مسائل من القرآن – باب الملائكة والجن والإنس

بسم الله الرحمن الرحيم

مسائل من القرآن – باب الملائكة والجن والإنس

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على محمد وآله بعده،

 

قال عز من قائل  “وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا۟ كَآفَّةًۭ ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍۢ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌۭ لِّيَتَفَقَّهُوا۟ فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا۟ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ” (9 /122)

وقال جل وعلا “ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ” (3/191)

فأمر تعالى بالتفكر في خلقه طمعاً في استنباط الحكمة من الخلق.

إن ما سيأتي بعد هذا من أبواب هي محاولة مني في عرض مسائل واجهتها في تفكري. وعرضها لا يتبع منهجية معينة إنما يأتي كما يقتضيه الحال وبما يسمح به مقلب الأحوال، بعضها سيكون على شكل أسئلة دون تعليق وبعضها مع تعليق وبعضها ربما مع شرح موجز لكن الهدف من الجميع يبقى دفع المتلقي للتفكر والبحث عن جواب.

ولا بد من التذكير بأني في كل ما أكتبه ألزم نفسي بمبادئ معينة منها:

1. اني أعد الكتاب الكريم تنزيلا إلهياً منزهاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا يعني أن لا يظنن أحد أني أروم مما أكتبه حتى مجرد الإيحاء بأنه ليس كذلك.

2. اني أعد الكتاب وحدة متصلة لم يتغير فيها حرف منذ الأزل وهذا يعني أن ما يقوله عامة المسلمين بأن بعضه نسخ بعضه الآخر بمعنى أنه حل محله باطل عندي. فالكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ليس فيه حرف ولا كلمة ولا آية بطل مفعولها بشيء جاء بعدها. ذلك لأن ما جاز أن يبطل بعضه جاز أن يبطل كله وهذا ممتنع. فإذا ظهر للبعض أن آية تناقض آية فذلك لعلة في المشاهد لا في المشهد.

3. اني لا أعتد في تفسير القرآن بالحديث النبوي إذا كان الحديث يأتي بما لم يأته القرآن ذلك لأنه ما غاب عن رب العزة شيء حتى يتممه أحد بعده. فإذا كان الحديث لتوضيح أو توسع في الشرح فلا بأس، أما إذا كان في الحديث الشريف المنسوب للنبي الأكرم (ص) ما يخالف الحكمة الإلهية أو يناقض نصاً قرآنياً فهو عندي مما لا يعتد به.

 

4. كما اني اعتمد لسان العرب في فهم ما جاء به رب العزة فقد شاء عز من قائل ان يجعله قرآناً عربياً “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ” (فصلت/44). فكل تأويل يؤتى به لكي يفسر أمراً في القرآن يتناقض مع لسان العرب من حيث معناه أو إعرابه ليس مقبولاً عندي. فإذا قال قائل إنه لابد من قبول الرمز في موضع ما من الكتاب فلا بد أن يقبل ذلك المحتج بجواز قبول الرمز في سائر الكتاب مما يجعل النص كله مؤولاً.

باب الملائكة والجن والإنس

س: قال عز من قائل: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” 51/56 أليس في هذا نص يخبر فيه رب العزة أنه خلق الجن والإنس حصراً كي يعرفوه؟ وهو ما أكده الحديث القدسي المتواتر في قوله تعالى لأحد أنبيائه حين سأله لماذا خلقت فقال “كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني”. وحيث إن معرفته لا يكلف بها إلا العاقل فقد وجب أن يكون تعالى قد حصر في الجن والإنس العاقل ووجب أن يكون ما سواهما غير عاقل فلا يقع عليه تكليف معرفة الله.

