قل ولا تقل / الحلقة الثانية بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: عَجَزْتُ عن الشيء
ولا تقل: عَجِزْتُ عن الشيء

 كتب الكسائي: “وتقول: عَجَزْتُ عن الشيء، بفتح الجيم. ومنه قول الله تعالى: “أعَجَزْتُ أن أكون مثل هذا الغُرابِ”.

 

 قل: بعثت اليك بهدية
ولا تقل: بعثت اليك هدية

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول بعثت اليك غلاماً وأرسلت اليك رسولاً فتعدى الفعل بنفسه. فإن قلت بعثت اليك بهدية وأرسلت اليك بثوب ونحوه مما لا يتعدى  بنفسه جاز تعديه بالباء لأن التقدير بعثت اليك انساناً بهدية.”

 

قل: بَرِحَ فلان العاصمة يبْرَحُها بَراحاً بفتح الباء
ولا تقل: بارح فلان العاصمة مبارحة وبِراحاً بكسر الباء

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن العرب استعملت لهذا المعنى الفعل الثلاثي حسب أي برح.

جاء في لسان العرب: “والبَراحُ مصدر قولك بَرِحَ مكانَه أَي زال عنه وصار في البَراحِ….. وبَرِحَ الأَرضَ: فارَقَها. وفي التنزيل: “فلن أَبْرَحَ الأَرضَ حتى يَأْذَنَ لي أَبي..” فالقرآن الكريم يحتوي على استعمال “برح” الثلاثي متعدياً بنفسه في قوله تعالى “فلن أبرح الأرض” الآية. أما “بارح” فله معنى آخر، فقل قالوا “بارحه” بمعنى كاشفه وعالنه وجاهره. والمبارحة هي ما يسمى اليوم “المظاهرة”.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “قال أبو عُبيد: البِرَاح المكاشَفة، يقال بَارَحَ بِراحاً كاشَفَ.” والظاهر أنه مأخوذ من “برِح الشيء” أي انكشف وبان، ومنه المثل “برِح الخفاء”.

والظاهر أن الذي استعمل “بارح” قاسه على “غادر” وليس ذلك بمقيس. فلا يقال “تارك” بمعنة ترك ولا “باين” بمعنى بان ولا “ناظر” بمعنى نظر ولا “قاتل” يمعنى قتل، فلكل وزن معنى خاص به. ولا حكم للشذوذ. فقل: بَرِح مكانه وبرِح العاصمة ولا تقل: بارحهما فمعنى المبارحة المكاشفة وليست بمرادة في العبارة.”

 

قل: هذا كتابٌ مُخْطَأ فيه
ولا تقل: هذا كتابٌ مُخْطِئ

كتب الزبيدي: ” يقولون للكتاب الكثير الخطأ: “مُخْطِئ” والصواب: “مُخْطَأ فيه” تقول أخْطَأ الرجلُ إخْطَاءً، والإسم: الخَطَاءُ بالمد، والخَطَأ بالقصر. وقرأ الحسن: “إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْئَاً كبيراً”.

ويقال للرجل إذا أتى الذنب متعمدَّاً: قد خَطِئ يَخْطَأ خِطْئَاً، فهو خَاطِئ، والمكان مَخْطُوءٌ فيه. ويقال: لأن تُخْطِئ في الطريق أيسر من أن تَخْطَأ في الدِّين. ويقال خَطِئ الرجلُ، قال امرؤ القيس:

يا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئْنَ كاهِلا

يعني: أخْطَأن.

 

قل: قد خطئ في العمل (إذا تعمده)
ولا تقل: قد أخطأ في العمل (إذا تعمده)

كتب الحريري: ويقولون لمن يأتي الذنب متعمدا: قد أخطأ، فيحرفون اللفظ والمعنى لأنه لا يقال: أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل أو لمن اجتهد، فلم يوافق الصواب، وإياه عنى صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإنما أوجب له الأجر عن اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، والفاعل من هذا النوع مخطيء، والاسم منه الخطأ، ومنه قوله تعالى: “وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ”، أما المتعمد الشيء فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والاسم منه الخطيئة، والمصدر الخِطْء بكسر الخاء وإسكان الطاء، كما قال تعالى: “إن قتلهم كان خِطْأ كبيرا” قال الإمام أبو محمد رحمه الله: ولي فيما أنتظم هاتين اللفظتين وأحتضن معنييهما المتنافيين:

لا تخطون إلى خِطء ولا خطأ ** من بعدما الشيب في فوديك قد وخطا

فأي عذر لمن شابت مفارقه ** إذا جرى في ميادين الهوى وخطا

الخطيئة تقع على الصغيرة كما قال سبحانه إخبارا عن إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين السلام: “والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين” ويقع على الكبيرة كما قال تعالى: “بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”.”

 

قل: بدأت أمس ألعاب القُوى
ولا تقل: بدأت أمس ألعاب القِوى

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يقال خطأ في لغة الإعلام الرياضي : “ألعاب القِوَى” (بكسر القاف) والصواب ضمه لأنه جمع قُوَّة بضم القاف.

ونقول “قُوى الشر والطغيان”. و”قُوَى الفساد”. و”ميزان القُوَى”. وهذا جمع تكسير. ولأن المفرد قُوَّة ولأن اللفظ مؤنث فإنه يجمع أيضا جمع المؤنث على قُوَّات (دائما بضم القاف) ونقول القُوَّات المسلحة، والقُوَّات الجوية، والقُوَّات البحرية، والقوَّات الاحتياطية. وجاء في القرآن : “عَلَّمَه شديد القُوَى” بضم القاف.”

 

قل: عثر الجيشُ على لَغْمٍ موقوتٍ
ولا تقل: عثر الجيشُ على لَغَمٍ موقوتٍ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “ومما يجري خطأ على الألسنة فتح الغَين في لَغْم وجمعه ألغام. واللَّغْم ما يُملأ بمواد متفجرة تتفرقع عند مسه أو بالضغط عليه أو بتوقيته. فنقول: “عثرت الشرطة على لَغْمٍ كان على وشك الانفجار”. أو “اكتشف الجيش حقل ألغام”. ويقال “لَغْمٌ موقوت” أي يتفجر في وقت معين.

 وأعتقد أن هذا الخطأ (أي وضع حركة الفتح على عين الكلمة بدلا من السكون) يُرتكَب في اللهجة العربية السورية التي كثيرا ما تفتح فيها عين الكلمة (أي وسطها) إذا كانت اسماً ثلاثياً ساكن الوسط. فيفتح وسطها بدلًا من السكون. فيقال “العَصَر” (بدلا من العَصْر) و”الظُّهَر” (بدلا من الظُّهْر) كما يقال “القَصَر” (بدلا من القَصْر).

واللَّغْم بفتح اللام (ودائما بسكون الغين) يأتي مصدرا فِعلُه هو لغَمَ يَلْغَم لَغْما بمعنى أخبر بدون علم ولا يقين. كما يقال : “لغم البعير” أي ألقى بِلُغامه أي زَبَده.”

 

قل: هو معي (لمن تعب)
ولا تقل: هو عيان

كتب الحريري:ويقولون لمن تعب: هو عيان، والصواب هو أن يقال: هو معي، لأن الفعل منه أعيا، فكان الفاعل منه على وزن مفعل، كما يقال: أرخى الستر فهو مرخ، وأغلى فهو مغل، وعند أهل اللغة أن كل ما كان من حركة وسعي قيل فيه: أعيا، وما كان من قول ورأي قيل فيه عيي وعي، والاسم منهما عيي على وزن شجي.

وقيل فيه: عي على وزن شج وعم، ونظير هاتين اللفظتين في قولهم: عيي وعي، قولهم: حيي وحي، وقرئ بهما قوله تعالى: “ويحيى من حي عن بينة”، وحيي عن بينة.

 

قل: يعجبني مَناخُ لبنان
ولا تقل: يعجبني مُنَاخُ لبنان

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين المَناخ (بفتح الميم) والمُناخ (بضم الميم) فيقولون: مُناخ لبنان رائع، يريدون اعتدال هوائه، وغزارة مياهه، واخضراره الدائم، مما يجعله موافقا للصحة ومسرة للعين، فيوهمون ، لأن المُناخ (بضم الميم) هو مبرك الإبل، والمكان الذي تنوخ فيه، والنوخة: الإقامة.

أما المَناخ (بفتح الميم) فهو المقصود، وهو لفظ لاتيني معرب أصله الماناك، أي التقويم، وهو جدول زمني يحتوي على تعداد الأيام والأشهر، مع زمان طلوع الشمس والقمر وغروبهما، وأوقات الأعياد، إلى غير ذلك من الفوائد.

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

قل ولا تقل / الحلقة الواحدة بعد المائة

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: شكرت لك ونصحت لك
ولا تقل: شكرتك ونصحتك

كتب الكسائي: “وتقول شكرت لك ونصحت لك. ولا يقال شكرتك ونصحتك. وقد نصحَ فلانٌ لفلان، وشكر له. هذا كلام العرب. قال تعالى: “اشكر لي ولوالديك”، “واشكروا لي لا تكفرون”، “ولا ينفعكم نصحي أن أردت أن أنصح لكم”.

وأضاف المحقق (عبد التواب): في أدب الكاتب: ويقولون نصحتك وشكرتك والأجود: نصحت لك وشكرت لك. ولم يذكر ثعلب في الفصيح الا التعدية باللام. لكن انظر ما قاله ابن دستويه في تصحيح الفصيح وفي اصلاح المنطق: ونصحتك وشكرتك لغة”. انتهى

لا أدري سبب هذا التكلف والذي لا يخدم اللغة بشيء، فقد حسم القرآن الأمر في قوله تعالى “واشكروا لي لا تكفرون”، “ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم”. فاذا كان الإستعمال الذي ذكره ابن دستويه موجودا بحجة كونه لغة فهو لغة رديئة ولا حجة للإحتفاظ بها.

 

قل: هو من نُخَبَة القوم
ولا تقل: هو من نُخْبَة القوم

 وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “ونُخَبَةُ القوم، واعمل بِحَسَبِ ذلك أي على قدره. وأما حَسْبكَ كذا بالسكون فمعناه كفايتك. والغُبُنُ بالتحريك في العقد، وبالسكون (الغُبْنُ) في المال ونحوه.”

 

قل: أنا واثق بالأمر ومتثبت فيه ومتبين له ومتحقق له وقد وثقت به وتثبت فيه وتبينته وتحققته
ولا تقل: أنا واثق من الأمر ولا متثبت منه ولا متحقق منه ولا وثقت منه ولا تحققت منه ولا تثبت منه

كتب مصطفى جواد” “قال في مختار الصحاح: “وثِق به يثِق بكسر الثاء فيهما إذا ائتمنه”. وقال الفيومي في المصباح المنير “وثِقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقاً: ائتمنته”. أماتثبت فيه فإنه يحتاج الى ظرفية حرف الجر “في” لأن الثبوت يحتاج الى مكان في الحقيقة والمجاز، وأما تحققه فهو هنا متعد بنفسه، أي أطلعت عليه حق الإطلاع، وأما تبينته فهو في هذه العبارة يتعدى بنفسه لأنه بمعنى عرفته مع الإبانة. فلا داعي الى استعمال حرف الجر “من”. وقد ذكرت سابقاً أن من الخطأ قولهم “تأكدت منه” وان من الجائز للسلامة من الخطأ أن يقال: تأكدته قياساً على تحققته وتعرفته وتبينته وأمثالهن.

وإنما تستعمل “من” إذا استعمل المصدر أو الإسم.

يقال: أنا على ثقة من الأمر وأنا على بينة من الأمر، كما يقال: أنا على حق من هذه الدعوى، وأنتم على خوف من هذه البلوى، وحروف الجر تبدل عند تبديل العبارة وان كان المعبر به من أصل واحد، كما سمعت من “وثقت به وأنا على ثقة منه”.

 

قل: بقي في القِدْرِ قليلٌ من المَرَقَة
ولا تقل: بقي في القِدْرِ قليلٌ من المَرْقَة

كتب الزبيدي: ” ويقولون “مَرْقة” والصواب “مَرَقَة” و “مَرَق” للجمع. وقال الأصمعي والعالي: ما رُدَّ في القدر من المَرَقَة. ويقال: مَرَقْتُ القِدْرَ أمْرُقُها إذا أكثرت مَرَقَها. قال الأعشى:

……………………..         وسَوْداءَ لأياً بالمَزَادَةِ تُمرَقُ

وأمّا “المَرْق” فأن يَمرُقَ الصوف عن الإهاب مَرْقَاً.

