الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 3

ماذا فعلت إيران في العراق بعد 2003؟

انتهيت في الجزء السابق بالسؤال: “ما الذي فعلته إيران أمام الوجود الصهيوني المستبيح للعراق؟”
لكني لا بد أن اكتب قليلاً عن ما وصلني من ردود وملاحظات حول ما كتبت في الحلقتين السابقتين.
إن مما شك فيه ان من يكتب لا بد ان يجد بين قرائه من يقف معه ومن يقف ضده ومن يقف متفرجاً ومن يقف مستفيداً. وهذه الحقيقة قائمة في كل وقت ومكان ومن لا يقبلها فليس له أن يكتب أصلاً. فقد وصلني رأي من تابعي إيران من أهلي العراقيين يقول بأنه مع ما تفعله إيران في العراق مهما كان ذلك وكيفما تم. ووصلني رأي من تابعي الصهيونية في العراق يقول بأنه لا خلاص للعراق من إيران إلا على يد الهيمنة الصهيونية المطلقة، وإن كان يسميها بالأمريكية، وكأن هناك فرقاً بين الإثنين! ويذكرني هذا بما كان يقوله عدد من العراقيين قبل غزو 2003 بأنهم مستعدون للتعاون مع مناحيم بيغن للتخلص من صدام حسين، وكان لهم ذلك.
لكن الذي يهمني أكثر من اطلاعي على ما كنت أعرفه عن انقسام أهلي العراقيين المحزن هو ان ما كتبته أثار عدداً من الأسئلة. وهذا الجانب الإيجابي يعني أني أصبت الهدف في دفع حالة التفكر لما كان ولما يمكن أن يكون. لكن القراء الكرام الذين سألوني عن رأيي في الحرب العراقية الإيرانية ودخول الكويت والحصار والغزو إنما يحملونني ما لا يمكن أن أجيب عليه في سلسلة من مقالات قصيرة تحدد معالم الحدث أكثر من تحليله. لأن الإجابة على أسئلة كهذه تعني دراسة سياسية تأريخية لسبعين عاماً للعراق. فلا يمكن إعطاء رأي منصف في صدام حسين دون دراسة وصوله للحكم ولا يمكن دراسة وصوله للحكم دون دراسة المشروع القومي العربي في العراق ولا يمكن دراسة المشروع القومي في العراق دون دراسة الصراع العربي الصهيوني، وهكذا. بل ان دخول صدام حسين للكويت لا يمكن أن يدرس دون الرجوع إلى نهاية القرن التاسع عشر حين تم اقتطاع ميناء العراق العميق على شاطئ الخليج باحتلال بريطانيا لقضاء الكويت، وهو الأمر الذي رفضته كل حكومات العراق، وليس صدام حسين وحده. فإذا خيبت ظن البعض في عدم الرد على هذه الأسئلة فليس ذلك لكسلي ولكنه لعدم مقدرة سلسلة مقالات أن تنصف التأريخ.
لقد شاركت في إعداد أربعة كتب، باللغة الإنكليزية، عن العراق في الأعوام الاثنتي عشرة الماضية، وما زلت أشعر أن هناك الكثير مما لم نقله فكيف لي أن أوفي الأمر حقه في عدد محدود من مقالات! ولا بد أن أكثر من قارئ سوف يسأل: ترى لماذا كتبتم بالإنكليزية؟ والجواب المحزن هو عدم وجود ناشر عربي لكتب عن العراق، إما بسبب الخوف من غضب السعودية التي تتحكم بأكثر دور النشر والتوزيع، كما اكتشفت في مسيرتي في السنوات العشر الماضية، أو بسبب اقتناع الناشر كما ادعى عدد منهم بعدم اهتمام القارئ العربي. وكلاهما أو أي سبب آخر هو مؤشر على بؤس حال هذه الأمة. وقد تمكنا بعد سنوات من إيجاد ناشر لكتابين مترجمين من الأربعة وما زال كتابان عن “الإبادة في العراق” ينتظران الترجمة والنشر إن وجد ناشر.
أعود الآن لمواصلة الحديث حيث انتهيت في الحلقة السابقة.
قلت في الحقلة الأولى إني لن أدخل في عرض للحرب العراقية الإيرانية للأسباب التي بينت. هذا إلى جانب أن ثلاثة من الكتب التي أشرت لها عرضت الحرب في إطار تحليل أسباب الصراع وما آل اليه العراق. لكن المهم هنا هو إدراك أهم الدروس التي خرجت منها إيران من حرب الأعوام الثمانية.  فقد أدركت إيران ما يلي:
  1. إن جيش العراق بعقيدة قومية هو العقبة الكأداء أمام مشروعها في الهيمنة على المنطقة. وكلما ازدادت قوته كلما ازداد خطره في تحجيم مشروع إيران للمنطقة.
  2. إن بوابة الخليج لن تفتح للاستباحة ما دام جيش العراق القومي قائماً.
  3. إن مستقبل إيران لن يؤمن إلا بالاعتماد الكامل على النفس.
وهكذا عملت إيران.
فقد انشغل حكام العرب الذين يمتلكون، بسبب العارض الجغرافي، مصادر الطاقة والمال في أوربا وأمريكا بشراء الفنادق وفرق كرة القدم والبنايات البائسة وسندات الاستثمار، التي لا تساوي الورق المكتوبة عليها إذا شاء رب الدار أن يلغيها. هذا إلى جانب انشغالهم بتأمين حصار العراق!
أما إيران فقد أدركت أثناء الحرب المريرة والحصار الذي كان مفروضاً عليها معنى الحاجة. فأقامت سياسة البناء على قاعدة الاعتماد على النفس للوصول إلى الاكتفاء الذاتي. وهي وان لم تتمكن من تحقيق ذلك كاملاً إلا أنها نجحت بشكل متميز إذا ما قيست بأية دولة في المنطقة إذ تمكنت في ثلاثين عاماً أن تبني اقتصاداً وطنياً نشطاً وصناعة حربية وطنية تغني جيشها عن الحاجة للسلاح أو العتاد كما حدث لها في حرب الأعوام الثمانية. فهي اليوم، دون مبالغة في القول، قوة إقليمية يحسب لها الغرباء عن المنطقة أكثر من حساب.
أما الدرس الثاني الذي تعلمته إيران من الحرب فقد قضى بوجوب حل جيش العراق القومي. وفي هذا اتفقت إيران مع المشروع الصهيوني الذي كان هدفه الأول حل جيش العراق ذلك لأن للصهيونية ثأراً قديماً يقضي بضرورة حل أو هدم كل الجيوش التي حاربت في فلسطين عام 1948.
وحين نتحدث عما فعلته إيران في العراق فلا يمكن أن نفصل ذلك عما فعلته الصهيونية حيث إن إيران لم تكن سيدة الموقف في العراق في أي يوم وبرغم كل ما يقال فإن العراق كان وما زال محتلاً بيد الصهيونية. ويجب فهم هذه الحقيقة عند أية محاولة فهم للدور الإيراني في العراق ومن لا يفهم هذه الحقيقة أو يحاول أن يتجاوزها بالنظر إلى الدور الإيراني بمعزل فإنه يلعب دور الشيطان الأخرس. ولو لم يكن الأمر كذلك فإن الصهيونية ستكون إما جمعية خيرية أو جمعية أغبياء جاءت بابنائها ومالها لتسلم العراق لإيران!
وأول قرارين أصدرهما الصهيوني الأمريكي ورفيقه البريطاني كانا في اجتثاث البعث وحل جيش العراق وكل قوى الأمن والمخابرات. وكلا القرارين كان الهدف الأول للصهيونية في العراق وهو هدفها الآن في سورية. وقد وافقت إيران عليهما للأسباب التي سبق وأوجزت. فحققت إيران جزءاً من هدفها الأكبر دون أن تكون هي المنفذ. وحيث إن العراق كان بيد الصهيونية فإن إيران كان تتحرك بقدر ما يتاح لها وما يمكنها أتباعها من عمله ضمن نطاق الاحتلال الصهيوني الكامل للعراق.
