”

 

قل: أشلت الشيء

ولا تقل: شلت الشيء

كتب الحريري: “ويقولون: شلت الشيء، فيعدون اللازم بغير حرف التعدية، ووجه الكلام أن يقال: أشلت الشيء، أو شلت به، فيتعدى بهمزة النقل أو بالباء كما تقول العرب: شالت الناقة بذنبها، وأشالت ذنبها، والشائل عندهم هو المرتفع، ومنه قول الشاعر:

يا قوم من يعذر في عجرد ** القاتل المرء على الدانق

لما رأى ميزاته شائلا ** وجاه بين الأذن والعاتق

وذكر بعض مشايخ أهل اللغة أن من أفحش ما تلحن فيه العامة قولهم: شال الطير ذنبه لأنهم يلحنون فيه ثلاث لحنات، إذ وجه القول: أشال الطائر ذناباه.

ذكر أبو عمر الزاهد أن أصحاب الحديث يخطئون في لفظة ثلاثية في ثلاثة مواضع، فيقولون في حراء ( اسم الجبل ) حري فيفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة ويقصرون الالف وهي ممدودة وحراء مما صرفته العرب ولم تصرفه.”

 

قل: الأوراق الخضر والأعلام الصفر

ولا تقل: الأوراق الخضراء والأعلام الصفراء

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن المطابقة بين الصفة والموصوف واجبة في اللغة العربية بعد أن تطورت واكتملت وقد التزم العرب هذه المطابقة وخصوصاً في أفعل ومؤنثه فعلاء للأحوال والألوان. قال تعالى “ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود”. وقال عز من قائل: “عاليهم ثياب سندس خضر”، وقال “وسبع سنبلات خضر”، وقال “متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان”، وقال “ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق”.

وقال عنترة:

فيها اثنتان وأربعون حلوبة              سوداً كخافية الغراب الأسحم

قال أبو عباس المبرد في أوائل كتابه الكامل في الأدب: “فإن أردت نعتاً محضاً يتبع المنعوت قلت مررت بثياب سود ونخيل دعم وكل ما أشبه هذا فهذا مجراه”

أما دعوى معاملة جمع غير العاقل كمعاملة المؤنث المفرد فغير صحيحة، لأن قولنا “أيام معدودة” تدل التاء فيها على الجمع كتاء المارة والسابلة والناقلة والمعتزلة والنظارة والجالية، وما يطول ذكره.”

 

قل: هن بيض وسود وخضر

ولا تقل: هن بيضاوات وسوداوات وخضراوات

كتب الحريري: “ويقولون في جمع بيضاء وسوداء وخضراء: بيضاوات وسوداوات وخضراوات، وهو لحن فاحش، لأن العرب لم تجمع فعلاء التي هي مؤنث أفعل بالألف والتاء، بل جمعته على فُعْل، نحو خضر وسود وصفر وبيض، كما جاء في القرآن: “ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود” والعلة فيه أنه لما كان هذا النوع من المؤنث على غير لفظ المذكر ومبنيا على صيغة أخرى قل تمكنه، وامتنع من الجمع بالألف والتاء، كما امتنع مذكره من الجمع بالواو والنون. فأما قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس في الخضروات صدقة) فالخضروات هنا ليست بصفة بل هي اسم جنس للبقلة، وفعلاء في الأجناس تجمع بالألف والتاء، نحو: بيداء وبيداوات وصحراء وصحراوات، وكذلك إذا كانت صفة خارجة عن مؤنث أفعل نحو: نفساء ونفساوات.”انتهى

وهذا مثال جيد على ما عانى منه علماء العربية في ايجاد تفسيرات للكثير من الأحاديث المختلقة التي نسبها الأميون للرسول الأكرم (ص).

 

قل: لبست بِذْلّةً من ثيابي

ولا تقل: لبست بَدْلّةً من ثيابي

كتب الزبيدي: ” يقولون لبست بَدْلَةً من ثيابي والصواب “بِذْلَةً” بالذال المعجمة وكسر الباء.”

وكتب الجوهري في الصحاح: “بَذَلْتُ الشيءَ أَبْذُلُهُ بَذْلاً، أي أعطيته وجُدْتُ به. والبِذْلَةُ والمِبْذَلَةُ: ما يُمْتَهَنُ من الثياب، يقال: جاءنا فلان في مَباذِلِهِ، أي في ثياب بِذْلَتِهِ.”