 

قل: ولكم منا أصدق المتمنَّيات
ولا تقل: ولكم منا أصدق المتمنِّيات

وكتب عبد الهادي بوطالب: ونسمع في الإذاعات والتلفزات العربية: “ولكم منا أصدق المتمنِّيات” بكسر النون. والصواب فتح النون لأن المفرد هو مُتمنَّى أي ما يتمناه الشخص لغيره أو لنفسه. أما المتمنِّيات بكسر النون فهو يعني النساء اللاتي يتمنَّيْن (جمع المؤنت السالم).

 

قل: قوبل عمل فلان بمستحَقّات الشكر والثناء
ولا تقل: قوبل عمل فلان بمستحِقّات الشكر والثناء

وكتب عبد الهادي بوطالب: فعل استحَقَّ يأتي لازما لا يتطَلَّب مفعولا ويأتي متعديا. الفعل اللازم استحَقَّ الشيءُ اسم الفاعل منه هو مُستَحِقّ (بكسر الحاء). والفعل المتعدي استحَقَّ الشيءَ اسم المفعول منه هو مُستحَقّ.
مثال الفعل اللازم : استَحقّ الدَّيْنُ أي وصل ميعادُ دفعه. واستحق الأجلُ المضروب أي حان أو وصل. فالدَّيْن مُسْتَحِقّ (بكسر الحاء) والأجل مُستحِقّ (بكسر الحاء كذلك). وجمع التأنيث هو مستحِقّات بكسر الحاء وجوبا لأن فعله لازم لا يأتي منه إلا اسم الفاعِل الذي هو مستحِقّ.
ومثال الفعل المتعدي هو استحقّ الشَّيْءَ. كأن نقول : “فلان استحقَّ الشكرَ والثناءَ على عمله الطيب”. ونقول أيضا : “استحق المُصابُ الشفقةَ والعطفَ”. ونقول: “عمِل عملا استحقّ عليه الإثمَ”.

وجاء في القرآن : “فإن عُثِر على أنهما استَحقَّا إثْما”. وعلى ذلك فمُستحِقّ (اسم فاعل من فعل استحقَّ اللازم) صحيح، كما أن مُستحَقّ (اسم مفعول من استحق المتعدي صحيح كذلك). لكن يجب عدم الخلط بينهما فلكل منهما موضع استعماله.

نقول : “هذه ديون مُستحِقّة (بكسر الحاء) وجمعها مُستحِقّات (بكسر الحاء) بمعنى جاء أجلها. ونقول قوبل عمل فلان بعواطِف شكر مُستحَقّ (بفتح الحاء) أو بمستحَقّات الشكر والثناء والتنويه (بفتح الحاء) أي بما يستحقه من هذه الأشياء. ولا يجوز وضع العبارتين في سياق واحد. بل على الكاتب والمتحدث أن يضعا كلا منهما حيث يجب وضعه.

وعلى ذكر مادة حَقَّ نبادر إلى تصحيح استعمال فعل حَقَّ (مفتوح الحاء) في هذا التعبير وأمثاله : حَقَّ لك أن تفعل كذا، والصواب بناؤه للمجهول فنقول حُقَّ لك. وجاء في القرآن : “وأَذِنَتْ لربها وحُقَّتْ”.

لكن تُستعمل حَقّ بفتح الحاء عند مجيء على بعدها فنقول : “حَقَّ عليك أن تفعل”.

 

قل: وقع ذلك في أول الشهر
ولا تقل: وقع ذلك في مستهل الشهر

كتب الحريري: ويقولون لأول يوم من الشهر مستهل الشهر، فيغلطون فيه على ما ذكره أبو علي الفارسي في تذكرته، واحتج فيه على ذلك بأن الهلال إنما يرى بالليل، فلا يصلح إلا ما يكتب فيها، ومنع أن يؤرخ ما يكتب فيها بليلة خلت، لأن الليلة ما انقضت بعد، كما منع أن يؤرخ ما يكتب في صبيحتها بمستهل الشهر، لأن الاستهلال قد انقضى. ونص على أن يؤرخ بأول الشهر أو بغرته أو بليلة خلت منه.

ومن أوهامهم في التأريخ أنهم يؤرخون بعشرين ليلة خلت وبخمس وعشرين خلون، والاختيار أن يقال: من أول الشهر إلى منتصفه: خلت وخلون، وأن يستعمل في النصف الثاني بقيت وبقين على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون ولإحدى عشرة خلت.

نعم، لهم اختيار آخر أيضا، وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة، كما نطق به القرآن في قوله تعالى: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم”، فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.

وكذلك اختاروا أيضا أن ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء، فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أياما معدودة، وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء، فقالوا: أقمت أياما معدودات، وكسوته أثوابا رفعيات، وأعطيته دراهم يسيرات وعلى هذا جاء في سورة البقرة: “وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ” وفي سورة آل عمران: “إلا أياما معدودات”  كأنهم قالوا أولا بطول المدة التي تمسهم فيها النار، ثم تراجعوا عنه فقصروا تلك المدة.

 

قل: أجد حمياً
ولا تقل:  أجد حمى

كتب الحريري: ويقولون: أجد حمى، والصواب أن يقال: أجد حمياً أو حمواً، لأن العرب تقول لكل ما سخن: حمي يحمى حمياً، فهو حام، ومنه قوله تعالى: “في عين حمئة”. ويقولون أيضا: اشتد حمي الشمس وحموها، إذا عظم وهجها، ومنه ما أنشده المفضل:

تجيش علينا قدرهم فنديمها ** ونفثؤها عنا إذا حميها غلا

يعني أنه متى جاشت قدرهم للشر سكنوها، وهو معنى نديمها، وأنه متى غلت فثؤوها  أي كسروا غليانها. وكنى بالقدر عن تهيج الحرب كما يكنى بفور المرجل عنه .

وحكى لي أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمذاني حين قدم البصرة علينا حاجا سنة نيف وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة فقال له: ما الذي بك قال: حما، فقال له الصاحب: “قه”، فقال النديم: “وه”، فاستحسن الصاحب ذلك منه وخلع عليه. قال الشيخ الإمام: ولعمري لقد أحسن الصاحب في تعقيب لفظ حما بما صارت به إلى “حماقة”، ولطف النديم في صلة تعقيبه بما جعله قهوة، وهكذا فلتكن مداعبة الفضلاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

قل ولا تقل / الحلقة المائة

ليس دخول العجمة في العربية جديدا فقد تصدى لذلك علماء العربية منذ القرون الأولى لإنتشار الإسلام ودخول الأعاجم فيه. لكن وضع اللغة العربية اليوم أسوأ مما كان عليه في أي وقت. وسبب ذلك يعود لسهولة النشر والتواصل الإجتماعي والذي لم يكن سابقا مما قاد لمشاركة الأميين في ادعاء الشعر والأدب والكتابة، فانتشر معها الجهل بالعربية ونتج عن ذلك مزيد من التخلف، ذلك لأن الأمة التي لا تستطيع أن تفكر بلسانها لا يمكن لها أن تتقدم!

فقضيت السنوات الماضية  بما يسمح به الوقت حيث إني لست متفرغا لهذا العمل، بجمع ما تيسر لي من كتب الأولين وما أسمعه وأقرأه من الخطأ الشائع في استعمال اللغة العربية بين المتعلمين قبل الأميين وفي وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي الواسعة الإنتشار.

فأخرجت من ذلك تسعا وتسعين حلقة من سلسلة أسميتها “قل ولا تقل” اكراما للعالم الكبير الدكتور مصطفى جواد الذي قدم سلسلة تحت هذا الإسم قبل عقود.

واليوم أختار للحلقة المائة أكثر الأخطاء شيوعا وخطرا مما جاء في الحلقات السابقة، أملا في أن يسمح الوقت بمزيد من البحث لكشف المزيد من الخلل والعجمة خدمة للغة القرآن الكريم.

 

قل الجُمهور والجُمهورية

ولا تقل الجَمهور والجَمهورية (1)

 

قل: فلان مؤامر

ولا تقل: متآمر (1)

  انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة المائة”

قل ولا تقل / الحلقة التاسعة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: قد نَفِدَ المالُ والطعامُ
ولا تقل: قد نَفذَ المالُ والطعامُ

كتب الكسائي: ” وتقول: قد نَفِدَ المالُ والطعامُ، بكسر الفاء. قال الله تعالى: “قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لَنَفِدَ البحرُ قبل أن تنفِدَ كلمات ربي”.

 

قل: قد أريتُ فلاناً موضع زيد
ولا تقل: قد أوريتُ فلاناً موضع زيد

وكتب الكسائي: “وتقول قد أريتُ فلاناً موضع زيد، بغير واو. ولا يقال: أوْرَيْتُ، فانه خطأ. قال تعالى: “ولقد أريناه آياتنا كلها”. وقال أيضاً: “رب أرني أنظر اليك”.

وتقول: قد أوريت النار اذا أشعلتها، بالواو. قال تعالى: “أفرأيتم النار التي تورون”. وقال عدي بن زيد في شاهد ذلك:

وأطْفِ حديثَ السُّوء بالصمتِ إنه              متى تُورِ ناراً للعِتابِ تأجَّجَا

واضاف المحقق: “وفي خطأ العوام للجواليقي: وقد أريته كذا أريه ولا تقل: أوريته أوريه.”

 

قل: فلانٌ يُريني كذا
ولا تقل: فلان يُوريني كذا

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول فلان يريني كذا، وأراني الله فيك ما أحب. ولا يجوز فيه  أوراني ولا يوريني.”

 

قل: جاء القوم قاطبةً
ولا تقل: جاء قاطبة القوم

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “جاء القوم قاطبة ولا تقل القاطبة ولا قاطبة القوم”.

وفي مثل هذا كتب الشيخ ابراهيم اليازجي، فقال:

ويقولون: هذا الأمر يهمّ عمومَ السُكّان

والأصح: يهمّ السكان عامة

 

قل: هَبْكَ فَعلْتَ
ولا تقل: هَبْ أنك فعلتَ

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول هَبني فَعَلْتُ وهَبْهُ فعلَ وهَبْكَ فعلتَ، هذا هو الفاشي في كلامهم فأما قولهم “هَبْ أنك فعلت” فغير مسموع.” انتتهى

وقال المتنبي في قصيدة رائعة له في رثاء جدته:

هبيني أخذت الثار فيك من العدى       فكيف باخذ الثار فيك من الحمى

 

قل: هو ثقة من قوم ثقات
ولا تقل: من قوم ثقاة

كتب مصطفى جواد: “فالثقة مصدر تعمل صفة فَجُمع جمع الإسماء مثل هبة وهبات وترة وترات وعدة وعدات وزنة وزنات، وهن مأخوذات من واثق من وثق ووهب ووتر ووعد ووزن. وقولنا ثقاة يعني أن مفرده ثاقي نحو قاضي وهو غير موجود أصلاً. فقل هو ثقة من قوم ثقات.”

 

قل: أعجبني هذا القَصَص وأعجبتني هذه القِصَص
ولا تقل: أعجبتني هذه القَصَص

وكتب مصطفى جواد: “وذلك لأن القَصَص بفتح القاف مذكر لا مؤنث وهو اسم بمعنى المقصوص أي المحكي والمروي والمأثور والمنقول والمذكور للإعتبار والإتعاظ. وهو على وزن اسم المفعول القديم، اي على وزن فَعَلٍ بمعنى مفعول كالعدد بمعنى المعدود والحسب بمعنى المحسوب والقبض بمعنى المقبوض وجمعه الإقباض وكالنفض بمعنى المنفوض والولد بمعنى المولود والحلب بمعنى المحلوب والقلم بمعنى المقلوم والصمد أي المصمود وهو المقصود ومنه قوله تعالى “الله الصمد” أي المصمود بمعنى المقصود في الحاجات والمستغاث المستعان، وهذه الصيغة من صيغ اسم المفعول القديمة، قد تنبهت عليها بعد تفكير جليل وتعليل طويل وهي تؤيد أن الصفات القديمة في العربية خالية من التأنيث مقصورة على التذكير، وقد نشأ التأنيث بعد ذلك.

