قل ولا تقل/ الحلقة السادسة


قل: تأكّدت الشيء تأكّداً

ولا تقل: تأكّدت من الشيء

والفعل “تأكّد” لم يرد في كلام العرب إلا لازماً بمعنى توكّد فقد قالوا “تأكّد الأمرُ أي ثبت ثبوتاً وثيقاً. وجاء في لسان العرب “وكّد العقد أو العهد: أوثقه، والهمزة فيه (أي أكّد) لغة. يقال أوكدته وأكدته وآكدته إيكاداً، وبالواو أفصح أي شددته، وتوكّد الأمر وتأكّد بمعنى (واحد). ويقال: وكّدْتُ اليمين، والهمز في العقد أجود”.

ولما كانت اللغة العربية سائرة في طرقها الإشتقاقية نشأ فيها “تأكّد” المتعدي في كلام الكتاب وكتاباتهم قياساً على “تفعّل فلان الشيء” أي اصابه بأصل الفعل، مثل “تبين فلان الأمر” أي أوقع عليه البيان، وتحققه أي أوقع عليه التحقيق، فتأكد فلان الشيء بمعنى أوقع عليه التأكيد وهذه الأفعال المتعدية الثلاثة هي غيراللازمة التي هي بوزنها نحو “تأكّد الأمرُ” اي ثبت ثبوتاً وثيقاً وتبين أي ظهر واتضح وتحقق أي بانت حقيقته، فالأول قياسي والثاني والثالث سماعيان قياسيان.

ولذلك لا نجد موضعا لإستعمال “مِن” في قولهم “تأكّد فلان من الأمر ومن المبلغ”، لكن كثرة استعمال هذا الغلط جعلتهم لا يفكرون في تركيب جملته، وتحري الصحة فيه، لأنهم فكروا في تأدية المعنى حسب، وليس من شأن المتكلم إن لم يكن لغوياً أن يفكر في دقائق التركيب بعد أن يجده منطبقاً على قواعد الإعراب العامة، والعرب تستعمل “مِن” في مثل هذه الجملة عند استعمال المصدر أو الإسم لوصولهما بما يفيد تمام المعنى مثل “أنا على بينة مِن هذا الأمر، وأنتم على ثقة مِن أمركم”. (م ج)

قل: اعتاد الشيء وتَعَوَّده

ولا تقل: إعتاد على الشيء وتعود عليه

كثير من الناس يقولون تَعَوَّد على الشيء واعتاد عليه، وهذا خطأ. ففعل “إعتاد” و “تَعَوَّد” لا تتعدى بحرف الجر على، وإنما تأخذ مفعولاً به مباشرة.

فتقول: “إعتاد النوم مبكراً وتعود النوم مبكراً” وهذا هو الصواب.

وتقول: تَعَوَّده وعاوده معاوَدَة و عِواداً.

واعتاد وأعاده واستعاده: جعله من عادته. وعَوَّده إياه: جعله يعتاده. والمعاودة: المواضبة.

واستعاده: سأله أن يفعله ثانياً وأن يعود. (ع ن)[1]

قل: ملأ الوظيفة الشاغرة وينبغي ملء الشواغر

ولا تقل: إملاء الوظائف

وذلك لأنك تقول: ملأ الوظيفة الشاغرة، ومصدر ملأ المشهور هو الملء لا الإملاء، والإملاء يكون مصدرا لفعلين مختلفين، أحدهما “أملى فلان على الكاتب إملاءاً” اي ألقاه عليه ليكتبه، والآخر “أملأه الغداءُ إملاءاً” أي أصابه بالملأة وهي الزكام، أو ثقل يأخذ في الراس من امتلاء المعدة. والثلاثي منه هو ملئ يملأ نحو زكم يزكم، فهو مملوء ومزكوم. فالإملاء هو الإزكام. قال السيد محمد مرتضى الزبيدي في تاج العروس: “الملاءة ممدوداً والملاء كغراب والملأة كمتعة…. الزكام يصيب من الإمتلاء أي امتلاء المعدة، وقد مُلئ (فلان) كعُني مبنياً للمفعول، ومَلُؤَ مثال كرُم وأملأه الله تعالى إملاءاً أي أزكمه فهو مُملأ….”

فقل: ملء الشاغر أو الشواغر ولا تقل: إملاء الشواغر (م ج)

قل: تَخَرَّجَ فلان في الكلية الفلانية

ولا تقل: تَخَرَّجَ من الكلية الفلانية

وذلك لأن تخرّج في هذه الجملة وأمثالها بمعنى “تأدّب” و “تعلّم” و “تدرّب” فيقال: “تَعَلَّمَ في الكلية” و “تأدّب في الكلية وتدرّب” ولا محل لحرف الجر “مِن” فليس المقصود الخروج من الكلية في قولنا “تَخَرّجَ في الكلية” ولو كان المقصود الخروج لكان لكل طالب في اليوم خرجة أو خرجتان ولذهب المعنى المقصود.