س: وقال الرحمن الرحيم: “وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ” (يونس/6) ومثلها كثير في الكتاب المنير، وقال سبحانه: ” وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ” (طه/49)، وقال : ” وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ ۖ” (المؤمنون/19) وقال : ” ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَـٰنِ مِن طِينٍۢ” (السجدة/7) وقال: ” وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ” (الحجر/27) وغيرها كثير وكثير من آيات الكتاب في خلق كل شيء. لكن الأمر الذي لم يرد له نص في الكتاب هو خلق الملائكة، فلم يرد نص واحد في خلق الملائكة رغم أنه تعالى نص على خلق السموات والأرض والجن والإنس والدواب والأنعام والشمس والقمر. فهل يعني هذا أن الملائكة غير مخلوقين وهذا ممتنع عقلاً؟ فإذا كانوا مخلوقين فلماذا لم يخبر تعالى عن ذلك؟

س. وإذا كنا قد سلمنا أنه تعالى حصر تكليف المعرفة بالعاقل من خلقه فلم لم يشرك الملائكة مع الجن والإنس في التكليف بمعرفته وهم ما وجدوا إلا لذلك؟

س. قال رب العزة في محكم كتابه العزيز:” وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ”(البقرة/34) وقال الرحمن الرحيم  “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا” (الكهف/50) أليس في هذا النص الصريح إخبار منه تعالى ان إبليس كان من الجن ومن الملائكة في الوقت نفسه أي بمعنى أدق ان من الملائكة من جاز أن يكون من الجن؟ فلا يقولن أحد ان حديثا جاء عن نبي أو ولي يخبر فيه بأن إبليس لم يكن من الملائكة لأن ذلك خلاف لسان العرب الذي نزل به الكتاب. فهو مثل صريح على المستثنى التام المثبت، فالمستثنى فيه إبليس والمستثنى منه هم الملائكة ولا يمكن للنص أن يؤول خلاف ذلك.

س. فإذا أخبر تعالى أن من الملائكة من كانوا من الجن فهل يمكن أن يكون من الملائكة من هم من الإنس؟ وإذا كان الأمر كذلك ألا  يحل هذا الجواب سبب خلو الكتاب من الإشارة لخلق الملائكة ما داموا هم من الجن والإنس وقد أخبر تعالى عن خلق الثقلين فكفى؟ فإذا لم يكن ذلك ممكناً فكيف تم خلق الملائكة ومم خلقوا ومتى وكيف؟

س. قال العزيز الوهاب: “وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ” (النمل/17) وقال: “قَالَ عِفْرِيتٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌۭ” (النمل/39)، أليس  في هذا نص صريح على أن الجن حشروا في مجلس سليمان (ص) وأن أحدهم صرح بأنه قادر على أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مقامه وأن كل هذا تصريح بأن هذا وقع وشاهده كل من حضر مجلس سليمان؟ ألا يؤكد هذا أن الجن كانوا في مجلس سليمان بصورة بشر وإلا فما الحكمة من رواية هذا المشهد إذا لم يكن يعقله العاقلون؟

س. ألا يفضي النص أعلاه إلى أن الجن يظهرون على صورة بشر؟ وهذا ما تؤيده رواية أبي هريرة عن نفسه في الخبر الذي جاء في الصحاح من أن أبا هريرة استضاف أعرابيا لمدة  ثلاثة أيام وحين انصرف الأعرابي أبلغه رسول الرحمة (ص) أن ذلك الأعرابي كان إبليس جاء أبا هريرة ليعلمه القرآن. ولماذا إحتاج أبو هريرة لإبليس وهو يصاحب الرسول النبي الأمي (ص)؟

س. قال الرؤوف الرحيم:” يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ‌ٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ “(أعراف/27)   وقال “أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا” (الكهف /50)  ويبدو صريحاً من هاتين الآيتين الكريمتين أن لإبليس قبيل وذرية. ألا يقتضي هذا أن يكون إبليس يتناسل وأن تكون هذه الذرية ظاهرة بصورة بشرية حتى يمكن إتخاذهم أولياء من دون الله؟ فإذا لم يظهروا للناس فكيف يفسدون إذن وكيف يتخذهم الناس أولياء؟ ثم كيف يتناسل إبليس كي تكون له ذرية حيث إن العرب يعرفون ذرية الرجل بانهم ولده؟ ثم كيف يمكن للمرء أن يعرف هل أن من أمامه هو من ذرية آدم الطيني أم ذرية إبليس الناري؟