 

قل: تطبق الحكومة المخطط على حسب ترتيب أولويّاته.

ولا تقل: تطبق الحكومة المخطط على حسب ترتيب أوليّاته.

كتب عبد الهادي بو طالب في التمييز بين الأوليات والأولويات: “الأوَّلي ومؤنثه الأوّلية. يعنيان الأصلي والأصلية، أي السابق على غيره وما جاء بعده متفرع عنه. وهو البداية. ونقول طلب أوَّلي، بمعنى أنه البداية وسيتلوه طلب آخر. ويقول المحامي للقاضي : “نتقدم لهذه المحكمة بدَفْع أوَّلي، لحجة الخصم”. بدلا من دفع أوَّل. وإذا كان للإعلامي من تعاليق على الحدث ينوي تقديمها أَوّلا بأول فإنه يعلن عن تقديمه الأوَّل بأنه تقديم أوَّلي.

والأوَّليات تعني المعطيات الأولى التي يتضمنها بحث أو تعليق ويتفرع عنها ويضاف إليها غيرها.

والأوَّليات هي غير الأوْلويّات التي تعني الأسبقيات التي تتقدم في الترتيب وتسبق في الخيارات، وتعلو على غيرها. فنقول مثلا حدد المخطط الاقتصادي أولويّات جاهزةً للتنفيذ. والحكومة تطبق المخطط على حسب ترتيب أولويّاته.

ولفظ الأولويَّات يأتي من لفظ أَوْلَى التي تعني الأفضل والأَجدر. ويقال: “كان الأَوْلى أن يفعل كذا”. ولا يقال كان الأولى لو فعل كذا. وفي القرآن: “فأولى لهم طاعة وقول معروف”.

 

قل: تغشمر السيل

ولا تقل: تغشرم السيل

كتب الحريري: “ويقولون لمن يأخذ الشيء بقوة وغلظة: قد تغشرم، وهو متغشرم. والصواب أن يقال فيه: تغشمر، وهو متغشمر، بتقديم الميم على الراء، كما قال الراجز:

إن لها لسائقا عشنزرا ** إذا ونين ساعة تغشمرا

ويروى: إن لها لسائقا غشوزرا، وكلاهما بمعنى الشديد. ومن كلام العرب: قد تغشمر السيل، إذا أقبل بشدة وجرى بحدة.” انتهى

وقد يقول القارئ ما الفائدة في الإتيان بهذا حيث لا يستعمل أحد اليوم الفعل “تغشرم”. لكني أتيت بهذا لأبين أن عدداً من الأفعال التي يعتقد أنها عامية هي عربية سليمة ومنها الفعل “تغشمر” أو “تقشمر” كما يستعمله الناس اليوم فمن معانيه ما جاء في الصحاح:

” الغَشمَرَة: إتيان الأمر من غير تثبّتٍ.”

وهذا يبين أن المعنى الذي يراد منه في استعمال اليوم لا يختلف كثيرا عن المعنى الذي جاءت به معاجم العربية.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

 

قل ولا تقل / الحلقة الحادية والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: إن انتخاب رئيس الجمهورية يمثل توافقاً لبنانياً

ولا تقل: إن انتخاب رئيس الجمهورية يمثل تقاطعاً لبنانياً

 

كتبت، ولا شك كتب آخرون، أكثر من مرة عن عجبي من إصرار وسائل الإعلام من محررين ومراسلين ومذيعي أخبار وعلى الأخص في بلاد الشام على استعمال الفعل “تقاطع” بمعنى أتفق أو طابق. ذلك لأن الفعل “تقاطع” يعني عكس ذلك بالكامل. فمعاجم العربية تجمع على هذا المعنى والذي عبر عنه ابن فارس في المقاييس حين كتب:

“القاف والطاء والعين أصلٌ صحيحٌ واحد، يدل على صَرْمٍ وإبانة شيءٍ من شيء. يقال: قطعتُ الشيءَ أقطعه قَطْعاً. والقطيعة: الهِجران. يقال: تقاطَعَ الرّجُلان، إذا تصارما.”

أما الجوهري فقد كتب في الصحاح: ” والتقاطُعُ ضدُّ التواصل.”