وقد يقول المراقب غير المدقق إن الصهيونية ارتكبت حماقة في حل جيش العراق إذ كان يجب أن تفعل ما فعلته في اليابان وألمانيا بالإبقاء على هيكله الأساس وتغيير القيادات فحسب. لكن الأمر ليس كذلك. فحين كان الهدف من الحرب العالمية الثانية هو الانتصار في الحرب وإخضاع العدو فإن الهدف من غزو العراق كان بداية مشروع رسم خريطة جديدة لأرض العرب. وهذا المشروع يقتضي تشظية وتقسيم المنطقة لطوائف، لكي تسود الصهيونية وهو مما لم يكن عليه الحال في نهاية الحرب العالمية الثانية. وهكذا كان حل الجيش وكتابة دستور العراق الذي ثبت قاعدة ذلك التقسيم والذي جعل من العراق، وهو أصغر من ولاية كاليفورنيا، دولة اتحادية. فتصور الصغار أن جعل العراق دولة اتحادية نقله إلى مصاف الدول العظمى!
ولم تكن الصهيونية مشغولة بموضوع بناء جيش جديد للعراق لأنها كانت معنية بتقسيمه لا بنائه. وهنا تصورت إيران أن بمقدورها أن تضع يدها على مؤسسة جديدة لجيش العراق وتجعل منه جيشاً موالياً لها من حيث تركيبة مذهبية في جوهرها تفتقد لأي انتماء قومي سوى الولاء للمذهب والمرجعية الدينية في أغلب الظروف. وهذا سيحقق لها قيام جيش يمسك بالعراق الذي قسمته الصهيونية دون أن يشكل خطراً محتملاً عليها كما فعل جيش العراق القومي في ثمانينيات القرن الماضي. ولم تخش الصهيونية ذلك فأتاحت لإيران أن تفعل ذلك. حيث إن الصهيونية كانت مدركة أن جيشاً كهذا لا يمكن له أن يفعل شيئاً لأن تسليحه وتدريبه كان بيدها أولاً، وثانياً لأن جيشاً بلا عقيدة ليس سوى جهاز مسلكي لا قيمة له في أي صراع! وقد أثبتت الأحداث صحة ما توقعته الصهيونية فحين ولد تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ابن القاعدة التي بنتها الصهيونية في أفغانستان بمال الأعراب، عجز جيش العراق الجديد عن مواجهتها مما اضطر المرجعية، التي سكتت عن غزو العراق، أن تفتي بالجهاد ضد “داعش”، فكان الحشد الشعبي.
وحيث إني قد أسلفت بأن وجود إيران في العراق كان له هدفان مرتبطان أولهما بالهيمنة على المنطقة بسبب ديني/مذهبي أو بسبب قومي وثانيهما حماية الأمن القومي الإيراني أمام الوجود الصهيوني في العراق، فقد أصبح الشاغل الرئيس لإيران في العراق هو تأمين حدودها الغربية من الاختراق الأمني ومن تحريك الشعور القومي لدى الأقوام المتعددة التي تشكل الخريطة السكانية لدولة إيران. فكان عليهم الاعتماد على العراقيين الذين لجؤوا اليها في العقود الثلاثة التي سبقت الغزو. وهؤلاء في أغلبهم لم يكونوا من أكرم القوم ولا أنظفهم ولا أقدرهم. ذلك لأن العديد من الذين لجؤوا لإيران تركوها لأسباب أهمها عدم احترام الإيرانيين لللاجئين العراقيين. وهم أمر قد لا يصرح به أحد اليوم لكن الذي عاصروا الفترة التي سبقت الغزو على بينة من أمرهم.
 أما العراقيون الذين كانوا في العراق فقد كان الكرام منهم على حذر من ركب قطار الغزو بسرعة. فهم حتى إذا كانوا معادين للبعث فإنهم لم يكونوا مرحبين بغزو أجنبي لوادي الرافدين فليس من إنسان أياً كان لا يعرف ما يعني غزو أرضه. كما ان العقول القادرة هي عقول حرة بطبيعة الأشياء. وهكذا انتهى العراق، بإشراف إيراني، يديره أناس من شذاذ القوم من باحث عن مال أو باحث عن جاه أو باحث عن شرف أو باحث عن شهادة مزورة، حيث لم يجد الإيرانيون يومها غيرهم لإدارة العراق. وكانت الصهيونية مرتاحة لهذا الحال دون أدنى شك ذلك لأنه حقق لها المطلوب في ابقاء العراق ممزقاً عاجزاً مع تحميل تبعية ذلك الفشل لإيران بسبب أتباعها الذين يديرون الأمر وليس تبعية ذلك للصهيونية التي خلقت الحال وأمسكت بكل المفاتيح!
فانتهى العراق، الذي كانت صفة “الرشوة” فيه هي أسوأ ما يمكن أن تطلق على موظف، يحتل آخر السلم في الفساد من بين 180 دولة في العالم لأن “الرشوة” أصبحت سنة في الدولة العراقية الحديثة التي خلقتها الصهيونية ويديرها رجال إيران.
وهنا لابد للمراقب أن يسأل: أترى إن إيران ليست مدركة لما حدث، وانها ستبدو المسؤولة عما يحدث في العراق؟ ولماذا لم تفعل شيئا لمنعه؟ أم هل كانت عاجزة حقا عن فعل شيء لمنع ذلك؟
فقد نقل رامزي كلارك عن أحد قادة القوة الجوية الأمريكية أن دمار 95% من انتاج الطاقة الكهربائية في العراق عام 1991 كان لإجبار العراقيين على ازاحة صدام حسين عن الحكم. وبرغم أن القائد الأمريكي كان كاذباً، والأنكلو ساكسون هم سادة الكذب في العالم، إلا ان نظام البعث نجح في إعادة أكثر من نصف انتاج الكهرباء وشغله وأدامه برغم الحصار مدة اثني عشر عاماً كما فعل في توزيع الحصص التموينية ومنع قيام مجاعة حقيقية في البلد.
فلماذا لم يتمكن الإيرانيون من اعادة الكهرباء للعراق بعد 16 عاما من النظام “الديموقراطي” الذي تدعمه إيران والصهيونية ودون أن يكون له عدو يهدده وينتج أربعة ونصف مليون برميل نفط يومياً؟ فحتى لو افترضنا، وهي ليست فرضية بعيدة عن الصحة، ان الصهيونية لا تريد اعادة الكهرباء للعراق فلماذا لم تتمكن إيران من إقناع رجالها بحل هذه المشكلة الحقيقية؟
وهل ترضى إيران الفقيه، أو إيران الدولة، داخلها بفساد يشبه من قريب او بعيد الفساد السائد في العراق اليوم؟ وإذا لم ترضه فكيف تسكت عن، إن لم نقل تسعى كي تمنع، هذا الفساد الذي نخر الدولة والناس وأفسد علاقاتهم؟
أم ان إيران وصلت لنتيجة مفادها انها أمام خيارين: إما أن تبقي على الفاسدين لتمسك بزمام الأمور أو أن تتخلى عنهم فتفقد العراق؟ فاختارت الأول!
ولا بد للناظر بموضوعية، ومتجنبًا العواطف ما أمكن ذلك، أن يتوقف قليلاً ويتأمل ملياً. فليس من المعقول أن الساسة في إيران لا يدركون هذه الحقائق والنتائج السلبية لما حدث في العراق على مشروعهم وأمنهم القومي بل وحتى على صورتهم في المنطقة اليوم قوة محتلة فاسدة. ولا أشك أنهم مدركون، فقد أثبتت إيران دهاء في سياساتها في التعامل مع أوربا والصهيونية على الصعيد الدولي ولا يمكن أن تكون غبية في فهم واقع المنطقة. وإذا كان هذا الحال فلماذا سمحت إيران بوصول الأمر في العراق لما آل اليه؟
والجواب على هذا السؤال المهم سيكون في الحلقة القادمة ان شاء الله.