س. قال الرحمن الرحيم في سورة الرحمن وهو يصف قاصرات الطرف من حورالجنة: “لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ” (الرحمن/74). أليس هذا مصداق ما جاء أعلاه من صدق تناسل إبليس وذريته، فالوطأ لا يقع من خيال ولما ضرب تعالى المثال بأن ايا من الجن لم يطأ أولاء الحور فإنه تعالى أخبر عن جواز ذلك وما أجازه تعالى لا بد أن يكون حقاً.

س. قال البارئ المصور: “وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَ‌ٰلِ وَٱلْأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلَّا غُرُورًا” (إسراء/64) فمن هم خيل إبليس ورجله؟ وكيف سيشارك الكفار في الأموال والأولاد إن لم يكن ظاهراُ في صورة بشرية؟ فلا يقولن أحد ان الشراكة هنا هي شراكة رمزية او بالواسطة فذلك لا يصح في لسان العرب وقد شاء رب لعزة أن يشرف هذه اللغة بالنطق بها وحين فعل أتمها وأكملها فلم تعد تحتاج لمن يغير استعمالا فيها. وقد جاء في مقاييس اللغة لإبن فارس: “ويقال شاركتُ فلاناً في الشيء، إذا صِرْتَ شريكه.
وأشركْتُ فلاناً، إذا جعلتَه شريكاً لك. قال الله جلَّ ثناؤهُ في قِصَّةِ موسى: وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي [طه 32]”. وحاشاه تعالى أن يعجزه التعبير حتى يأتي أحد المفسرين ليقول لنا أنه تعالى لم يقصد أن تكون الشراكة حقيقية!

س. قال الرحمن الرحيم:” قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ (أعرف/14-15) فشاء تعالى أن يجعل إبليس خالدا الى يوم الدين. ثم أنبأنا الرؤوف الرحيم في قوله: ” إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ” (طع/74) بأن إبليس خالد في النار كما هو خالد في الأرض. فهل ان ذريته خالدون مثله أم لا؟ وإذا لم يكونوا خالدين فما علة خلقهم وتناسلهم ثم موتهم بينما أبوهم خالد الى يوم الدين؟

س. قال السميع البصير على لسان ملائكته وهم يشهدون له بعجزهم: “قَالُوا۟ سُبْحَـٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ” (البقرة /32)  فشهدوا انهم لا سابق علم لهم إلا بمقدار ما علمهم مولاهم. فلما كان إبليس من الملائكة فكيف علم هو ولم يعلم غيره من الملائكة أن يقيس حين قال: ” قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ ” (أعراف/12)؟  أم ان إبليس وحده من بين الملائكة أوتي المقدرة على القياس أو الإجتهاد أوكليهما؟

س. فهل أخطأ إبليس لأنه قاس كما حذر جعفر الصادق أبا حنيفة من القياس أم أن إبليس أخطأ في معصية الأمر الآلهي بالسجود بغض النظر عما إذا كان القياس في الأمر الإلهي صحيحاً أم لا؟

س. قال عز من قائل:” لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (ص/56). أليست عودة الشيء لأصله هي من طبيعة الأشياء وما كان طبيعيا فلا يمكن أن يكون عذاباً.. فقد يكون مصير الطين في النار عذابا لكن مصير النار في النار لا يمكن أن يكون عذاباً. فإذا كان إبليس قد خلق من نار فكيف يكون مصيره في النار عذابا له؟