وقد اشتق من الفعل في الإستعمال الحديث كلمات مثل “المقاطعة الإقتصادية” لتعني إيقاف أية علاقة في الإقتصاد بين طرفين وليس للتوافق أو التطابق. كما ان استعمال الفعل “قاطع” تعني الإمتناع عن التواصل في العلاقة أو حتى الكلام.

ولم يسمع عن العرب استعمال للفعل “قاطع، تقاطع” اي معنى آخر.

لكنني لم أطق أن أستمر في سماع مراسلة قناة المنار وهي تؤكد لنا أن انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان “كان تقاطعاً لبنانياً وليس تقاطعاً دولياً”. رحم الله لغة العرب إذا أصبح يراد منا أن نفهم الفعل بنقيض معناه. ولا أدري لماذا لم تكتف المراسلة أن تقول لنا بأنه “كان توافقاً لبنانياً وليس توافقاً دولياً”.

 

قل: ليس لوَعدِهِ خُلفٌ

ولا تقل: ليس لوعدِهِ خِلفٌ

ونأخذ مما كتبه ثعلب في “باب المكسور أوله والمضموم باختلاف المعنى: ما يلي: “الإمَّة (بالكسر): النعمة، والأُمَّة (بالضم): القامة والقرن من الناس والجماعة كما قال تعالى “ولكل أُمّة جعلنا منسكاً، والأُمَّة أيضاً الحين، قال تعالى “وادَّكَرَ بعد أُمَّة” أي بعد حين، وتقول: بعيرٌ ذو رُحلّة (بالضم) إذا كان قوياً على السفر، والرِّحلَة (بالكسر): الإرتحال، وخِلفُ الناقة بالكسر، وليس لوعده خُلفٌ، والحُوار (بالضم): ولد الناقة، والرجل حسنُ الحِوار (بالكسر)”

 

قل: هو مَنْهُومٌ لولعه بالشيء

ولا تقل: هو نَهِمٌ لولعه بالشيء

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “المنهوم: المولع بالشيء، ويقال: نَهُمَ (بضم الهاء)، وفي الحديث: منهومان لا يشبعان. واما النَّهِمُ فهو المفرط في شهوة الطعام، وفعله: نَهِمَ يَنهَمُ كحّذِرَ يَحْذَرُ.” إنتهى

وكتب الجوهري في الصحاح: “النَهْمَةُ: بلوغ الهمَّة في الشيء…. وقد نُهِمَ بكذا فهو مَنْهومٌ، أي مولعٌ به.”

وكتب صاحب القاموس: “النَّهَمُ، محرَّكةً، .. إفْراطُ الشَّهْوَةِ في الطعامِ، وأن لا تَمْتَلِئ عَيْنُ الآكِلِ ولا يَشْبَعَ، نَهِمَ، كفَرِحَ، وعُنِيَ، فَهو نَهِمٌ ونَهِيمٌ ومَنْهُومٌ.”

 

قل: رَبَكه الحادث يَربكه رَبْكاً فالحادث رابك وهو مربوك

ولا تقل: أربكه إرباكاً فالحادث مُربِك وهو مُربَك

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الفعل “رَبَك” متعد الى المفعول بنفسه في أصل وضعه، والتعدي في الأفعال هو الأصل، واللزوم هو حالة طارئة لا أصلية والسبب في ذلك أن حركة الحي إنساناً أو حيواناً، يراد بها في الغالب التعدي على غيره، كالأكل والضرب والأسر والجرح والكسر والرد والصد والقهر والنهب. ويراد بها في الأقل النادر قرار الفعل في فاعله، كالنوم والرقاد والثبات والنكوص والهرب. وهذا أمر غفل عنه علماء النحو القدامى (رح) قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “الراء والباء والكاف كلمة تدل على خلط واختلاط، فالربك إصلاح الشريد وخلطه….. ويقال: ارتبك في الأمر إذا لم يكد يتخلص منه”. وقال الفيروزأبادي في قاموسه: “ربكه: خلطه، وربك الشريد: خلطه”. وجاء في لسان العرب: “الربك أن تلقي إنساناً في وحل فيرتبك فيه… وربك الرجل وارتبك إذا اختلط عليه أمره ورجل ربك: ضعيف الحيلة”.