فالقصص اسم مفعول قديم بمعنى المقصوص وأما القِصص بكسر القاف فهي جمع قصة بمعنى الخبر والحكاية والرواية. والقصة منقولة من مصدر الهيأة الى الإسمية كالقطعة والفرقة والرِّزمية وكفة الميزان، وتجمع القصة على قِصص كإربة وإرب.

 

قل: كان رَجُلاً لُغَوِيَّاً (بضم اللام)
ولا تقل: كان رَجُلاً لَغَوِيَّاً (بفتح اللام)

وكتب الزبيدي: ” يقولون رجل “لَغَوْيّ” بفتح اللام يعنون صاحب اللغة، والصواب “لُغَوْيّ” بالضم، و “لُغِيّ” منسوب إلى اللغة. فأمّا الَّلغَوْيّ” بالفتح فهو الكثير “الَّلغا” وهو القبيح من القول، قال الراجز:
عن الَّلغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ

 

قل: وأدّى بعدها صلاة العِشاء
ولا تقل: وأدّى بعدها صلاة العَشاء

وكتب عبد الهادي بوطالب: لا بد من التمييز بين هذه الكلمات في النطق وفي المعنى. الغِذاء (بالدال المعجمة وكسرها) هو ما يساعد على نماء الجسم من طعام وشراب. ونقول : “لا غنى للجسم عن الغِذاء” و”الغِذاء  ضروريٌّ للحياة”. ومنه التغذية التي هي إعطاء الغِذاء للجسم. ونقول : “تشكو بعض شعوب العالم من الجوع، وأخرى من نقص التغذية، وطائفة أخرى من سوء التغذية”.

والغَداء (بفتح الغين والدال المُهمَلة أي التي لا تحمل النقطة) هو الأَكْلة التي تُقَدَّم في ظُهْر اليوم. ويقابلها في المساء وَجْبة العَشاء (بفتح العين) أي الطعام المتناوَل في وقت العِشاء (بكسر العين).
العِشاء (بكسر العين) هو بداية أول ظلام الليل، أي المساء. ونقول صلاة العِشاء (بكسر العين) لأنها تُؤدَّى في بداية أول ظلام الليل بعد صلاة المغرب، أي وقت غروب الشمس. وعلى ذلك نقول: “نتناول العَشاء قبل أو بعد العِشاء”.

ويُطلَق على صلاتي المغرب والعِشاء بصيغة المثَنَّى لفظ العِشاءَيْن. وقد غَلَبَتْ في هذه التثنية العِشاءُ على المغرب.”

 

قل: وقع هذا في مُتِمّ الشهر المنصرم
ولا تقل: وقع هذا في مَتَمّ الشهر المنصرم

وكتب عبد الهادي بوطالب: “نقول : “وقع هذا في مُتِمّ الشهر المنصرم”. ويعني في اليوم الذي يُتمُّ الشَّهرَ أي في آخره. والفعل أَتَمَّ الرباعي متعدٍّ وينصب مفعولا به. وجاء في القرآن: “وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتْمَمْنَاها بعشر”. وفيه أيضا: “اليومَ أكمَلْتُ لكم دينكم وأَتْمَمْتُ عليكم نعمتي”. وأيضا: “ويأبى الله إلاّ أن يُتِمَّ نورَه”. ورد فعل أتمَّ في القرآن في صيغة الأمر: أتْمِمْ في مخاطبة المفرد: “ربنا أَتْمِم لنا نورنا”. وبصيغة الجمع: “ثم أتِمُّوا الصيامَ إلى الليل”.

أما كلمة مُتِمٌّ فقد جاءت في قوله تعالى: “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمٌّ نورَه ولو كره الكافرون”. ولم ترد كلمة مَتَمّ بفتح الميم والتاء مصدرا ولا تستعمل إلا للدلالة على المكان، أي موضع التمام ومكانه. وهذا غير ما تفيده كلمة مُتِمّ الشهر أي يوم نهايته.”

 

قل: هذا يَنْبَعُ من مصدر آخر
ولا تقل: هذا يَنبُعُ من مصدر آخر

وكتب عبد الهادي بوطالب: “في أغلبية الأفعال التي يكون ثانيها أو آخرها حرف حلْق يَطَّرِد فتح ثاني الفعل ببعض الشذوذ.

وآخر الكلمة في فعل نَبَع هو حرف العين. وهي من حروف الحلق، أي مَخْرَجُها عند النطق بها هو الحلْق. ففعله المضارع مفتوح العين: نبعَ ينبَع، لا ينبُع، كما يَرِدُ خطأً على بعض الألسنة. ومَثَله مَثَل شَرَح، يشرَح (حرف الحاء من حروف الحلق) ونَصَح ينصَح.”

 

قل: زرت  المأصِرَ لدفع الضريبة
ولا تقل: زرت  المأصَرَ لدفع الضريبة

كتب الحريري: “ويقولون لمركز الضرائب: المأصَر بفتح الصاد والصواب كسرها، لأن معناه الموضع الحابس للمار عليه والعاطف للمجتاز به، ومن ذلك اشتقاق أواصر القرابة والعهد لأنها تعطف على ما تجب رعايته من الرحم والمودة.

وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابي فتجاريا الحديث إلى أن حكى أبو نصر: أن أبا الأسود الدؤلي دخل على عبيد الله بن زياد، وعليه ثباب رثة، فكساه ثيابا جددا، من غير أن عرض له بسؤال، أو ألجأه إلى استكساء، فخرج وهو يقول:

كساك ولم تستكسه فحمدته ** أخ لك يعطيك الجزيل ويأصر

وإن أحق الناس إن كنت مادحا ** بمدحك من أعطاك والعرض وافر

فأنشد أبو نصر قافية البيت: ويأصر يريد به: ويعطف، فقال ابن الأعرابي: بل هو وناصر بالنون، فقال أبو نصر: دعني يا هذا وياصري، وعليك بناصرك.”

 

قل: كان يُنشِدُ القصيدة  إنشاداً جميلا
ولا تقل: كان يَنشُدُ القصيدة  إنشاداً جميلا

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم في غير المضاعف من المضارع أنهم لا يفرقون بين يُنشِدُ (بضم الياء وخفض الشين)، ويَنشُد (بفتح الياء وضم الشين). فالأول من أنشد القصيدة ينشدها إنشادا: إذا رفع صوته في إلقائها.

والثاني من نشد ضالته ينشدها نشدانا: إذا طلبها وبحث عنها، ومنه قول النابغة الجعدي:

أنشد الناس ولا أنشدهم ** إنما ينشد من كان أضل

ونظيره في المضارع أنهم لا يفرقون بين يَشرَك (بفتح الياء والراء) ويُشرِك (بضم الياء وخفض الراء). فالأول من الفعل شركه في الأمر يشركه مشاركة، أي صار شريكه، ومنه الأمر المشترك والمتشرك الذي يستوي فيه المتقاسمون، ونظيره قول الشاعر :

لا يستوي المرآن ، هذا ابن حرة ** وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك

والثاني من أشرك بالله يشرك شركا وإشراكا، أي جعل له شريكا في ملكه، فهو كافر مشرك. ومنه قوله تعالى عن عبده لقمان أنه قال لابنه: “يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم” ونظيره قول الشاعر:

أمران لا يسلم الإنسان شرهما ** الشرك بالله والإضرار بالناس

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

قل ولا تقل / الحلقة الثامنة والتسعون

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: ينبغي لك أن تتروض ولا تترك الروض (أي ينبغي لك أن تروضَ بدنك أو تُروِّضه بأفعال الرياضة المعروفة)
ولا تقل: ينبغي لك أن تَتَريّض ولا تترك التريّض

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الرياضة مأخوذة من الفعل “راض يروض” فعينه أي وسطه “واو” ولا “ياء” وانما أبدلت الواو ياءً في “رياضة” لسكون عين فعلها “راض يروض” ولكسر ما قبلها في المصدر وهو الراء، فأصلها “رواضة”. ولو كانت العين متحركة لبقيت الواو سالمة، ألا ترى أنك تقول: “راوَضَه في البيع رواضاً ومراوضةً”. وإنك لا تقول “راوَضَه رياضاً ولا مرايضةً”.

قال ابن فارس في المقاييس: “الراء والواو والضاد أصلانِ متقاربانِ في القياس، أحدهما يدلُّ على اتّساعٍ، والآخَرُ على تلْيِينٍ وتسهيل” ثم قال “وأما الأصل الآخَر: فقولهم رُضْتُ النّاقَة أرُوضُها رياضةً”.

وقال الجوهري في الصحاح: “ورَضْتُ المُهْرَ أَرُوضُهُ رياضاً، ورِياضَةً، فهو مَروضٌ. وناقَةٌ مَروضَةٌ، وقد ارْتاضَتْ. وكذلك رَوَّضْتُهُ تَرْويضاً، شدِّد للمبالغة. وقومٌ رُوّاضٌ وراضَةٌ.”

ونقل رينهارت المستشرق الهولندي في معجمه المستدرك على المعجمات العربية من كتب الأدب قولهم: “راضَ نفسه أي ثقّفها وهذّبها وراض نفسه عليه أي تحمله وكابده، وروّض سيرته أي أصلحها وروضه عليه أي عوّده إياه”. ولم أجد الفعل “ترَوّض” ولا مصدره “التروّض” في معجم لغوي ولا في كتاب أدبي، ولكنه فعل قياسي صحيح وهو مثل “تعوّد وتعوّض وتقوّل وتحوّل” من حيث الإشتقاق وهو من الأفعال الخاصة بفاعلها الصادرة عن رغبة منه فيها نحو “تحوّل وتعلّم وتأدّب وتقدّم” وقد اقتضت الحاجة اشتقاقه من الثلاثي “راض يروض” فهو واوي العين لا يائيها، وينبغي الرجوع الى الأصل عند الإشتقاق فيقال “تروّضت أتروّض تروّضاً” كما يقال “قوّمت البضاعة أو ما جرى مجراها، أقوّمها تقويماً” أي عيّنت قيمتها أعينها تعييناً. ولا يشتق الفعل من القيمة فمن الخطأ المبين قولهم “قيمت البضاعة وتقييم البضاعة”.

فقل: ينبغي لك أن تتروّض ولا تترك التروّض.

 

قل: هذه ليلةٌ مَطيرٌ
ولا تقل: هذه ليلَةٌ مَطيرةٌ

 كتب الكسائي: “ويقال هذه امرأة جميلٌ وجاريةٌ حَسِيبٌ، وليلةٌ مَطِيرٌ وعينٌ كَحِيِلٌ ولحيةٌ دَهِينٌ بغير هاء. وكذلك كل ما كان على فعيل (وعندي المرأة).”

وأضاف المحقق للتوضيح: “ما بين المعقوفين ليس الا عند العلائي، وهي زيادة مهمة لأن الشرط في ورود فيعل للمؤنث بغير هاء أن تكون بمعني مفعول وأن يذكر قبلها الموصوف.  وهذا معنى قول الكسائي هنا: “وعندي المرأة”، ففي اصلاح المنطق: اذا كان فعيل نعتاً لمؤنث وهو في تأويل مفعول كان بغير هاء….. فاذا لم تذكر المرأة قلت: مررت بقتيلة”. وانظر كذلك المذكر والمؤنث للفراء وفصيح ثعلب.”

وكذلك: كفٌّ خَضِيبٌ وحمارة وَدِيقٌ. قال تعالى: “لعل الساعة قريب”.

وقد بنت العرب “فعيلاً” بغير هاء أيضاً. ومنه قوله تعالى: “وقالت عجوزٌ عقيمٌ” ولم يقل عقيمة. وكذلك دُرَّاعَة جديد.

وقد يكون فعيل أيضاً للجميع فتقول: في الدار نساءٌ كثير وهذه حبابٌ جديد، قال الشاعر:

يا عاذلاتي لا تٌرِدنَ ملامَتي             إن العواذِلَ لسنَ لي بأميرِ

فقال بأميرِ ولم يقل بأميرات. وذلك أنه جمعه على لفظ فعيل.”

واضاف المحقق:” الوديق: تريد الفحل. حباب: جمع حِبّ بمعنى الخابية وهو فارسي معرب.”

