متى سينتهي مسلسل التنازلات الإيرانية؟

سبق أن كتبت عن الصراع داخل إيران بين الخامنئي ومن معه من الحرس الثوري الذين مازالوا يتشبثون بنظرية ولاية الفقيه وبين التيار المعادي الذي يمثله هاشمي رفسنجاني ومن خلفه من المراجع الدينية والتي تمثلت قوتها في المجيء برئيسي الجمهورية خاتمي وروحاني.

ويبدو أنه رغم مطالبة روحاني أكثر من مرة منذ إنتخابه رئيساً للجمهورية بمنع تدخل الحرس الثوري في السياسة إلا أن الحرس الثوري أصبح أكثر صراحة ووضوحاً في تحديه لروحاني وسياسته الخارجية والقائمة على ضرورة مهادنة الصهيونية من أجل أن تتمكن إيران من العودة للتنمية والبناء، كما يدعي.

ونقلت وسائل الإعلام اليوم تصريحاً  لنائب قائد الحرس الثوري قال فيه “إن سُحبت الذرائع من يد الغرب في الملف النووي سيتجه إلى التقنية الفضائية وغيرها.”

فما هو الجديد في هذا التصريح؟

وقبل الإجابة على أهمية هذا التصريح الجديد للحرس الثوري، والذي يجب أن يقرأً مضافاً لما سبق من تصريحات منذ إنتخاب روحاني، لا بد من التذكير بجوهر الخلاف بين الحرس الثوري وروحاني وعصابته في السلطة. فالحرس الثوري هو الحارس والأمين على دولة ولاية الفقيه، ودولة ولاية الفقيه لا تؤمن بالديموقراطية بمفهومها المعروف في الغرب أي أنها لا تؤمن بأن للشعب الحق في إختيار من يشرع له القانون ويضع له السياسة لأن ذلك من إختصاص الفقيه وهو صاحب الكلمة الفصل لأن له الولاية في أمور الدين والدنيا. ومن هذا الإيمان فإن الحرس الثوري يرى نفسه وهو الأمين على الثورة غير معني بما يقوله رئيس الجمهورية إذا وجد الحرس الثوري فيه خطراً على الثورة الإسلامية كما يفهمها هو وليس مهماً أن يكون رئيس الجمهورية قد جاء للحكم بأغلبية كبيرة من اصوات الشعب الإيراني، ذلك لأن هذا الشعب ليس له سلطة أن يغير قواعد اللعبة وأن يشرع كما يشاء ويختار كما يشاء.

وهذا هو سبب التصريحات المتضاربة التي تصدر عن روحاني ومن معه وبين الخامنئي بين الحين والآخر والحرس الثوري بشكل منتظم. فروحاني يتحدث على أنه ممثل للشعب الذي إختاره وله الحق في أن يقرر ما فيه صلاح إيران. بينما يجد الحرس الثوري وبدعم مطلق من قائد الثورة أنه ليس بيد روحاني حق تقرير مصير إيران في السياسة الخارجية والصراع المستمر مع الصهيونية والذي يؤمن الفقيه ومن معه من الحرس الثوري أنه، أي ذلك الصراع، لم يقع باختيار الثورة الإيرانية وإنما فرضته الصهيونية عليها بسبب رفضها لتلك الثورة ومعاداتها لها منذ ولادتها… أو بسبب أدق لأن تلك الثورة ولدت لتقاوم الهيمنة الصهيونية على المسلمين لأنها، أي تلك الثورة، تعتقد أنها هي القادرة على قيادة المسلمين وخلاصهم!

فما الذي استجد في الصراع داخل إيران؟ لقد طلب روحاني من الخامنئي أن يسمح له بالتفاوض مع الصهاينة من أجل الوصول لحل سلمي يتيح لإيران التخلص من العقوبات والقيود التي تعيق تجارتها وحركتها الإقتصادية والتنموية. فوافق الخامنئي على ذلك لعدة أسباب، لكنه أوضح في كل مناسبة أن موافقته على تلك المفاوضات مشروطة بعدم التفريط بالحقوق الإساس للجمهورية الإسلامية دون أن يعرف حدود تلك الحقوق. فأرسل روحاني ظريف ومعاونيه للتفاوض مع المجموعة الصهيونية المسماة (5+1) ولعمري لا أدري ما علاقة ألمانيا بالمجموعة فلا هي من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن ولا هي دولة نووية ولا هي من أكبر دول أوربا سكاناً ولا هي ولا هي ولا هي…وقد يكون السبب الوحيد هو إستجداءها رضى الصهيونية بسبب عقدة الحرب العالمية الثانية وما فعلته بيهود أوربا!

ولم تجر في الحقيقة مفاوضات كبيرة ذلك لأن ظريف ومشروعه كان قائماً منذ البداية على التسليم بكل مطالب (5+1) فيما يتعلق بالمشروع النووي الإيراني…وهكذا كان… فرغم كل التشويش الإعلامي الإيراني بأن إيران لن تقدم اية تنازلات قامت إيران بتقديم تنازلات متتالية أنتجت إتفاق تشرين الثاني 2013، والذي تضمن إتفاقاً أولياً يقضي بما يلي:

  1. تخفيض تخصيب اليورانيوم بحوزة إيران حالياً والذي يتجاوز تخصيبه 5%.
  2. التوقف عن نصب أجهزة طرد مركزية جديدة.
  3. تعطيل 50% من أجهزة الطرد المركزي في نتنز و 75% من اجهزة الطرد المركزي في فوردو عن العمل.
  4. تتوقف إيران عن تطوير أية منشأة تخصيب جديدة.
  5. لن يتم إنتاح أو فحص أو نقل أي وقود نووي في مفاعل آراك.
  6. تسلم إيران تفاصل تصميم مفاعل آراك للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
  7. تمنح الوكالة حق زيارة يومية لموقعي نتنز وفوردو مع نصب كاميرات لمراقبة دورية ومستمرة.
  8. للوكالة حق الكشف على مناجم اليورانيوم في إيران.
  9. للوكالة الحق في الكشف على معامل إنتاج أجهزة الطرد المركزي.
  10. تجيب إيران على أسئلة الوكالة حول الإحتمالات العسكرية لبرنامجها النووي وتزود المنظمة بالبيانات المطلوبة وفق البروتوكول الإضافي، والذي لم تصدق عليه إيران بعد.
  11. إذا ما نفذت إيران ما جاء أعلاه يطلق لها مبلغ يعادل 7 مليار دولار من أموالها المحجوزة.
  12. يكون الإتفاق نافذاً لمدة ستة أشهر بانتظار توقيع إتفاق دائم يحدد علاقة إيران بالدول الكبرى في المجال النووي.

فإذا ما تذكرنا أن الحصار الذي فرض على إيران وحجز أموالها كان مخالفاً لأبسط قواعد القانون وعلاقة الإئتمان التي يجب أن تربط علاقات الأمم فإن الإستننتاج الوحيد من شروط الإتفاق أعلاه أن إيران قدمت تنازلاً في كل خطوة ولم تنل لقاء ذلك سوى أنها أستردت جزءً من مالها الذي أحتجز أساساً بشكل عدواني وغير قاوني!

وليس صعباً أن يدرك المرء مقدار الغضب الذي استعر في صفوف الحرس الثوري وهو يشهد  مسلسل التنازلات في حق إيران الطبيعي أن تكون قوة نووية اسوة بمن حولها، دون أن يكون لذلك التنازل من مقابل تناله إيران سوى رضى الصهيونية الجزئي عنها، تلك الصهيونية نفسها التي تمتلك سلاح العالم النووي فيما بينها وتمنعه عن الآخرين!

وليت الأمر توقف عند إتفاقية تشرين ثاني 2013 لكن الحقيقة التي سيجد روحاني وظريف أن عليهما شرحها لقائد الثورة سوف تضع مصيرهما ومن معهما على طريق الخطر….. لأن المفاوضات التي تجري الآن تدور حول أمور سبق أن بين القائد أنها خارج صلاحية الوفد الذي يقوده ظريف. فالصهيونية لا تريد تحجيم إيران ومنعها من إنتاج سلاح نووي حسب لكنها تطمح في أكثر من ذلك بكثير… ويمكن إيجاز ما تريده الصهيونية يما يلي:

  1. على إيران أن توقف برنامجها النووي بالكامل ويعني هذا وقف التخصيب والبحث العلمي في أي موضوع نووي سواء أكان الهدف عسكرياً أم سلمياً.
  2. تفكيك كل المؤسسات النووية ومراكز الأبحاث المتعلقة بها.
  3. إيقاف أبحاث الفضاء والأقمار الصناعية وصواريخ نقلها للفضاء.
  4. نزع سلاح الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى التي يتجاوز مداها أكثر من مائتي كيلومتر وتفكيك خزين الصواريخ البعيدة المدى.

وليست هذه المطالب غريبة وليست جديدة فهي مطابقة تماماً لما فرض على العراق منذ عام 1990 ونفذ في فترة الحصار ثم تحقق بالكامل بعد غزو العراق عام 2003. وهذا يكشف الهدف الحقيقي للمشروع الصهيوني للمنطقة والذي يقوم على قاعدة بسيطة جداً مفادها أنه لا يحق لأية دولة في المنطقة أن تمتلك سلاحاً أو تقنية تمكنها يوماً ما من الإنتقاص من التفوق المطلق لإسرائيل في كل مجال.

وحتى نذكر الناس بما جرى عام 1991 في العراق نقول بأن قرار نزع سلاح العراق والذي اتخذ بعد إستعادة الصهيونية للكويت لم يكن حماية للكويت كما زعم الصهاينة. فقد سمح للعراق أن يمتلك صواريخ لا يتجاوز مداها 150 كم وهذا يعني أن الكويت كانت ضمن مدى تلك الصواريخ إذا ما نصبت في محافظة البصرة. أما صواريخ العراق متوسطة المدى والتي وصلت إسرائيل عام 1991 فقد نزعت بالكامل مما ضمن عدم إحتمال ضرب إسرائيل من العراق لعقود قادمة خصوصاً إذا كانت حكومات العراق ستظل، كما يبدو، على ما هي عليه اليوم من خليط خدم الصهيونية!

وهذا ما يراد لإيران، وهذا ما لا يمكن أن يسمح به القائد ولا الحرس الثوري الذي يقف خلفه. فكم سيستطيع روحاني أن يماطل في الإعتراف بفشل المفاوضات لأنه لا يمكن أن يطلب من القائد، الذي أعلمه منذ البداية حدود صلاحياته في التفاوض، أنه يرغب الآن في التفاوض على مطالب الصهيونية الأخرى.

يبقى السؤال: متى سيقول قائد الثورة وحرسه الثوري لظريف وبطانته كفى تنازلات وكفى مفاوضات ذل، عودوا لطهران؟

عبد الحق العاني

28 نيسان 2014

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image