س. قال عز من قائل: ” وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ، قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ” (أخقاف /29-30) فكيف لم يسمعوا بكتاب المسيح وقد قال عز من قائل ” ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ” (الحديد/27) فأين كان الجن عن الإنجيل لكي يتحدثوا عن القرآن كتاباً انزل من بعد موسى ولم يتحدثوا عن كتاب أنزل من بعد عيسى مصدقاً لما بين يديه، فهل حجبوا عن الإنجيل ولم حجبوا عنه؟

س. قال الكبير المتعال في حديثه عن ذرية إبليس: ” مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًۭا” (الكهف/51) وحيث إنه تعالى لا يضرب الأمثال عبثاً اليست هذه الآية الكريمة تأكيداً على أن هناك من شهد خلق نفسه أو خلق السموات والأرض وأن ذرية إبليس من الجن لم يكونوا من بينهم؟

س. قال الظاهر والباطن: ” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ” (أعراف/172)  اليس في هذا الآية الكريمة إعلام منه تعالى أن بني آدم قد شهدوا خلقهم في الذر. فهل شهد كل بني آدم خلقهم أم شهد بعضهم فقط؟ وكيف يكون عدلا منه، وهو العدل مطلقاً، أن يشهد بعضا ولا يشهد بعضاً آخر..ألا يقتضي هذا أن كل ذرية آدم قد شهدوا خلقهم حتى لا يحتجوا عليه بالجهل يوم الفزع الأكبر؟

س. وكيف عرفت تلك الأنفس أن سائلها هو خالقها حتى تقر له بالعبودية؟ ثم كيف تجلى الخالق لتلك الأنفس حين أخذ عليها العهد؟

س. ثم أنبأنا فاطر السموات والأرض على لسان إبراهيم: ” قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَ‌ٰتِ وَٱلْأَرْضِ ٱلَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَ‌ٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ” (الأنباء/56) وإبراهيم معصوم من الكذب فلا يمكن أن يدعي باطلا ما لم يشهده وليس له أن يشهد على ما لم يره. ألا تنص هذه الآية لكريمة على ان ابراهيم شهد خلق السموات والأرض؟ وإذا كان هذا حقا ما وقع فأين كان إبراهيم وقتها؟ ألا يصدق هذا ما روي عن نبينا الأكرم (ص)  قوله: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، كنت نبياً لا آدم ولا ماء ولا طين”؟

س. قال تعالى: ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًۭا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌۭ (الحج/75) أليس هذا تصريح من رب العزة أنه يختار من الملائكة رسلا كما يختار من البشر؟ وإذا كان الأمر وهو ولا شك كذلك فهل من الرسل الذين جاؤوا للبشر من كان من الملائكة أم أن رسل الملائكة كانوا للملائكة كما أن رسل البشر كانوا للبشر؟

س. قال عز من قائل: ” وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ” (6/9) أليس هذا نص إلهي بجواز أن يظهر الملك على صورة رجل؟ وقد اشار تعالى في أكثر من رواية عن إرسال الملائكة لإنبيائه كما فعل في إبراهيم ولوط لكن النص الصريح على الصورة البشرية للملائكة جاءت في سورة مريم في قوله تعالى: “فأرسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً”. ألا يؤيد ذلك ما جاء في تواتر الخبر في السيرة النبوية أن جبريل (ع) كان يأتي رسول الله الأكرم (ص) على صورة الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي، حتى كان بعض المسلمين ممن لا علم لهم إلا بظواهر الأمور يسألون أخرج دحية أم خرج جبريل.

س. قال العزيز الحكيم: “قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌۭ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًۭا رَّسُولًۭا” (إسراء/95) فأكد تعالى جواز أن يكون الملائكة ماشين على الأرض وما أجازه تعالى واجب الوقوع. فهل مشى ملائكة على الأرض ومن هم رسلهم؟

س. أليس هذا تصديق ما أبصره السامري في قول رب العزة “قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَ‌ٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى” (طه/96) إذ أبصر السامري أن الأرض تحيى من تحت قدم جبريل فقبض من ذلك التراب وألقاه في العجل فصار للعجل خوار.