وقد بنت العربُ “فَعُولاً” بغير هاء أيضاً. من ذلك: هذه امرأة ولودٌ وكَسُوبٌ وخَدُومٌ ووَدُودٌ. ورَمَكَةٌ عضوضٌ وَجَمُوحٌ وعَثَورٌ. وأمٌّ نَزُورٌ اذا كانت قليلةَ الولادة. قال الشاعر (وهو كثير عزة كما جاء في لحن العوام للزبيدي):

بُغاثُ الطَّيرِ أكثرُها فِراخَاً        وأمُّ الصَّقْرِ مَقْلاتٌ نَزُورُ

ومنه قوله تعالى: “ياأيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا”.

ومنه أمٌّ بَرُورٌ على مثال فَعُول. قال الشاعر:

فلا أحَدٌ في الناس ابن ولا أخٌ           ولا أمٌّ بَرُورٌ بالبنين ولا أبُ

فَذَكَّرَ لأنه مبني على فعول.”

 

قل: هي امرأة مبهاج
ولا تقل: هي امرأة مبهاجة

كتب الكسائي: ” وقد بنت العرب “مفعالاً” بغير هاء منه قولهم: امرأة مِكسال، مِطعان، ومِغناج، ومِعطال ومِتفال، ومِبهاج، ومِضحاك، ومِعطار. قال الله جل ثناؤه: “إن جهنم كنت مِرصادا”. وقال ذو الرِّمَّةِ:

غَرَّاءُ عَيناءُ مِبهاجٌ اذا سّفَرَتْ           وتَحْرِجُ العيْنُ منها حين تنتَقِبُ”

 

قل: امرأة طالقٌ
ولا تقل: امرأة طالقةٌ

كتب الكسائي: ” ويقال امرأة طالِقٌ وطاهِرٌ وحائضٌ وطامِثٌ وريحٌ عاصِفٌ بغير هاء. فاذا قال لك قائل، قد قال تعالى: “ولسليمان الريح عاصفة” فاثبت الهاء. قيل: هذا على مبالغة المدح والذم. قال الأعشى:

أيا جَارَتي بيني فإنك طالِقَهْ              كذاكِ أمورُ الناسِ غادٍ وَطَارِفَهْ”

 

قل: هو رَجُلٌ شّتَّامَة
ولا تقل: هو رجُلٌ شَتَّام

كتب الكسائي: “وللعرب أحرف كثيرة من المذكر بالهاء على مبالغة المدح والذم، كقولهم: رجل شّتَّامة وعَلاَّمَة وطَلاَّبَة وجّمَّاعَة وبَذَّارَة وسَيَّارة في البلاد وجَوَّلَة ورجلٌ راوِيَة وباقِعَة وداهِيَة. ورجلٌ لَجَوجَة وصَرُورَة،وهو الذي لم يَحِجَّ قط، قال النابغة الذبياني:

لو أنها عَرَضَت لأشْمَطَ راهبٌ  يَخْشى الإله صَرُورَةً مُتَعَبِّدِ

لَرَنَا لبَهْجَتِها وحُسِنَ حَديِثِها              ولَخَاله رَشَدَاً ولإن لم يَرْشُدِ

ويقال رجل هيابة وهو الذي تأخذه الرعدة عند الخصومة، فلا يقدر على الكلام. ومثله جَثَّامَة، قال الشاعر:

تُتْبِئكَ أني لا هّيَّابَة وَرَعُ          عندَ الخُطُوبِ ولا جّثَّامَةٌ حَرَضُ

ورجل فَحاشَة وكذلك وَقَاعة وبَسّامَة وهِلباجَة. قال الشاعر:

قد زعمَ الحيدَرُ أني هالكُ

وإنما الهالكُ ثم الهالِكُ

هِلباجةٌ ضَاقَتْ به المسالِكُ”.

(الباقعة: الداهية. الهلباجة: الأحمق)

 

قل:  هي إمرأة حائض
ولا تقل: هي إمرأة حائضة

ونأخذ مما كتب ثعلب في “باب ما يقال للأنثى بغير هاء” ما يلي: “تقول إمرأة طالق، وحائض، وطاهر، وطامث بغير هاء. وكذلك إمرأة قتيل فإن قلت: رأيت قتيلة ولم تذكر إمرأة أدخلت فيه الهاء. وكفٌّ خضيبٌ وعينٌ كحيلٌ ولحية دهينٌ.  وكذلك إمرأة صبورٌ وشكورٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة مِعطارٌ  ومِذكارٌ ومِئناث. وكذلك مُرضِعٌ ومُطفِلٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة حامل إذا أردت حُبلى، فإن أردت أنها تحمل شيئا ظاهراً قلت: حاملة. وكذلك إمرأة خَودٌ. وتقول: مِلحفَة جديد وعجوزٌ، وتقول: هي رَخْلٌ للأنثى من أولاد الضأن، وهذه فَرَسٌ. وهكذا جميع ما كان للإناث خاصة فلا تدخِلَنَّ في الهاء، وهو كثير فقس عليه.”

كتب الحريري: ومن ذلك توهمهم أن الراحلة اسم يختص بالناقة النجيبة، وليس كذلك بل الراحلة تقع على الجمل والناقة، والهاء فيها هاء المبالغة،  كالتي في داهية وراوية، وإنما سميت راحلة لأنها ترحل، أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كما جاء في التنزيل: “في عيشة راضية” بمعنى مرضية.

وقد ورد فاعل بمعنى مفعول في عدة مواضع من القرآن كقوله تعالى: “لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم” أي لا معصوم. وكقوله سبحانه: “من ماء دافق” أي مدفوق، وكقوله عز اسمه “أنا جعلنا حرما آمنا” أي مأمونا فيه. وجاء أيضا مفعول بمعنى فاعل، كقوله تعالى: “حجابا مستورا”، أي ساترا، “كان وعده مأتيا” أي آتيا. وقد يكنى عن الفعل بالراحلة لكونها مطية القدم وإليها أشار الشاعر الملغز بقوله:

رواحلنا ست ونحن ثلاثة ** نجنبهن الماء في كل مورد

 

قل: إمرأةٌ نُفَسَاءُ
ولا تقل: إمرأةٌ نَفِسَة

كتب الزبيدي: “يقولون إمرأة “نَفِسَة” والصواب “نُفَسَاء”، ونَفِسَتْ المرأة ونُفِسَتْ فهي منفوسة، قال الشاعر:

………………………..              إذا النُّفَسَاءُ أصبحتْ لمْ تُخّرَّسِ

والصَّبِيّ أيضاً “مَنفُوس” أي مولود، قال الهذلي:

فيا لَهْفَتي على ابن أخْتِيَ لَهْفَةً           كما سَقَطَ المَنفُوسُ بين القَوابِلِ

وفي الحديث: “ما من نفْسٍ مَنفوسَةٍ إلا وقد كٌتِبَ لها رِزْقَها وأجَلِها”.

وتجمع “النُّفَسَاء” على “نُفَسَاوات” و “نِفَاس: مثل “عُشَراء” و “عِشَار” و “عُشَراوات” وهي التي عليها عشرة أشهر من وقت الحمل. وأنشدنا أبو علي:

رٌبَّ شَرِيبٍ لَكَ ذِي حُسَاسِ

شَرَابُهُ كالحَزِّ بالمَوَاسي

ليسَ بِرَيَّانٍ ولا مُواسِي

أقْعَسُ يَمشي مِشْيَةَ النِّفَاسِ

و “النِّفاسِ” أيضاً: الولادة. وإنّما قيل للمرأة نفساء من أجل الدِّماء. ويقال للدم: نَفْسٌ، ومنه الحديث عن ابراهيم النخعي: في كل ذي نفس سائلة، يعني: الدم.

 

قل: إن جمع مرأة مراء
ولا تقل: إن جمع مرآة مرايا

كتب الحريري: “ويقولون في جمع مرآة: مرايا، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين حين قال:

قلت لما سترت لحيته ** بعض البلايا

فتن زالت ولكن ** بقيت منها بقايا

فهب اللحية غطت ** منه خدا كالمرايا

من لعينيه التي تقسم ** في الخلق المنايا

والصواب أن يقال فيها: مراء على وزن مراع، فأما مرايا فهي جمع ناقة مري وهي التي تدر إذا مري ضرعها، وقد جمعت على أصلها الذي هو مرية، وإنما حذفت الهاء منها عند إفرادها لكونها صفة، لا يشاركها المذكر فيها.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة السابعة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: سألتقي أنا وفلان ونلتقي نحن والقادمون والتقيا هما وأصحابهما
ولا تقل: سألتقي فلاناً وسألتقي وإياه وما أشبه ذلك

وقل: نلتقي نحن وأنتم
ولا تقل: نلتقي واياكم

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الفعل “التقى” يأتي تارة للفردية وتارة للإشتراك. فالفردية تكون في نحو قولنا “التقيت فلاناً في المجلس” و “التقيت الشيء في الطريق” أي لقيتهما. قال الشاعر:

لما التقيت عميراً في كتيبته      عاينت كاس المنايا بيننا بددا

وإذا جاء الفعل “التقى” للإشتراك فهو بمعنى تفاعل المشترك. ومن البديهي في العربية أن تكون أفعال الإشتراك فيها صادرة عن فاعلين مختلفين أو أكثر منهما. أن الشركة لا تصدر عن واحد. وكذلك ما ينوب عن الفاعلين، وإذا عطف الإسم الظاهر أو الضمير على الضمير المستتر المرفوع وجب الفصل بينهما بفاصل لفظي كالضمير وغيره. كقوله تعالى “ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة”. فالفاصل هو “أنت”. وكقوله تعالى “سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء”. فالاصل هو “لا” ولا يجوز العطف بغير الفاصل في الكلام المنثور. وقد ورد في العشر نادرا كقول بعض الشعراء:

زعم الأخيطلُ من سفاهة رأيهِ   ما لم يكن وأب له لينالا

وإذا كان الفعل مشتركاً في مثل “سألتقي أنا وفلان” و “نلقي نحن والقادمون” فالعطف واجب كما ذكرت آنفاً. ولا يجوز أبداً أن يكون المعطوف مفعولا معه. ولذلك لا يصح أن يقال “سألتقي وفلاناً ونلتقي واياكم”، و “وهذا يتفق والأصول”، و “وهذا يتناسب والتعاليم”، و “وهذا يتعارض والقانون”. فالصواب: “سألتقي أنا وفلان”، و “نلتقي نحن وأنتم”، و “هذا يتفق هو والأصول”، و “هذا يتناسب هو والتعاليم”، و “هذا يتعارض هو والقانون”، برفع المعطوف أو جعله ضمير رفع إن لم يكن اسماً ظاهراً.

أما قولهم “نلتقي بكم” فهو تعبير مولد جائز، لم يعرفه الفصحاء، والياء فيه نابت عن كلمة “مع” والأصل “نلتقي معكم”، وكلمة “مع” نابت عن الواو العاطفة. وذاك مثل اجتمع فلان وفلان ثم قيل “اجتمع فلان مع فلان” ثم قيل “اجتمع فلان بفلان”.”

 قل: الْتقَى فلانٌ وفلانٌ أو الْتقَى فلانٌ بفلانٍ
ولا تقل: التقى فلانٌ فلاناً

وكتب عبد الهادي بوطالب: “تَعِجُّ الإذاعات والتلفزات والكتب بأخطاء في استعمال هذه الأفعال. والأصوب اتِّباع الطرائق التالية:
إن الأفصح في استعمال التقى هو الربط بواو العطف فنقول: “الْتقَى فلانٌ وفلانٌ على رأي واحد” مثلما نقول: “اجتمع فلانٌ وفلانٌ في مأدُبة واحدة”. لكن يجوز استعمال الباء أو مع فنقول: “التقى فُلانٌ بفُلان، أو التقى فُلان مع فُلان” مثلما نقول : “اشترك فلان مع فلان في شركة واحدة” ونقول: “تباحث فلان مع فلان في أمر يهُمهما”. لكن أخذ يشيع على الألسنة والأقلام: “التقى فلانٌ فلاناً” وهذا خطأ. ففعل التقى لازم بينما فعل لقِيَ متعدٍّ. ولذلك يجوز: “لقِيَ فلان فلانا على الطريق”.
أما التقاه فلم ترد في اللغة إلا بمعنى رآه.