 

عبد الحق العاني

 

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 2

الصراع ما بعد 2003

لقد غير غزو الصهيونية للعراق واحتلاله قواعد الصراع وفرض ظروفاً جديدة في المنطقة. وحقيقة غزو العراق أبعد بكثير مما يبدو للعيان وأعمق مما كتب عنه الكتاب أو فهموه. ذلك لأن احتلال ما بين النهرين هو نقطة فاصلة في تأريخ المنطقة كما كان الحال على مد العصور. ولا يمكن للإدعاء بأن إيران ساهمت في، أو ساعدت على، غزو العراق أن يكون ستراً على الجريمة الأكبر وهي أن العرب، كل العرب، شعوباً وحكومات ساهموا في حصار العراق وغزوه واحتلاله. فحصار الإبادة للعراق لإثني عشر عاماً طالبت به الحكومات العربية وساهم فيه المواطن العربي الذي وقف متفرجاً. أما الغزو العسكري والاحتلال فقد انطلق من أرض عربية، لا تركية ولا فارسية!

لقد كان لإيران رغبة في دمار العراق القومي لأنها أدركت وتدرك أن العراق العربي القومي يقف أمام مشروعها الإيراني في التوسع والهيمنة وهذا ينطبق على جناحي السلطة في إيران، ولاية الفقيه والعلمانيين الفرس. وحين اقترب موعد غزو العراق واحتلاله في الحلقة التالية من مشروع الهيمنة الصهيونية على المنطقة فإن إيران وجدت في ذلك فرصة لإنهاء المشروع القومي في العراق وبناء قوة موالية لها فيه بانتظار ما ستؤول اليه الأمور. وهكذا كان.

واعتقد كل من الإيراني والصهيوني أنه يستغل الآخر لمشروعه. فقد أرسلت إيران العراقيين الذين دربتهم خلال سنين ليكونوا نواة القوة العسكرية الجديدة بعد الغزو والخراب. أما الصهاينة الذين احتلوا العراق فلم يكن لديهم من الخونة العراقيين الذين جاؤوا معهم ما يمكن أن يشكل نواة قوة عسكرية تمسك بالأرض. كما إن قرار حل الجيش العراقي هو أحد أهداف الغزو الصهيوني الأولى ذلك لأن حل أي جيش عربي هو نصر للصهيونية. لذا فقد وجدوا أن لا بد لهم من الاستعانة بالقوة المدربة والمسلحة القادمة من إيران. وهكذا قام التفاهم على المهادنة في وقت كان يطمع كل طرف أن ينتهي الأمر لصالحه. أي ان الصراع الإيراني الصهيوني على العراق انتقل منذ الأسابيع الأولى للاحتلال ولو جزئياً الى صراع داخل العراق على العراق وليس صراعاً خارج العراق عليه كما كان قبل الغزو.

ولعل من المحزن أن يكتشف دارس التأريخ أن موقف إيران هذا من غزو العراق والذي يجب أن يفهم من جهة هدف إيران في الهيمنة على المنطقة رافقه مؤشر خطير في اكتشاف فشل المشروع القومي العربي في التجذر في العراق حيث كان يجب أن يكون. فقد صمتت المرجعية الشيعية في العراق عن التصدي للغزو والاحتلال، وهو واجب ديني شرعي استندت له المرجعية لاحقاً حين دعت للجهاد ضد الدولة الإسلامية بعد سنوات. ولا بد أن يفهم هذا الصمت على أن المرجعية اعتقدت أن الولاء المذهبي أسبق من الولاء الوطني القومي لأرض العرب، حتى وان لم تكن المرجعية الشيعية في العراق موالية للفقيه.

وصمت شيعة آخرون في أرض العرب، لا أشك في صدق انتمائهم في معركة الصراع مع الصهيونية، وللسبب نفسه كما يبدو. وهو أمر لا يمكن لي أن أقبله ولا أغفره.

