قل ولا تقل / الحلقة السادسة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: هات المَحْبُرَة
ولا تقل: هات المِحْبَرَة 

كتب الكسائي: “وتقول: هات المَحْبُرَة، بفتح الميم وضم الباء، على مثال: مَفْعُلَة. وكذلك جلست في المَشْرُفَة. وكذلك: مررت بالمَقْبُرة، وكذلك حلقت مَسْرُبتي، والمَسْرُبَة: شعر الصدر. ومن صفة النبي صلى الله عليه وآله، أنه كان دقيق المَسْرُبَة.

وما كان من الآلات مما يرفع ويوضع، مما في أوله ميم، فاكسر الميم أبداً، اذا كان على مِفْعَل و مِفْعَلَة، تقول في ذلك: هذا مِشْمَل ومِثْقَبٌ، و مِقْوَدٌ، ومِنْجَل، ومِبْرَد، ومِقْنَعَة، ومِصْدّعَة، ومِجْمَرَة، ومِسْرَجَة، ومِشْرَبَة، ومِرْفَقَة، ومِخّدَّة، ومِحَسَّة، ومِظَلَّة، فهذا كله مكسور الأول أبداً. سوى: مُنخُل، ومُسْعُط، ومُدهُن، ومُدُقّ، ومُكحُل، فان هذه الأحرف جاءت عن العرب بضم الميم.”

 

قل: يُوشِكُ أن يكون كذا
ولا تقل: يُوشَكُ أن يكون كذا

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “ويُوشِك أن يكون كذا (بكسر الشين) مثل يُسْرِع وبمعناه. وهو سِدادٌ من عَوَزٍ وسِدادُ القارورةِ، وكل ما تسد به شيئاً فهو بالكسر. فأما السَّدادُ بالفتح ففي القول والفعل ومعناه الصواب.”

 

قل: ازدراه يزدريه ازدراءاً أي احتقره احتقاراً
ولا تقل: ازدرى به

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “ازدراه” بمعنى احتقره وتنقصه وهو متعد بنفسه الى مفعوله كما يقال عابه وذمّه وثَلَبَه فلا حاجة الى زيادة الباء، وزيادة الباء ليست قياسية إلا فيما استدركته من قاعدة دلالة الفعل على الدفع والتحريك مثل دفعه ودفع به وألقاه وألقى به ورماه ورمى به ولفظه ولفظ به وأداه وأدى به. والظاهر ان “ازدرى به” ناشئ من تصحيف قولهم “أزرى به يزري إزراءاً” أي احتقره وهذا غلط، والصحيح “ازدراه يزدريه ازدراءاً” وفي غيره يقال “زري عليه زرياً وزراية وأزرى به إزراءاً”.

فقل: “ازدراه يزدريه ازدراءاً”. وازدرى به هذا الغلط ليس بحديث فقد وقع في مثل كلام ابن حجر العسقلاني في القرن التاسع للهجرة كما في كتاب “رفع الأصر عن قضاة مصر”.

 

قل: هذا أسلوب جيد كلماتُه مَصوغةٌ بدقة وحسن بيان
ولا تقل: هذا أسلوب جيد كلماتُه مُصاغةٌ بدقة وحسن بيان

وكتب عبد الهادي بوطالب: من فعل صاغ يصُوغ صَوْغاً وصِيَاغةً. والفعل ثلاثي أجوف حرفُ عِلَّته واو. وهو على شكل مَقُول، ومَصُون، ومَلُوم. اسم الفاعل من صاغ هو صائغ واسم المفعول هو مَصُوغ. والفعل يفيد صُنْعَ شيءٍ على مثالٍ مُعَيّن. والأصلُ فيه صَوْغُ الحُلِيّ. ونقول: “صاغ الصائغُ من الذهب عِقْدا”. وصاغ المعدِنَ إذا صبَّه ووضعه في قالَب أو على شكل خاص.

ويستعمل فعل صاغ وما يأتي منه في الحديث عن الموسيقى، فنقول : “صاغ الموسيقي (أو الموسيقار) فلان ألحانه على ألحان الآخر”. ودخلت الكلمة في قواعد الصرف إذ يقال: “جاءت صياغة هذه الكلمة على وزن كذا أو كذا”.

ويُجمَع اسم الفاعل (صائغ) على صَاغَة وصُوَّاغ: وسُوق صَوْغ الحُلِيّ (أو صياغته) أو بيعه ذهبا أو فضة أو غيرهما تسمى سوق الصَّاغَة. (وهو مستعمل كثيرا في المغرب). لكن يطلق لفظ الصَّاغَة أيضا على من يصنعون الكلام ويبرعون في صَوْغ البيان فنقول: “فلان من صَاغَة الكلام” أي من المُبدِعين في الأدب شعرا أو نثرا.

أما المَصُوغ (اسم المفعول) فيُستعمَل في جميع هذه المعاني: “هذا الحُلِيّ مَصُوغٌ من ذهب خالص رفيع” ونقول: “هذا أسلوب جيد كلماتُه مَصوغةٌ بدقة وحسن بيان”.

 

قل: فمات ثلاثة ركاب والراكبان الباقيان نَجَوَا
ولا تقل: فمات ثلاثة ركاب والراكبان الباقيان نَجَيَا

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يُرتكَب هذا الخطأ في فعلي “نجا” و”دعا” في حالة التثنية، فنسمع في بعض الإذاعات والتلفزات استعمال نجَيَا، ودَعَيَا والصواب نَجَوَا ودَعَوَا.

نجا ينجو فعل معتل اللام (الآخر) بالواو التي يجب أن تبقى في حالة التثنية ونقول: “وقع حادث سير اصطدام سيارتين، فمات ثلاثة ركاب والراكبان الباقيان نجوا”.

أما إذا كان الفعل معتلا بالياء فتبقى الياء في صيغة المثنى. ونقول نسِيَا ورضِيا. وجاء في القرآن الكريم: “فلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ ربَّهما لئِن آتَيْتَنا صالحاً لنكونَنَّ من الشاكرين”. كما جاء في قوله تعالى: “فَلمَّا بلغا مَجْمَع بَيْنِهما نسِيَا حُوتهما”.”

 

قل: عندي ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مائة درهم.
ولا تقل: عندي ثمان نسوة وثمان عشرة جارية وثمانمائة درهم.

كتب الحريري: “ويقولون: عندي ثمان نسوة وثمان عشرة جارية وثمانمائة درهم. فيحذفون الياء من ثمان في هذه المواطن الثلاثة، والصواب إثباتها فيها، فيقال: ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مائة درهم، لأن الياء في ثمان ياء المنقوص وياء المنقوص تثبت في حال الإضافة وحالة النصب كالياء في قاض، فأما قول الأعشى:

ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ** وثمان عشرة واثنتين وأربعا

فإنه حذف الياء لضرورة الشعر، كما حذفت من المنقوص المعرف في قول الشاعر:

وطرت بمنصلي في يعملات ** دوامي الأيد يخبطن السريحا

يريد الأيدي، وقد جوز في ضرورات الشعر حذف الياءات من أواخر الكلم والاجتزاء عنها بالكسرة الدالة عليها، كقول الراجز:

كفاك: كف ما تليق درهما       جودا وأخرى تعطي بالسيف الدما”

 

قل: إعمل بِحَسَب ذلك
ولا تقل: إعمل بِحَسْب ذلك

كتب الحريري:  “ويقولون: اعمل بحسْب ذلك بإسكان السين، والصواب فتحها لتطابق معنى الكلام، لأن الحسَب بفتح السين هو الشيء المحسوب المماثل معنى المثل والقدر، وهو المقصود في هذا الكلام، فأما الحسب بإسكان السين، فهو الكفاية، ومنه قوله تعالى: “عطاء حسابا” أي كافيا، وليس المقصود به هذا المعنى وإنما المراد: اعمل على قدر ذلك.
ويناسب هاتين اللفظتين في اختلاف معنييهما باختلاف هيئة أوسطهما قولهم: الغبْن والغبَن، والميْل والميَل، والوسْط والوسَط، والقبْض والقبَض والخَلْف والخَلَف، وبين كل لفظتين من هذه الألفاظ المتجانسة فرق يمتاز معناها فيه بحسب إسكان وسطها وفتحه، فالغبن بإسكان الباء يكون في المال، وبالفتحة يقع في العقل والرأي، والميل بإسكان الياء من القلب واللسان وبفتحها يقع فيما يدركه العيان، والوسط بالسكون ظرف مكان يحل محل لفظة بين، وبه يعتبر، والوسط بفتح السين: اسم يتعاقب عليه الإعراب، ولهذا مثل النحويون، فقالوا: يقال: وسط رأسه دهن. ووسط رأسه صلب، والقبض بإسكان الباء مصدر قبض وبفتحها اسم الشيء المقبوض،  وأما الخلف والخلف فعند أكثر أهل اللغة أن الخلف بإسكان اللام يكون من الطالحين، وبفتحها من الصالحين.

وأنشدت لأبي القاسم الآمدي في مرثية غرة خلف عرة:

خلفت خلفا ولم تدع خلفا ** ليت بهم كان لا بك التلف

وقيل فيهما: إنهما يتداخلان في المعنى، ويشتركان في صفة المدح والذم، فيقال: خلف صدق وخلف سوء، وخلف صدق وخلف سوء، والشاهد عليه قول المغيرة ابن حبناء التميمي:

فنعم الخلف كان أبوك فينا ** وبئس الخلف خلف أبيك فينا

وقال بعضهم: إن الخلف بفتح اللام من يخلف في أثر من مضى، والخلف بإسكان اللام اسم لكل قرن مستخلف، وعليه فسر قوله تعالى: “فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة” وعليه يؤول قول لبيد:

وبقيت في خلف كجلد الأجرب **

يعني به القرن الذي عاصره آخر عمره.

وحكى أبو بكر بن دريد، قال: سمعت الرياشي يفصل بين قولهم: أصابه سهم غرَب بفتح الراء، وغرْب بإسكان الراء، وقال: المعنى في الفتحة أنه لم يدر من رماه، وفي الإسكان أنه رمي غيره فأصابه، ولم يميز بين معنى اللفظتين سواه.”

 

قل: ما رأيته منذ يوم الجمعة
ولا تقل:  ما رأيته منذ وقت

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ويقولون في جواب من يسالهم عن صديق: ما رأيته منذ وقت طويل، فيوهمون، لأن مجرور هذا الحرف، وكذلك مذ، لا يكون إلا اسم زمان، ولا يكون ذلك الزمان إلا معينا لا مبهما، في الماضي أو الحاضر وليس في المستقبل. والصواب أن تقول: ما رأيته منذ يوم الجمعة، ومذ يوم الجمعة ولا تقل: مذ غد ولا منذ وقت، لأن الأول يقع في المستقبل، والآخر مبهم. ومذ أصلها منذ، فخففت. ومنذ أصلها (من) الجارة و (إذ) الظرفية، فجعلتا كلمة واحدة، ولذا كسرت ميمها في بعض اللغات باعتبار الأصل فقالوا: مِنذُ. وأما مذ فقد حركوا آخرها بالضم عند دخولها على معرفة ولم يحركوها بالكسر كعادتهم منعا من التقاء الساكنين لأن الذال مضموم في منذ. وللنحاة في هذين الحرفين آراء. فمنهم من يرى أن الخفض واجب بعد مذ لما مضى وما لم يمض وبعضهم يرفع بمنذ ما مضى وما لم يمض. والصواب أن يخفض بمذ ما لم يمض ويرفع ما مضى، ويخفض بمنذ ما لم يمض ما مضى. ومعنى هذين الحرفين ابتداء الغاية مثل من إن كان الزمان ماضيا، كقول زهير:

لمن الديار بقنة الحجر ** أقوين مذ حجج ومذ دهر

أي: من حجج ومن دهر. ونظيره قول امرئ القيس:

قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ** وربع عفت آثاره منذ أزمان

وإن كان الزمان حاضرا فمعناهما الظرفية، كقولك: ما رأيته منذ يومنا.
أما إذا كان الزمان معدودا فهما بمعنى (من وإلى) نحو: ما رأيته مذ يومين، أي من يومين وإلى الآن. وقد يدخلان على اسم مرفوع أو جملة، فيكونان حينئذ اسمين كقولك: ما رأيته مذ يومان، أو منذ يوم الجمعة، والشاهد على الجملة الفعلية قول الشاعر:

ما زال مذ عقدت يداه إزاره ** فسما فأدرك خمسة الأشبار

والشاهد على الجملة الإسمية قول الأعشى:

ما زلت أبغي الخير مذ أنا يافع ** وليدا وكهلا حين شبت وأمردا

ورب متسائل عما أورده الزجاجي في بناء ما بعد مذ على الفتح خلافا لرأي النحاة في قول الشاعر:

لقد رأيت عجبا مذ أمسا ** عجائزا مثل السعالي خمسا

يأكلن ما في رحلهن همسا ** لا ترك الله لهن ضرسا

ونجيب هذا المتسائل بأن لفظة أمس في هذا الشاهد هي اسم مجرور بمنذ وعلامة جره الفتحة عوضا عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف وهي لغة بني تميم ، وأن الزجاجي وهم في إيراد الشاهد تأكيدا لزعمه أن من العرب من يبني أمس على الفتح.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

قل ولا تقل / الحلقة الخامسة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: هي امرأة صَلِفَةٌ في خيرها
لا تقل: هي امرأة صَلِفَةٌ في أخلاقها

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “الصَّلَفُ: قِلَّة الخير لا التيه، وامرأة صَلِفَةٌ: قليلة الخير لا التي تحظى عند زوجها”.