وبما نقلت يعلم أن قولهم “ربك الأمر فلاناً ربكاً” هو من باب الإستعارة تشبيهاً للربك المجازي بالربك الحقيقي الذي هو الإلقاء في الوحل، فقل: ربكه ربكاً فهو رابك ولا تقل: أربكه إرباكاً فهو مربك، لأنه مخالف للسماع والقياس.”

 

قل: فلان من أكابر العلماء

ولا تقل: فلان من فطاحل العلماء

وكتب اليازجي: “ويقولون فلان من الفطاحل أي من أكابر العلماء واستعمال هذه اللفظة بهذا المعنى من مواضعات العامة ولا شيء منها في كتب اللغة”. إنتهى

وكتب الجوهري في الصحاح: “الفِطْحَلُ، على وزن الهِزْبَرُ: زمنٌ لم يُخلقِ الناس فيه بعد. قال الجرميُّ: سألت أبا عبيدة عنه فقال: الأعراب تقول: إنه زمنٌ كانت الحجارة فيه رَطْبَةٌ..” وأضاف الفيروزأبادي هو:”الضَّخْمُ من الإِبِلِ”. وكهزبر هزابر فان جمعه “فطاحل”. فقد تكون العامة قد اخذت ما قاله القاموس في وصف الضخم من الإبل للتعريف بموقع متميز للإنسان فقالت فيه فطحل، والله أعلم!

 

قل: سَدلْتُ علي السّتر

ولا تقل: أسْدَلْتُ علي السّتر

كتب الزبيدي: ” ويقولون أسْدَلْتُ عليه السِّترَ والصواب “سَدَلْتُه”. إنتهى

ولم تتفق معاجم اللغة على هذا. فقد كتب الفيروزأبادي في القاموس: “سَدَلَ الشَّعَرَ يَسْدِلُه ويَسْدُلُه، وأسْدَلَه: أرْخاهُ وأرْسَلَهُ.”  ونقل ابن منظور ذلك في لسان العرب. أما الجوهري فلم يأت على ذكر أسدل في الصحاح فكتب في باب سدل: “سَدل ثوبه يسْدُلُه سَدْلاً، أي أرخاه.”

 

قل: وجدت في الوزارة عدداً من المديرين العامين

ولا تقل: وجدت في الوزارة عدداً من المدراء العامين

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يَجْمَع البعض في المشرق العربي خاصة لفظ مدير على مُدراء (جمع تكسير). والصواب جمعه جمع المذكر السالم “مديرين، ومديرون” كما يقال في المغرب العربي.
وزن فُعَلاء يأتي جمعاً لفعيل إذا كان وصفاً وليس لمُفعِل الذي هو وزن مُدير. فنقول في جمع ظَريف، وبَخيل، وعَميل، وقَريب، وعَظيم : ظُرَفاء، وبُخَلاء، وعُمَلاء، وقُرَباء وعُظَماء.

أما وزن مُفعِل كَـ : مُسْلِم، ومُؤْمِن، ومُرْشِد، ومُنْشدِ ومُبْدِئ، ومُعيد فيُجمع جمع المذكر السالم -في حالة الرفع- على مسلمون، ومؤمنون، ومُرشِدون، ومُنشِدون، ومُبْدِئون، ومُعِيدون. وإذن فمدير يجمع على “مديرون” في حالة الرفع، و”مديرين” في حالتي النصب والجر. وقد تَسرَّب جمع مدير على مُدراء إلى بعض المعاجم الحديثة وهو خطأ يحسن العدول عنه إلى جمع مديرين.”
قل: هذا الواقع مَعيش

ولا تقل: هذا الواقع مُعاش

وكتب عبد الهادي بوطالب: “معيش اسم مفعول من عاش يعيش عَيْشاً. والياء هي أصل الألف في عاش. اسم المفعول هذا مفتوح الحرف الأول (الميم) والياء فيه أصلية. لذا لا يجوز النطق به مُحرَّفاً على صيغة مُعاش (بضم الميم).

الأصل في كلمة مُعاش أن يكون فعلها رباعياً: أعاش يُعيش فهو مُعاش. كما يقال أراد الشيءَ يريده فالشيء مُراد. وأعاد الكلام يعيده فالكلام مُعاد. ونقول : “هذا كلامٌ مُعاد”.