فما الذي كشفه الغزو والاحتلال، ونتج عن، مما دعم الصراع على العراق؟

لقد كشف الغزو الصهيوني للعراق الكثير من الخلل في مفهوم الحكم بالحزب الجماهيري والذي ثبت عجزه في النظام الشيوعي في مرحلة متزامنة مما ليس هذا مكان عرضه. لكن أهم نتيجة كشفها الغزو والاحتلال هي أن حزب البعث لم يكن بالقوة والتماسك العقائدي الذي كان قادته يعتقدونه. فقد تهاوى حزب الملايين في أيام وتبين أن أكثر المنتمين اليه كانوا منتفعين لا مؤمنين. أما القلة القليلة التي آمنت بالمشروع القومي فقد أمكن تحييدها أو التخلص منها بسهولة.

فإذا بالعراق يتحول إلى ساحة خالية سرعان ما امتلأت بحركات دينية، كانت حتى وقت قريب وهمية في وجودها وطاقاتها، إلى جانب أجهزة مخابرات عالمية صهيونية في أغلبها وشركات حماية أمنية هي في حقيقتها جيوش سرية تعمل تحت الغطاء الأمني ويمكن تفعيلها في أي وقت لأي هدف تختاره الصهيونية.

وقد ظهر الإسلام السياسي المفلس على حقيقته فهو لا يمتلك أية رؤية لإقامة دولة خارج الشعارات المذهبية التي تحرك غرائز الناس. والشعارات الدينية لا تبني دولة. فقد مضى 16 عاماً على الغزو وثلاث دورات انتخابية ولم أقرأ برنامجاً سياسياً واحداً حتى اليوم لأي حزب عن الدولة المرجوة!

وتبين أن هذه الأحزاب أصبحت عربة يركبها الفاشلون للوصول إلى مناصب في الدولة من أجل الإثراء الفاحش بالفساد والسرقة والرشوة. ولعل من المحزن أني شاهدت عدداً كبيراً من أصدقائي المتعلمين، وهم من الشيعة على الأغلب، يتهافتون لدعم النظام السياسي المذهبي الجديد متناسين ما كانوا يدعون من انتماءات ماركسية أو قومية أو يسارية علمانية. ولا أشك أن أكثرهم اليوم نادمون على ذلك التدافع لدعم النظام السياسي الذي أنشأته الصهيونية في العراق بعد غزو 2003.

وقد وجدت إيران أنها أمام صعوبة كبيرة لا تواجهها الصهيونية في أدارة العراق. وسبب ذلك هو اختلاف هدف الطرفين حول مستقبل العراق. فإيران كانت تريد دولة قوية تحت وصاتيها تؤمن لها حدود أمنها القومي الغربية وتساعدها غلى مد هيمنتها لباقي أرض العرب. أما الصهيونية فكانت تريد دويلة ضعيفة مقسمة استهلاكية، كحال دول مجلس التعاون الخليجي، تعيش في فوضى مادام بالإمكان التحكم بتلك الفوضى وعدم خروج الأمر عن سيطرتها. فدولة الطوائف هي أسهل دولة للتحكم حيث تسعى كل طائفة ضعيفة لاكتساب ود الصهيونية من أجل بقائها باذلة في سبيل ذلك كل ما تملكه من بقية كرامة ان كان لها كرامة في الأصل. وحتى لا يطعنن أحد بهذا الاستنتاج فإني أدعو كل عراقي يريد أن يعرف حقاً ما تريده الصهيونية للعراق أن يقرأ مجموعة القوانين التي اصدرها “بريمر” الرئيس المطلق لما سمي من باب الاستخفاف بنا “سلطة الإئتلاف المؤقتة”. ومن لم يقرأ تلك القوانين بجملتها، بل ان من ليس لديه نسخة منها يمكن له الرجوع لها متى شاء،  فهو ليس مهتماً بالعراق ومستقبله ولا يحق له أن يتحدث عن كل ما يتعلق بالعراق لأن من لم يفهم ما الذي تريده الصهيونية من غزو العراق واحتلاله لا يمكن له أن يفهم ما يحدث اليوم.[1]

أما إيران فلا ينفعها عراق مقسم وضعيف تتنازعه صراعات قومية أو مذهبية لأن ذلك لا بد وأن يمتد لها ويعبث بأمنها القومي بسبب حقيقة تركيب الدولة الإيرانية. لكن الخطر الأكثر مداهمة هو وصول القوات العسكرية الصهيونية إلى الحدود الغربية لإيران. كما أن تحول العراق إلى ساحة مفتوحة لكل أجهزة المخابرات الدولية وإمكانية عبور منتسبي تلك الأجهزة بسهولة، وعلى الأخص من شمال العراق، إلى داخل إيران شكل وما زال كابوساً دائماً.

وحيث إن الصهيونية هي التي احتلت العراق عام 2003 فان كل فعل جديد في العراق كان لها أما إيران فإن أغلب ما كانت تقوم به هو ردة فعل في عمل يتصدره الشعور بتهديد أمنها القومي. ولا ننسى أن العراق عام 2004 أصبح أكثر تهديداً للأمن القومي الإيراني مما كان عليه عام 2002. فقد قام المحتل الصهيوني للعراق، سواء أوقع اتفاقيات أمنية مع عملائه من الأشخاص، الذين لا يليق بي أن أكرمهم بذكر اسمائهم، أم لم يوقع، بتحويل العراق إلى واحدة من أكبر القواعد في أرض العرب. فالسفارة الأمريكية في بغداد هي أكبر سفارة لأية دولة في العالم من حيث عدد منتسبيها، وأشك ان وزارة الخارجية العراقية تعرف حقاً عدد منتسبيها. أما رجال المخابرات الصهاينة العاملين في العراق، أياً كانت جنسياتهم، فلا يعلم عددهم إلا الله! ثم هناك رجال الشركات الأمنية، وهم في حقيقة الأمر جيش المرتزقة الجاهز للعمل عند الضرورة. وأولاء لا أعتقد أن أية سلطة في العراق تعرف عددهم أو جنسياتهم أو خلفياتهم! وهناك خلايا الموساد التي وصلت كل زاوية في العراق بعد أن كانت قبل عام 2003 محصورة في شمال العراق منذ معركة هندرين في ستينيات القرن الماضي.

وهناك القواعد الأمريكية المنتشرة في كل العراق والتي تتحرك ليس فقط دون إذن من السلطة الوهمية لحكومة بغداد وإنما دون علمها. فحين تحرك رتل من الآليات العسكرية من البصرة حتى الحدود الأردنية لم يسمع بالخبر رئيس الوزراء العراقي الا من وسائل الإعلام الغربية كما سمعنا نحن.

وقد يبدو هذا الاحتلال مخيفاً في أبعاده، لكن الأدهى من كل ذلك هو الهيمنة الجوية الصهيونية المطلقة على سماء العراق. فليس في العراق من مسؤول (إذا صح لنا أن نستعير هذه الكلمة العربية الجميلة) يعرف حقاً ما الذي تمتلكه الصهيونية في العراق من سلاح جوي وأجهزة تجسس واستطلاع وفي أي قاعدة وما إذا كانت الصهيونية قد وضعت سلاحاً نووياً في العراق، ووووو..