والعجيب أن “التخرُّج” لا يزال في اللغة العامية العراقية يفيد معنى العلم وحسن التصرف فالعوام يقولون في ذكر من يسيء التصرف والعمل ويرتبك في الأشغال “فلان ما يتخرّج بهذا الشغل، وفلان يتخرّج” إلا أن استعمال النفي هو الغالب عليه. (م ج)

قل: ينبغي لكل مسلم أن يتقي الله

ولا تقل: ينبغي على كل مسلم أن يتقي الله

مما شاع على ألسنة الناطقين بالضاد قولهم: “ينبغي على كل مسلم أن يتقي الله في كل عمل يعمله”. فكما ترى فإنهم يعدون الفعل “ينبغي” بحرف الجر “على”، مع إنه يتعدى بـ “اللام” لا بـ “على”. وقد نص القرآن الكريم على ذلك في غير موضع، منها قوله جل وعلا:

“وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا”

” لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار”

” وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين”

” قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي”

وجائز تعدية هذا الفعل من دون أن يليه حرف جر، وذلك إذا جاء بعده مصدر مؤول، كقولهم: “ينبغي أن تكثر من دعائك مولاك”. (خ ع)

قل: حتى تَطَّلِعَ على الأمر من كثب

ولا تقل: حتى تَطَّلِعَ على الأمر عن كثب

مما شاع على ألسنة المعاصرين قولهم: “حتى تَطَّلِعَ على الأمر عن كثب” وما الى ذلك من إدخال حرف الجر “عن” على “كثب”، واستعمال حرف الجر هذا هنا خطأ، إذ لم يرد عن العرب ذلك والصواب أن يستعمل حرف الجر “من”.

يقول الزمخشري في أساس البلاغة: “ومن المجاز: أكثب الأمرُ: دنا، أكثب فراقُ القوم، ورماه من كثب، وطلبه من كثب: من قرب”.

ويقول ابن منظور في لسان العرب: “كَثَبَ: الكثَبُ بالتحريك: القرب وهو كَثَبَكَ أي قربك، قال سيبويه: لا يستعمل إلا ظرفاً. ويقال هو يرمي من كثب ومن كثم أي من قرب وتمكن، أنشد أبو إسحاق:

فهذان يذودان           وذا من كثب يرمي

ويقول حاجز الأزدي (وهو جاهلي من شعراء الصعاليك):

إني متى أدع مخزوماً ترى عنقاً                لا يرعشون لضرب القوم من كثب

(خ ع)

قل: هذه بدايات أو بشائر المرحلة الجديدة

ولا تقل: هذه إرهاصات المرحلة الجديدة

فقد ساد في النصف الثاني من القرن العشرين بين عدد من المتعلمين وخصوصاً أدعياء الأدب من بينهم إستعمال لفظة “إرهاصات” بمعنى بدايات أو ولادات. ولا أعرف حقاً كيف دخل هذا الإستعمال الغريب ولماذا تم تداوله بشكل واسع دون أن يسأل أحد عن مصدره أو معناه الحقيقي. فلم يرد عن العرب هذا الإستعمال. ودليلي في هذا ما أوردته أمهات معاجم اللغة من فصيح اللغة العربية.

فهذا ابن منظور يخبرنا في لسان العرب في باب “رَهَصَ”:

“الرَّهْصُ: أَن يُصِيبَ الحجرُ حافراً أَو مَنْسِماً فيَذْوَى باطنُه، تقول: رَهَصه الحجرُ وقد رُهِصَت الدَّابة رَهْصاً ورَهِصَت وأَرْهَصَه اللّه، والاسم الرَّهْصةُ. الصحاح: والرَّهْصةُ أَن يَذْوَى باطِنُ حافِر الدَّابة من حجر تَطؤُه مثل الوَقْرة؛ قال الطرماح: يُساقطُها تَتْرَى بكل خَمِيلة، كبَزْغِ البِيَطْرِ الثَّقفِ رَهْص الكَوادِنِ والثَّقْفُ: الحاذِقُ.

والرَّهْصُ: شدة العصر…….

والإِرْهاصُ على الذَّنب: الإِصْرارُ عليه.
وفي الحديث: وإِنّ ذنْبَه لم يكن عن إِرْهاصٍ أَي عن إِصْرارٍ وإِرْصادٍ، وأَصله من الرَّهْصِ، وهو تأْسِيسُ البُنْيانِ.”

ويؤكد هذا المعنى صاحب القاموس إذ يخبرنا في باب “الرِّهْصُ”

“وأرْهَصَ الحائِطَ: رَهَصَهُ،
و~ اللّهُ فُلاناً: جَعَلَهُ مَعْدِناً للخَيْرِ………

ولم يكُنْ ذَنْبُهُ عن إرْهَاصٍ أي: إصْرَارٍ وإرْصَادٍ، وإنَّما كان عارِضاً.
ورَاهَصَ غَرِيمَهُ: راصَدَهُ.”

أما ابن فارس فيقول في باب “رهص” في مقاييس اللغة:

” الراء والهاء والصاد أصلٌ يدلُّ على ضَغْط وعصر وثَباتٍ. فالرَّهْص، فيما رواه الخليل: شِدّة العَصْر.
والرَّهَص أن يُصيب حجرٌ حافراً أو مَنْسِماً فيدوَى باطِنُه. يقال رَهَصه الحجر يرهَصُه، من الرَّهصَة.
ودابَّةٌ رهيص: مرهوصة.
والرَّواهص من الحجارة: التي ترهَصُ الدوابَّ إذا وطِئَتْها، واحدتها راهصة.”

فهذه ثلاثة من أمهات معاجم العرب تعطينا ما عرفه العرب من معاني للفعل “رهص” والفعل “أرهص” ومصدرهما. وليس من المعاني ما يشير ولو من بعيد أن العرب عرفت استعمالا للفظة “إرهاص” كما يريد كتاب عصرنا. (ع ع)

وللحديث صلة….

عبد الحق العاني

 12 تموز 2013


[1] أهم الأخطاء الشائعة اليوم في اللغة العربية

د. عدنان على رضا النحوي

دار النحوي للتوزيع والنشر – 2008

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image