 

قل: تسلمت المبلغ وحققت تسلم المبلغ
ولا تقل: استلمت المبلغ وحققت استلام المبلغ

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “تسلم والتسلم” غير “استلم والإستلام” وليس تسلم واستلم من أصل واحد بل هما من أصلين مختلفين. فالتسلم أخذ الشيء سالماً وادخاله في السلم. والإستلام من السلمة، وهي الجمر وفيه يقول الشاعر وهو بجير بن غنمة الطائي:

ذاك خليلي وذو يعاتبني          يرمي ورائي بالسهم والسلمة

ومنه استلام الحجر الأسود في الحج أي مسه باليد ومسحه بها وهما كالمصافحة وقد جاء في الحديث النبوي: الحجر يمين الله فمن شاء صافحه بها. قال الشريف الرضي: “المراد أن الحجر جهة من جهات التقرب الى الله تعالى فمن استلمه وباشره قرُب من طاعة الله تعالى فكان كاللاصق بها والمباشر لها”.

ولذلك يكون صادقاً من يقول “والله استلمت الدنانير وما تسلمتها” إذا لم يقبض الدنانير. ومما أشاع هذا الغلط في العالمين قول ابن بدرون في شرح قصيدة ابن عبدون في ذكر بعض الملوك “فلما استلم زمام السلطة”. والصواب “فلما تسلم زمام السلطة” أو “فلما أمسك زمام السلطة”.

 

قل: أصابه نِقْرِسٌ في رجله
ولا تقل: أصابه نَقْرِسٌ في رجله

كتب الزبيدي: “ويقولون للداء يصيب الرَّجْلَ: “نَقْرِس”، والصواب “نِقْرِس” بكسر النون والراء، على مثال “فِعْلِل”. وقد نُقْرِسَ الرَّجُلَ إذا أصابه ذلك الداء.

والنِّقْرِس أيضاً: العالمُ وكذلك “النِّقْرِيس.

وكتب الحنفي: ويشبه ذلك زيادتهم الياء في نقريس، وإنما هو نِقْرِس بكسر النون وسكون القاف وكسر الراء وبعدها سين مهملة.” انتهى

وجاء في القاموس في باب (نقرس): ” النِّقْرِسُ، بالكسر: وَرَمٌ، ووَجَعٌ في مَفَاصِلِ الكَعْبَيْنِ وأصابعِ الرِّجْلَيْنِ، والهَلاكُ، والداهِيَةُ العظيمَةُ، والدليلُ الحاذِقُ الخِرِّيتُ، والطَّبيبُ الماهِرُ النَّظَّارُ المُدَقِّقُ، كالنِّقْرِيسِ فيهما، وشيءٌ يُتَّخَذُ على صَنْعَةِ الوردِ، تَغْرِزُهُ المرأةُ في رأسِها.” ولم تعرف العرب فعلا له وقد تكون الكلمة أعجمية معربة.

 

قل: هذا كلام مَقُولٌ ومُعاد
ولا تقل: هذا كلام مُقالٌ ومُعاد

وكتب عبد الهادي بوطالب: “الفعل قال واسم المفعول منه على صيغة مَفْعول أي مَقْوُول. لكن القاعدة أن تُخفّف هذه الصيغة فنقول عوضا عنها مَقُول.
ولمن أراد أن يعرف لماذا تحولت صيغة “مقْوُول” الثقيلة لاجتماع واويين فيها أن يعود إلى قواعد اللغة العربية في مصادرها. والذي يهمنا هو أن اسم المفعول من قال هو مَقُول، وأنه من الخطأ أن نقول هذا كلام مُقال. كما نقول هذا الكلام مُعاد لأن فعل قال ثلاثي مجرد، وفعل أعاد رباعي فاسم المفعول الآتي منه هو مُعاد.

سمعت في بعض القنوات الفضائية: “هذا كلام مُقالٌ (بضم الميم) ومُعاد”. والخطأ آت من أن من يرتكبه يخطر بباله أن الفعل رباعي. لكن فعل “أقال” يعني عَزَل من المنصب، أو أعفى من المهمة، أو ساعد على النهوض. وذلك في قولنا: “سقط أحد المارَّة على الرصيف. فأقاله من عَثْرته أحد المارين”.

ومن أدعية بعض المؤمنين قولهم متوجهين إلى الله : “يا مُثَبِّت الخطوات، يا مُقِيل العَثَرات”. ومن الدعاء المطلوب أن تدعو لغيرك به فتقول له: “أقال اللهُ عَثْرَتَك”. أي نجاك الله من الوقوع في القبائح والفواحش. ونقول: “أفَضلُ مَقُولٍ هو المُفيد” (نقصد بمَقُول الكلام). ويُستعْمَل المقُول مؤنثا فنقول: “أُثِرت عن الحكيم فلان مَقولةٌ جامعةٌ مفيدة هي. ونأتي بالعبارة كما استعملها صاحبها وأصبحت بعده شائعة. وعلى ذلك نقول: “مَقُولاتُ الحكماء حافلةٌ بالعِبَر”. أما قال يَقيل فتفيد: نام في وسط النهار. ومصدره قَيْل (بفتح القاف وسكون الياء) وقَيْلُولَة. وقد أصبح هذا المصدر (قَيْلُولة) اسما يدل على النوم في وسط النهار. وجاء في الحديث: “قِيلُوا (أي ناموا في وسط النهار) فإن الشياطين لا تَقيل”.”

 

قل: قدم الحجاج آحاد وثناء
ولا تقل: قدم الحجاج واحدا واحدا واثنين اثنين

كتب الحريري: “ويقولون: قدم الحاج واحدا واحدا، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، والصواب أن يقال في مثله: جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع، أو يقال: جاؤوا موحد ومثنى ومثلث ومربع، لأن العرب عدلت بهذه الألفاظ إلى هذه الصيغ لتستغني بها عن تكرير الاسم، ويدل معناها على ما يدل مجموع الاسمين عليه، ولهذا امتنع أن يقولوا للواحد: هذا أحاد وللاثنين: هما مثنى، ولم يمتنعوا عن ذلك إلا لزيادة معنى في أحاد على واحد، وفي ثناء على اثنين.

وفسر قوله تعالى: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع” أي لينكح كل منكم ما طاب له من النساء إن شاء اثنتين اثنتين، أو ثلاثا ثلاثا، أو أربعا أربعا وليس انعطاف بعض هذه الأعداد على بعض انعطاف جمع، وكذلك هي في قوله سبحانه: “جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع”. أي منهم من له جناحان ومن له ثلاثة أجنحة، ومن له أربعة.

وقد اختلف أهل العربية فيما نطقت به العرب من هذا البناء، فقال الأكثرون: إنهم لم يتجاوزوا رباع إلا إلى صيغة عشار لا غير، كما جاء في شعر الكميت:

فلم يستر يثوك حتى رميت ** فوق النصال خصالا عشارا

وروى خلف الأحمر أنهم صاغوا هذا البناء منسقا إلى عشار، وأنشد عليه ما عزي إلى أنه موضوع فيه:

قل لعمرو : يا بن هند ** لو رأيت اليوم شنا

لرأت عيناك منهم ** كل ما كنت تمنى

إذ أتتنا فيلق شهباء ** من هنا وهنا

وأتت دوسر والملحاء ** سيرا مطمئنا

ومشى القوم إلى القوم ** أحادا وأثنى

وثلاثا ورباعا ** وخماسا فاطعنا

وسداسا وسباعا ** وثمانا فاجتلدنا

وتساعا وعشارا ** فأصبنا وأصبنا

لا ترى إلا كميا ** قاتلا منهم ومنا

وقد عيب على أبي الطيب قوله:

أحاد أم سداس في أحاد ** لييلتنا المنوطة بالتناد

ونسب إلى أنه وهم في أربعة مواضع في هذا البيت: أحدها أنه أقام أحاد مقام واحدة، وسداس مقام ست، لأنه أراد أليلتنا هذه واحدة أم واحدة في ست والموضع الثاني أنه عدل بلفظة ست إلى سداس وهو مردود عند أكثر أهل اللغة، الموضع الثالث أنه صغر ليلة على لييلة، والمسموع في تصغيرها: لييلية، والرابع أنه ناقض كلامه، لأنه كنى بتصغير الليلة عن قصرها، ثم عقب تصغيرها بأن وصفها بالامتداد إلى التناد.”

 

قل: علا الماءَ حَبابُه
ولا تقل: علا الماءَ حُبابُه

كتب الحنفي: “ويقولون للنُفّاخات التي تعلو الماء: حُباب، بضم الحاء، وهو بفتحها نَصَّ عليه في مختار الصحاح.” انتهى

وكتب الجوهري في الصحاح  في باب (حبب): “والحِباب بالكسر: المُحابَّةُ والمَوادَّةُ. والحُبابُ بالضم: الحُبُّ. قال الشاعر: فوالله ما أَدري وإني لصـادقٌ/ أَداءٌ عَراني من حُبابِكِ أمْ سِحْرُ.  وحَبابُ الماء بالفتح: مُعظمُهُ. قال طرفة: يَشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيْزومُها بها/ كما قَسَمَ التُرْبَ المُفايِلُ باليَدِ. ويقال أيضاً حَبابُ الماء: نُفَّاخاتُهُ التي تعلو….. وتقول أيضاً: حَبابُكَ أن تفعلَ كذا، أي غايتك. ”

وكتب ابن منظور في أصل المفايل: “والمُفايَلة والفِيَال والفَيال لُعْبة للصبيان، وقيل: لعبة لفِتيان الأَعراب بالتراب يَخْبَؤُون الشيء في التراب ثم يقسِمونه بقسمين ثم يقول الخابئ لصاحبه: في أَي القسمين هو؟ فإِذا أَخطأَ قال له: فال رأْيُك؛ قال طرفة: يَشُقُّ حَبَابَ الماءِ حَيْزُومها بها، كما قَسَمَ التُّرْبَ المُفايِلُ باليَدِ.”

 

قل: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الفضلى للمواطنين
ولا تقل: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الأفضل للمواطنين

وكتب الدكتور ابراهيم السامرائي: “وقرأت: إن المسؤولين يعملون على تقديم الخدمات الأفضل للمواطنين”. أقول: و(الأفضل) هنا (أفعل) للتفضيل، وهي صفة للجمع (الخدمات). ولما كانت محلاّة بالألف واللام كان لنا أن نحملها على المطابقة فنقول: (الخدمات الفُضْلى). غير أن المعاصرين لايستشعرون معنى التفضيل في (الفضلى والكبرى والعليا) ونحو ذلك. ولم تدرك أنهم يتحرّون حدّ التفضيل.

أقول: ومن هذا قول الكثيرين: (الدولتان الأعظم)، والصواب (الدولتان العظميان)، فانظر كيف ننال من حدود العربية.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة الرابعة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: يَتَسَلَّلونَ منكم لِواذاً
ولا تقل: يَتَسَلَّلونَ منكم لِياذاً

بعث لي قبل أيام أخ أديب كريم بما يلي:
“الفرق بين السبط والحفيد
السبط: هو ابن البنت
الحفيد: هو ابن الإبن

والفرق بين المختال والفخور
المختال: في هيئته واللباس
الفخور: في قوله

والفرق بين أعوذ وألوذ
العياذ: للفرار من الشر
اللياذ: لطلب الخير.”

وهذا قليل من جمال هذه اللغة التي أنعم الله بها علينا.

ثم ما لبث أن استوقفني سؤال عن الفرق بين اللياذ واللواذ. فهل هناك فرق بين الإثنين؟ وهل المصدر أصل والفعل فرع أم أن الفعل هو الأصل والمصدر صادر عنه؟ وكيف يولد عن مصدرين فعل واحد؟

وكتب الجوهري في الصحاح:

“لاذَ به لِواذاً ولِياذاً، أي لجأ إليه وعاذَ به.

ولاوَذَ القومُ مُلاوَذَةً، أي لاذَ بعضُهم ببعض.  ومنه قوله تعالى: “يَتَسَلَّلونَ منكم لِواذاً”.  ولو كان من لاذَ لقال: لِياذاً.”

