قل ولا تقل / الحلقة الرابعة عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 قل: قد صَرَفْتُ فلاناً
ولا تقل: قد أصْرَفتُ فلاناً

كتب الكسائي: “وتقول قد صرفت فلاناً، وقد صَرَف وجهه عني، بغير ألف. ولا يقال: قد أصرفتُ فلاناً. قال الله عز وجل:” ثم انصرفوا صَرَفَ الله قلوبهم”. وتقول: قد صَرَفَت الكلبةُ بغير همزٍ إذا طلبت المعاضلةَ”. انتهى

وكتب ابن منظور في لسان العرب: ” الصَّرْفُ: رَدُّ الشيء عن وجهه، صَرَفَه يَصْرِفُه صَرْفاً فانْصَرَفَ……. أَصْرف الشاعرُ شِعْرَهُ يُصْرِفُه إصرافاً إذا أَقوى فيه وخالف بين القافِيَتَين؛ يقال: أَصْرَفَ الشاعرُ القافيةَ، قال ابن بري: ولم يجئ أَصرف غيره”.

قل: سَخِرْتُ من فلان
ولا تقل: سَخِرْتُ بفلان

كتب الكسائي: “وتقول: سَخْرْتُ من فلان بالميم ولا تسخر منه. ولا يقال: سَخِرْتُ بفلان بالباء. قال الله عز وجل: “لا يسخرْ قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم”.

وأضاف المحقق: وحكى أبو زيد: سَخِرْتُ به وهو أردأ اللغتين.” انتهى

وقد كتب ابن منظور: “سَخِرَ منه وبه” وكتب الفيروزأبادي في القاموس “سَخِرَ منه وـ به”. اما الجوهري فقد كتب في الصحاح: “سَخِرْت منه”، وكذا فعل ابن فارس في المقاييس فكتب: “سَخِرت منه”. لكنه يبدو أنه عاب القول الآخر فأضاف “ولا يزالون يقولون: سخِرت به، وفي كتاب الله تعالى: فإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُون”. ولست أرى أي سبب للإبقاء على اللغة الرديئة بعد ان جاء قول العليم العلام مبينا للصواب. اذ انه يمكن الإجتهاد في صحة كلمة ما إذا لم ترد في القرآن أما ما ورد فيها نص قرآني فليس بعد من سبب للنطق بها بشكل مختلف.

قل: هي عَرْصة
ولا تقل: هي عَرَصة

كتب مصطفى جواد: “وذكرنا لك السبب في الكلام على “أزمة” وأنها هكذا سمعت من العرب فإذا جمعت العَرْصة جمع مؤنث سالم قلت “عَرَصات” مثل ثَمرات ونَخلات وحَربات وأزَمات. وهذا الجمع مثل “عَرَصات” تستعمله لما بين الثلاث والعشر، تقول عندي ثلاث عَرَصات أربع عَرصَات خمس عَرَصات ست عَرَصات سبع عَرَصات ثماني عَرَصات تسع عَرَصات عشر عَرَصات، فإذا زاد عددها على ذلك قلت “عِراص”، وتقول عندنا عشر حَرَبات جمع حربة فإذا زاد عددها تقول “عندنا حِراب” كعِراص. وفي الحديقة عشرظَبَيات فإذا زاد عددهن قلت “في الحديقة ظِباء” على وزن حِراب وعِراص.

قل: استعرض المجتمعون عدة أحاديث
ولا تقل: استعرض المجتمعون هكذا أحاديث

وكتب عبد الهادي بوطالب: في لغة الإعلام بالمشرق العربي تَرِد كلمة “هكذا” بمعنى عِدَّة أو جملة أعداد. وتُصاغ الجملة على هذا النحو: “وتخلَّلَت الجلسةَ هكذا أحاديثُ شيِّقة”. و”استعرض المجتمعون هكذا ذكرياتٍ” أي عِدّةَ أحاديث، وعِدَّةَ ذكريات..ويقول بعض المحاضرين “اسمحوا لي أن أتقدم أمامكم بهكذا محاور لمناقشتها”.

واستعمال هكذا على هذا النحو خطأ. لأن “هكذا” كلمة واحدة مركبة من هاء التنبيه في أولها، وكاف التشبيه في وسطها، واسم الإشارة (ذا) في آخرها. وهي تفيد: على هذا النحو أو هذا الشكل.

وعندما نسرد تصريحا نطق به ناطق أو كتبه كاتب، ونريد أن نركِّز على كلمة أو جملة وردت فيه فإننا نذكرها ونضع بين هلالين كلمة “هكذا” ونقصد إبراز الكلمة السابقة لهكذا ونعني بها “بهذا اللفظ أو هذه العبارة”.

مثال ذلك: “وسمَّى مقاومةَ الفدائيين الفلسطينيين إرهابا (هكذا)” وتدل إضافة الكلمة على استنكار ما قبلها وتقييمه خلقيا أو التحفظ عليه.
وقد ورد استعمال “هكذا” بمعنى “على هذا النحو” أو “على هذا الشكل” في قوله تعالى عند ذكر قصة ملكة سبأ (بلقيس) والنبي سليمان: “فلما جاءت قيل أهكذا عرشُكِ قالت كأنه هو”.

