قل ولا تقل / الحلقة الثامنة والتسعون

 

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: ينبغي لك أن تتروض ولا تترك الروض (أي ينبغي لك أن تروضَ بدنك أو تُروِّضه بأفعال الرياضة المعروفة)
ولا تقل: ينبغي لك أن تَتَريّض ولا تترك التريّض

كتب مصطفى جواد: “وذلك لأن الرياضة مأخوذة من الفعل “راض يروض” فعينه أي وسطه “واو” ولا “ياء” وانما أبدلت الواو ياءً في “رياضة” لسكون عين فعلها “راض يروض” ولكسر ما قبلها في المصدر وهو الراء، فأصلها “رواضة”. ولو كانت العين متحركة لبقيت الواو سالمة، ألا ترى أنك تقول: “راوَضَه في البيع رواضاً ومراوضةً”. وإنك لا تقول “راوَضَه رياضاً ولا مرايضةً”.

قال ابن فارس في المقاييس: “الراء والواو والضاد أصلانِ متقاربانِ في القياس، أحدهما يدلُّ على اتّساعٍ، والآخَرُ على تلْيِينٍ وتسهيل” ثم قال “وأما الأصل الآخَر: فقولهم رُضْتُ النّاقَة أرُوضُها رياضةً”.

وقال الجوهري في الصحاح: “ورَضْتُ المُهْرَ أَرُوضُهُ رياضاً، ورِياضَةً، فهو مَروضٌ. وناقَةٌ مَروضَةٌ، وقد ارْتاضَتْ. وكذلك رَوَّضْتُهُ تَرْويضاً، شدِّد للمبالغة. وقومٌ رُوّاضٌ وراضَةٌ.”

ونقل رينهارت المستشرق الهولندي في معجمه المستدرك على المعجمات العربية من كتب الأدب قولهم: “راضَ نفسه أي ثقّفها وهذّبها وراض نفسه عليه أي تحمله وكابده، وروّض سيرته أي أصلحها وروضه عليه أي عوّده إياه”. ولم أجد الفعل “ترَوّض” ولا مصدره “التروّض” في معجم لغوي ولا في كتاب أدبي، ولكنه فعل قياسي صحيح وهو مثل “تعوّد وتعوّض وتقوّل وتحوّل” من حيث الإشتقاق وهو من الأفعال الخاصة بفاعلها الصادرة عن رغبة منه فيها نحو “تحوّل وتعلّم وتأدّب وتقدّم” وقد اقتضت الحاجة اشتقاقه من الثلاثي “راض يروض” فهو واوي العين لا يائيها، وينبغي الرجوع الى الأصل عند الإشتقاق فيقال “تروّضت أتروّض تروّضاً” كما يقال “قوّمت البضاعة أو ما جرى مجراها، أقوّمها تقويماً” أي عيّنت قيمتها أعينها تعييناً. ولا يشتق الفعل من القيمة فمن الخطأ المبين قولهم “قيمت البضاعة وتقييم البضاعة”.

فقل: ينبغي لك أن تتروّض ولا تترك التروّض.

 

قل: هذه ليلةٌ مَطيرٌ
ولا تقل: هذه ليلَةٌ مَطيرةٌ

 كتب الكسائي: “ويقال هذه امرأة جميلٌ وجاريةٌ حَسِيبٌ، وليلةٌ مَطِيرٌ وعينٌ كَحِيِلٌ ولحيةٌ دَهِينٌ بغير هاء. وكذلك كل ما كان على فعيل (وعندي المرأة).”

وأضاف المحقق للتوضيح: “ما بين المعقوفين ليس الا عند العلائي، وهي زيادة مهمة لأن الشرط في ورود فيعل للمؤنث بغير هاء أن تكون بمعني مفعول وأن يذكر قبلها الموصوف.  وهذا معنى قول الكسائي هنا: “وعندي المرأة”، ففي اصلاح المنطق: اذا كان فعيل نعتاً لمؤنث وهو في تأويل مفعول كان بغير هاء….. فاذا لم تذكر المرأة قلت: مررت بقتيلة”. وانظر كذلك المذكر والمؤنث للفراء وفصيح ثعلب.”

وكذلك: كفٌّ خَضِيبٌ وحمارة وَدِيقٌ. قال تعالى: “لعل الساعة قريب”.

وقد بنت العرب “فعيلاً” بغير هاء أيضاً. ومنه قوله تعالى: “وقالت عجوزٌ عقيمٌ” ولم يقل عقيمة. وكذلك دُرَّاعَة جديد.