ويبدو لي أن الجوهري أراد القول ان:
لاذ  يلوذ لياذا
لاوذ يلاوذ لواذا

أما ابن فارس فقد توسع في شرح ذلك فكتب في باب: “لوح”:

“ومما شذَّ عنه أيضاً قولهم: ألاَحَ من الشَّيء: حاذَرَ لِوَاذاً [النور 63].  وكان المنافقون إذا أراد الواحدُ منهم مفارَقَةَ مجلسِ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، لاذ بغيرِه متستِّراً ثم نهض. وإنما قال لواذاً لأنه من لاوَذَ وجعل مصدره صحيحاً، ولو كان من لاذ لقال لِياذاً.”

ولا يمكن الإنتهاء من هذا دون الإشارة الى ابن فارس حين ذكر الرسول الأكرم فإنه صلى عليه وآله ولم يشرك صحبه أجمعين كما يفعل أكثر المسلمين اليوم. وابن فارس ليس مبتدعاً وهو أقرب زمنا منا للإسلام. لكنه ما كان له أن يصلي على صحبه أجمعين لأنه كتب أنه كان في صحب رسول الله (ص) منافقون، ولا تقبل صلاة على رسول يشرك فيها معه من هم في الدرك الأسفل من النار!

 

قل: جَهَدْتُ به كل الجُهْد
ولا تقل: جَهِدْتُ به كل الجُهْد

 كتب الكسائي: “وتقول: جَهَدْتُ به كل الجُهْد، والجيم الأولى مفتوحة والثانية مضمومة. قال الله تعالى: “والذين لا يجدون الا جُهْدَهُم”.

واضاف المحقق: “قال الفراء: يقال بلغت به الجَهْدَ (بفتح الجيم) اي الغاية. وتقول اجْهَد جَهْدَكَ (بفتح الجيم الثانية) في هذا الأمر أي ابلغ غايتك. وأما الجُهْد (بضم الجيم) فالطاقة. قال الله جل وعز: والذين لا يجدون إلا جهدهم أي طاقتهم.  قال ويقال: اجهد جُهْدَكَ”.

 

قل: إستخفيتُ منك
ولا تقل: إختفيتُ منك

ونأخذ مما كتب ثعلب في “باب حروف منفردة” ما يلي: “هو يوم الأربِعاء بفتح الألف وكسر الباء، وتقول ماء ملح ولا تقول ماء مالح، وسمك مملوحٌ ومليحٌ ولا تقل مالحٌ، وتقول رجل يمانٍ من أهل اليمن وتِهامٍ من أهل تهامة، وفعلت ذلك من أجلك ومن إجلك، وتقول ما رأيته مذ أول من أمس، فإن أردت يومين قبل ذلك قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس ولا تجاوز ذلك. والظل ظل الشجرة وغيرها بالغداة والفيء بالعشي. وإذا قيل ادن فتغّدَّ، فقل: ما بي تَغّدِّ وفي العشاء: ما بي تَعَشِّ، ولا تقل ما بي غَدَاءٌ ولا عَشَاءٌ لأنه الطعام بعينه. وتقول: لقيته لَقْية ولِقاءَة ولُقياناً ولا تقل: لَقَاة فإنه خَطأٌ. وتقول: أستخفيتُ منك أي تواريتُ، ولا يقال: اختفيتُ لإنما الإختفاء: الإظهار. وتقول: كَسَفَت الشمس وخَسِف القمر وهذا أجود الكلام. وتقول: أرعني سمعكً أي اسمع مني. وتقول بَخَصتُ عين الرجل وبَخَسْتُه حقه إذا نقصته. والبرد قارِسٌ واللبن قارِصٌ أذا بدأ يحمض. وتقول: دانَقٌ ودانِقٌ، وخَاتَمٌ وخَاتِمٌ، وطابَعٌ وطابِعٌ، وطابَقٌ وطابِقٌ، كل هذا صحيح جائز. وتقول: أمليتُ الكتاب أمليه إملاءً وأملَلْتُ أمِلُّ إملالاً، لغتان جيدتان جاء بهما القرآن.”

 

قل: أداء الدين وكِيان الدولة ورآه إياد عِياناً
ولا تقل: إداء وكَيان وأياد وعَيان

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن “الأداء” اسم مصدر والمصدر التأدية كالزَّواج بالنسبة الى التزويج والسَّراح بالنسبة الى التسريح والطَّلاق بالإضافة الى التطليق والصلاة بالإضافة الى التصلية والسَّلام مع التسليم والكلام مع التكليم والزَّكاة مع التزكية والوَصاة مع التوصية فكلها مفتوحة. فالفتح غالب على اسم المصدر كما ذكرت لك ولا يقتصر على اسم مصدر التفعيل بل يكون أحياناً اسماً للأفعال كالعَطاء مع الإعطاء والبَيان مع الإبانة.

أما الكِيان فهو مصدر الفعل “كان” مثل قام قِياماً وذاد ذِياداً ولاذ لِياذاً وعاذ عِياذاً وصام صِياماً وصال صِيالاً وهلم جرّا. وأحياناً يأتي التأنيث مثل عاد عِيادة وزار زِيارة فالواو في المصدر تجعل ياءاً لأنها ساكنة في الفعل لفظاً لا أصالة.

وأما إياد فاسم علم للرجال وبه سمي إياد بن نزار بن معد بن عدنان أبو قبيلة إياد وهو مشتق من آده الحمل يؤوده إياداً أي ثقُل عليه وأناءه، إلا انهم لم يذكروا الإياد في المصادر ولكن القياس يوجبه ويهدي اليه.

وأما العِيان فهو مصدر للفعل “عاينه يعاينه” وأوله مكسور كجميع مصادر “فاعله يُفاعله” الآتية على وزن “فِعال” مثل باينه بِياناً وهو غير البَيان، وقايضه قِياضاً وغايره غِياراً وداينه دِياناً. وقيل ان الفِعال اسم مصدر لأنه أقل من المصدر الثاني وهو المفاعلة كالمباينة والمعاينة والمقايضة، ولكن هذا القول رُدّ على قائله بأن “الفِعال” أصله “فِيعال” ثم حذفت الياء تخفيفاً للفظ.”

وكتب عبد الهادي بوطالب: ويخطئ من يفتح الكاف. وهو مصدر من مصادر كان التي هي كَوْن، وكِيَان، وكَيْنُونة.

لكنه يعني أيضا هيئة، أو بِنْية، أو مؤسسة. وغالبا ما يراد منه التنقيص من الأهمية. فنقول الكِيَان الصهيوني تجنبا لكلمة دولة. ويعني ذلك عدم الاعتراف بإسرائيل. ويقال الكِيَانات المصطنعة، والكِيَانات الضعيفة أو الهشة.

 

قل: هذا الأمر واضح للعِيَان
ولا تقل: هذا الأمر واضح للعَيَان

وكتب عبد الهادي بوطالب: “عِيَان مصدر فعل عايَن وهو على وزن فِعال. ويفتح البعض العين خطأ. كما أن مصدره الآخر هو معايَنَة وهو قياسي كما نقول قِتال، ومقاتلة، وكِفاح ومكافحة، وجِهاد ومجاهدة.

ونقول: “هذا الأمر واضح للعِيَان”، أي للنظر بالعين. ونقول. “شاهِدُ عِيَان”، أي أن الشاهد حضر الحدث وشاهده بعينه، ويقال: “الشاهد العِيَاني” أي الذي شهد بما رأى. ومن الأمثال العربية المشهورة: “وليس الخَبَر كالعِيَان”.

وشهادة العِيَان أفضل وأقوى حُجَّةً من شهادة السَّمَاع. وقال الشاعر:

يا بْنَ الكِرام ألاَ تَدْنُو فَتُبْصِرَ ما
قد حدَّثُوك فمَا راءٍ كمَنْ سمِعا”

وكتب الحنفي: وعلى عكس ذلك قولهم: “العَيان” بفتح العين، فإنّما هي مكسورةٌ.

 

قل: هي كُفَةُ القميصِ
ولا تقل: هي كِفَةُ القميصِ

وقال ابن قتيبة: “صنفة الإزار: جانبه الذي لا هدب فيه، وهي الطُّرّة والكُفَّةُ، وطُرَّة النهر: شفيره. ورجل طِرارٌ كأنه أُلبس طُرَّةً من جمال. وكُفَّة القميص بالضم، فأما كِفَّة الميزان وكِفَّة الصائد وهي حبالته فهما جميعاً بالكسر.”

 

قل: استقبلت قافلة الحاج
ولا تقل: ودعت قافلة الحاج

كتب الحريري:ويقولون: ودعت قافلة الحاج، فينطقون بما يتضاد الكلام فيه لأن التوديع إنما يكون لمن يخرج إلى السفر، والقافلة اسم للرفقة الراجعة إلى الوطن، فكيف يقرن بين اللفظتين مع تنافي المعنيين ووجه الكلام أن يقال: تلقيت قافلة الحاج، أو استقبلت قافلة الحاج. ويشاكل هذا التناقض قولهم: رب مال كثير أنفقته، فينقضون أول كلامهم بآخره، ويجمعون بين المعنى وضده لأن رب للتقليل، فكيف يخبر بها عن المال الكثير.”

كتب الحنفي: قال الحريري: يقولون: ودّعت قافِلَةَ الحاجِّ، فينطقون بما يناقض الكلام، لأنّ التوديع إنّما يكون لمن يخرج إلى السفر، والقافلةُ اسمٌ للرُّفْقَةِ الراجعة إلى الوطن. أقول: فيه بحث، لأنّه نصَّ بعض من كبار أرباب اللغة كصاحب القاموس بأنّ القافلةَ الرُّفْقَةُ القُفّالُ والرفقةُ المُبْتَدِئةُ في السفر تفاؤلاً بالرجوع.  وبهذا يظهر ما في قول مَنْ جعل كلام الحريري هذا سنداً للردِّ على الجوهري في تفسير القيرُوان بالقافلة.”

وكتب ابراهيم السامرائي: “وقرأت قولهم : “قافلة عسكرية أمريكية تدخل شمال العراق . أقول: والقافلة هي العائدة في العربية، وقد ذهبوا إلى التفاؤل بالخير فوصفوا الجماعة العائدة التي لم تتعرض لأذىً في رحلتها بـ القافلة.

غير أن المعاصرين جهلوا هذه الخصوصية في الدلالة فتوسعوا فيها بل قلبوا الكلمة إلى ضدها فهي لديهم الجماعة الذاهبة.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة الثالثة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: شُدَّ ثوبكَ
ولا تقل: شِدَّ ثوبكَ

 كتب الكسائي:”وتقول شُدَّ ثوبكَ، وشُدَّ عليه بضم الشين. قال الله تعالى:”فشُدُّوا الوثاق”. إنتهى

كتب الجوهري في الصحاح: “وشَده: أي أوثقه، يَشُدُّهُ ويَشِدُّهُ أيضاً”. فاذا جاز على قول الجوهري أن يأتي مضارع “شد” على “يشُدُّ” أو “يشِدُّ” فإنه يجوز أن يكون الأمر “شُدَّ” أو “شِدَّ”.

 

قل: ودِدْتُ أني في منزلي
ولا تقل: ودَدْتُ أني في منزلي

كتب الكسائي: “وتقول ودِدْتُ أني في منزلي، بكسر الدال الأولى. قال بعض الأعراب:

أُحب بنيتي ووَدِدْت أني          حَفَرْتُ لها برابية قُبيرا

وأضاف المحقق: “وضعها ثعلب في الفصيح في باب (فعلت بكسر العين)، كما وضعها ابن قتيبة في أدب الكاتب في باب “ما جاء على فعلت بكسر العين والعامة تقوله على فتحها”. وقد روي عن الكسائي غير ما يذكره هنا فقد حكى الزجاجي عن الكسائي: ووَدَدْتُ الرجل بالفتح. وقد ضبطَ بروكلمان “قبيرا” بفتح القاف وكسر الياء. وقال في الهامش: “هي كلمة منحوتة من القبر والحفير، أو لعلها محرفة عن الكلمة الأخيرة”. ولست أدري ما الذي أغفله عن تصغير القبر على قبير؟” انتهى

وكتب ابن فارس في المقاييس في باب (ود): “الواو والدال: كلمةٌ تدلُّ على مَحَبَّةٍ. وَدِدْتُه أحببته. ووَدِدْتُ أنَّ ذاك كان، إذا تمنَّيْتَه، أَوَدُّ فيهما جميعاً. وفي المحبَّة الوُدُّ، وفي التَّمنِّي الوَدَادة. وهو وَديدُ فلانٍ، أي يُحِبُّه.

فأمَّا الوَدُّ: فـالوَتِد.”

 

قل: فلان شقيّ من الأشقياء
ولا تقل: شَقيّ من الشقاة

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الشقي صفة من شقي فلان يَشقى شقاءً إذا لم يكن سعيداً ولارفيع العيش هنيئه، ثم استعملته العامة للعيّار والمفسد واللص والشاطر لأن أفعاله تؤدي الى الشقاء أو شقاء النفس في الآخرة، وهو مثال لتطور معاني الألفاظ عند العامة. ولم تأت الصفة من شقي على وزن فاعل حتى يقال “الشاقي” كالباقي ثم يجمع على الشقاة، ويجوز استعمال الشاقي في غير هذا المعنى، قالت العرب: “شقا الله فلاناً يشقوه شَقواً أي صيره شقيّاً، فالله “الشاقي” وهو “المشقّو” ويقال أيضاً: انهم شقوا أبناءهم بسوء التربية فهم شقاة وأبناؤهم أشقياء.”