قل: عَضِضْتُ اللقمة
ولا تقل: عَضَضْتُ اللقمة

كتب الكسائي: “وتقول عَضِضْتُ اللقمة بكسر الضاد، وكذلك غَصِصْتُ بالطعام. وكذلك صَمِمْتُ (عن الكلام) أيضاً ومَسِسْتُ بكسر السين، وبَرِرْتُ والدي.

قال الشاعر في شاهد عَضِضْتُ:

الآن لما أبْيَّضَ مَسْرُبَتي          وَعَضِضْتُ من نابي على جِذْمِ

(مسربة: شعر وسط الصدر.   جذم الأسنان: منابتها.)

وقال آخر في شاهد صَمِمْتُ:

ألمْ تَرَني صَمِمْتُ وكدتُ أعمى  عن الخَبَرِ الذي حُدِّثْتُ أمسِ

وقال آخر في شاهد مَسِسْتُ:

تَكادُ يَدي تَندى اذا ما مَسِسْتُها    وينبُتُ في أطرافها الوَرَقُ الخُضْرُ

قل: هو خَيْرٌ من زيد
ولا تقل: هو أخيرُ من زيد

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “هو خير من زيد وشر منه ولا يبنى على “أفعل”. وكذلك جميع الألوان والعيوب الظاهرة والخلق الثابتة لا يقال في شيء منها “ما أفعله”  ولا “هو أفعل من كذا”. فلا يقال ما أبيضه ولا ما أصفره ولا ما أسوده ولا ما أعماه  وأعرجه، ولكن يقال: ما أشدَّ سواده وما أقبحَ عماه وعَرَجَه، وهو أشدُّ بياضاَ وصفرةً ونحو ذلك.”

قل: شَبِعَ فلان شِبَعَاً حَسَناً
ولا تقل: شَبِعَ فلان شِبْعَاً حَسَناً

كتب الزبيدي: “ويقولون هم في “شِبْعٍ” والصواب “شِبَعٍ”، تقول شَبِعَ شِبَعَاً حَسَناً. قال امرؤ القيس:

فَتَوسِعَ أهلنَا أقِطَاً وسِمْناً          وَحَسْبُكَ من غِنَى شِبَعٌ وَرِيُّ

قل: أُجرِي امتحان القَبُول (بفتح القاف) في وظيفة التعليم
ولا تقل: أُجرِي امتحان القَبول (بضم القاف) في وظيفة التعليم

وكتب عبد الهادي بوطالب: “نفس الخطأ الذي يقع في كلمة الجَنوب يقع في كلمة القَبول (بفتح القاف) وهو الصحيح. ويقع بعض المتحدثين في المشرق العربي في الخطأ فيَضُمُّون القاف. يقال : “إما القَبول وإما الرفض” و”أُجرِي امتحان القَبول في وظيفة التعليم”.
وجاء في بعض معاجم اللغة العربية ذكر القبول بضم القاف، لكن فتح القاف هو الأصوب. ففي القرآن :”فَتَقَبَّلها ربُّها بقَبول حسنٍ وأنْبَتَها نَباتا حَسَنا”.”

قل: بذلَ قُصارَى جهده للإصلاح
ولا تقل: بذلَ قَصارَى جهده للإصلاح

وكتب عبد الهادي بوطالب: في مناظرة بين أساتذة جامعيين قدمتها قناة تلفزيونية عربية تبثُّ من لندن نطق أحدهم بكلمة قُصارى محرفة إذ نطقها بفتح القاف، بعد أن تقدمه محاور ونطقها بالضم كما يجب أن تُنطَق، فلم يسع الذي نطق بالضم في البداية إلا أن “يصحح” وينطقها بالفتح وتوالت الكلمة بخطأها طيلة الندوة. قُصارَى بضم القاف تستعمل في هذا التعبير وأمثاله : “بذلَ قُصارَى جهده للإصلاح”، أي أشد الجَهد وأقصاه. كما نقول: “بذل غاية الجهد للإصلاح”. وتأتي الكلمة بمعنى حَسْب، أي كفى. ونقول : “قُصاراك أن تفعل كذا”.

قل: ساغ لي الشراب
ولاتقل: انساغ لي الشراب

كتب الحريري:ويقولون: انساغ لي الشراب، فهو منساغ، والاختيار فيه ساغ، فهو سائغ كما قال الشاعر:

فساغ لي الشراب وكنت قبلا ** أكاد أغص بالماء الحميم

وفي القرآن: “لبنا خالصا سائغا للشاربين”، وقد جاء في تفسيره أنه لم يغص به أحد قط، ومن حكى أنه سمع في بعض اللغات انساغ لي الشيء، أي جاز فإنه مما لا يعتد به، ولا يعذر من استعمله في ألفاظه وكتبه.”

قل: قام الرجلان
ولا تقل: قاما الرجلان

كتب الحريري:ويقولون: قاما الرجلان وقاموا الرجال فيلحقون الفعل علامة التثنية، والجمع، وما سمع ذلك إلا في لغة ضعيفة لم ينطق بها القرآن ولا أخبار الرسول عليه السلام، ولا نقل أيضا عن الفصحاء، ووجه الكلام توحيد الفعل، كما قال سبحانه في المثنى: “قال رجلان”، وفي الجمع: ” إذا جاءك المنافقون”. فأما قوله تعالى: “وأسروا النجوى الذين ظلموا” فالذين بدل من الضمير الذي في لفظة أسروا، وقيل: بل موضعه نصب على الذم، أي أعني الذين كفروا، وكذلك قوله تعالى: “ثم عموا وصموا كثير منهم”، فكثير بدل من الضمير الذي في لفظتي “عموا وصموا” فإن تأخر الفعل ألحق علامة التثنية والجمع، فقيل: الرجلان قاما، والرجال قاموا، ويكون الألف في قاما والواو في قاموا اسمين مضمرين، والفرق بين الموضعين انك إذا قدمت الفعل كانت علامة تثنية الفاعل وجمعه تغني عن إلحاق علامة في الفعل، وإذا أخرت الفعل صار الفاعل بتقدمه مبتدأ، فلو أفرد الفعل فقيل: الناس خرج لجاز أن يتوهم أنك تريد منهم جزءا ، لجواز أن يقال : الناس خرج سيدهم .”

قل: لن تبلغوه إلا بشِقِّ الأنفسِ
ولا تقل: لن تبلغوه إلا بشَقِّ الأنفسِ

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الشق (بفتح الشين)، ويعني الصدع، والشق (بخفض الشين)، ويعني المشقة والعنت، فيضعون هذا مكان ذاك ويقعون في الوهم، لأن الأول مأخوذ من: شق الجدار يشقه شقا، أي صدعه وجعل فيه شقوقا. ومنه قولهم: شق الخوارج عصا المسلمين، أي فرقوا جمعهم وكلمتهم، وصدعوا تلاحمهم ووحدتهم.

أما الثاني (بخفض الشين) فمأخوذ من شق عليه الأمر يشق شقا ومشقة، أي ثقل وصعب ومنه قوله تعالى: “لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس” أي بالتعب والجهد، ونظيره قول الشاعر:

والخيل قد تجشم أربابها الشق ، وقد تعتسف الراوية

ومثله من الفعل قول شوقي:

لحاها الله أنباء توالت ** على سمع الولي بما يشق

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة السادسة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: قام بعمل نجله ونقدره
ولا تقل: قام بعمل ترفع له القبعات

نسمع بين حين وآخر من يقول إن فلاناً قام بعمل “ترفع له القبعات”. وقد يسأل سائل: ما الخلل في هذا؟ والجواب هو ما سبق وكتبنا عنه مراراً في أن العربية تعاني من التغرب الذي أصبح يجري في شريانها بل في عقول الناطقين بها. ذلك لأن اللغة، أية لغة، هي انعكاس لفكر الناطقين بها. وحين استعمل الأوربيون عبارة “I raise my hat for that” والتي تترجم “ارفع قبعتي لهذا” على سبيل المثال فان الإنكليزي كان يعبر عن حالة سلوكه في كشف الإحترام والتقدير الذي يقوده لرفع قبعته والتي لا يرفعها عادة عن رأسه. وهذا تعبير جميل يمت بصلة للثقافة والسلوك السليم في المجتمع الإنكليزي.

لكن ما علاقة العربي الذي لم يعرف “القبعة” يوماً بهذا؟ أي ما علاقته بهذا الإستعمال الذي لا يحدث أثراً في سمع العربي الأصيل والذي لم يسبق له أن سمع العبارة الإنكليزية؟ فاذا كان العربي لا يضع قبعة على رأسه مما يدفعه لرفعها في معرض الإحترام والتبجيل، فما معنى العبارة؟

ان التغرب في ذهن العربي أصبح جزءاً من تكوينه العقلي حتى عاد يردد العبارة المترجمة والتي تمكنت منه وان كانت لا علاقة لها بفكره ومفرداته.

إن خطر هذا على مستقبل العربية لا يمكن أن يبالغ فيه، وما لم يسارع المعنيون في ايقاف هذا السيل، والذي تشكل وسائل الإعلام أداته التخريبية الرئيسة، فقد تنقرض اللغة العربية في قرن من الزمان كما توقعت منظمة “اليونسكو”.

قل: دعه حتى يسكتَ من غضبه
ولا تقل: دعه حتى يسكنَ من غضبه

كتب الكسائي: ” وتقول: دعه حتى يسكتَ من غضبه، بالتاء ولا يقال: يسكن بالنون. قال الله عز وجل: “ولما سكت عن موسى الغضَبُ”.

قل: قد اشتريتُ بِطَانَةً جيدةً
ولا تقل: قد اشتريتُ بَطَانَةً جيدةً

كتب الكسائي: “وتقول: قد اشتريتُ بِطَانَةً جيدةً، بكسر الباء. قال الله جل ذكره: “ياايها الذين آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكم”.

قل: ما كلَّمتُه قَطّ
ولا تقل: ما كلَّمتُه أبَدَاً

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول ما كلمته قَطُّ ولا أكلمه أبداً لأن قَطُّ للماضي وأبَدَاَ للمستقبل”.

قل: حَصَل فلان على الشيء يَحصل عليه
ولا تقل: حَصُل عليه ولا حَصَّل عليه

كتب مصطفى جواد: “لأنه من باب نَصَر ينصُر، ولأن “فَعُل يفعُل” خاص بالغرائز وأشباهها نحو شَرُف ولطُف وظرُف ونظُف، والحصول ليس فيه غريزة ولا شبه غريزة.”

قل: وضعَ المتاعَ في الخِزانَة
ولا تقل: وضعَ المتاعَ في الخَزانَة

كتب الزبيدي: “ويقولون “الخَزانَة” فيفتحون والصواب “الخِزانَة” (بكسر الخاء) وهو المكان الذي يخزن فيه المتاع و “الخِزانة” أيضاً عمل الخازن، مثل الوِلاية والإمارة.

قل: نيرُ الثوبِ
ولا تقل: نيرةُ الثوبِ

كتب المقدسي: “ويقولون: نِيرَةُ الثوبِ  وصوابُهُ: نِيرٌ، وجَمْعُها: نِيَرٌ.” انتهى

وكتب ابن فارس في المقاييس: “النون والياء والراء كلمة تدلُّ على وضوحِ شيءٍ وبُروزه. يقال لأخدود الطَّريقِ الواضحِ منه نِير. قال: ثم قيس على هذا نِيرُ الثّوب: عَلَمُه، سمِّي به لبُروزه ووضوحه.”

قل: قال ذلك لأنه افترضَ أن يكون كذلك
ولا تقل: قال ذلك لأنه فَرَضَ أن يكون كذلك

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يقع التباس في التفريق بين فعلي فَرَض وافْتَرض ومشتقات هاتين الكلمتين كمفروض ومفْتَرَض، ولكلِّ معناه وموضع استعماله.

فَرَضَ يَفْرِض فَرْضا إذا أوجب فعلَ شيء. فنقول :”فرض الله علينا صومَ رمضان” و”صومُ رمضان مفروضٌ على المؤمنين كما أن الصلاة مفروضةٌ عليهم”. ونقول :”الصلاة فَرْضٌ” وفي القرآن الكريم :”ما كان على النبيِّ من حَرَجٍ فيما فَرَضَ الله له”.

أما افْتَرَض فتعني اعتبر الأمر مُسلَّما به، أو اعتقد أو ظن أن الشيء واقع أو مُسَلَّم به. ويقال :”نقول هذا على سبيل الافتراض لأنه لا يوجد على وقوع هذا الشيء دليل”.