وقد يكون فعيل أيضاً للجميع فتقول: في الدار نساءٌ كثير وهذه حبابٌ جديد، قال الشاعر:

يا عاذلاتي لا تٌرِدنَ ملامَتي             إن العواذِلَ لسنَ لي بأميرِ

فقال بأميرِ ولم يقل بأميرات. وذلك أنه جمعه على لفظ فعيل.”

واضاف المحقق:” الوديق: تريد الفحل. حباب: جمع حِبّ بمعنى الخابية وهو فارسي معرب.”

وقد بنت العربُ “فَعُولاً” بغير هاء أيضاً. من ذلك: هذه امرأة ولودٌ وكَسُوبٌ وخَدُومٌ ووَدُودٌ. ورَمَكَةٌ عضوضٌ وَجَمُوحٌ وعَثَورٌ. وأمٌّ نَزُورٌ اذا كانت قليلةَ الولادة. قال الشاعر (وهو كثير عزة كما جاء في لحن العوام للزبيدي):

بُغاثُ الطَّيرِ أكثرُها فِراخَاً        وأمُّ الصَّقْرِ مَقْلاتٌ نَزُورُ

ومنه قوله تعالى: “ياأيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا”.

ومنه أمٌّ بَرُورٌ على مثال فَعُول. قال الشاعر:

فلا أحَدٌ في الناس ابن ولا أخٌ           ولا أمٌّ بَرُورٌ بالبنين ولا أبُ

فَذَكَّرَ لأنه مبني على فعول.”

 

قل: هي امرأة مبهاج
ولا تقل: هي امرأة مبهاجة

كتب الكسائي: ” وقد بنت العرب “مفعالاً” بغير هاء منه قولهم: امرأة مِكسال، مِطعان، ومِغناج، ومِعطال ومِتفال، ومِبهاج، ومِضحاك، ومِعطار. قال الله جل ثناؤه: “إن جهنم كنت مِرصادا”. وقال ذو الرِّمَّةِ:

غَرَّاءُ عَيناءُ مِبهاجٌ اذا سّفَرَتْ           وتَحْرِجُ العيْنُ منها حين تنتَقِبُ”

 

قل: امرأة طالقٌ
ولا تقل: امرأة طالقةٌ

كتب الكسائي: ” ويقال امرأة طالِقٌ وطاهِرٌ وحائضٌ وطامِثٌ وريحٌ عاصِفٌ بغير هاء. فاذا قال لك قائل، قد قال تعالى: “ولسليمان الريح عاصفة” فاثبت الهاء. قيل: هذا على مبالغة المدح والذم. قال الأعشى:

أيا جَارَتي بيني فإنك طالِقَهْ              كذاكِ أمورُ الناسِ غادٍ وَطَارِفَهْ”

 

قل: هو رَجُلٌ شّتَّامَة
ولا تقل: هو رجُلٌ شَتَّام

كتب الكسائي: “وللعرب أحرف كثيرة من المذكر بالهاء على مبالغة المدح والذم، كقولهم: رجل شّتَّامة وعَلاَّمَة وطَلاَّبَة وجّمَّاعَة وبَذَّارَة وسَيَّارة في البلاد وجَوَّلَة ورجلٌ راوِيَة وباقِعَة وداهِيَة. ورجلٌ لَجَوجَة وصَرُورَة،وهو الذي لم يَحِجَّ قط، قال النابغة الذبياني:

لو أنها عَرَضَت لأشْمَطَ راهبٌ  يَخْشى الإله صَرُورَةً مُتَعَبِّدِ

لَرَنَا لبَهْجَتِها وحُسِنَ حَديِثِها              ولَخَاله رَشَدَاً ولإن لم يَرْشُدِ

ويقال رجل هيابة وهو الذي تأخذه الرعدة عند الخصومة، فلا يقدر على الكلام. ومثله جَثَّامَة، قال الشاعر:

تُتْبِئكَ أني لا هّيَّابَة وَرَعُ          عندَ الخُطُوبِ ولا جّثَّامَةٌ حَرَضُ

ورجل فَحاشَة وكذلك وَقَاعة وبَسّامَة وهِلباجَة. قال الشاعر:

قد زعمَ الحيدَرُ أني هالكُ

وإنما الهالكُ ثم الهالِكُ

هِلباجةٌ ضَاقَتْ به المسالِكُ”.