 

قل: كثرت المُغْرِيات في هذا العصر
ولا تقل: كثرت المُغْرَيات في هذا العصر

وكتب عبد الهادي بوطالب: “المُغرِيات اسم فاعل من أغرى يُغرِي إغراءً. أي حرَّض، وحثَّ. ونقول: “أغراه بقبول الوظيفة”. أي حثَّه على قبولها. و”أغراه بتناول الخمر” أي زيَّن له شربَها. و”أغراه بقبض الرشوة حبُّ المال”.
وتأتي أغرى بمعنى وعد بالشيء. ويُجمَع بين العبارتين فنقول: “حمله على فعل كذا بالوعد والإغراء”. وعكس الإغراء هو التحذير.

وجاء في النحو أن الإغراء هو حث المخاطَب على أمر محمود ليفعله، وأن صيغته تأتي بالاقتصار على المُغرَى بفعله ونصبه على أنه مفعول به. فنقول : “الصدقَ فيما تقول” على تقدير فعل الْزَم. والمعنى الزَم الصدقَ فيما تقول. ويمكن أن يُعدَّد في الجملة ما يحث المتكلمُ السامعَ والقارئَ على فعله فنقول : “الصدقَ والجدَّ والصَّبرَ”. أي الزم فعل هذه الخصال الثلاث وجميعُها مفعول به منصوب بفعل الزم المقدَّر.

أما عكس الإغراء وهو التحذير فله نفس الصيغة ويُنصَب مفعولا به على تقدير احذر. نقول : “الكسلَ والكذبَ والتهاونَ”. على تقدير فعل احذر أي احذرها جميعها.

والمغري هو الشيء الذي يُغْري أو من يُغْري، والجمع هو مُغْرِيات أي ما يُستعمَل للإغراء. فنقول : “كثرت المُغْريات في هذا العصر” أي الأشياء التي تُغري، أي تحث على عمل كذا. وغالبا ما نستعمل كلمة المُغْريات بمعنى المُلْهِيات (بكسر الهاء اسم فاعل) ونقول بسَبَب اختراع بعض المغريات وكثرة المُلْهِيات قلّ إقبال التلاميذ على الدرس أو المطالعة (مثلاً).
ومن ذلك يتبين أن نطق المغريات بفتح الراء خطأ لا مبرر له ولا أساس. ومثل هذا الخطأ يبدو لنا شنيعاً لو نطقنا كلمة المضحِكات بفتح الحاء وأنشدناها بالفتح مُحرَّفة في البيت الشعري التالي (وهو للمتنبي):

وكم ذا بمصر من المضحَكات (لا المضحِكات)

ولكنه ضَحكٌ كالْبُكَا”

 

قل: تلقيت رسالة مُفادُها كذا
ولا تقل: تلقيت رسالة مَفادُها كذا

وكتب عبد الهادي بوطالب: لا يوجد فعل فاد يَفيد (الثلاثي المجرد) حتى يمكن أن نأخذ منه تعبير مَفاد (بفتح الميم على وزن مَفْعَل). وإنما يوجد فعل أَفاد يُفيد (الرباعي). وعلى ذلك نقول مُفاد كما نقول مُراد (فعله أراد) ومُعاد (فعله أعاد) ومُقام (فعله أقام) بينما الكثيرون يقولون :”تلقيت رسالة مَفادُها كذا” و”بلغتني أخبار مَفادُها كذا” والصواب ضم الميم.

 

قل: إن تصغير مختار هو مخير
ولا تقل: إن تصغير مختار هو مخيتير

كتب الحريري: ويقولون في تصغير مختار مخيتير، والصواب فيه مخير، لأن الأصل في مختار مختير، فالتاء فيه تاء مفتعل التي لا تكون إلا زائدة، ويدل على زيادتها في هذا الاسم اشتقاقه من الخير، ومن حكم التصغير حذف هذه التاء ، فلهذا قيل: مخير، ومن عوض من المحذوف قال مخيير.

وقد غلط الأصمعي في تصغير هذا الاسم غلطاً أودع بطون الأوراق، وتناقلته الرواة في الآفاق ذاك أن أبا عمر الجرمي حين شخص إلى بغداد ثقل موضعه على الأصمعي إشفاقاً من أن يصرف وجوه أهلها عنه، ويصير السوق له، فأعمل الفكر فيما يغض منه، فلم ير إلا أن يرهقه فيما يسأله عنه، فأتاه في حلقته، وقال له: كيف تنشد قول الشاعر:

قد كن يخبأن الوجوه تسترا ** فاليوم حين بدأن للنظار

أو حين بدين فقال له: بدأن، قال: أخطأت، فقال  بدين  قال: غلطت إنما هو حين بدون أي ظهرن.

فأسرها أبو عمر في نفسه، وفطن لما قصده به، واستأنى به إلى أن تصدر الأصمعي في حلقته، واحتف الجمع به، فوقف عليه وقال له: كيف تقول في تصغير مختار فقال: مخيتير، قال: أنفت لك من هذا القول، أما تعلم أن اشتقاقه من الخير، وأن التاء فيه زائدة ولم يزل يندد بغلطه ، ويشنع به، إلى أن انفض الناس من حوله.”

 

قل: أحَكَّني جسدي
ولا تقل: حَكَّني جسدي

كتب الحريري: “ويقولون أيضا: حكني جسدي فيجعلون الجسد هو الحاك، وعلى التحقيق هو المحكوك، والصحيح أن يقال: أحكني جسدي، أي ألجاني إلى الحك، كذلك يقولون: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه، لأنه هو المشتكي لا هي .” انتهى

لكن الفيروزأبادي خالف الكسائي فكتب في القاموس: “وحَكَّني وأحَكَّني واسْتَحَكَّنِي: دَعاني إلى حَكِّهِ، والاسْمُ: الحِكَّةُ”. وأخذ عنه ابن منظور فكتب في لسان العرب: “وحَكَّني وأَحَكَّني واسْتَحَكَّني: دعاني إِلى حَكِّه، وكذلك سائر الأَعضاء، والاسم الحِكَّةُ والحُكاكُ. قال ابن بري: وقول الناس حَكَّني رأْسي غلط لأَن الرأْس لا يقع منه الحَكّ.”

 

قل: افترقت الأهواء والآراء
ولا تقل: تفرقت الأهواء والآراء

كتب الحريري: “ويقولون تفرقت الأهواء والآراء، والاختيار في كلام العرب أن يقال في مثله: افترقت، كما جاء في الخبر: تفترق أمتي كذا وكذا فرقة أي تختلف، فأما لفظة التفرق فتستعمل في الأشخاص والأجسام فإذا قيل: إن لزيد ثلاثة إخوة متفرقين، كان المعنى أن كل واحد منهم ببقعة، وإن قيل في وصفهم: مفترقين كان المعنى أن أحدهم لأبيه وأمه والآخر لأبيه، والثالث لأمه، وكذلك يقال: فرق بتشديد الراء فيما كان من قبيل الجمع، وفرق بالتخفيف فيما يراد به التمييز كقولك: فرق بين الحق والباطل والحالي والعاطل.” انتهى

ويبدو من قول الحريري أنه يعيب على حسان بن ثابث قوله:

أكرم بقوم رسول الله قائدهم             إذا تفرقت الأهواء والشيع

لكن قول حسان له ما يؤيده حيث إن الجوهري لم يجد بينهما فرقا فكتب في الصحاح في باب (فرق):

وفَرَّقْتُ الشيء تَفْريقاً وتَفْرِقَةً، فانْفَرَقَ وافْتَرَقَ وتَفَرَّقَ.

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة الثانية بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: عَجَزْتُ عن الشيء
ولا تقل: عَجِزْتُ عن الشيء

 كتب الكسائي: “وتقول: عَجَزْتُ عن الشيء، بفتح الجيم. ومنه قول الله تعالى: “أعَجَزْتُ أن أكون مثل هذا الغُرابِ”.

 

 قل: بعثت اليك بهدية
ولا تقل: بعثت اليك هدية

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول بعثت اليك غلاماً وأرسلت اليك رسولاً فتعدى الفعل بنفسه. فإن قلت بعثت اليك بهدية وأرسلت اليك بثوب ونحوه مما لا يتعدى  بنفسه جاز تعديه بالباء لأن التقدير بعثت اليك انساناً بهدية.”

 

قل: بَرِحَ فلان العاصمة يبْرَحُها بَراحاً بفتح الباء
ولا تقل: بارح فلان العاصمة مبارحة وبِراحاً بكسر الباء

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن العرب استعملت لهذا المعنى الفعل الثلاثي حسب أي برح.

جاء في لسان العرب: “والبَراحُ مصدر قولك بَرِحَ مكانَه أَي زال عنه وصار في البَراحِ….. وبَرِحَ الأَرضَ: فارَقَها. وفي التنزيل: “فلن أَبْرَحَ الأَرضَ حتى يَأْذَنَ لي أَبي..” فالقرآن الكريم يحتوي على استعمال “برح” الثلاثي متعدياً بنفسه في قوله تعالى “فلن أبرح الأرض” الآية. أما “بارح” فله معنى آخر، فقل قالوا “بارحه” بمعنى كاشفه وعالنه وجاهره. والمبارحة هي ما يسمى اليوم “المظاهرة”.

قال ابن فارس في مقاييس اللغة: “قال أبو عُبيد: البِرَاح المكاشَفة، يقال بَارَحَ بِراحاً كاشَفَ.” والظاهر أنه مأخوذ من “برِح الشيء” أي انكشف وبان، ومنه المثل “برِح الخفاء”.

والظاهر أن الذي استعمل “بارح” قاسه على “غادر” وليس ذلك بمقيس. فلا يقال “تارك” بمعنة ترك ولا “باين” بمعنى بان ولا “ناظر” بمعنى نظر ولا “قاتل” يمعنى قتل، فلكل وزن معنى خاص به. ولا حكم للشذوذ. فقل: بَرِح مكانه وبرِح العاصمة ولا تقل: بارحهما فمعنى المبارحة المكاشفة وليست بمرادة في العبارة.”

 

قل: هذا كتابٌ مُخْطَأ فيه
ولا تقل: هذا كتابٌ مُخْطِئ

كتب الزبيدي: ” يقولون للكتاب الكثير الخطأ: “مُخْطِئ” والصواب: “مُخْطَأ فيه” تقول أخْطَأ الرجلُ إخْطَاءً، والإسم: الخَطَاءُ بالمد، والخَطَأ بالقصر. وقرأ الحسن: “إنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْئَاً كبيراً”.

ويقال للرجل إذا أتى الذنب متعمدَّاً: قد خَطِئ يَخْطَأ خِطْئَاً، فهو خَاطِئ، والمكان مَخْطُوءٌ فيه. ويقال: لأن تُخْطِئ في الطريق أيسر من أن تَخْطَأ في الدِّين. ويقال خَطِئ الرجلُ، قال امرؤ القيس:

يا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئْنَ كاهِلا

يعني: أخْطَأن.

 

قل: قد خطئ في العمل (إذا تعمده)
ولا تقل: قد أخطأ في العمل (إذا تعمده)

كتب الحريري: ويقولون لمن يأتي الذنب متعمدا: قد أخطأ، فيحرفون اللفظ والمعنى لأنه لا يقال: أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل أو لمن اجتهد، فلم يوافق الصواب، وإياه عنى صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإنما أوجب له الأجر عن اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبه أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، والفاعل من هذا النوع مخطيء، والاسم منه الخطأ، ومنه قوله تعالى: “وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ”، أما المتعمد الشيء فيقال فيه: خطئ فهو خاطئ، والاسم منه الخطيئة، والمصدر الخِطْء بكسر الخاء وإسكان الطاء، كما قال تعالى: “إن قتلهم كان خِطْأ كبيرا” قال الإمام أبو محمد رحمه الله: ولي فيما أنتظم هاتين اللفظتين وأحتضن معنييهما المتنافيين:

لا تخطون إلى خِطء ولا خطأ ** من بعدما الشيب في فوديك قد وخطا

فأي عذر لمن شابت مفارقه ** إذا جرى في ميادين الهوى وخطا

الخطيئة تقع على الصغيرة كما قال سبحانه إخبارا عن إبراهيم عليه وعلى نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين السلام: “والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين” ويقع على الكبيرة كما قال تعالى: “بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون”.”

 

قل: بدأت أمس ألعاب القُوى
ولا تقل: بدأت أمس ألعاب القِوى

وكتب عبد الهادي بوطالب: “يقال خطأ في لغة الإعلام الرياضي : “ألعاب القِوَى” (بكسر القاف) والصواب ضمه لأنه جمع قُوَّة بضم القاف.

