حين يقاضي العربي من أجل المال لا من أجل الكرامة!

مقدمة

كان من نتائج الحرب العالمية الثانية ولادة نظام دولي جديد تم فيه الإتفاق على قيام توازن بين المعسكرين الراسمالي والشيوعي يعرف فيه كل طرف أين يقف. ونظم ذلك التوازن ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي العام والتي تحولت تدريجيا الى معاهدات واتفاقيات وعهود دولية.

ونجح النظام الدولي الجديد في حفظ نسبي للأمن والسلم الدولي. وخير دليل على ذلك النجاح هو كيف تمت حماية كوبا الصغيرة والمستضعفة من غزو رأسمالي صهيوني لها. وإذا كان النظام الدولي قد فشل في أحيان عديدة فإن حقيقة نجاحه لا يمكن أن تفهم إلا من خلال قياس ما جرى في وجوده وما جرى بعد انيهاره.

فحين شاخت وترهلت الثورة البلشفية انتهت، وكل ثورة لا تجدد نفسها لا بد أن تموت. وحين انهار النظام الشيوعي السياسي في تفتيت الدولة السوفيتية انتهى النظام الدولي الذي انتجته الحرب العالمية الثانية. وانتهى بذلك التوازن الدولي الذي قام بين ولادة ميثاق الأمم المتحدة وبين عام 1990 حين ولد النظام الدولي الصهيوني الذي اختبر سعة سلطته في غزو العراق الأول عام 1991 وتوسع بعدها ليفعل ما يشاء بينما كان الروس يلعقون جراحهم!

ووجدت الصهيونية في مجلس الأمن أداة سليمة لإضفاء الشرعية، وان كانت لا تحتاجها، على سلوكها المستبد في العالم. فكان العراق خير مسرح لذلك الإختبار. فكانت القرارات التي يتبناها مجلس الأمن بحق العراق تكتب في وزارة الخارجية الأمريكية وترسل الى مجلس الأمن كي يتبناها وهناك أكثر من مسؤول أمريكي صرح بذلك وثبتنا ذلك في كتابنا عن “الإبادة في العراق”. إلا ان حاجة الصهيونية الى قرارات مجلس الأمن كانت بهدف إلزام دول العالم لتطبيق حصار الإبادة على شعب العراق، وهكذا كان! فقد أصدر مجلس الأمن في ما اصدره قرارات لا سابق ولا لاحق لها في تأريخ الأمم حين فرض الحصار التام والشامل على العراق لأكثر من اثني عشر عاما!

ثم غزي العراق وأحتل. وجيء بالخونة واللصوص ليديروا أمر الناس الذين سلبهم الحصار كرامتهم. وكل ظلم يولد رفضا. وهذا الرفض يتخذ أشكالا للتعبير عن نفسه منها ما هو سليم ومنها ما هو غير سليم. فكان من هذا الرفض ولادة حركات سياسية تتخذ من الدين غطاء فدخل فيها ناس يعتقدون حقا أنهم ينصرون الدين حتى اذا كان قادة تلك الحركات ليسوا صادقين، وكم لهذا شبيه في التأريخ.

العربي الذي قاضى من أجل المال

وكانت الخارجية الأمريكية إذا ما غضبت على شخص أوحركة وضعتها في قائمة الإرهاب وحجزت أموالها ثم أرسلت القرار الى مجلس الأمن ليضمها الى قائمة الإرهاب والحجز. فإذا فعل مجلس الأمن ذلك سارعت منظمات العالم للعمل نفسه، وهكذا هيمنت الخارجية الأمريكية على تصنيف الإرهاب في العالم.

والإتحاد الأوربي هو من أسرع الهيئات في تبني قرارات مجلس الأمن بل هو في واقع الحال يعمل كدائرة نقل وختم. وكان من بين الجهات التي وضع الإتحاد الأوربي الحجز على أمواله أحد مواطني جزيرة العرب من سكان مدينة جدة بحجة دعمه لتنظيم القاعدة.