إن هذه الحقائق التي أعرفها ولا بد أن إيران تعرفها قبلي، بل وأفضل مني، هي التي تجد إيران أن عليها أن تتعامل معها من أجل حماية أمنها القومي. ولا يصح أن ننسى ونحن نحاسب إيران على ما فعلت في العراق أن إيران لم تأت بالصهاينة للعراق ليصلوا حدودها. وإنما الذين جاؤوا بالصهيونية للمنطقة هم العرب عموماً وشريحة كبيرة من أهلي العراقيين البائسين. وحين أقول هذا فاني لا أحاول أن أجد الأعذار لإيران لكني أرغب في أن يكون التحليل موضوعياً وعقلانياً. ذلك لأن مما ساهم في التدخل الإيراني في العراق هو ان العراق تحول، بفعل ابنائه، إلى ساحة صهيونية على حدود بلاد فارس مما يعرض أمن تلك البلاد للخطر. كما أن الوجود الصهيوني المستبيح لأرض العراق حدد إمكانية المشروع الإيراني من الامتداد غرباً.

سأكتب في الحلقة القادمة “ما الذي فعلته إيران أمام الوجود الصهيوني المستبيح للعراق؟”

عبد الحق العاني

 

[1]  جمعت تشريعات المحتل كلها في كتاب من ثلاثة أجزاء ونشر على موقع أمازون ويمكن الحصول عليه من الرابط التالي:

https://www.amazon.com/s?i=digital-text&rh=p_27%3A%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%82%D8%AA%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&s=relevancerank&text=%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A6%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D9%82%D8%AA%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82&ref=dp_byline_sr_ebooks_1

 

قل ولا تقل / الحلقة الرابعة عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: قد صَرَفْتُ فلاناً
ولا تقل: قد أصْرَفتُ فلاناً

كتب الكسائي: “وتقول قد صرفت فلاناً، وقد صَرَف وجهه عني، بغير ألف. ولا يقال: قد أصرفتُ فلاناً. قال الله عز وجل:” ثم انصرفوا صَرَفَ الله قلوبهم”. وتقول: قد صَرَفَت الكلبةُ بغير همزٍ إذا طلبت المعاضلةَ”. انتهى

وكتب ابن منظور في لسان العرب: ” الصَّرْفُ: رَدُّ الشيء عن وجهه، صَرَفَه يَصْرِفُه صَرْفاً فانْصَرَفَ……. أَصْرف الشاعرُ شِعْرَهُ يُصْرِفُه إصرافاً إذا أَقوى فيه وخالف بين القافِيَتَين؛ يقال: أَصْرَفَ الشاعرُ القافيةَ، قال ابن بري: ولم يجئ أَصرف غيره”.

قل: سَخِرْتُ من فلان
ولا تقل: سَخِرْتُ بفلان

كتب الكسائي: “وتقول: سَخْرْتُ من فلان بالميم ولا تسخر منه. ولا يقال: سَخِرْتُ بفلان بالباء. قال الله عز وجل: “لا يسخرْ قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم”.

وأضاف المحقق: وحكى أبو زيد: سَخِرْتُ به وهو أردأ اللغتين.” انتهى

وقد كتب ابن منظور: “سَخِرَ منه وبه” وكتب الفيروزأبادي في القاموس “سَخِرَ منه وـ به”. اما الجوهري فقد كتب في الصحاح: “سَخِرْت منه”، وكذا فعل ابن فارس في المقاييس فكتب: “سَخِرت منه”. لكنه يبدو أنه عاب القول الآخر فأضاف “ولا يزالون يقولون: سخِرت به، وفي كتاب الله تعالى: فإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُون”. ولست أرى أي سبب للإبقاء على اللغة الرديئة بعد ان جاء قول العليم العلام مبينا للصواب. اذ انه يمكن الإجتهاد في صحة كلمة ما إذا لم ترد في القرآن أما ما ورد فيها نص قرآني فليس بعد من سبب للنطق بها بشكل مختلف.

قل: هي عَرْصة
ولا تقل: هي عَرَصة

كتب مصطفى جواد: “وذكرنا لك السبب في الكلام على “أزمة” وأنها هكذا سمعت من العرب فإذا جمعت العَرْصة جمع مؤنث سالم قلت “عَرَصات” مثل ثَمرات ونَخلات وحَربات وأزَمات. وهذا الجمع مثل “عَرَصات” تستعمله لما بين الثلاث والعشر، تقول عندي ثلاث عَرَصات أربع عَرصَات خمس عَرَصات ست عَرَصات سبع عَرَصات ثماني عَرَصات تسع عَرَصات عشر عَرَصات، فإذا زاد عددها على ذلك قلت “عِراص”، وتقول عندنا عشر حَرَبات جمع حربة فإذا زاد عددها تقول “عندنا حِراب” كعِراص. وفي الحديقة عشرظَبَيات فإذا زاد عددهن قلت “في الحديقة ظِباء” على وزن حِراب وعِراص.

قل: استعرض المجتمعون عدة أحاديث
ولا تقل: استعرض المجتمعون هكذا أحاديث

وكتب عبد الهادي بوطالب: في لغة الإعلام بالمشرق العربي تَرِد كلمة “هكذا” بمعنى عِدَّة أو جملة أعداد. وتُصاغ الجملة على هذا النحو: “وتخلَّلَت الجلسةَ هكذا أحاديثُ شيِّقة”. و”استعرض المجتمعون هكذا ذكرياتٍ” أي عِدّةَ أحاديث، وعِدَّةَ ذكريات..ويقول بعض المحاضرين “اسمحوا لي أن أتقدم أمامكم بهكذا محاور لمناقشتها”.

واستعمال هكذا على هذا النحو خطأ. لأن “هكذا” كلمة واحدة مركبة من هاء التنبيه في أولها، وكاف التشبيه في وسطها، واسم الإشارة (ذا) في آخرها. وهي تفيد: على هذا النحو أو هذا الشكل.

وعندما نسرد تصريحا نطق به ناطق أو كتبه كاتب، ونريد أن نركِّز على كلمة أو جملة وردت فيه فإننا نذكرها ونضع بين هلالين كلمة “هكذا” ونقصد إبراز الكلمة السابقة لهكذا ونعني بها “بهذا اللفظ أو هذه العبارة”.