ونقول “قُوى الشر والطغيان”. و”قُوَى الفساد”. و”ميزان القُوَى”. وهذا جمع تكسير. ولأن المفرد قُوَّة ولأن اللفظ مؤنث فإنه يجمع أيضا جمع المؤنث على قُوَّات (دائما بضم القاف) ونقول القُوَّات المسلحة، والقُوَّات الجوية، والقُوَّات البحرية، والقوَّات الاحتياطية. وجاء في القرآن : “عَلَّمَه شديد القُوَى” بضم القاف.”

 

قل: عثر الجيشُ على لَغْمٍ موقوتٍ
ولا تقل: عثر الجيشُ على لَغَمٍ موقوتٍ

وكتب عبد الهادي بوطالب: “ومما يجري خطأ على الألسنة فتح الغَين في لَغْم وجمعه ألغام. واللَّغْم ما يُملأ بمواد متفجرة تتفرقع عند مسه أو بالضغط عليه أو بتوقيته. فنقول: “عثرت الشرطة على لَغْمٍ كان على وشك الانفجار”. أو “اكتشف الجيش حقل ألغام”. ويقال “لَغْمٌ موقوت” أي يتفجر في وقت معين.

 وأعتقد أن هذا الخطأ (أي وضع حركة الفتح على عين الكلمة بدلا من السكون) يُرتكَب في اللهجة العربية السورية التي كثيرا ما تفتح فيها عين الكلمة (أي وسطها) إذا كانت اسماً ثلاثياً ساكن الوسط. فيفتح وسطها بدلًا من السكون. فيقال “العَصَر” (بدلا من العَصْر) و”الظُّهَر” (بدلا من الظُّهْر) كما يقال “القَصَر” (بدلا من القَصْر).

واللَّغْم بفتح اللام (ودائما بسكون الغين) يأتي مصدرا فِعلُه هو لغَمَ يَلْغَم لَغْما بمعنى أخبر بدون علم ولا يقين. كما يقال : “لغم البعير” أي ألقى بِلُغامه أي زَبَده.”

 

قل: هو معي (لمن تعب)
ولا تقل: هو عيان

كتب الحريري:ويقولون لمن تعب: هو عيان، والصواب هو أن يقال: هو معي، لأن الفعل منه أعيا، فكان الفاعل منه على وزن مفعل، كما يقال: أرخى الستر فهو مرخ، وأغلى فهو مغل، وعند أهل اللغة أن كل ما كان من حركة وسعي قيل فيه: أعيا، وما كان من قول ورأي قيل فيه عيي وعي، والاسم منهما عيي على وزن شجي.

وقيل فيه: عي على وزن شج وعم، ونظير هاتين اللفظتين في قولهم: عيي وعي، قولهم: حيي وحي، وقرئ بهما قوله تعالى: “ويحيى من حي عن بينة”، وحيي عن بينة.

 

قل: يعجبني مَناخُ لبنان
ولا تقل: يعجبني مُنَاخُ لبنان

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين المَناخ (بفتح الميم) والمُناخ (بضم الميم) فيقولون: مُناخ لبنان رائع، يريدون اعتدال هوائه، وغزارة مياهه، واخضراره الدائم، مما يجعله موافقا للصحة ومسرة للعين، فيوهمون ، لأن المُناخ (بضم الميم) هو مبرك الإبل، والمكان الذي تنوخ فيه، والنوخة: الإقامة.

أما المَناخ (بفتح الميم) فهو المقصود، وهو لفظ لاتيني معرب أصله الماناك، أي التقويم، وهو جدول زمني يحتوي على تعداد الأيام والأشهر، مع زمان طلوع الشمس والقمر وغروبهما، وأوقات الأعياد، إلى غير ذلك من الفوائد.

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

قل ولا تقل / الحلقة الواحدة بعد المائة

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: شكرت لك ونصحت لك
ولا تقل: شكرتك ونصحتك

كتب الكسائي: “وتقول شكرت لك ونصحت لك. ولا يقال شكرتك ونصحتك. وقد نصحَ فلانٌ لفلان، وشكر له. هذا كلام العرب. قال تعالى: “اشكر لي ولوالديك”، “واشكروا لي لا تكفرون”، “ولا ينفعكم نصحي أن أردت أن أنصح لكم”.

وأضاف المحقق (عبد التواب): في أدب الكاتب: ويقولون نصحتك وشكرتك والأجود: نصحت لك وشكرت لك. ولم يذكر ثعلب في الفصيح الا التعدية باللام. لكن انظر ما قاله ابن دستويه في تصحيح الفصيح وفي اصلاح المنطق: ونصحتك وشكرتك لغة”. انتهى

لا أدري سبب هذا التكلف والذي لا يخدم اللغة بشيء، فقد حسم القرآن الأمر في قوله تعالى “واشكروا لي لا تكفرون”، “ولا ينفعكم نصحي ان أردت أن أنصح لكم”. فاذا كان الإستعمال الذي ذكره ابن دستويه موجودا بحجة كونه لغة فهو لغة رديئة ولا حجة للإحتفاظ بها.

 

قل: هو من نُخَبَة القوم
ولا تقل: هو من نُخْبَة القوم

 وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “ونُخَبَةُ القوم، واعمل بِحَسَبِ ذلك أي على قدره. وأما حَسْبكَ كذا بالسكون فمعناه كفايتك. والغُبُنُ بالتحريك في العقد، وبالسكون (الغُبْنُ) في المال ونحوه.”

 

قل: أنا واثق بالأمر ومتثبت فيه ومتبين له ومتحقق له وقد وثقت به وتثبت فيه وتبينته وتحققته
ولا تقل: أنا واثق من الأمر ولا متثبت منه ولا متحقق منه ولا وثقت منه ولا تحققت منه ولا تثبت منه

كتب مصطفى جواد” “قال في مختار الصحاح: “وثِق به يثِق بكسر الثاء فيهما إذا ائتمنه”. وقال الفيومي في المصباح المنير “وثِقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقاً: ائتمنته”. أماتثبت فيه فإنه يحتاج الى ظرفية حرف الجر “في” لأن الثبوت يحتاج الى مكان في الحقيقة والمجاز، وأما تحققه فهو هنا متعد بنفسه، أي أطلعت عليه حق الإطلاع، وأما تبينته فهو في هذه العبارة يتعدى بنفسه لأنه بمعنى عرفته مع الإبانة. فلا داعي الى استعمال حرف الجر “من”. وقد ذكرت سابقاً أن من الخطأ قولهم “تأكدت منه” وان من الجائز للسلامة من الخطأ أن يقال: تأكدته قياساً على تحققته وتعرفته وتبينته وأمثالهن.

وإنما تستعمل “من” إذا استعمل المصدر أو الإسم.

يقال: أنا على ثقة من الأمر وأنا على بينة من الأمر، كما يقال: أنا على حق من هذه الدعوى، وأنتم على خوف من هذه البلوى، وحروف الجر تبدل عند تبديل العبارة وان كان المعبر به من أصل واحد، كما سمعت من “وثقت به وأنا على ثقة منه”.

 

قل: بقي في القِدْرِ قليلٌ من المَرَقَة
ولا تقل: بقي في القِدْرِ قليلٌ من المَرْقَة

كتب الزبيدي: ” ويقولون “مَرْقة” والصواب “مَرَقَة” و “مَرَق” للجمع. وقال الأصمعي والعالي: ما رُدَّ في القدر من المَرَقَة. ويقال: مَرَقْتُ القِدْرَ أمْرُقُها إذا أكثرت مَرَقَها. قال الأعشى:

……………………..         وسَوْداءَ لأياً بالمَزَادَةِ تُمرَقُ

وأمّا “المَرْق” فأن يَمرُقَ الصوف عن الإهاب مَرْقَاً.

 

قل: ولكم منا أصدق المتمنَّيات
ولا تقل: ولكم منا أصدق المتمنِّيات

وكتب عبد الهادي بوطالب: ونسمع في الإذاعات والتلفزات العربية: “ولكم منا أصدق المتمنِّيات” بكسر النون. والصواب فتح النون لأن المفرد هو مُتمنَّى أي ما يتمناه الشخص لغيره أو لنفسه. أما المتمنِّيات بكسر النون فهو يعني النساء اللاتي يتمنَّيْن (جمع المؤنت السالم).

 

قل: قوبل عمل فلان بمستحَقّات الشكر والثناء
ولا تقل: قوبل عمل فلان بمستحِقّات الشكر والثناء

وكتب عبد الهادي بوطالب: فعل استحَقَّ يأتي لازما لا يتطَلَّب مفعولا ويأتي متعديا. الفعل اللازم استحَقَّ الشيءُ اسم الفاعل منه هو مُستَحِقّ (بكسر الحاء). والفعل المتعدي استحَقَّ الشيءَ اسم المفعول منه هو مُستحَقّ.
مثال الفعل اللازم : استَحقّ الدَّيْنُ أي وصل ميعادُ دفعه. واستحق الأجلُ المضروب أي حان أو وصل. فالدَّيْن مُسْتَحِقّ (بكسر الحاء) والأجل مُستحِقّ (بكسر الحاء كذلك). وجمع التأنيث هو مستحِقّات بكسر الحاء وجوبا لأن فعله لازم لا يأتي منه إلا اسم الفاعِل الذي هو مستحِقّ.
ومثال الفعل المتعدي هو استحقّ الشَّيْءَ. كأن نقول : “فلان استحقَّ الشكرَ والثناءَ على عمله الطيب”. ونقول أيضا : “استحق المُصابُ الشفقةَ والعطفَ”. ونقول: “عمِل عملا استحقّ عليه الإثمَ”.

وجاء في القرآن : “فإن عُثِر على أنهما استَحقَّا إثْما”. وعلى ذلك فمُستحِقّ (اسم فاعل من فعل استحقَّ اللازم) صحيح، كما أن مُستحَقّ (اسم مفعول من استحق المتعدي صحيح كذلك). لكن يجب عدم الخلط بينهما فلكل منهما موضع استعماله.

نقول : “هذه ديون مُستحِقّة (بكسر الحاء) وجمعها مُستحِقّات (بكسر الحاء) بمعنى جاء أجلها. ونقول قوبل عمل فلان بعواطِف شكر مُستحَقّ (بفتح الحاء) أو بمستحَقّات الشكر والثناء والتنويه (بفتح الحاء) أي بما يستحقه من هذه الأشياء. ولا يجوز وضع العبارتين في سياق واحد. بل على الكاتب والمتحدث أن يضعا كلا منهما حيث يجب وضعه.

وعلى ذكر مادة حَقَّ نبادر إلى تصحيح استعمال فعل حَقَّ (مفتوح الحاء) في هذا التعبير وأمثاله : حَقَّ لك أن تفعل كذا، والصواب بناؤه للمجهول فنقول حُقَّ لك. وجاء في القرآن : “وأَذِنَتْ لربها وحُقَّتْ”.

لكن تُستعمل حَقّ بفتح الحاء عند مجيء على بعدها فنقول : “حَقَّ عليك أن تفعل”.

 

قل: وقع ذلك في أول الشهر
ولا تقل: وقع ذلك في مستهل الشهر

كتب الحريري: ويقولون لأول يوم من الشهر مستهل الشهر، فيغلطون فيه على ما ذكره أبو علي الفارسي في تذكرته، واحتج فيه على ذلك بأن الهلال إنما يرى بالليل، فلا يصلح إلا ما يكتب فيها، ومنع أن يؤرخ ما يكتب فيها بليلة خلت، لأن الليلة ما انقضت بعد، كما منع أن يؤرخ ما يكتب في صبيحتها بمستهل الشهر، لأن الاستهلال قد انقضى. ونص على أن يؤرخ بأول الشهر أو بغرته أو بليلة خلت منه.

ومن أوهامهم في التأريخ أنهم يؤرخون بعشرين ليلة خلت وبخمس وعشرين خلون، والاختيار أن يقال: من أول الشهر إلى منتصفه: خلت وخلون، وأن يستعمل في النصف الثاني بقيت وبقين على أن العرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير، فيقولون: لأربع خلون ولإحدى عشرة خلت.

نعم، لهم اختيار آخر أيضا، وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف، وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة، كما نطق به القرآن في قوله تعالى: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم”، فجعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.

وكذلك اختاروا أيضا أن ألحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء، فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أياما معدودة، وألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء، فقالوا: أقمت أياما معدودات، وكسوته أثوابا رفعيات، وأعطيته دراهم يسيرات وعلى هذا جاء في سورة البقرة: “وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ” وفي سورة آل عمران: “إلا أياما معدودات”  كأنهم قالوا أولا بطول المدة التي تمسهم فيها النار، ثم تراجعوا عنه فقصروا تلك المدة.