ومما قرأناه لشاعر عربي قوله:

ما أُرانا نقولُ إلا مُعاراً

أو مُعاداً من لفْظنا مَكْرُورا

وأعاش الرباعي متعدٍّ ينصب مفعولاً به. ويعني جَعَلَه يعيش فنقول: “أعاشك الله طويلاً”. ونقول: “لئن أعاشني الله طويلاً لأفعلنَّ كذا وكذا”. ومن هذا الفعل الرباعي يمكن أن تُستعمَل كلمة مُعاش، لكنها غير ملائمة لجملة: “هذا الواقع مَعيش”. أو “في الواقع المَعيش”. والمَعيشة (وجمعها معايِش ومعائش) هو ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وما يساعد على العيش. وفي القرآن الكريم: “نحن قَسَمْنا بينهم مَعِيشَتَهم في الحياة الدنيا”. وجاء اللفظ على صيغة جمع التكسير في القرآن أيضا: “ولقد مكَّنَّاكم في الأرض وجعلنا لكم فيها مَعَايِش”.

ومَهيب يجري عليها ما يجري على مَعيش. وفعلها هو هاب يهاب هَيْبة. واسم الفاعل هائبٌ واسم المفعول مَهيبٌ (كما هو عليه مَعيش سابق الذكر). ونقول : “فلان مَهِيب الجانب” أو مَهِيب الطلعة (أي الوجه)، أي أنه يفرضَ الخوف أو الاحترام.

ومن الخطأ الفادح أن يقال : مُهاب. لكن ورد في اللغة لفظ “مَهُوب”. وأنصح بأن تهجر هذه الصيغة وأن تلتقي الألسنة والأقلام على “مَهيب” في نطاق المنهجية التي أنصح باتباعها حتى لا تتعدد كلمات اللغة الدالة على المعنى الواحد.”

 

قل: خربَشَ الكتاب

ولا تقل:  خَرمَشَ الكتاب

كتب الحريري: “ويقولون : خرمش الكتاب ، بالميم ، أي أفسده ، والصواب أن يقال : خربش بالباء ، وجاء في بعض الحديث : وكان كتاب فلان مخربشا.”

 

قل: كان فيه شَغْبٌ

ولا تقل: كان فيه شَغَبٌ

كتب الحريري: “ويقولون: فيه شَغَب بفتح الغين، وهو تهيج الشر والفتنة والخصام، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين في قوله:

يا ظالما يتجنى جئت بالعجب ** شغبت كيما تغطي الذنب بالشَّغَبِ

ظلمت سرا وتستعدي علانية ** أضرمت نارا وتستعفي من اللهب

والصواب فيه شغْب بإسكان الغين، كما قال الشاعر:

رأيتك لما نلت مالا وعضنا ** زمان ترى في حد أنيابه شَغْبا

جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا **    فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا

ونظير هذا الوهم قولهم للداء المعترض في البطن: المغَص بفتح الغين، فيغلطون فيه، لأن المغَص بفتح الغين هو خيار الإبل، يدل عليه قول الراجز:

أنت وهبت هجمة جرجورا ** أدما وحمرا مغصا خبورا

الجرجور: العظام من الإبل، والخبور الغزيرات الدر، فأما اسم الداء فهو المغْص بإسكان الغين، وقد يقال بالسين، وأما المعَص بفتح العين المغفلة فهو وجع يصيب الإنسان في عصبه من المشي، وفي الحديث : أن عمرا بن معدي كرب شكا إلى عمر رضي الله عنه المعص، فقال: كذب عليك العسل، أي عليك بسرعة المشي، إشارة إلى اشتقاقه من عسلان الذئب.”

 

قل: استغرب الرجل في الضحك

ولا تقل: استغرق الرجل في الضحك

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ويقولون: أغرق الرجل في الضحك واستغرق، إذا اشتد ضحكه ولج فيه. والأفصح أن يقال: استغرب في الضحك، إذا بلغ الحد والمنتهى. ففي الحديث: ضحك حتى استغرب، أي بالغ فيه. وفي حديث الحسن رضي الله عنه: إذا استغرب الرجل ضحكا في الصلاة، أعاد الصلاة.