أما الخطأ فهو في استعمال أحدهما مكان الآخر. وهذا يقع كثيرا. فيقال مثلاً :” هذا أمر مفتَرَضٌ ولا مناصَ منه” والصواب مفروض. ويقال: ” قال ذلك لأنه فَرَضَ أن يكون ذلك قد وقع”. والصواب لأنه افْتَرض.”

قل: هذا أمرٌ مرومٌ
ولا تقل: هذا أمرٌ مُرامٌ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “مروم من فعل رام بمعنى طلبَ الشيءَ وقَصَدَه. اسم الفاعل رائِم واسم الفعل مَرُوم. ونقول : “شارك في المباراة ورامَ الفوزَ فيها فلم ينجح”.

ويأتي الفعل مبنياً للمجهول في قولنا مثلاً: “كلُّ شيء على ما يُرام”.
ولا ينبغي أن تُحدِث هذه الصيغة التباساً فنقول: “هذا مُرام” بل “هذا مَرُوم” أي مقصودٌ ومطلوب. فمُرام اسم مفعول من أَرَام لا رام. وأرام يُريم (الرباعي) لا وجود له في العربية.”

قل: رأيت ضَبعاً عرجاء
ولا تقل: رأيت ضَبعَةً عرجاء

كتب الحريري:ويقولون: الضبعة العرجاء، وهو غلط، ووجه الكلام أن يقال: الضبع العرجاء لأن الضبع اسم يختص بأنثى الضباع، والذكر منها ضبعان، ومن أصول العربية أن كل اسم يختص بجنس المؤنث مثل حجر وأتان وضبع وعناق، لا تدخل عليه هاء التأنيث بحال، وعلى هذا جميع ما يستقرى من كلام العرب، وحكى ثعلب قال: أنشدني ابن الأعرابي في أماليه:

تفرقت غنمي يوما فقلت لها ** يارب سلط عليا الذئب والضبعا

فسألته حين أنشدنيه: أدعا لها أم عليها فقال: إن أراد أن يسلطها عليها في وقت واحد فقد دعا لها، لأن الذئب يمنع الضبع والضبع تدفع الذئب فتنجو هي، وإن أراد أن يسلط عليها الذئب في وقت والضبع في وقت آخر فقد دعا عليها.

وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة قل من اطلع على خبئها وانكشف له قناع سرها وهي أن من أصول العربية التي يطرد حكمها، ولا ينحل نظمها أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث لأنه هو الأصل، والمؤنث فرع عليه إلا في موضعين: أحدهما أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع، قلت: ضبعان، فأجريت التثنية على لفظ المؤنث الذي هو ضبع لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان وإنما فعل ذلك فرارا مما كان يجتمع من الزوائد لو ثني على لفظ المذكر.

والموضع الثاني أنهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي التي هي مؤنثة دون الأيام التي هي مذكرة وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق، والأسبق من الشهر ليلته.  ومن كلامهم: سرنا عشرا من بين يوم وليلة.”

قل: نشم الناس في الأمر
ولا تقل: نشب الناس في الأمر

كتب الحريري: “يقولون لمن بدأ في إثارة شر أو فساد أمر: قد نشب فيه، ووجه الكلام أن يقال: قد نشم بالميم لاشتقاقه من قولك: نشم اللحم، إذا بدأ التغير والإرواح فيه، وعلى هذا جاء في حديث مقتل عثمان رضي الله عنه: فلما نشم الناس في الأمر، أي ابتدأوا في التوثب على عثمان، والنيل منه.

وكان الأصمعي يرى أن لفظة نشم لا تستعمل إلا في الشر، وأن منها اشتقاق قولهم: دقوا بينهم عطر منشم، لا أن هناك عطرا يدق حقيقة. وقال غيره: بل منشم عطارة، ما تطيب بعطرها أحد فبرز لقتال إلا وقتل أو جرح، وقيل: بل الإشارة في المثل إلى عطارة أغار عليها قوم، وأخذوا عطرا كان معها، فأقبل قومها إليها فمن شموا منه رائحة العطر قتلوه. ومن أوله على هذا قال: هو عطر من شم، فجعله مركبا من كلمتين. وقيل: الكناية فيه عن قرون السنبل الذي يقال إنه سم ساعة.

وذكر ابن الكلبي أنها امرأة من خزاعة كانت تبيع العطر، فتطيب بعطرها قوم، وتحالفوا عى الموت فتفانوا. وقال غيره: بل هي صاحبة يسار الكواعب، وكان يسار هذا عبدا أسود يرعى الإبل، إذا رأته النساء ضحكن منه، فيتوهم أنهن يضحكن من حسنه، فقال يوما لرفيق له: أنا يسار الكواعب ما رأتني حرة إلا وعشقتني، فقال له رفيقه: يا يسار، اشرب لبن العشار، وكل لحم الحوار، وإياك وبنات الأحرار. فأبى وراود مولاته عن نفسها، فقالت له: مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه، فأتته بموسى، فلما أدنى أنفه إليها لتشمه الطيب جدعته. وفي الشين من منشم روايتان: الكسر والفتح، وإن كان الكسر أكثر وأشهر.

ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم: ما عتب أن فعل كذا، ووجه الكلام ما عتم، أي ما أبطأ، ومنه اشتقاق صلاة العتمة لتأخير الصلاة فيها. ومدح بعض الأعراب رجلا فقال: والله ما ماء وجهك بقاتم ولا زادك بعاتم.”

قل: زرتُ أنطاكيِةَ
ولا تقل: زرتُ أنطاكِيِّةَ

كتب الحنفي: “قال ابن السّاعاتي في أماليه: ما كان من بلاد الروم وفي آخره ياءٌ متبوعة بهاءٍ فهي مخففة كانطاكِيَة ومَلَطْيَة وقُونية وقَيْسَارِيةَ، والعامة تشدِّد الياء.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

15 أيار  2018

قل ولا تقل / الحلقة الخامسة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: تَحْرِص عليهم
ولا تقل: تَحْرَص عليهم

كتب الكسائي: “تقول “حَرَصتُ بفلان، بفتح الراء، قال الله عز وجل “وما أكثر الناس ولو حَرَصْتَ بمؤمنين”. ولا تقول “تَحْرَصُ، بفتح الراء، قال الله تعالى: “إن تَحْرِصْ على هداهم فإن اللهَ لا يهدي من يضل”.

وأضاف المحقق في تعليقه على قول الكسائي “حَرَصْتُ بفلان”:

هذا قول أبي ذؤيب الهذلي:

ولقد حَرَصتُ بأن أُدافع عنهمُ           فاذا المنيَة أقبَلَت لا تُدفَعُ

عَدّاه بالباء لأنه في المعنى “همَمْتُ”، والمعروف: حَرَصت عليه. انظر لسان العرب (حرص). وفي المزهر للسيوطي: “قال ابن دستويه في شرح الفصيح: قول العامة: حَرِصْتُ بالكسر أحرص لغة صحيحة إلا انها في كلام الفصحاء قليلة، والفصحاء يقولون بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل.

أما حول ما قاله الكسائي في الفعل المضارع فقد كتب المحقق:

“في العلائي: تقول لا تحرِص بكسر الراء دون فتحها. وفي موضع آخر من “ومضارعه بكسرها” تقول: لا تَحْرِص.  وفي لسان العرب (حرص): واما حَرِصَ يَحْرَصُ فلغة رديئة. قال الأزهري: والقراء مجمعون على: ولو حَرَضْتَ بمؤمنين.”

 

قل: طابَ حَمِيمُكَ للخارج من الحمام
ولا تقل: طابَ حَمَّامُك للخارج من الحمام

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “يقال للخارج من الحمام طابَ حَميمُكَ أي عَرَقُكَ لأن عَرَقَ الصحيح طّيِّبٌ خلاف المريض، ولا يقال طاب حمامك.” انتهى

وكتب الجوهري في الصحاح: “والحَميمُ الماء الحارّ. وقد اسْتَحْمَمْتُ، إذا اغتسلتَ به. هذا هو الأصلُ ثمَّ صار كلُّ اغتسالٍ استحماماً بأي ماء كان….. والحَميمُ المطر الذي يأتي في شدَّة الحرّ. والحميمُ العَرَقُ. وقد اسْتَحَمَّ، أي عَرِقَ.”

 

قل: أقام بسورية من بلاد الشام
ولا تقل: أقام بسوريّا ولا سُوريَا

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن سورية هي من بلاد الشام على قول أو هي بلاد الشام على قول آخر. وقد ذكر الزمخشري في كتابه الفائق ما هذا نصه: “قال كعب (رحمه الله) ان الله بارك للمجاهدين في صليات أرض الروم كما بارك لهم في شعير سورّيَة”. قال الزمخشري: “الصليات نبات تجذبه الأبل وتسميه العرب خبزة الإبل…وسورّية هي الشام والكلمة رومية”. وقال ياقوت في معجم البلدان: “سورية موضع بالشام بين خناصرة وسلمية والعامة تسميه سورية”، ثم نقل قول بعض شيوخ الروم لملكهم هرقل “أنشدك الله أن تدع سورية جنة الدنيا للعرب وتخرج منها ولم تعذر”. وقول هرقل “سلام عليك يا سورية سلام مودع لا يرجو أن يرجع اليك أبداً”. فقل سوريّة ولا تقل: سُورّيا ولا سُوريَا.”

 

قل: وَرَقُ الدِّفْلى مُرُّ
ولا تقل: وَرَقُ الدِّفْلةِ مُرُّ

وكتب الزبيدي: “يقولون لضرب من الشجر “دِفْلَة” والصواب “دِفلى” على مثال “فِعلى” والأل للتأنيث. وقال أبو علي: العرب تقول “هو أمرُّ من الدِّفْلى وأحلى من العسل”.

وقال أبو حنيفة الإصبهاني: يقال لشجر الدِّفْلى “الحَبَنُ” وزنادها جيدة فيما زعموا، ولا يأكل الدفلى شيء، وهو للحافر سَمٌّ نَحّار. وقال الأحمر: الدَّفْلى للواحد والجمع.

  

قل: كاد الرجل ينجح
ولا تقل: كاد الرجل أن ينجح

وكتب عبد الهادي بو طالب: “أما بعد فعل كاد (وهو أيضا من أفعال المقاربة) فأنصح ألا تُستَعمَل بعده “أَنْ”. ففي القرآن: “يكاد سَنا بَرْقٍه يذهبُ بالأبصار”. وإن كان ورد استعمالها في المقولة المشهورة: “كاد المُريبُ أن يقول خذوني”.

ومما أخذ يشيع على الألسنة والأقلام استعمال كلمة “الكاد” ويقولون:”وبالْكادِ حصل منه على وعد”. وفي هذا التعبير أدخلت أل التعريفية على الفعل (كاد) وهي لا تدخل إلا على الاسم والأحسن استعمال “بصعوبة” بدلا من بالكاد.

 

قل: اتخذت سِردابا بعشر درج
ولا تقل: اتخذت سَردابا بعشر درج

وكتب الحريري: ويقولون: اتخذت سَردابا بعشر درج، فيفتحون السين من سرداب، وهي مكسورة في كلام العرب، كما يقال: شِمراخ وسِربال وقِنطار وشِملال، وما أشبه ذلك مما جاء على فِعلال بكسر الفاء.

ثم إن العرب فرقت بين ما يرتقى فيه وما يحدر منه، فسمت ما يرتقى فيه إلى العلو درجا وما يتحدر فيه إلى السفل دركا، ومنه قوله تعالى: “إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار” وجاء في الآثار: أن الجنة درجات والنار دركات.” انتهى

وهكذا نرى أن العرب وضعوا قواعد حتى للأعجمي اذا ما دخل الاستعمال في العربية. فكلمة “سرداب” فارسية لكنها ما أن دخلت الإستعمال عند العرب حتى جعلوها على وزن “مِفعال”.