 

قل: أجد حمياً
ولا تقل:  أجد حمى

كتب الحريري: ويقولون: أجد حمى، والصواب أن يقال: أجد حمياً أو حمواً، لأن العرب تقول لكل ما سخن: حمي يحمى حمياً، فهو حام، ومنه قوله تعالى: “في عين حمئة”. ويقولون أيضا: اشتد حمي الشمس وحموها، إذا عظم وهجها، ومنه ما أنشده المفضل:

تجيش علينا قدرهم فنديمها ** ونفثؤها عنا إذا حميها غلا

يعني أنه متى جاشت قدرهم للشر سكنوها، وهو معنى نديمها، وأنه متى غلت فثؤوها  أي كسروا غليانها. وكنى بالقدر عن تهيج الحرب كما يكنى بفور المرجل عنه .

وحكى لي أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمذاني حين قدم البصرة علينا حاجا سنة نيف وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم بن عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة فقال له: ما الذي بك قال: حما، فقال له الصاحب: “قه”، فقال النديم: “وه”، فاستحسن الصاحب ذلك منه وخلع عليه. قال الشيخ الإمام: ولعمري لقد أحسن الصاحب في تعقيب لفظ حما بما صارت به إلى “حماقة”، ولطف النديم في صلة تعقيبه بما جعله قهوة، وهكذا فلتكن مداعبة الفضلاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

قل ولا تقل / الحلقة المائة

ليس دخول العجمة في العربية جديدا فقد تصدى لذلك علماء العربية منذ القرون الأولى لإنتشار الإسلام ودخول الأعاجم فيه. لكن وضع اللغة العربية اليوم أسوأ مما كان عليه في أي وقت. وسبب ذلك يعود لسهولة النشر والتواصل الإجتماعي والذي لم يكن سابقا مما قاد لمشاركة الأميين في ادعاء الشعر والأدب والكتابة، فانتشر معها الجهل بالعربية ونتج عن ذلك مزيد من التخلف، ذلك لأن الأمة التي لا تستطيع أن تفكر بلسانها لا يمكن لها أن تتقدم!

فقضيت السنوات الماضية  بما يسمح به الوقت حيث إني لست متفرغا لهذا العمل، بجمع ما تيسر لي من كتب الأولين وما أسمعه وأقرأه من الخطأ الشائع في استعمال اللغة العربية بين المتعلمين قبل الأميين وفي وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي الواسعة الإنتشار.

فأخرجت من ذلك تسعا وتسعين حلقة من سلسلة أسميتها “قل ولا تقل” اكراما للعالم الكبير الدكتور مصطفى جواد الذي قدم سلسلة تحت هذا الإسم قبل عقود.

واليوم أختار للحلقة المائة أكثر الأخطاء شيوعا وخطرا مما جاء في الحلقات السابقة، أملا في أن يسمح الوقت بمزيد من البحث لكشف المزيد من الخلل والعجمة خدمة للغة القرآن الكريم.

 

قل الجُمهور والجُمهورية

ولا تقل الجَمهور والجَمهورية (1)

 

قل: فلان مؤامر

ولا تقل: متآمر (1)

  انقر للمزيد “قل ولا تقل / الحلقة المائة”

قل ولا تقل / الحلقة التاسعة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: قد نَفِدَ المالُ والطعامُ
ولا تقل: قد نَفذَ المالُ والطعامُ

كتب الكسائي: ” وتقول: قد نَفِدَ المالُ والطعامُ، بكسر الفاء. قال الله تعالى: “قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لَنَفِدَ البحرُ قبل أن تنفِدَ كلمات ربي”.

 

قل: قد أريتُ فلاناً موضع زيد
ولا تقل: قد أوريتُ فلاناً موضع زيد

وكتب الكسائي: “وتقول قد أريتُ فلاناً موضع زيد، بغير واو. ولا يقال: أوْرَيْتُ، فانه خطأ. قال تعالى: “ولقد أريناه آياتنا كلها”. وقال أيضاً: “رب أرني أنظر اليك”.

وتقول: قد أوريت النار اذا أشعلتها، بالواو. قال تعالى: “أفرأيتم النار التي تورون”. وقال عدي بن زيد في شاهد ذلك:

وأطْفِ حديثَ السُّوء بالصمتِ إنه              متى تُورِ ناراً للعِتابِ تأجَّجَا

واضاف المحقق: “وفي خطأ العوام للجواليقي: وقد أريته كذا أريه ولا تقل: أوريته أوريه.”

 

قل: فلانٌ يُريني كذا
ولا تقل: فلان يُوريني كذا

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول فلان يريني كذا، وأراني الله فيك ما أحب. ولا يجوز فيه  أوراني ولا يوريني.”

 

قل: جاء القوم قاطبةً
ولا تقل: جاء قاطبة القوم

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “جاء القوم قاطبة ولا تقل القاطبة ولا قاطبة القوم”.

وفي مثل هذا كتب الشيخ ابراهيم اليازجي، فقال:

ويقولون: هذا الأمر يهمّ عمومَ السُكّان

والأصح: يهمّ السكان عامة

 

قل: هَبْكَ فَعلْتَ
ولا تقل: هَبْ أنك فعلتَ

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “وتقول هَبني فَعَلْتُ وهَبْهُ فعلَ وهَبْكَ فعلتَ، هذا هو الفاشي في كلامهم فأما قولهم “هَبْ أنك فعلت” فغير مسموع.” انتتهى

وقال المتنبي في قصيدة رائعة له في رثاء جدته:

هبيني أخذت الثار فيك من العدى       فكيف باخذ الثار فيك من الحمى

 

قل: هو ثقة من قوم ثقات
ولا تقل: من قوم ثقاة

كتب مصطفى جواد: “فالثقة مصدر تعمل صفة فَجُمع جمع الإسماء مثل هبة وهبات وترة وترات وعدة وعدات وزنة وزنات، وهن مأخوذات من واثق من وثق ووهب ووتر ووعد ووزن. وقولنا ثقاة يعني أن مفرده ثاقي نحو قاضي وهو غير موجود أصلاً. فقل هو ثقة من قوم ثقات.”

 

قل: أعجبني هذا القَصَص وأعجبتني هذه القِصَص
ولا تقل: أعجبتني هذه القَصَص

وكتب مصطفى جواد: “وذلك لأن القَصَص بفتح القاف مذكر لا مؤنث وهو اسم بمعنى المقصوص أي المحكي والمروي والمأثور والمنقول والمذكور للإعتبار والإتعاظ. وهو على وزن اسم المفعول القديم، اي على وزن فَعَلٍ بمعنى مفعول كالعدد بمعنى المعدود والحسب بمعنى المحسوب والقبض بمعنى المقبوض وجمعه الإقباض وكالنفض بمعنى المنفوض والولد بمعنى المولود والحلب بمعنى المحلوب والقلم بمعنى المقلوم والصمد أي المصمود وهو المقصود ومنه قوله تعالى “الله الصمد” أي المصمود بمعنى المقصود في الحاجات والمستغاث المستعان، وهذه الصيغة من صيغ اسم المفعول القديمة، قد تنبهت عليها بعد تفكير جليل وتعليل طويل وهي تؤيد أن الصفات القديمة في العربية خالية من التأنيث مقصورة على التذكير، وقد نشأ التأنيث بعد ذلك.

فالقصص اسم مفعول قديم بمعنى المقصوص وأما القِصص بكسر القاف فهي جمع قصة بمعنى الخبر والحكاية والرواية. والقصة منقولة من مصدر الهيأة الى الإسمية كالقطعة والفرقة والرِّزمية وكفة الميزان، وتجمع القصة على قِصص كإربة وإرب.

 

قل: كان رَجُلاً لُغَوِيَّاً (بضم اللام)
ولا تقل: كان رَجُلاً لَغَوِيَّاً (بفتح اللام)

وكتب الزبيدي: ” يقولون رجل “لَغَوْيّ” بفتح اللام يعنون صاحب اللغة، والصواب “لُغَوْيّ” بالضم، و “لُغِيّ” منسوب إلى اللغة. فأمّا الَّلغَوْيّ” بالفتح فهو الكثير “الَّلغا” وهو القبيح من القول، قال الراجز:
عن الَّلغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ

 

قل: وأدّى بعدها صلاة العِشاء
ولا تقل: وأدّى بعدها صلاة العَشاء

وكتب عبد الهادي بوطالب: لا بد من التمييز بين هذه الكلمات في النطق وفي المعنى. الغِذاء (بالدال المعجمة وكسرها) هو ما يساعد على نماء الجسم من طعام وشراب. ونقول : “لا غنى للجسم عن الغِذاء” و”الغِذاء  ضروريٌّ للحياة”. ومنه التغذية التي هي إعطاء الغِذاء للجسم. ونقول : “تشكو بعض شعوب العالم من الجوع، وأخرى من نقص التغذية، وطائفة أخرى من سوء التغذية”.

والغَداء (بفتح الغين والدال المُهمَلة أي التي لا تحمل النقطة) هو الأَكْلة التي تُقَدَّم في ظُهْر اليوم. ويقابلها في المساء وَجْبة العَشاء (بفتح العين) أي الطعام المتناوَل في وقت العِشاء (بكسر العين).
العِشاء (بكسر العين) هو بداية أول ظلام الليل، أي المساء. ونقول صلاة العِشاء (بكسر العين) لأنها تُؤدَّى في بداية أول ظلام الليل بعد صلاة المغرب، أي وقت غروب الشمس. وعلى ذلك نقول: “نتناول العَشاء قبل أو بعد العِشاء”.

ويُطلَق على صلاتي المغرب والعِشاء بصيغة المثَنَّى لفظ العِشاءَيْن. وقد غَلَبَتْ في هذه التثنية العِشاءُ على المغرب.”

 

قل: وقع هذا في مُتِمّ الشهر المنصرم
ولا تقل: وقع هذا في مَتَمّ الشهر المنصرم

وكتب عبد الهادي بوطالب: “نقول : “وقع هذا في مُتِمّ الشهر المنصرم”. ويعني في اليوم الذي يُتمُّ الشَّهرَ أي في آخره. والفعل أَتَمَّ الرباعي متعدٍّ وينصب مفعولا به. وجاء في القرآن: “وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتْمَمْنَاها بعشر”. وفيه أيضا: “اليومَ أكمَلْتُ لكم دينكم وأَتْمَمْتُ عليكم نعمتي”. وأيضا: “ويأبى الله إلاّ أن يُتِمَّ نورَه”. ورد فعل أتمَّ في القرآن في صيغة الأمر: أتْمِمْ في مخاطبة المفرد: “ربنا أَتْمِم لنا نورنا”. وبصيغة الجمع: “ثم أتِمُّوا الصيامَ إلى الليل”.

أما كلمة مُتِمٌّ فقد جاءت في قوله تعالى: “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله مُتِمٌّ نورَه ولو كره الكافرون”. ولم ترد كلمة مَتَمّ بفتح الميم والتاء مصدرا ولا تستعمل إلا للدلالة على المكان، أي موضع التمام ومكانه. وهذا غير ما تفيده كلمة مُتِمّ الشهر أي يوم نهايته.”

 

قل: هذا يَنْبَعُ من مصدر آخر
ولا تقل: هذا يَنبُعُ من مصدر آخر

وكتب عبد الهادي بوطالب: “في أغلبية الأفعال التي يكون ثانيها أو آخرها حرف حلْق يَطَّرِد فتح ثاني الفعل ببعض الشذوذ.

وآخر الكلمة في فعل نَبَع هو حرف العين. وهي من حروف الحلق، أي مَخْرَجُها عند النطق بها هو الحلْق. ففعله المضارع مفتوح العين: نبعَ ينبَع، لا ينبُع، كما يَرِدُ خطأً على بعض الألسنة. ومَثَله مَثَل شَرَح، يشرَح (حرف الحاء من حروف الحلق) ونَصَح ينصَح.”

 

قل: زرت  المأصِرَ لدفع الضريبة
ولا تقل: زرت  المأصَرَ لدفع الضريبة

كتب الحريري: “ويقولون لمركز الضرائب: المأصَر بفتح الصاد والصواب كسرها، لأن معناه الموضع الحابس للمار عليه والعاطف للمجتاز به، ومن ذلك اشتقاق أواصر القرابة والعهد لأنها تعطف على ما تجب رعايته من الرحم والمودة.

وحكى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: اجتمع عندنا أبو نصر أحمد بن حاتم وابن الأعرابي فتجاريا الحديث إلى أن حكى أبو نصر: أن أبا الأسود الدؤلي دخل على عبيد الله بن زياد، وعليه ثباب رثة، فكساه ثيابا جددا، من غير أن عرض له بسؤال، أو ألجأه إلى استكساء، فخرج وهو يقول:

كساك ولم تستكسه فحمدته ** أخ لك يعطيك الجزيل ويأصر

وإن أحق الناس إن كنت مادحا ** بمدحك من أعطاك والعرض وافر

فأنشد أبو نصر قافية البيت: ويأصر يريد به: ويعطف، فقال ابن الأعرابي: بل هو وناصر بالنون، فقال أبو نصر: دعني يا هذا وياصري، وعليك بناصرك.”