مثال ذلك: “وسمَّى مقاومةَ الفدائيين الفلسطينيين إرهابا (هكذا)” وتدل إضافة الكلمة على استنكار ما قبلها وتقييمه خلقيا أو التحفظ عليه.
وقد ورد استعمال “هكذا” بمعنى “على هذا النحو” أو “على هذا الشكل” في قوله تعالى عند ذكر قصة ملكة سبأ (بلقيس) والنبي سليمان: “فلما جاءت قيل أهكذا عرشُكِ قالت كأنه هو”.

لكن كلمة كذا (بدون هاء التنبيه) تُستعمل للدلالة على الشيء المجهول عدده أو نوعه أو ما لا يراد ذكره. فيقال : فعلتُ كذا وكذا. كما يقال: “اشتريتُ كذا كتابا” أي عددا من الكتب. و”رحلت كذا رحَلات”. وتأتي كلمة هكذا بمعنى “عدد من” على ألسنة بعض الإخوة العراقيين خاصة، ولعل استعمال هكذا بمعنى جملة أو عدد آت من اللهجة العراقية.

قل: قرأت آل حم وآل طس
ولا تقل: قرأت الحواميم والطواسين

وكتب الحريري “ويقولون: قرأت الحواميم والطواسين ووجه الكلام فيهما أن يقال: قرأت آل حم وآل طس ، كما قال ابن مسعود رحمه الله: آل حم ديباج القرآن.

وكما روي عنه أنه قال: إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن .

وعلى هذا قول الكميت بن زيد في الهاشميات:

وجدنا لكم في آل حم آية ** تأولها منا تقي ومعرب

يعني بالآية قوله تعالى في حم 16 * في القربى”.

وأيد ذلك الحنفي فكتب: قال الحريري: يقولون: قرأتُ الحواميمَ والطواسِينَ. والصواب: قرأت آل حم وآلَ طس. وعليه كلام صاحب القاموس.

وعلق ابو الثناء الآلوسي على ما كتبه الحريري فكتب: ” والخطاب لبني فاطمة رضي الله تعالى عنها السابق ذكرهم والآية:{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} [الشورى:23]، وعنى بالمعرب المظهر لمحبتهم وبالتقي من يخفي ذلك تقية، والمراد بتأول الآية معرفة ما توول إليه من لزوم محبتهم، والكلام فيها في تفسيرنا روح المعاني، وآل فيما ذكر ليس بمعنى الآل المشهور بل هو لفظ يذكر قبل ما لا يصح تثنينه وجمعه من الأسماء المركبة ونحوها؛ كتأبط شراً فإذا أرادوا تثنيته أو جمعه، وهو جملة لم يعهد فيه ذلك زادوا قبله لفظة آل أو ذو فيقال جاءني آل تأبط شرا، أو ذو تأبط شرا أي الرجلان أو الرجال المسمون بهذا الاسم كما قالوا آل حم بمعنى الحواميم؛ فهو هنا بمعنى ذو والمراد به ما يطلق عليه، ويستعمل فيه هذا اللفظ، وهو مجاز عن الصحبة المعنوية، وفي كلام الرضي وغيره إشارة إلى هذا ولم يصرحوا بتفسيره فعليك بحفظه بأنه من الفوائد الفرائد. نعم ما ذكر في الأصل مما سمعت قد تبع فيه صاحبه بعض من تقدمه، والصحيح خلافه. فقد جاء ما أنكره في الآثار، وسمع في فصيح الأشعار، انشد أبو عبيدة:

حلفت بالسبع الألى تطولت وبمئبن بعدها قد امئتت
وبثمان ثنيت وكررت وبالطواسين اللواتي ثلثت
وبالحواميم اللواتي سبعت وبالمفصل التي قد فصلت

وقال ثعلب في أماليهِ الطواسين مثل التوابيل جمع تابل، وحكي الطواسيم أيضاً على أن الميم بدل من النون وانشد الرجز المذكور، وقد يستعمل جمعه من غير ال. وانشد ابن عساكر في تاريخه:

هذا رسول الله في الخيرات جاء بيسن وحاميمات

فروى لهُ جمعا آخر، وعن سيبويه في نحو طس ما كان على وزن مفرد يجعل اسما كقابيل؛ فيجوز حكايته وإعرابه، ومعاملته معاملة الأسماء. وقال العنسي في السجاد وقد قتله:

يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم

فأعرب حم ومنعها الصرف بخلاف ما ليس فيهِ إلاَّ الحكاية نحو كهيعص.”

قل: هم يُريدون الوِحدة العربية
ولا تقل: هم يُريدون الوَحدة العربية

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: “ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الوَحدة (بفتح الواو) والوِحدة (بخفضها) فيقولون: الوَحدة العربية ويعنون انصهار الدول العربية في دولة واحدة، فيوهمون، لأن الوَحدة (بالفتح) تعني الانفراد، بينما الوِحدة (بالخفض) تعني الارتباط والانصهار وجمع الأجزاء. ومن الأولى ما جاء في الحديث: شر أمتي الوحداني المعجب بدينه المرائي بعمله. يعني المنفرد بنفسه المفارق للجماعة، وهو منسوب إلى الوحدة والانفراد بزيادة الألف والنون للمبالغة. وعلى هذا تكون الوحدة من الانفراد، وتكون الوحدة من الاتحاد.”

قل: هذا كوكب الزُّهَرة
ولا تقل: هذا كوكب الزُّهْرة

كتب الحنفي:وقال الصقلي: “يقولون للنجم المعروف: الزُّهْرة، بإسكان الهاء. والصواب فتحها.” انتهى

وجاء في لسان العرب: “والزُّهَرَةُ، بفتح الهاء: هذا الكوكب الأَبيض؛ قال الشاعر: قد وَكَّلَتْنِي طَلَّتِي بالسَّمْسَرَه، وأَيْقَظَتْنِي لطُلُوعِ الزُّهَرَه”.