لكن كلمة كذا (بدون هاء التنبيه) تُستعمل للدلالة على الشيء المجهول عدده أو نوعه أو ما لا يراد ذكره. فيقال : فعلتُ كذا وكذا. كما يقال: “اشتريتُ كذا كتابا” أي عددا من الكتب. و”رحلت كذا رحَلات”. وتأتي كلمة هكذا بمعنى “عدد من” على ألسنة بعض الإخوة العراقيين خاصة، ولعل استعمال هكذا بمعنى جملة أو عدد آت من اللهجة العراقية.

قل: قرأت آل حم وآل طس
ولا تقل: قرأت الحواميم والطواسين

وكتب الحريري “ويقولون: قرأت الحواميم والطواسين ووجه الكلام فيهما أن يقال: قرأت آل حم وآل طس ، كما قال ابن مسعود رحمه الله: آل حم ديباج القرآن.

وكما روي عنه أنه قال: إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن .

وعلى هذا قول الكميت بن زيد في الهاشميات:

وجدنا لكم في آل حم آية ** تأولها منا تقي ومعرب

يعني بالآية قوله تعالى في حم 16 * في القربى”.

وأيد ذلك الحنفي فكتب: قال الحريري: يقولون: قرأتُ الحواميمَ والطواسِينَ. والصواب: قرأت آل حم وآلَ طس. وعليه كلام صاحب القاموس.

وعلق ابو الثناء الآلوسي على ما كتبه الحريري فكتب: ” والخطاب لبني فاطمة رضي الله تعالى عنها السابق ذكرهم والآية:{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى} [الشورى:23]، وعنى بالمعرب المظهر لمحبتهم وبالتقي من يخفي ذلك تقية، والمراد بتأول الآية معرفة ما توول إليه من لزوم محبتهم، والكلام فيها في تفسيرنا روح المعاني، وآل فيما ذكر ليس بمعنى الآل المشهور بل هو لفظ يذكر قبل ما لا يصح تثنينه وجمعه من الأسماء المركبة ونحوها؛ كتأبط شراً فإذا أرادوا تثنيته أو جمعه، وهو جملة لم يعهد فيه ذلك زادوا قبله لفظة آل أو ذو فيقال جاءني آل تأبط شرا، أو ذو تأبط شرا أي الرجلان أو الرجال المسمون بهذا الاسم كما قالوا آل حم بمعنى الحواميم؛ فهو هنا بمعنى ذو والمراد به ما يطلق عليه، ويستعمل فيه هذا اللفظ، وهو مجاز عن الصحبة المعنوية، وفي كلام الرضي وغيره إشارة إلى هذا ولم يصرحوا بتفسيره فعليك بحفظه بأنه من الفوائد الفرائد. نعم ما ذكر في الأصل مما سمعت قد تبع فيه صاحبه بعض من تقدمه، والصحيح خلافه. فقد جاء ما أنكره في الآثار، وسمع في فصيح الأشعار، انشد أبو عبيدة:

حلفت بالسبع الألى تطولت وبمئبن بعدها قد امئتت
وبثمان ثنيت وكررت وبالطواسين اللواتي ثلثت
وبالحواميم اللواتي سبعت وبالمفصل التي قد فصلت

وقال ثعلب في أماليهِ الطواسين مثل التوابيل جمع تابل، وحكي الطواسيم أيضاً على أن الميم بدل من النون وانشد الرجز المذكور، وقد يستعمل جمعه من غير ال. وانشد ابن عساكر في تاريخه:

هذا رسول الله في الخيرات جاء بيسن وحاميمات

فروى لهُ جمعا آخر، وعن سيبويه في نحو طس ما كان على وزن مفرد يجعل اسما كقابيل؛ فيجوز حكايته وإعرابه، ومعاملته معاملة الأسماء. وقال العنسي في السجاد وقد قتله:

يذكرني حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم

فأعرب حم ومنعها الصرف بخلاف ما ليس فيهِ إلاَّ الحكاية نحو كهيعص.”

قل: هم يُريدون الوِحدة العربية
ولا تقل: هم يُريدون الوَحدة العربية

وجاء في ملحق مفردات أوهام الخواص: “ومن أوهامهم أنهم لا يفرقون بين الوَحدة (بفتح الواو) والوِحدة (بخفضها) فيقولون: الوَحدة العربية ويعنون انصهار الدول العربية في دولة واحدة، فيوهمون، لأن الوَحدة (بالفتح) تعني الانفراد، بينما الوِحدة (بالخفض) تعني الارتباط والانصهار وجمع الأجزاء. ومن الأولى ما جاء في الحديث: شر أمتي الوحداني المعجب بدينه المرائي بعمله. يعني المنفرد بنفسه المفارق للجماعة، وهو منسوب إلى الوحدة والانفراد بزيادة الألف والنون للمبالغة. وعلى هذا تكون الوحدة من الانفراد، وتكون الوحدة من الاتحاد.”

قل: هذا كوكب الزُّهَرة
ولا تقل: هذا كوكب الزُّهْرة

كتب الحنفي:وقال الصقلي: “يقولون للنجم المعروف: الزُّهْرة، بإسكان الهاء. والصواب فتحها.” انتهى

وجاء في لسان العرب: “والزُّهَرَةُ، بفتح الهاء: هذا الكوكب الأَبيض؛ قال الشاعر: قد وَكَّلَتْنِي طَلَّتِي بالسَّمْسَرَه، وأَيْقَظَتْنِي لطُلُوعِ الزُّهَرَه”.

(الطلة: الزوجة)

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image