تقدم العربي ابن مدينة جدة بدعوى ضد الإتحاد الأوربي مطالبا برفع الحجز ودفع أجور دعواه. فقضت المحكمة الأوربية أن قرار حجز أمواله انتهك حقوقه الأساس في معرفة أسباب الحجز وفي حقه في الدفاع عن نفسه وفي السماح له في الوصول للقضاء وفي منعه من التمتع باملاكه.

وقام الإتحاد الأوربي بمشاركة تسع دول أعضاء باستئناف القرار أمام الهيئة العامة للمحكمة الأوربية. فصدقت الهيئة العامة الحكم ورفع الحجز عن أموال المدعي والغي قرار الإتحاد الأوربي ودفع الإتحاد أجور محاميه.

لكن الأهم من كل ذلك هو ان حكم الهئية العامة للمحكمة الأوربية قد يكون أحد أهم الأحكام القضائية في العالم منذ الحرب العالمية الثانية حيث أجاز للمرة الأولى امكانية الطعن بقرارات مجلس الأمن.

لماذا لم يقاض أي  عربي في العراق بسبب الحصار؟

سُلبَ شعبُ العراق كل شيء في حصار الإثني عشر عاما. ولم يتحرك أحد للمقاضاة كما تحرك (ابن جدة). فاذا كان العراقي يخاف، كما قيل، من صدام حسين اذا اكتشف ان له حسابا مصرفيا خارج العراق، فما الذي منع العربي في العراق أن يقاضي الإتحاد الأوربي او أية دولة أوربية لسلبه ايا من حقوقه الأخرى التي ضمنتها له مواثيق الأمم المتحدة وقوانين الإتحاد الأوربي من حقه في العمل والسفر والعائلة والتمتع بماله والصحه والعلاج والتعليم وووو…. فاذا أجملنا قلنا ما الذي منع العربي في العراق أن يقاضي من أجل كرامته التي سلبتها الصهيونية حين فرضت عليه حصار الإبادة الكامل؟

ولا يقولن أحد إن الإجراء لا فائدة منه فقد بينت للتو ان العربي ابن جدة قاضى من أجل ماله وكسب الدعوى. فهل مال ابن جزيرة العرب أهم من كرامة إبن العراق؟

لماذا لا يقاضي العربي السوري اليوم؟

وكما فعلت الصهيونية في تدمير العراق في فرض الحصار التام ثم غزوه واحتلاله وتفتيته، فقد عمدت الى تفتيت سورية للهدف ذاته وهو الهيمنة الصهيونية التامة على أرض العرب والتي أعاقها لعقود المشروع القومي العربي في مصر وسورية والعراق. وبرغم ان السبيل اختلف بعض الشيء في سورية عن العراق، إذ ان مسوغات الغزو المباشر لم تتحقق في سورية كما تحققت في العراق فلجأت الصهيونية لتجميع بهائم المسلمين للقتال والخراب، إلا أن الحصار طبق على سورية وإن كان بدرجة تختلف عن العراق.

وكما هو الحال في العراق فقد سارع الإتحاد الأوربي لفرض عقوباته على سورية والتي وإن كانت موجهة ضد الدولة السورية بشكل اساس إلا انها تمس في أجزاء منها حياة المواطن العادي وهي في حقيقة الأمر مخالفة للحقوق الأساس والتي قضت المحكمة الأوربية بعدم جوازها.

وحيث إن قرار العقوبات يجدد كل عام فقد قرر الإتحاد الأوربي قبل يومين تجديد العقوبات على سورية لمدة عام آخر. ولا بد إن هذا سيمدد لعام ثم آخر وهكذا حتى يتم تغيير النظام في سورية، كما حدث في العراق، بعد سحق كرامة العربي السوري.

فهل من عربي في سورية يثأر لكرامته ويقاضي الإتحاد الأوربي، أم أن الحال لا يختلف عن حال العربي في العراق فيكون المال أصل والكرامة فرع؟

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image