(الطلة: الزوجة)

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 1

خلفية تأريخية

لا بد من البدء بتعريف العراق. ذلك أني حين أشير للعراق فلست أعني العراق بحدوده السياسية التي رسمها الإحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى. وقد يظن القارئ أن هذا أمر ثانوي لكنه ليس كذلك لأن جذور الصراع وما آل اليه الحال ساهمت حدود العراق المصطنعة في تكوينه. فالعراق الجغرافي والسياسي هو بلاد ما بين النهرين. وحين نرجع للتأريخ المدون نجد أن هذه الأرض بدأت دولة كبرى (امبراطورية) سكنها الساميون باختلاف قبائلهم. وحيث إن الإمبرطورية لا ترسم حدوداً سياسية فان دول ما بين النهرين امتدت بشكل طبيعي بين منبع الفراتين (الفرات ودجلة) حتى نهاية الخليج كما يقتضي الحال لمنابع الأنهار أن تنتهي في عمق بحارها من أجل تجارتها وتوسعها. وذلك كله قبل أن يصل الأتراك أو الأكراد للمنطقة. وحين اصبحت بغداد عاصمة الدولة العربية الإسلامية (العباسية) فقد كان العراق السياسي كذلك دون حدود لعدم وجود حاجة لذلك. فالأتراك كانوا قبائل مشتتة ومتخلفة أما الخليج فلم يكن مسكوناً إلا بعدد من الأعراب البائسين الذين كان يشرفهم أن يكونوا من رعايا امبراطورية بغداد. وحين ورثت الدول العثمانية عراق العباسيين بحجة كونها خلافة اسلامية تحافظ على دين محمد، وإن لم تفعل أياً من ذلك، فقد كان العراق السياسي في تعريف الدولة يتكون من ثلاث ولايات هي الموصل وبغداد والبصرة. وكي نعرف ما هي حدود العراق السياسي حتى عام 1913 فما علينا سوى أن نطلع على التقسيم الإداري كما هو محفوظ في وثائق الدولة العثمانية. ويهمنا هنا ولاية البصرة وليس بغداد والموصل لأسباب واضحة. وقد ورد التقسم الإداري لولاية البصرة كما يلي:

التقسم الإداري لولاية البصرة عام 1913

تنقسم ولاية البصرة الى أربعة ألوية ويشكل كل لواء الأقضية المبينة أدناه:

لواء البصرة: (قضاء البصرة، قضاء القرنة، قضاء الفاو، قضاء الكويت)
لواء المنتفك: (قضاء الناصرية، قضاء المنتفك، قضاء الحي، قضاء سوق الشيوخ)
لواء العمارة: (قضاء العمارة، قضاء المجر الكبير، قضاء علي الغربي)
لواء نجد: (قضاء الهفوف، قضاء القطيف، قضاء قطر، قضاء الرياض)

وقد جاء في كتاب “خير الكلام في التقصي عن أغلاط العوام” وهو من كتب اللغة العربية لعلي بن بالي القسطنطيني الحنفي المتوفى سنة 992 هـ ما نصه ” قال الصقلي: مما يشكل قولهم: عُمَان، بضم العين وتخفيف الميم: بلد على شاطيء البحر بين البصرة وعدن.” وهذا النص الوارد في كتاب من كتب العربية يثبت لنا أن ما كان معروفاً في القرن العاشر الهجري أنه لم يكن بين البصرة وعدن سوى عمان. وهو ما يبدو كان الحال حتى عام 1913، أي أن ولاية البصرة كانت تنتهي في حدود دولة عمان. وهذه هي حدود العراق الجنوبية الجغرافية والسياسية والتأريخية وهكذا يجب أن تكون وستكون!

هذا هو جنوب العراق السياسي الذي كان. ولا يغير ذلك اي تدخل أجنبي رسم حدوداً تتفق مع مصالحه. فقد جاء الصليبيون ومكثوا 200 عام وغيروا وبدلوا وحين رحلوا عاد كل شيء لما فرضه التأريخ. إن من لا يفهم هذه الحقائق عن العراق السياسي ويعتقد أن القانون مطابق  للمشروع الصهيوني في المنطقة يعيش خارج التأريخ أما الذي يعيش حقائق الأمور فهو ليس “من العالقين في الماضي” كما وصفهم أحد المسؤلين في الخليج وانما يعيش على وفق قواعد التأريخ والسياسة والقانون!

وكانت هذه الأرض من اقدم ما استوطن. وهذا الإستيطان أدى بدوره لنشوء حضارات متعاقبة قدمت للعالم ما لا حاجة للتذكير به. لكن هذا الخير الذي منحه الفراتان أدى كذلك لتصارع الغرباء على العراق في مد العصور. وبرغم ان خصب الأرض لم يعد سبب الطمع في أرض العراق وبرغم أن النفط لم يعد السبب الرئيس، إلا أن العراق ظل مطلب الغزاة كلما سنحت الفرصة بذلك.

وهناك اسباب مادية وغير مادية لهذا الطمع في الهيمنة على العراق ليس هنا مكان عرضها ومحاولة فهمها، اذا افترضنا امكانية ذلك، لكن يكفي في نظرة سريعة أن نفهم بعضاً من سبب تعلق كثيرين من أهل الأرض بالعراق. فتأريخ اليهود في العراق لأنهم عاشوا فيه آلاف السنين وكتبوا التلمود فيه. وتأريخ النصارى في العراق أعرق من غيره حيث كانت الكنيسة النسطورية من أقدم الكنائس. أما الإسلام فارتباطه بالعراق أعمق من أي أرض بعد المدينة ذلك لأن الفقه الإسلامي أغلبه ولد في العراق فالفقه السني عراقي والفقه الجعفري عراقي والفقه الأباضي عراقي والباطنية عراقية والتصوف عراقي، وما من معتقد في الإسلام الا وله جذر عراقي.

أما طمع أوربا بالعراق (وأعني بأوربا القارة وما ولد عنها من استيطان أوربي في قارتي أمريكا واستراليا) فله سبب يتجاوز المادة والجغرافية. إنها عقدة النقص التي يحس بها الأوربي الذي يعتقد يقيناً بتفوقه الحضاري علينا لكنه يشعر بالنقص في أن دينه، بل ربه الذي يقتدي به، هو واحد منا ومن أرضنا. لذلك اعتقد أن له الحق في هذه الأرض، حتى قبل التقنية والثورة الصناعية وآلة الحرب المدمرة الجديدة، فجاء بالغزو الصليبي واستوطن.

وقد صور الكاتب الفنزويلي “فرناندو بايس” طمع أو حقد أو كراهية الأوربي الظاهر أو الباطن لنا حين كتب بعد غزو عام 2003: “إنها لمفارقة حقا أن يأتي مخترع الكتاب الإلكتروني الى بلاد ما بين النهرين، حيث ولدت الكتب والتأريخ والحضارة، كي يدمرها”.

إن الوضيع الفريد للعراق أنتج حقيقة تأريخية فريدة في المنطقة. تلك هي ان العراق في كل تأريخه إما مركز دولة عظمى “امبراطورية” تمتد سيطرتها لمساحات أكبر بعشرات المرات من حجمها، كما أسلفت، وإما دولة مستباحة في زاوية من زوايا امبراطورية محتلة. ولم يكن بين هذين الحالين بديل لوضع مستقر أو طويل الأمد. فالعراق كان سومرياً أو أكدياً أو آشورياً أو بابلياً أو عباسياً في امبراطورياته. وكان فارسياً أو عثمانياً أو بريطانياً أو صهيونياً في امبراطوريات المحتل. ولم يكن بينها في الفترات القصيرة سوى بلد صغير ضائع تحت وصاية خارجية ويبحث عن مخرج لم يستقر له حال فيها.