قال: وهو مذهب أبي حنيفة، ويزيد عليه إعادة الوضوء وفي حديث ابن هبيرة: أعوذ بك من كل شيطان مستغرب: أي المتناهي في الخبث. ونظيره قول الشاعر:

فما يغربون الضحك إلا تبسما ** ولا ينسبون القول إلا تخافيا

 

قل: به عَمَىً

ولا تقل: به عُميٌ

كتب الحنفي: “يقولون: به عُمْيٌ. والصواب: عَمىً، بفتح العين والميم.” إنتهى

فـ “عُميٌ” هي جمع أعمى كما جاء في لسان العرب: “قال الليث: رجلٌ أَعْمَى وامْرَأَةٌ عَمْياء، ولا يقع هذا النَّعْتُ على العينِ الواحِدَة لأن المعنى يَقَعُ عليهما جميعاً، يقال: عَمِيتْ عَيْناهُ، وامرأتانِ عَمْياوانِ، ونساءٌ عَمْياواتٌ، وقومٌ عُمْيٌ.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

15 كانون الأول  2017

 

قل ولا تقل / الحلقة التسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: البطاقة الحيوية

ولا تقل: البطاقة البيومترية

شاع في الإستعمال مؤخراً “البطاقة البيومترية” حيث يناقش اللبنانيون هذه الأيام مَنْ من السياسيين سينتفع بانتجاها للنظام السياسي الفاسد، وكأنها ستصلح ما أفسده الدهر. ودخول هذه العبارة للغة العربية شأنه شأن الغريب الذي نقل بنصه خلال العقود الماضية كلما احتاجت العربية للتعبير عن حاجة أو استعمال جديد ذلك لأن القائمين على شؤون الأمة أميون!

فليس عسيراً أن يدرك المرء ان الحاجة لإستعمال جديد يمكن أن تسد باستعمال أي كلمة أو عبارة عربية ما دام المواطن العربي سوف يتقبلها كلمة جديدة وينشأ على استعمالها. لكن حتى هذه الحقيقة البسيطة صعبت على الأميين!

فمن أين جاءت هذه الكلمة وما يمكن أن يعبر عنها في العربية.

إن الكلمة (biometric)  مكونة من كلمتين هما (bio)  وهي كلمة يونانية تعني “الحياة” وكلمة (metric) وهي كذلك يونانية الأصل تعني ما له علاقة بالقياس.

ولا بد من التوقف قليلا هنا للنظر في العلاقة بين العربية واليونانية والتي تظهر من حين لآخر مما يوحي بامكانية وجود علاقة أعمق بين اللغتين بسبب الترابط التأريخي والجغرافي بين الفكر اليوناني ونشأته وبين الهلال الخصيب الذي شكل مهداً للحضارة الجديدة في الفكر المدون.

انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة التسعون”

قل ولا تقل / الحلقة التاسعة والثمانون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟
إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)
فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: وَضَعَ حُمُولة على البعير
ولا تقل: وَضَع حَمُولة على البعير

ونأخذ مما كتبه ثعلب في “باب المضموم أوله والمفتوح باختلاف المعنى” ما يلي: “تقول: لَحمَة الثوبِ بالفتح ولُحمَة النسب بالضم، والأُكلة (بالضم): الغداء أو العشاء، والأَكلة: اللُّقمة، ولُجَّة الماء بالضم: معظمه، وسمعت لَجَّة الناسِ (بفتح اللام): تعني أصواتهم، والحُمولة (بالضم): الأحمال والحَمُولة (بالفتح): الإبل التي يحمل عليها للمتاع وتكون من غير الإبل أيضاً، والمُقامة: الإقامة والمَقَامة: الجماعة من الناس، والخُلّة: المودة، والخَلَّة: الخَصْلة والحاجة أيضاً، وشُفْر العين بالضم، ومنه تقول: ما بها شَفَرٌ اي ما بها أحد، وتقول: جِئْتُ في عُقُبِ الشهر إذا جئت بعد ما يمضي وجِئتُ في عَقِبِه أذا جئت وقد بقيت منه بقية، والدُّف: الجَنبُ والدَّف: الذي يلعب به، ووقع في الناس مُوات وموتات وأرضٌ مَوات.”

قل: اليقطين هو كل نبت انبسط على الأرض
ولا تقل: اليقطين هو القرع خاصة

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “اليقطين هو كل نبت انبسط على وجه الأرض مما لا ساق له كالبطيخ والقثَّاء والقرع ونحوه،وقال ابن جبير: كل شيء ينبت ثم يموت من عامه فهو يقطين وليس هو القرع خاصة.” انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة التاسعة والثمانون”