 

قل: كان يُنشِدُ القصيدة  إنشاداً جميلا
ولا تقل: كان يَنشُدُ القصيدة  إنشاداً جميلا

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم في غير المضاعف من المضارع أنهم لا يفرقون بين يُنشِدُ (بضم الياء وخفض الشين)، ويَنشُد (بفتح الياء وضم الشين). فالأول من أنشد القصيدة ينشدها إنشادا: إذا رفع صوته في إلقائها.

والثاني من نشد ضالته ينشدها نشدانا: إذا طلبها وبحث عنها، ومنه قول النابغة الجعدي:

أنشد الناس ولا أنشدهم ** إنما ينشد من كان أضل

ونظيره في المضارع أنهم لا يفرقون بين يَشرَك (بفتح الياء والراء) ويُشرِك (بضم الياء وخفض الراء). فالأول من الفعل شركه في الأمر يشركه مشاركة، أي صار شريكه، ومنه الأمر المشترك والمتشرك الذي يستوي فيه المتقاسمون، ونظيره قول الشاعر :

لا يستوي المرآن ، هذا ابن حرة ** وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك

والثاني من أشرك بالله يشرك شركا وإشراكا، أي جعل له شريكا في ملكه، فهو كافر مشرك. ومنه قوله تعالى عن عبده لقمان أنه قال لابنه: “يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم” ونظيره قول الشاعر:

أمران لا يسلم الإنسان شرهما ** الشرك بالله والإضرار بالناس

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 

قل ولا تقل / الحلقة الثامنة والتسعون

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: ينبغي لك أن تتروض ولا تترك الروض (أي ينبغي لك أن تروضَ بدنك أو تُروِّضه بأفعال الرياضة المعروفة)
ولا تقل: ينبغي لك أن تَتَريّض ولا تترك التريّض

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الرياضة مأخوذة من الفعل “راض يروض” فعينه أي وسطه “واو” ولا “ياء” وانما أبدلت الواو ياءً في “رياضة” لسكون عين فعلها “راض يروض” ولكسر ما قبلها في المصدر وهو الراء، فأصلها “رواضة”. ولو كانت العين متحركة لبقيت الواو سالمة، ألا ترى أنك تقول: “راوَضَه في البيع رواضاً ومراوضةً”. وإنك لا تقول “راوَضَه رياضاً ولا مرايضةً”.

قال ابن فارس في المقاييس: “الراء والواو والضاد أصلانِ متقاربانِ في القياس، أحدهما يدلُّ على اتّساعٍ، والآخَرُ على تلْيِينٍ وتسهيل” ثم قال “وأما الأصل الآخَر: فقولهم رُضْتُ النّاقَة أرُوضُها رياضةً”.

وقال الجوهري في الصحاح: “ورَضْتُ المُهْرَ أَرُوضُهُ رياضاً، ورِياضَةً، فهو مَروضٌ. وناقَةٌ مَروضَةٌ، وقد ارْتاضَتْ. وكذلك رَوَّضْتُهُ تَرْويضاً، شدِّد للمبالغة. وقومٌ رُوّاضٌ وراضَةٌ.”

ونقل رينهارت المستشرق الهولندي في معجمه المستدرك على المعجمات العربية من كتب الأدب قولهم: “راضَ نفسه أي ثقّفها وهذّبها وراض نفسه عليه أي تحمله وكابده، وروّض سيرته أي أصلحها وروضه عليه أي عوّده إياه”. ولم أجد الفعل “ترَوّض” ولا مصدره “التروّض” في معجم لغوي ولا في كتاب أدبي، ولكنه فعل قياسي صحيح وهو مثل “تعوّد وتعوّض وتقوّل وتحوّل” من حيث الإشتقاق وهو من الأفعال الخاصة بفاعلها الصادرة عن رغبة منه فيها نحو “تحوّل وتعلّم وتأدّب وتقدّم” وقد اقتضت الحاجة اشتقاقه من الثلاثي “راض يروض” فهو واوي العين لا يائيها، وينبغي الرجوع الى الأصل عند الإشتقاق فيقال “تروّضت أتروّض تروّضاً” كما يقال “قوّمت البضاعة أو ما جرى مجراها، أقوّمها تقويماً” أي عيّنت قيمتها أعينها تعييناً. ولا يشتق الفعل من القيمة فمن الخطأ المبين قولهم “قيمت البضاعة وتقييم البضاعة”.

فقل: ينبغي لك أن تتروّض ولا تترك التروّض.

 

قل: هذه ليلةٌ مَطيرٌ
ولا تقل: هذه ليلَةٌ مَطيرةٌ

 كتب الكسائي: “ويقال هذه امرأة جميلٌ وجاريةٌ حَسِيبٌ، وليلةٌ مَطِيرٌ وعينٌ كَحِيِلٌ ولحيةٌ دَهِينٌ بغير هاء. وكذلك كل ما كان على فعيل (وعندي المرأة).”

وأضاف المحقق للتوضيح: “ما بين المعقوفين ليس الا عند العلائي، وهي زيادة مهمة لأن الشرط في ورود فيعل للمؤنث بغير هاء أن تكون بمعني مفعول وأن يذكر قبلها الموصوف.  وهذا معنى قول الكسائي هنا: “وعندي المرأة”، ففي اصلاح المنطق: اذا كان فعيل نعتاً لمؤنث وهو في تأويل مفعول كان بغير هاء….. فاذا لم تذكر المرأة قلت: مررت بقتيلة”. وانظر كذلك المذكر والمؤنث للفراء وفصيح ثعلب.”

وكذلك: كفٌّ خَضِيبٌ وحمارة وَدِيقٌ. قال تعالى: “لعل الساعة قريب”.

وقد بنت العرب “فعيلاً” بغير هاء أيضاً. ومنه قوله تعالى: “وقالت عجوزٌ عقيمٌ” ولم يقل عقيمة. وكذلك دُرَّاعَة جديد.

وقد يكون فعيل أيضاً للجميع فتقول: في الدار نساءٌ كثير وهذه حبابٌ جديد، قال الشاعر:

يا عاذلاتي لا تٌرِدنَ ملامَتي             إن العواذِلَ لسنَ لي بأميرِ

فقال بأميرِ ولم يقل بأميرات. وذلك أنه جمعه على لفظ فعيل.”

واضاف المحقق:” الوديق: تريد الفحل. حباب: جمع حِبّ بمعنى الخابية وهو فارسي معرب.”

وقد بنت العربُ “فَعُولاً” بغير هاء أيضاً. من ذلك: هذه امرأة ولودٌ وكَسُوبٌ وخَدُومٌ ووَدُودٌ. ورَمَكَةٌ عضوضٌ وَجَمُوحٌ وعَثَورٌ. وأمٌّ نَزُورٌ اذا كانت قليلةَ الولادة. قال الشاعر (وهو كثير عزة كما جاء في لحن العوام للزبيدي):

بُغاثُ الطَّيرِ أكثرُها فِراخَاً        وأمُّ الصَّقْرِ مَقْلاتٌ نَزُورُ

ومنه قوله تعالى: “ياأيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا”.

ومنه أمٌّ بَرُورٌ على مثال فَعُول. قال الشاعر:

فلا أحَدٌ في الناس ابن ولا أخٌ           ولا أمٌّ بَرُورٌ بالبنين ولا أبُ

فَذَكَّرَ لأنه مبني على فعول.”

 

قل: هي امرأة مبهاج
ولا تقل: هي امرأة مبهاجة

كتب الكسائي: ” وقد بنت العرب “مفعالاً” بغير هاء منه قولهم: امرأة مِكسال، مِطعان، ومِغناج، ومِعطال ومِتفال، ومِبهاج، ومِضحاك، ومِعطار. قال الله جل ثناؤه: “إن جهنم كنت مِرصادا”. وقال ذو الرِّمَّةِ:

غَرَّاءُ عَيناءُ مِبهاجٌ اذا سّفَرَتْ           وتَحْرِجُ العيْنُ منها حين تنتَقِبُ”

 

قل: امرأة طالقٌ
ولا تقل: امرأة طالقةٌ

كتب الكسائي: ” ويقال امرأة طالِقٌ وطاهِرٌ وحائضٌ وطامِثٌ وريحٌ عاصِفٌ بغير هاء. فاذا قال لك قائل، قد قال تعالى: “ولسليمان الريح عاصفة” فاثبت الهاء. قيل: هذا على مبالغة المدح والذم. قال الأعشى:

أيا جَارَتي بيني فإنك طالِقَهْ              كذاكِ أمورُ الناسِ غادٍ وَطَارِفَهْ”

 

قل: هو رَجُلٌ شّتَّامَة
ولا تقل: هو رجُلٌ شَتَّام

كتب الكسائي: “وللعرب أحرف كثيرة من المذكر بالهاء على مبالغة المدح والذم، كقولهم: رجل شّتَّامة وعَلاَّمَة وطَلاَّبَة وجّمَّاعَة وبَذَّارَة وسَيَّارة في البلاد وجَوَّلَة ورجلٌ راوِيَة وباقِعَة وداهِيَة. ورجلٌ لَجَوجَة وصَرُورَة،وهو الذي لم يَحِجَّ قط، قال النابغة الذبياني:

لو أنها عَرَضَت لأشْمَطَ راهبٌ  يَخْشى الإله صَرُورَةً مُتَعَبِّدِ

لَرَنَا لبَهْجَتِها وحُسِنَ حَديِثِها              ولَخَاله رَشَدَاً ولإن لم يَرْشُدِ

ويقال رجل هيابة وهو الذي تأخذه الرعدة عند الخصومة، فلا يقدر على الكلام. ومثله جَثَّامَة، قال الشاعر:

تُتْبِئكَ أني لا هّيَّابَة وَرَعُ          عندَ الخُطُوبِ ولا جّثَّامَةٌ حَرَضُ

ورجل فَحاشَة وكذلك وَقَاعة وبَسّامَة وهِلباجَة. قال الشاعر:

قد زعمَ الحيدَرُ أني هالكُ

وإنما الهالكُ ثم الهالِكُ

هِلباجةٌ ضَاقَتْ به المسالِكُ”.

(الباقعة: الداهية. الهلباجة: الأحمق)

 

قل:  هي إمرأة حائض
ولا تقل: هي إمرأة حائضة

ونأخذ مما كتب ثعلب في “باب ما يقال للأنثى بغير هاء” ما يلي: “تقول إمرأة طالق، وحائض، وطاهر، وطامث بغير هاء. وكذلك إمرأة قتيل فإن قلت: رأيت قتيلة ولم تذكر إمرأة أدخلت فيه الهاء. وكفٌّ خضيبٌ وعينٌ كحيلٌ ولحية دهينٌ.  وكذلك إمرأة صبورٌ وشكورٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة مِعطارٌ  ومِذكارٌ ومِئناث. وكذلك مُرضِعٌ ومُطفِلٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة حامل إذا أردت حُبلى، فإن أردت أنها تحمل شيئا ظاهراً قلت: حاملة. وكذلك إمرأة خَودٌ. وتقول: مِلحفَة جديد وعجوزٌ، وتقول: هي رَخْلٌ للأنثى من أولاد الضأن، وهذه فَرَسٌ. وهكذا جميع ما كان للإناث خاصة فلا تدخِلَنَّ في الهاء، وهو كثير فقس عليه.”

كتب الحريري: ومن ذلك توهمهم أن الراحلة اسم يختص بالناقة النجيبة، وليس كذلك بل الراحلة تقع على الجمل والناقة، والهاء فيها هاء المبالغة،  كالتي في داهية وراوية، وإنما سميت راحلة لأنها ترحل، أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كما جاء في التنزيل: “في عيشة راضية” بمعنى مرضية.

وقد ورد فاعل بمعنى مفعول في عدة مواضع من القرآن كقوله تعالى: “لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم” أي لا معصوم. وكقوله سبحانه: “من ماء دافق” أي مدفوق، وكقوله عز اسمه “أنا جعلنا حرما آمنا” أي مأمونا فيه. وجاء أيضا مفعول بمعنى فاعل، كقوله تعالى: “حجابا مستورا”، أي ساترا، “كان وعده مأتيا” أي آتيا. وقد يكنى عن الفعل بالراحلة لكونها مطية القدم وإليها أشار الشاعر الملغز بقوله:

رواحلنا ست ونحن ثلاثة ** نجنبهن الماء في كل مورد

 

قل: إمرأةٌ نُفَسَاءُ
ولا تقل: إمرأةٌ نَفِسَة

كتب الزبيدي: “يقولون إمرأة “نَفِسَة” والصواب “نُفَسَاء”، ونَفِسَتْ المرأة ونُفِسَتْ فهي منفوسة، قال الشاعر:

………………………..              إذا النُّفَسَاءُ أصبحتْ لمْ تُخّرَّسِ

والصَّبِيّ أيضاً “مَنفُوس” أي مولود، قال الهذلي:

فيا لَهْفَتي على ابن أخْتِيَ لَهْفَةً           كما سَقَطَ المَنفُوسُ بين القَوابِلِ

وفي الحديث: “ما من نفْسٍ مَنفوسَةٍ إلا وقد كٌتِبَ لها رِزْقَها وأجَلِها”.