 

قل: أرض يَنْعَبُ فيها الغُرابُ
ولا تقل: أرض يَنْعُبُ فيها الغُرابُ

كتب الحريري: “ويقولون في مضارع ذخر يذخُر بضم الخاء، والصواب فتحها، كما يقال: فخر يفخر وزخر البحر يزخر، ومن أصول العربية أنه إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق التي هي الهمزة والهاء والعين والحاء الغين والخاء، كان الأغلب فتحها في المضارع، نحو سأل يسأل وذهب يذهب ونعب ينعب وسحر يسحر، وفغر فاه يفغر، وفخر يفخر، فإن نطق في بعضها بالكسر أو بالضم فهو مما شذ عن أصله، وندر عن رسمه.”

 

قل: وضع الدجاج في الخُمِّ
ولا تقل: وضع الدجاج في القن

جاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ويقولون لمحبس الدجاج وقفص الدواجن والطير: القن، فيوهمون، والصواب أن يقال له: الخم، لأن القن هو العبد الذي ولد من أب مملوك، والجمع قنان وأقنة، ومنه قول جرير:

إن سليطا في الخسار إنه ** أبناء قوم خلقوا أقنه

ومنه أيضا أنهم يطلقون على الحبل الذي يشد به السروال والمنطق. اسم الدكة، والصواب أن يقال له التكة. ويقولون لموجودات المنزل ومتاعه: عفش والصواب أن يقال لها: شوار أو أثاث. ويقولون للبلعوم: الحُنجُرة (بضم الحاء والجيم)، والصواب الحَنجَرة (بفتحهما)، والجمع حناجر، ومنه قوله تعالى: “وبلغت القلوب الحناجر”. انتهى

وجاء في لسان العرب: “والخُمُّ: قَفَصُ الدجاج؛ قال ابن سيده: أَرى ذلك لخبث رائحته.”

 

قل: جاءني في وَضَحِ النهار
ولا تقل: جاءني في وَضْحِ النهار

وكتب عبد الهادي بوطالب: “وَضَحُ الصُّبحِ هو وقت ظهور الصباح بعد انكشاف ظلام الليل. ووَضَحُ النهار هو وقت ظهور وقت النهار ببزوغ الشمس واضحة للعيان (أي للمعاينة بالبصر). وبعض المتحدثين يخطئون فلا يفتحون الواو والضاد. وتختلف ألسنتهم على تشويه الكلمة فيضع البعض على الواو الضمة أو الكسرة ويسكِّن البعض الضاد والصواب هو الوَضَح. وفعله وضَح يضِح ضَحة (بدون واو كما هو الشأن في سَعة (من وسِع) ودَعَة (من وَدَع). كما أن مصدره هو وُضوح.

ويطلق الوَضَح أيضا على الطريق المستقيم الذي يسهل السير عليه. ويُعبَّر عن هذا النوع من الطريق بالمَحَجَّة. وفي الحديث: “عليكم بالْمَحَجَّة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك”. وعلى ذلك نقول: “حُجَّة فلان واضحة كوَضَح الصبح أو وَضَح النهار”. كما يُطلق الوَضَح على البياض الناصع فهو بذلك لا يشوبه لون آخر يفقد به وضوحه. وفي معنى الجلاء والوضوح يقال أيضا وضَح الوجهُ أي بان حسنه.”

 

قل: ملكتهم بِلقِيس
ولا تقل: ملكتهم بَلْقِيس

كتب الحنفي: “قال الصقلي: يقولون: بَلْقيس، بفتح الباء. والصواب كسرها.”

 

قل: كانت حرفته الحِجَامَة
ولا تقل: كانت حرفته الحَجَامَة

كتب الحنفي: “أقول: يقولون للحِرْفَةِ المعروفة: الحَجامة، بفتح الحاء، وهو بكسرها في القاموس: وحِرْفَتُهُ الحِجامة ككِتابة. وفي المختار: الأسم الحِجامة، بالكسر. وكذلك لا يتحقّقون معناه فإنّهُ المصُّ، وإنّما سُمي بها لأنّه يمصُّ الدم بعد القطع، كذا في القاموس.”

وجاء في لسان العرب: ” وأَصل الحَجْمِ المصّ….. قال ابن دريد: الحِجامةُ من الحَجْمِ الذي هو البَداءُ لأَن اللحم يَنْتَبِرُ أَي يرتفع.” وكتب الفيروزأبادي في القاموس عن معنى “حجم” الذي كتب عنه ابن دريد: “الحَجْمُ من الشيءِ: مَلْمَسُه الناتِئُ تَحْتَ يَدِكَ.”

 

قل: هذه مسابقة حسنة وظاهرة حسنة وعلامة حسنة وإمارة حسنة وطالعة حسنة
ولا تقل: بادرة حسنة

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “البادرة” عند إطلاقها عند العرب تدل على غير الحسن، وغير المستحسن، إذا كانت بادرة إنسان وكانت معنوية لا مادية. جاء في لسان العرب: “والبادِرَةُ الحِدَّةُ، وهو ما يَبْدُرُ من حِدَّةِ الرجل عند غضبه من قول أَو فعل. وبادِرَةُ الشَّرِّ: ما يَبْدُرُكَ منه؛ يقال: أَخشى عليك بادِرَتَهُ.”

وبَدَرَتْ منه بَوادِرُ غضَبٍ أَي خَطَأٌ وسَقَطاتٌ عندما احْتَدَّ.
والبادِرَةُ البَدِيهةُ. والبادِرَةُ من الكلام: التي تَسْبِقُ من الإِنسان في الغضب؛ ومنه قول النابغة: ولا خَيْرَ في حِلْمٍ إِذا لم تَكُنْ له / بَوادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا”.

وهذا من التعابير البلاغية وذلك أن الشاعر نفى الخوف من بوادره وأراد أنه ليس له بوادر فتخاف وتخشى، والذي أشعرنا بذلك هو أن البوادر مخشية مخوفة سواءاً أكانت منه أم كانت من غيره.

وقد اتصفت بادرة الإنسان المعنوية بالسوء في كتب اللغة كما ذكرت وفي اللغة الأدبية كما ذكرت في البيت “سهل الخليقة لا تخشى بوادره” وكقول الفرزدق:

إذا مالك ألقى العمامة فاحذروا         بوادر كفّي مالك حين يغضب

قال الشريف الرضي أراد الفرزدق أن مالكاً إذا ألقى العمامة طار حلمه وخيف سطوه وما دام معتماً فهو مأمون الهفوة أو مغمود السطوة، وعلى مجرى عادتهم وعُرف طريقتهم.

وجاء في تأريخ الطبري ذكر بادرة الجهل، وورد في مادة فرط من أساس البلاغة للزمخشري “ونخاف أن تفرط علينا بادرة” وورد في تأريخ الوزراء “أو بادرة تندم عليها”، فالبادرة مفروضة بالسوء أبداً حتى بادرة الدمع. إلا أن البادرة وردت كما نقلنا من لسان العرب بمعنى البديهة وهو القول المفاجئ ولا يشترط فيه الخير والحسن، وإنما يجوز فيه الإعجاب لبراعتها وإن كانت بذيئة في بعض الأحيان. قال أبو حيان التوحيدي في كتاب الإمتاع والمؤانسة “ومتى لم تغفر لي الذنب البكر والجناية العذراء والبادرة الصادرة فقد أعنتني على ما كان مني”، فلو كانت البادرة حسنة لم يحتج صاحبها الى الغفران.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني
15 نيسان 2018

 

قل ولا تقل / الحلقة الرابعة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: ما أدى لمقتل طفل واصابه 10 مدنيين آخرين
لا تقل: ما أدى إلى ارتقاء طفل وإصابة 10 مدنيين آخرين

شاع في اعلام بلاد الشام بشكل خاص استعمال جديد لكلمة “ارتقى” أو “ارتقاء” لتعني “قتل” أو “مات” أو “توفي”. ولا أدري متى دخل هذا الإستعمال الغريب. لكنك ما أن تسمع اليوم احدى قنوات التلفزة في بلاد الشام أو تقرأ خبراً على موقع من المواقع التي تدعي العروبة حتى تسمع أو تقرأ مثل ما جاءت به قناة الميادين يوم 24 شباط في الخبر أعلاه.

وهذا ليس سوى حلقة من سلسلة العبث بالعربية والإساءة لها بل هدمها عن قصد أوجهل. فليست هناك حاجة لإستحداث استعمال فعل أو مصدر جديد حين يوجد في العربية عدد من المصادر والأفعال التي تفي بالمعنى. وهذا ليس تطور للغة بل هدم لها.

فلم تعرف العرب استعمال الفعل “ارتقى” بمعنى “مات” أو “قتل” حتى يصبح استعمال المصدر ليعني الموت أو القتل.

فهذا ابن منظور يكتب في اللسان: “ورَقِيَ إلى الشيءِ رُقِيّاً ورُقُوّاً وارْتَقى يَرْتَقي وتَرَقَّى: صَعِد.”

انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة الرابعة والتسعون”

قل ولا تقل / الحلقة الثالثة والتسعون

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: جاءت وحْدة عسكرية

ولا تقل: جاءت وحَدَة عسكرية

وكتب عبد الهادي بوطالب: “نسمع في الإذاعة والتلفزة هذا الخطأ :الوحَدة العسكرية، والوحَدة الإعلامية. والصواب هو تسكين حرف الحاء من كلمة الوحدة. وجمعها على فَعَلات.

ويحسن أن نذكر أن الإعلام لا يخطئ حين يتحدث عن الوحْدة الوطنية والوحْدة الترابية بتسكين حرف الحاء، فلم لا يتجنب الإعلام هذا الخطأ حين يتحدث عن الوحْدة العسكرية، والوحْدة الإعلامية؟” انتهى

وكتب ابن منظور في اللسان: وحكى سيبويه: الوَحْدة في معنى التوَحُّد. الجوهري: الوَحْدةُ الانفراد.

وفي الحديث: أَن الله تعالى لم يرض بالوَحْدانيَّةِ لأَحَدٍ غيره، شَرُّ أُمَّتي الوَحْدانيُّ المُعْجِبُ بدينه المُرائي بعَمَلِه، يريد بالوحْدانيِّ المُفارِقَ للجماعة المُنْفَرِدَ بنفسه، وهو منسوب إِلى الوَحْدةِ والانفرادِ، بزيادة الأَلف والنون للمبالغة.”

وكتب الجوهري في الصحاح: “الوَحْدَةُ: الانفرادُ. تقول: رأيته وحدَه.”

 

قل: نقص المبلغ ثلاثة أفلس أو أربعة أفلس وهلم جراً الى عشرة أفلس

ولا تقل: (نقص) ثلاثة فلوس ولا أربعة فلوس حتى العشرة

كتب مصطفى جواد: “لأن الأفلس جمع قلة وهو من الثلاثة الى العشرة فاذا زاد المبلغ على ذلك قيل فُلوس. وهكذا يقال أشهر للقلة وهي شهور لكثرة، فنقول أقام ببغداد ثلاثة أشهر أو ستة أشهر حتى العشرة فإذا جاوزتها إقامته قلنا: أقام فيها شهوراً نعني أكثر من عشرة أشهر، وكذلك القول في الأنظمة والنظم. فالأنظمة من الثلاثة الى العشرة والنظم من العشرة الى أكثر منها.”

 

قل: شهور كثيرة وأشهر قليلة

ولا تقل: شهور قليلة وأشهر كثيرة

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “الشهور” جمع تكسير للكثرة فهو على وزن “فُعول” فلا يمكن أن تكون عدته قليلة، فهو مثل “صدر وصدور” و “قلب وقلوب” و “نفس ونفوس” و “درب ودروب” و “عقل وعقول” و “حظ وحظوظ” و “جد وجدود” وألف غيرها من جموع الكثرة. ويشمل جمع الكثرة من العشرة إلى ما لا حد له. أما “الأشهر” فهو جمع تكسير للقلة أي لأدنى العدد، وهو من الثلاثة الى العشرة فلا يصح وصفه بالكثرة. وقد وضعت العرب جمع القلة وجمع الكثرة ليدلا بصيغهما وأوزانهما على المقدار العام للمعدود، إذا خلت العبارة من ذكر العدد مصروحاً. فإذا قلنا: أقام ببغداد أشهراً عُلم أن الإقامة لم تتجاوز عشرة أشهر وإذا قلنا: أقام شهوراً عُلم أنه أقام أكثر من عشرة أشهر، وعلى هذا يجري كل ما له جمعان على وزن “أفعُل و فُعول” كأفلس وفلوس، فإن لم يكن للإسم إلا جمع قلة قسنا له جمع كثرة وإن لم يكن له إلا جمع كثرة قسنا له جمع قلة. وينبغي لنا أن لا نتقيد بقول من قال: لا يجوز القياس في الجموع، فهذا تحكم من عنده فلا يلتفت اليه ولا يجعل عليه.