وقد أنتج هذا العنف التأريخي حالة فريدة أخرى في المنطقة مفادها أنه لا يمكن أن تقوم بين جبال زغروس والبحر الأبيض المتوسط قوتان. أي يجب أن تهيمن قوة واحدة على هذه المنطقة فاذا وجدت قوتان فانهما سوف تتصارعان حتى يحسم الصراع لإحديهما. وهذا يعني أن العراق هو ساحة ذلك الصراع بين تلكما القوتين اذا لم يكن هو مقر القوة الضاربة في المنطقة. فحين قامت الإمبراطورية الفارسية على حدود الإمبراطورية الرومانية فقد اتفقا على تقاسم المنطقة فكان العراق للفرس وكانت بلاد الشام للروم. وحين ورث العثمانيون بيزنطة فإنهم تقاتلوا مع الفرس على المنطقة فملوكها أكثر الوقت وان كان العراق قد وقع بيد الصفويين لوقت قصير نسبياً في ذلك الصراع لكنه ظل مع ذلك ساحة الصراع دون أن يكون لأهله أي دور في مصيره.

وبعد أن أنهك العثمانيون الجهلة العراق، سلبوه لغته وتراثه وساقوا ابناءه للموت في حروبهم البائسة، جاءت الصهيونية للمنطقة بشكل سافر وتمثلت أول الأمر بالإحتلال البريطاني للعراق عام 1916. فحكم الصهاينة البريطانيون العراق مباشرة لمدة ثم تحكموا بمصيره لعقود بعدها، أي ان العراق ظل تحت مظلة الإمبراطورية البريطانية أثناء ما سمي بالحكم الوطني. لكن الإمبراطورية البريطانية كانت قد وصلت مرحلة الشيخوخة كما يحدث لأية امبراطورية. وتقضي قواعد التأريخ أنه حين تشيب الإمبراطورية فإن من كان تحت هيمنتها سوف يكتسب الحرية وان كان بشكل تدريجي. لكن الحال اختلف هنا. فقد مدت الصهونية التي ولدت في لندن يدها لتتحكم بسوق المال في نيويورك وترتب على ذلك التحكم بالولايات المتحدة الوريث الأنكلو ساكسوني للإمبراطورية البريطانية. على أن هذا الإنتقال لم يقد لفقدان بريطانيا دورها بالكامل في العراق، فقارئ التاريخ والباحث فيه سيجد أن كلاً من حرب 1991 وغزو العراق عام 2003 كان بدفع من لندن أكثر منه بدفع واشنطون!

وتمكنت الصهيونية العالمية من تأسيس قاعدة ثابتة لها عند نهاية الحرب العالمية الثانية في خلق دولة اسرائيل، دولة أوربية ثابتة تستبد وتبتز، مخففة بذلك الحاجة الى نقل الجيوش والأساطيل في المستقبل للهيمنة على المنطقة بشكل مستمر. لكن اسرائيل واجهت حقيقة الصراع التاريخي على المنطقة والذي عرضته أعلاه مع دولة ايران الصاعدة. فكما بينت أعلاه لا يمكن قيام دولتين قويتين بين جبال زغروس والأبيض المتوسط فانه لا بد من قيام صراع بين اسرائيل وايران على المنطقة.

وحين كانت ايران تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي فان ولاء هذا الأخير للصهيونية خفف من الإحتكاك وان كانت لديه شخصياً أحلام بعودة مجد فارس كما تجلى في الإحتفال الشهير في تشرين الأول عام 1971 بمرور 2500 عام على انشاء مملكة فارس القديمة. لكن هذا الحال تغير بعد رحيل الشاه وسقوط نظامه وقيام الجمهورية الإسلامية. وهذا التغير في ايران قاد لمرحلة جديدة من الصراع المفتوح.

ولن أدخل في أي عرض للحرب العراقية الإيرانية وكيف لعبت هذه الحرب دوراً خطيراً في تطوير الصراع  في المنطقة وان كان هذا مهماً جداً لكن الخوض فيه سوف يبعدنا كثيرا عما نحن فيه من حقائق تقتضي التعامل معها كما هي. إلا أن هذا لا يعني عدم عرض حقيقة الدولة الإيرانية اليوم وهدف الصراع مع الصهيونية على المنطقة.

فالجمهورية الإسلامية في ايران اليوم دولة ذات تركيبة سياسية معقدة ومختلفه كثيراً عن جيرانها وهذا نتاج أربعين عاماً من بناء بدأت بثماني سنوات من حرب طاحنة. وولد عن كل ذلك ظهور قوتين في إيران احداهما تتبع الفقيه وخلفها حرس الثورة والثانية تضم رجال الدين وغيرهم مما لا يتبع ولاية الفقيه وكان يقف على رأس هذه المجموعة هاشمي رفسنجاني. ويتضح تعايش المجموعتين من حقيقة أن رفسنجاني ظل طيلة الفترة في موقعه القيادي برغم خلافه الواضح والعلني أحيانا مع الفقيه. كما إن كلاً من رؤساء الجمهورية السابق محمد خاتمي والحالي الشيخ روحاني هم من أتباعه ومؤيديه. فما الذي يجمع الإثنين وما الذي يفرقهم؟

إن ما يجمع الإثنين هو مصلحة ايران. فالفقيه يرى ان الإيرانيين هم أقدر على قيادة العالم الإسلامي لفشل العرب في تلك المهمة وهذا يعني ضرورة مد الهيمنة الفارسية على العراق وما بعده من بلاد الشام وجزيرة العرب لا من باب الرياء والكذب وانما لقناعته وايمانه بذلك. وقد لا تتفق معه لكنه على يقين وبينة من أمره. أما جماعة رفسنجاني فهم لا يؤمنون بالواجب الديني الذي يدعوهم لقيادة المسلمين لكنهم يعتقدون بسمو الفرس على من حولهم وهم بهذا مكلفين في الهيمنة على المنطقة. وهكذا فبرغم اختلاف النية والهدف الا أن الطرفين متفقان على ضرورة الهيمنة على المنطقة. ولا بد من ملاحظة حقيقة مهمة هنا وهي ان القوى التي تتصارع في ايران سواء أكانت خلف الفقيه أم لم تكن خلفه هي في جوهرها وطنية من حيث انها تخدم مصالح ايران. لذلك وجدت الصهيونية صعوبة في أن تخترق المؤسسة الحاكمة في ايران بينما نجحت بسهولة في عدد من الدول العربية والتي لم يكن الصراع الداخلي فيها صراعا وطنيا.

وللحديث صلة..

سنتابع في الحلقة التالية كيف تطور الصراع على العراق بعد 2003