س. وقال عز من قائل: “وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ” (الزخرف/60) فأكد تعالى جواز أن يكون في الأرض ملائكة يخلفون. فهل أن أمراً حجب مشيئته حاشاه؟ أم أنه قدر ألا تتحقق تلك المشيئة رغم قيامها؟

س. وقال الرحمن الرحيم في ستره لضعف المؤمنين في بدر:”إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ” (آل عمران/124) واردفها بقوله “بَلَىٰٓ ۚ إِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ ءَالَـٰفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ” (أل عمران/125) فكان أن قاتل معهم خمسة آلاف من الملائكة. فهل هناك شك في أن هؤلاء الملائكة ظهروا على صورة بشر إذ لو لم يكن ذلك لما إطمئن المؤمنون ذلك لأن الطمأنينة تكون في المشاهدة كما قال على لسنا ابراهيم: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَ‌ٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ” (2/260)

س. وقال الجبار المتعال: “وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ” (أنعام/8) فنص على أن نزول الملك لا يتم إلا بقضاء الأمر. فكيف إذن أنزل رسله من الملائكة على إبراهيم ولوط وزكريا ونبنيا الأكرم (ص) وكثير غيرهم كما جاء في الكتاب الكريم؟

س. وقال البارئ المصور: “يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًۭا مَّحْجُورًۭا” (الفرقان/22) فكيف يكون ذلك وقد أبلغلنا تعالى أنه أرسل خمسة آلاف من ملائكته ليقاتلوا في بدر وقد رآهم المسلمون والمشركون؟

س. قال رب العزة: “وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلْأَسْفَلِينَ” (فصلت/29). وهذه الآية الكريمة كما يبدو واضحاً تتعلق بالكافرين عموماً. وهم يرجون ربهم، بعد أن يرون أن لا مفر لهم، أن يأتيهم بمن أضلهم من الجن والإنس. وهم في هذا يطلبون اثنين فقط أحدهما من الجن والآخر من الإنس. وليس هناك من خلاف أن إبليس هو المقصود بمن أضل من الجن فهو الذي يضل الناس في كل زمان ومكان ما دام رب العزة قد خوله ذلك في قوله “قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ ” (الحجر/37). وهنا لابد من السؤال المحير:  من هو المقصود من الإنس الذي اضل الناس حتى يكون مع إبليس في موضع واحد من المسؤولية فيطالب الكفار بمواجهته لمعاقبته؟  فإذا كان المقصود أكثر من إنس واحد فقد انتفت الحاجة للفعل المثنى ووجب أن يكون الفعل جمعاً. كما أن عدد هؤلاء الإنس الذي اضلوا سيكون بالآف الآلاف. إما إذا كان المقصود رجلاً واحداً من الإنس فمن هو وكيف يمكن له أن يكون نفسه هو المضل لكل الكفار في كل مكان وزمان؟ فإذا قال قائل إن المقصود بهذا الإنس هو ابن آدم فهو قول يفتقر حتى للحجة العقلية فإذا جيء يوم القيامة بابن آدم لأن قوماً في القرن العشرين، على سبيل المثال، زعموا أنه أضلهم ألا يكفيه رداً أن يقول للعادل الرحيم: وما علاقتي بهؤلاء وقد قبضتني قبل آلاف السنين؟

وللحديث صلة..

عبد الحق العاني

رجب 1434

أيار 2013

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

رأي واحد على “مسائل من القرآن – باب الملائكة والجن والإنس”

  1. السلام عليكم ورحمة الله

    تفكر وفكر رائع وجميل جدا ، التساؤلات اعلاه مثيرة وربما تحفز اي قارئ للمثابرة في ايجاد الاجابات لان ايجاد الاجابة سيكون اكثر متعة .
    اتمنى معرفه الجواب يوما ما ، واشكركم على اثارة هكذا مسائل فكرية .

    تحياتي
    خليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


CAPTCHA Image
Reload Image