وتجمع “النُّفَسَاء” على “نُفَسَاوات” و “نِفَاس: مثل “عُشَراء” و “عِشَار” و “عُشَراوات” وهي التي عليها عشرة أشهر من وقت الحمل. وأنشدنا أبو علي:

رٌبَّ شَرِيبٍ لَكَ ذِي حُسَاسِ

شَرَابُهُ كالحَزِّ بالمَوَاسي

ليسَ بِرَيَّانٍ ولا مُواسِي

أقْعَسُ يَمشي مِشْيَةَ النِّفَاسِ

و “النِّفاسِ” أيضاً: الولادة. وإنّما قيل للمرأة نفساء من أجل الدِّماء. ويقال للدم: نَفْسٌ، ومنه الحديث عن ابراهيم النخعي: في كل ذي نفس سائلة، يعني: الدم.

 

قل: إن جمع مرأة مراء
ولا تقل: إن جمع مرآة مرايا

كتب الحريري: “ويقولون في جمع مرآة: مرايا، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين حين قال:

قلت لما سترت لحيته ** بعض البلايا

فتن زالت ولكن ** بقيت منها بقايا

فهب اللحية غطت ** منه خدا كالمرايا

من لعينيه التي تقسم ** في الخلق المنايا

والصواب أن يقال فيها: مراء على وزن مراع، فأما مرايا فهي جمع ناقة مري وهي التي تدر إذا مري ضرعها، وقد جمعت على أصلها الذي هو مرية، وإنما حذفت الهاء منها عند إفرادها لكونها صفة، لا يشاركها المذكر فيها.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

قل ولا تقل / الحلقة السابعة والتسعون

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

قل: سألتقي أنا وفلان ونلتقي نحن والقادمون والتقيا هما وأصحابهما
ولا تقل: سألتقي فلاناً وسألتقي وإياه وما أشبه ذلك

وقل: نلتقي نحن وأنتم
ولا تقل: نلتقي واياكم

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الفعل “التقى” يأتي تارة للفردية وتارة للإشتراك. فالفردية تكون في نحو قولنا “التقيت فلاناً في المجلس” و “التقيت الشيء في الطريق” أي لقيتهما. قال الشاعر:

لما التقيت عميراً في كتيبته      عاينت كاس المنايا بيننا بددا

وإذا جاء الفعل “التقى” للإشتراك فهو بمعنى تفاعل المشترك. ومن البديهي في العربية أن تكون أفعال الإشتراك فيها صادرة عن فاعلين مختلفين أو أكثر منهما. أن الشركة لا تصدر عن واحد. وكذلك ما ينوب عن الفاعلين، وإذا عطف الإسم الظاهر أو الضمير على الضمير المستتر المرفوع وجب الفصل بينهما بفاصل لفظي كالضمير وغيره. كقوله تعالى “ويا آدم اسكن انت وزوجك الجنة”. فالفاصل هو “أنت”. وكقوله تعالى “سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء”. فالاصل هو “لا” ولا يجوز العطف بغير الفاصل في الكلام المنثور. وقد ورد في العشر نادرا كقول بعض الشعراء:

زعم الأخيطلُ من سفاهة رأيهِ   ما لم يكن وأب له لينالا

وإذا كان الفعل مشتركاً في مثل “سألتقي أنا وفلان” و “نلقي نحن والقادمون” فالعطف واجب كما ذكرت آنفاً. ولا يجوز أبداً أن يكون المعطوف مفعولا معه. ولذلك لا يصح أن يقال “سألتقي وفلاناً ونلتقي واياكم”، و “وهذا يتفق والأصول”، و “وهذا يتناسب والتعاليم”، و “وهذا يتعارض والقانون”. فالصواب: “سألتقي أنا وفلان”، و “نلتقي نحن وأنتم”، و “هذا يتفق هو والأصول”، و “هذا يتناسب هو والتعاليم”، و “هذا يتعارض هو والقانون”، برفع المعطوف أو جعله ضمير رفع إن لم يكن اسماً ظاهراً.

أما قولهم “نلتقي بكم” فهو تعبير مولد جائز، لم يعرفه الفصحاء، والياء فيه نابت عن كلمة “مع” والأصل “نلتقي معكم”، وكلمة “مع” نابت عن الواو العاطفة. وذاك مثل اجتمع فلان وفلان ثم قيل “اجتمع فلان مع فلان” ثم قيل “اجتمع فلان بفلان”.”

 قل: الْتقَى فلانٌ وفلانٌ أو الْتقَى فلانٌ بفلانٍ
ولا تقل: التقى فلانٌ فلاناً

وكتب عبد الهادي بوطالب: “تَعِجُّ الإذاعات والتلفزات والكتب بأخطاء في استعمال هذه الأفعال. والأصوب اتِّباع الطرائق التالية:
إن الأفصح في استعمال التقى هو الربط بواو العطف فنقول: “الْتقَى فلانٌ وفلانٌ على رأي واحد” مثلما نقول: “اجتمع فلانٌ وفلانٌ في مأدُبة واحدة”. لكن يجوز استعمال الباء أو مع فنقول: “التقى فُلانٌ بفُلان، أو التقى فُلان مع فُلان” مثلما نقول : “اشترك فلان مع فلان في شركة واحدة” ونقول: “تباحث فلان مع فلان في أمر يهُمهما”. لكن أخذ يشيع على الألسنة والأقلام: “التقى فلانٌ فلاناً” وهذا خطأ. ففعل التقى لازم بينما فعل لقِيَ متعدٍّ. ولذلك يجوز: “لقِيَ فلان فلانا على الطريق”.
أما التقاه فلم ترد في اللغة إلا بمعنى رآه.

قل: عَضِضْتُ اللقمة
ولا تقل: عَضَضْتُ اللقمة

كتب الكسائي: “وتقول عَضِضْتُ اللقمة بكسر الضاد، وكذلك غَصِصْتُ بالطعام. وكذلك صَمِمْتُ (عن الكلام) أيضاً ومَسِسْتُ بكسر السين، وبَرِرْتُ والدي.

قال الشاعر في شاهد عَضِضْتُ:

الآن لما أبْيَّضَ مَسْرُبَتي          وَعَضِضْتُ من نابي على جِذْمِ

(مسربة: شعر وسط الصدر.   جذم الأسنان: منابتها.)

وقال آخر في شاهد صَمِمْتُ:

ألمْ تَرَني صَمِمْتُ وكدتُ أعمى  عن الخَبَرِ الذي حُدِّثْتُ أمسِ

وقال آخر في شاهد مَسِسْتُ:

تَكادُ يَدي تَندى اذا ما مَسِسْتُها    وينبُتُ في أطرافها الوَرَقُ الخُضْرُ

قل: هو خَيْرٌ من زيد
ولا تقل: هو أخيرُ من زيد

وكتب البغدادي في ذيل فصيح ثعلب: “هو خير من زيد وشر منه ولا يبنى على “أفعل”. وكذلك جميع الألوان والعيوب الظاهرة والخلق الثابتة لا يقال في شيء منها “ما أفعله”  ولا “هو أفعل من كذا”. فلا يقال ما أبيضه ولا ما أصفره ولا ما أسوده ولا ما أعماه  وأعرجه، ولكن يقال: ما أشدَّ سواده وما أقبحَ عماه وعَرَجَه، وهو أشدُّ بياضاَ وصفرةً ونحو ذلك.”

قل: شَبِعَ فلان شِبَعَاً حَسَناً
ولا تقل: شَبِعَ فلان شِبْعَاً حَسَناً

كتب الزبيدي: “ويقولون هم في “شِبْعٍ” والصواب “شِبَعٍ”، تقول شَبِعَ شِبَعَاً حَسَناً. قال امرؤ القيس:

فَتَوسِعَ أهلنَا أقِطَاً وسِمْناً          وَحَسْبُكَ من غِنَى شِبَعٌ وَرِيُّ

قل: أُجرِي امتحان القَبُول (بفتح القاف) في وظيفة التعليم
ولا تقل: أُجرِي امتحان القَبول (بضم القاف) في وظيفة التعليم

وكتب عبد الهادي بوطالب: “نفس الخطأ الذي يقع في كلمة الجَنوب يقع في كلمة القَبول (بفتح القاف) وهو الصحيح. ويقع بعض المتحدثين في المشرق العربي في الخطأ فيَضُمُّون القاف. يقال : “إما القَبول وإما الرفض” و”أُجرِي امتحان القَبول في وظيفة التعليم”.
وجاء في بعض معاجم اللغة العربية ذكر القبول بضم القاف، لكن فتح القاف هو الأصوب. ففي القرآن :”فَتَقَبَّلها ربُّها بقَبول حسنٍ وأنْبَتَها نَباتا حَسَنا”.”

قل: بذلَ قُصارَى جهده للإصلاح
ولا تقل: بذلَ قَصارَى جهده للإصلاح

وكتب عبد الهادي بوطالب: في مناظرة بين أساتذة جامعيين قدمتها قناة تلفزيونية عربية تبثُّ من لندن نطق أحدهم بكلمة قُصارى محرفة إذ نطقها بفتح القاف، بعد أن تقدمه محاور ونطقها بالضم كما يجب أن تُنطَق، فلم يسع الذي نطق بالضم في البداية إلا أن “يصحح” وينطقها بالفتح وتوالت الكلمة بخطأها طيلة الندوة. قُصارَى بضم القاف تستعمل في هذا التعبير وأمثاله : “بذلَ قُصارَى جهده للإصلاح”، أي أشد الجَهد وأقصاه. كما نقول: “بذل غاية الجهد للإصلاح”. وتأتي الكلمة بمعنى حَسْب، أي كفى. ونقول : “قُصاراك أن تفعل كذا”.

قل: ساغ لي الشراب
ولاتقل: انساغ لي الشراب

كتب الحريري:ويقولون: انساغ لي الشراب، فهو منساغ، والاختيار فيه ساغ، فهو سائغ كما قال الشاعر:

فساغ لي الشراب وكنت قبلا ** أكاد أغص بالماء الحميم

وفي القرآن: “لبنا خالصا سائغا للشاربين”، وقد جاء في تفسيره أنه لم يغص به أحد قط، ومن حكى أنه سمع في بعض اللغات انساغ لي الشيء، أي جاز فإنه مما لا يعتد به، ولا يعذر من استعمله في ألفاظه وكتبه.”

قل: قام الرجلان
ولا تقل: قاما الرجلان

كتب الحريري:ويقولون: قاما الرجلان وقاموا الرجال فيلحقون الفعل علامة التثنية، والجمع، وما سمع ذلك إلا في لغة ضعيفة لم ينطق بها القرآن ولا أخبار الرسول عليه السلام، ولا نقل أيضا عن الفصحاء، ووجه الكلام توحيد الفعل، كما قال سبحانه في المثنى: “قال رجلان”، وفي الجمع: ” إذا جاءك المنافقون”. فأما قوله تعالى: “وأسروا النجوى الذين ظلموا” فالذين بدل من الضمير الذي في لفظة أسروا، وقيل: بل موضعه نصب على الذم، أي أعني الذين كفروا، وكذلك قوله تعالى: “ثم عموا وصموا كثير منهم”، فكثير بدل من الضمير الذي في لفظتي “عموا وصموا” فإن تأخر الفعل ألحق علامة التثنية والجمع، فقيل: الرجلان قاما، والرجال قاموا، ويكون الألف في قاما والواو في قاموا اسمين مضمرين، والفرق بين الموضعين انك إذا قدمت الفعل كانت علامة تثنية الفاعل وجمعه تغني عن إلحاق علامة في الفعل، وإذا أخرت الفعل صار الفاعل بتقدمه مبتدأ، فلو أفرد الفعل فقيل: الناس خرج لجاز أن يتوهم أنك تريد منهم جزءا ، لجواز أن يقال : الناس خرج سيدهم .”

قل: لن تبلغوه إلا بشِقِّ الأنفسِ
ولا تقل: لن تبلغوه إلا بشَقِّ الأنفسِ

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الشق (بفتح الشين)، ويعني الصدع، والشق (بخفض الشين)، ويعني المشقة والعنت، فيضعون هذا مكان ذاك ويقعون في الوهم، لأن الأول مأخوذ من: شق الجدار يشقه شقا، أي صدعه وجعل فيه شقوقا. ومنه قولهم: شق الخوارج عصا المسلمين، أي فرقوا جمعهم وكلمتهم، وصدعوا تلاحمهم ووحدتهم.

أما الثاني (بخفض الشين) فمأخوذ من شق عليه الأمر يشق شقا ومشقة، أي ثقل وصعب ومنه قوله تعالى: “لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس” أي بالتعب والجهد، ونظيره قول الشاعر:

والخيل قد تجشم أربابها الشق ، وقد تعتسف الراوية

ومثله من الفعل قول شوقي:

لحاها الله أنباء توالت ** على سمع الولي بما يشق

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….