(الباقعة: الداهية. الهلباجة: الأحمق)

 

قل:  هي إمرأة حائض
ولا تقل: هي إمرأة حائضة

ونأخذ مما كتب ثعلب في “باب ما يقال للأنثى بغير هاء” ما يلي: “تقول إمرأة طالق، وحائض، وطاهر، وطامث بغير هاء. وكذلك إمرأة قتيل فإن قلت: رأيت قتيلة ولم تذكر إمرأة أدخلت فيه الهاء. وكفٌّ خضيبٌ وعينٌ كحيلٌ ولحية دهينٌ.  وكذلك إمرأة صبورٌ وشكورٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة مِعطارٌ  ومِذكارٌ ومِئناث. وكذلك مُرضِعٌ ومُطفِلٌ ونحو ذلك. وكذلك إمرأة حامل إذا أردت حُبلى، فإن أردت أنها تحمل شيئا ظاهراً قلت: حاملة. وكذلك إمرأة خَودٌ. وتقول: مِلحفَة جديد وعجوزٌ، وتقول: هي رَخْلٌ للأنثى من أولاد الضأن، وهذه فَرَسٌ. وهكذا جميع ما كان للإناث خاصة فلا تدخِلَنَّ في الهاء، وهو كثير فقس عليه.”

كتب الحريري: ومن ذلك توهمهم أن الراحلة اسم يختص بالناقة النجيبة، وليس كذلك بل الراحلة تقع على الجمل والناقة، والهاء فيها هاء المبالغة،  كالتي في داهية وراوية، وإنما سميت راحلة لأنها ترحل، أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كما جاء في التنزيل: “في عيشة راضية” بمعنى مرضية.

وقد ورد فاعل بمعنى مفعول في عدة مواضع من القرآن كقوله تعالى: “لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم” أي لا معصوم. وكقوله سبحانه: “من ماء دافق” أي مدفوق، وكقوله عز اسمه “أنا جعلنا حرما آمنا” أي مأمونا فيه. وجاء أيضا مفعول بمعنى فاعل، كقوله تعالى: “حجابا مستورا”، أي ساترا، “كان وعده مأتيا” أي آتيا. وقد يكنى عن الفعل بالراحلة لكونها مطية القدم وإليها أشار الشاعر الملغز بقوله:

رواحلنا ست ونحن ثلاثة ** نجنبهن الماء في كل مورد

 

قل: إمرأةٌ نُفَسَاءُ
ولا تقل: إمرأةٌ نَفِسَة

كتب الزبيدي: “يقولون إمرأة “نَفِسَة” والصواب “نُفَسَاء”، ونَفِسَتْ المرأة ونُفِسَتْ فهي منفوسة، قال الشاعر:

………………………..              إذا النُّفَسَاءُ أصبحتْ لمْ تُخّرَّسِ

والصَّبِيّ أيضاً “مَنفُوس” أي مولود، قال الهذلي:

فيا لَهْفَتي على ابن أخْتِيَ لَهْفَةً           كما سَقَطَ المَنفُوسُ بين القَوابِلِ

وفي الحديث: “ما من نفْسٍ مَنفوسَةٍ إلا وقد كٌتِبَ لها رِزْقَها وأجَلِها”.

وتجمع “النُّفَسَاء” على “نُفَسَاوات” و “نِفَاس: مثل “عُشَراء” و “عِشَار” و “عُشَراوات” وهي التي عليها عشرة أشهر من وقت الحمل. وأنشدنا أبو علي:

رٌبَّ شَرِيبٍ لَكَ ذِي حُسَاسِ

شَرَابُهُ كالحَزِّ بالمَوَاسي

ليسَ بِرَيَّانٍ ولا مُواسِي

أقْعَسُ يَمشي مِشْيَةَ النِّفَاسِ

و “النِّفاسِ” أيضاً: الولادة. وإنّما قيل للمرأة نفساء من أجل الدِّماء. ويقال للدم: نَفْسٌ، ومنه الحديث عن ابراهيم النخعي: في كل ذي نفس سائلة، يعني: الدم.

 

قل: إن جمع مرأة مراء
ولا تقل: إن جمع مرآة مرايا

كتب الحريري: “ويقولون في جمع مرآة: مرايا، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين حين قال:

قلت لما سترت لحيته ** بعض البلايا

فتن زالت ولكن ** بقيت منها بقايا

فهب اللحية غطت ** منه خدا كالمرايا

من لعينيه التي تقسم ** في الخلق المنايا

والصواب أن يقال فيها: مراء على وزن مراع، فأما مرايا فهي جمع ناقة مري وهي التي تدر إذا مري ضرعها، وقد جمعت على أصلها الذي هو مرية، وإنما حذفت الهاء منها عند إفرادها لكونها صفة، لا يشاركها المذكر فيها.”

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….