ثم ان اللغويين لم يستقصوا ذكر الجموع في كتب اللغة. ألا ترى أن “البغل” جمع فيها أي في كتب اللغة على “بغال وأبغال” فقط مع ان “الأبغل” جمع القلة للبغل قد ورد في كلام الفصحاء كما جاء في الجزء الثاني من تأريخ بغداد للخطيب وتأريخ الطبري. وكتاب الوزراء للجهشياري وكتاب “بدائع البدائع” لإبن ظافر الأزدي، وهذا يدل على أن العرب لا يخيمون عن القياس عند وجود الضرورة، ولذلك ينبغي أن يقال: عندي ثلاثة أفلس وأربعة أفلس وخمسة أفلس وستة أفلس وسبعة أفلس وثمانية أفلس وتسعة أفلس وعشرة أفلس فإذا زاد مقدرا العدد قيل: فلوس.

وهذا من أخص الخصائص في اللغة العربية أعني أن يُقدّر العدد بلفظ الجمع تقديراً عاماً، ويُعلم أنه قليل أو كثير. فقل: شهور كثيرة واشهر قليلة ولا تقل: شهور قليلة وأشهر كثيرة، هذا على سبيل التأكيد وإلا فقل شهور للكثير وأشهر للقليل.”

وكتب الحريري: ويقولون ثلاثة شهور وسبعة بحور، والاختيار أن يقال: ثلاثة أشهر وسبعة أبحر، ليتناسب نظم الكلام، ويتطابق العدد والمعدود، كما جاء في القرآن: “فسيحوا في الأرض أربعة أشهر” وفيه أيضا: “والبحر يمده من بعده سبعة أبحر”، والعلة في هذا الاختيار أن العدد من الثلاثة إلى العشرة وضع للقلة، فكانت إضافته إلى مثال الجمع القليل المشاكل له أليق به، وأشبه بالملاءمة له.

أمثلة الجمع القليل أربعة: أفعال، كما قال سبحانه: “فصيام ثلاثة أيام”، وأفعل: كما ورد في التنزيل أيضا ” سبعة أبحر”، وأفعلة: كقولك: تسعة أحمرة وفعلة، كقولك: عشرة غلمة.

وهذا الاختيار في إضافة العدد إلى جمع القلة مطرد في هذا الباب، اللهم إلا أن يكون المعدود مما لم يبن له جمع قلة، فيضاف إلى ما صيغ له من الجمع على تقدير إضمار من البعضية فيه، كقولك : عندي ثلاثة دراهم، وصليت في عشرة مساجد، أي ثلاثة من دراهم وعشرة من مساجد. ولسائل أن يعترض بقوله تعالى: “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء” فيقول: كيف أضاف الثلاثة إلى قروء، وهي جمع الكثرة، ولم يضفها إلى الأقراء التي هي جمع القلة.

والجواب عنه أن المعنى في قوله تعالى: “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء” أي ليتربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء، فلما أسند إلى جماعتهن ثلاثة، والواجب على كل واحدة منهن ثلاثة، أتى بلفظة قروء، لتدل على الكثرة والمرادة والمعنى الملموح.

 

قل: ما يزال أمامنا مسار طويل

ولا تقل: ما يزال أمامنا مَشْوار طويل

كتب بو طالب: “تُستعمَل هذه الكلمة في الإعلام كثيرا للدلالة على الطريق، أو المسار. وهي مأخوذة من العامية المصرية. ولم تدخل معاجم اللغة الفصحى. ويقال “ما يزال أمامنا مَشْوار طويل”
ومن أغرب ما عرفته عن هذه الكلمة ما قال لي عنها أحد الزملاء الأساتذة المصريين (الذي أقرَّ معي بأنها ليست عربية) من أنه يظنها محرفة عن كلمة “مارْشْوار” الفرنسية. لكن أخبرته أن هذه الكلمة ليست فرنسية ولا توجد في المعاجم الفرنسية. توجد كلمات في الفرنسية على صيغة “مارْشْوار” هي مثلا كلمة “دُورْتْوار” (Dortoir) التي تعني قاعة النوم المشتركة التي تُخصَّص في الداخليات المدرسية للتلاميذ ليناموا فيها. وكلمة “بَّارْلْوار” (Parloir) التي تعني مكانا مخصَّصا للحديث كالمكان المخصص لزائري السجناء للتحدث إليهم وهم وراء القضبان. وعليه فالأصوب أن نقول : “ما يزال أمامنا طريق طويل” أو “أمامنا مَسارٌ صعب”.

 

قل: رُدَّا علي القول

ولا تقل: أرددا علي القول

كتب الحريري:ومن أوهامهم في التضعيف قولهم للاثنتين: ارددا، وهو من مفاحش اللحن، ووجه الكلام أن يقال لهما: ردا كما يقال للجميع: ردوا، والعلة فيه أن الألف التي هي ضمير المثنى، والواو التي هي ضمير الجمع تقتضيان لسكونهما تحريك آخر ما قبلهما، ومتى تحرك آخر الفعل حركة صحيحة وجب الإدغام، وهذه العلة مرتفعة في قولك للواحد: اردد، فلهذا امتنع القياس عليه.”


قل: هو بين ظهرانَيهم
(بفتح النون)

ولا تقل: هو بين ظهرانِيهم (بكسر النون)

كتب الحريري: “ويقولون: هو بين ظهرانيهم بكسر النون، والصواب أن يقال: بين ظهرانيهم، بفتح النون، وأجاز أبو حاتم أن يقال: بين ظهريهم.
وحكى الفراء قال: قال أعرابي ونحن في حلقة يونس بن حبيب بالبصرة: أين مسكنك فقلت: الكوفة، فقال لي: يا سبحان الله هذه بنو أسد بين ظهرانَيكم وأنت تطلب اللغة بالبصرة قال: فاستفدت من كلامه فائدتين: إحداهما أنه قال: هذه، ولم يقل: هؤلاء، لأنه أشار إلى القبيلة فأنث، والثانية أنه قال: ظهرانيكم بفتح النون ولم يقل بكسرها.

ويحكى أن المغربي وقف على الجنيد فسأله عن قوله تعالى: “سنقرئك فلا تنسى”، فقال: سنقرئك التلاوة فلا تنس العمل به، ثم سأله عن قوله عز وجل: “ودرسوا ما فيه” فقال: تركوا العمل به، فقال: حرجت أمة أنت بين ظهرانَيها لا تفوض أمرها إليك.” انتهى

وتوسع ابن منظور في لسان العرب في ذلك فكتب:

“وهو نازل بين ظَهْرٍيْهم وظَهْرانَيْهِم، بفتح النون ولا يكسر: بين أَظْهُرِهم.
وفي الحديث: فأَقاموا بين ظَهْرانيهم وبين أَظْهرهم؛ قال ابن الأَثير: تكررت هذه اللفظة في الحديث والمراد بها أَنهم أَقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد لهم، وزيدت فيه أَلف ونون مفتوحة تأْكيداً، ومعناه أَن ظَهْراً منهم قدامه وظهراً وراءه فهو مَكْنُوف من جانبيه، ومن جوانبه إِذا قيل بين أَظْهُرِهم، ثم كثر حتى استعمل في الإِقامة بين القوم مطلقاً.”

 

قل: اشتقت اليك

ولا تقل: اشتقتك

ونأخذ مما جاء في كتاب فائت صحيح ثعلب في باب متفرق ما يلي: “نكَه في وجهه يَنْكَهُ (وينكه نَكْهاً إذا أمره بأن ينكه ليعلم أشارب هو أم غير شارب – اللسان)، أنا أفرق منك وأفزع منك ولا يقال أفرقك ولا أفزعك، ولكن أخشاك وأهابك. ويقال بنى فلان على أهله ولا يقال بني بأهله، ويقال اشتقت اليك ولا يقال: اشتقتك. دلاّل بيِّن الدَّلالَة، ودليل بيِّن الدِّلالة. طردته فذهب ولا يقال فانطرد. وهو سِمعان، ودِحَيَّة الكلبي، ويقال هو حسنُ الِبنْيَة، السَّرور بالفتح: الإسم، والسُّرور المصدر. وأهل الحجاز يقولون: خَرَجنا نَتّبَسَّط يريدون: نَتَنَزَّه. فلان يتَرَآى في المرآة وفي السيف أي ينظر وجهه فيهما. عايَرتُ في الميزان مُعايَرَة وعياراً ولا تقل: عَيَّرْتُ، ولكن عَيَّرْتُ الرجل فعله وعَيَّرته أمَّه وأباه إذا عبته بهما ولا تدخل الباء. استوجب ذلك فلان واستحقه ولا تقل: استأهله، ولكن يقال هو أهلُ ذلك وأهلٌ لذلك، والمستأهل: الذي يأخذ الإهالة. ألَّفْتُ بين الشيئين إذا ألزقتُ أحدهما بالآخر، وآلفْتُ بينهما إذا جمعتهما. ثلاثة أخوة مفترقين (ليس متفرقين) لأنك تريد: افترقوا في النسب، ولا تريد: تفرقوا في الأمر، وكذلك افترقت الأمة ولا تقل: تَفَرَّقت. قل عَلَيَّ في هذا الأمر مَضَرَّة ولا تقل: لي فيه مّضَرَّة، ولكن تقول: لي فيه مَنْفَعَة. وحَسَرَ عن رأسه يَحسِرُ، وكَشَفَ عن رِجلِهِ وسَفَرَ عن وجهه ولا يقال حسر إلا في الرأس. وحديث مُستَفيضٌ ولا يقال مُستفاضٌ ألا أن تقول: مستفاض فيه. الجِنازة (بالكسر): السرير الذي يحمل عليه الميت، والجَنازة (بالفتح): الميت. أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي للكميت: (كان مَيْتاً جِنازة خَيرَ ميْت/ غيَّبَتْه حَفائِرُ الأقوام). ( وجرى على هذا الرأي ابن سيده كما جاء في اللسان أما الأصمعي فقال الجِنازة (بالكسر) هو الميت نفسه. أما ابن قتيبة فقد جاء بالرأيين فقال في موضع بجواز الفتح والكسر وقال في موضع آخر انها بالكسر). ما رأيته البَتَّة ولا تقل: بتَّة. (ومذهب سيبويه وأصحابه أن البتَّة لا تكون إلا معرفة لا غير، وانما أجاز تنكيرها الفراء وحده).

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أيضا أنهم لا يفرقون بين الجَنازة ( بالفتح ) والجِنازة ( بالخفض )، وقد تباينت آراء اللغويين حولهما، فقال بعضهم: كلاهما بمعنى، وتعنيان الميت. وقال بعضهم الآخر: الجِنازة (بالخفض) تعني الميت على سريره، فإن لم يكن عليه فهو النعش. وقال آخرون: الجِنازة (بالخفض) هو السرير الذي يحمل عليه الميت. والصواب أن الجنازة (بالخفض) هي الجثة، وتقول العرب: ضرب الرجل حتى ترك جنازة، أي جثة هامدة، ومنه قول الكميت يذكر النبي صلى الله عليه وسلم.

كان ميتا جنازة خير ميت ** غيبته حفائر الأقوام

واستعار بعض مجان العرب الجنازة لزق الخمر الفارغ، فقال عمرو بن قعاس:

وكنت إذا أرى زقا مريضا ** يناح على جنازته، بكيت

وأما الجَنازة ( بالفتح ) فتطلق على وجود الميت داخل سريره، فهما معا جنازة، فإن انفصلا، فواحدهما جِنازة ( بالخفض ) والآخر نعش وهو الآلة الحدباء التي كنى عنها كعب بن زهير بقوله:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ** يوما على آلة حدباء محمول

وجميع ما تقدم مأخوذ من الفعل جنز الشيء يجنزه جنزاً أي ستره.
ومما يذكر أن النوار لما احتضرت أوصت أن يصلي عليها الحسن رضي الله عنه، فقيل له ذلك، فقال: إذا جنزتموها فآذنوني، والمعنى: إذا كفنتموها بعد الغسل ووضعتموها في النعش بحيث تصير جنازة فارسلوا في طلبي.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….