قل ولا تقل / الحلقة السادسة عشرة بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

 

 

قل: الى جانب تعرض ضباط مسيحيين للإغتيال
ولا تقل: ناهيك بتعرض ضباط مسيحيين للإغتيال

 كتب إبراهيم اليازجي قبل مائة عام كتابه (لغة الجرائد) الذي عرض فيه أمثلة من الخطأ الشنيع في لغة ما كان يكتب في جرائد ذلك الوقت وبَيَّن القول السليم. ويبدو أن الكثير من الخطأ الذي كان شائعاً وقتها مازال قائماً. لكن الأدهى من ذلك هو ان وسائل التواصل الإجتماعي في عالم الثورة الرقمية انتشرت بشكل واسع إذا ما قيس الأمر بعدد الجرائد في ايام اليازجي.  وأصبح الخطأ هو الشائع والمقبول بل إن بعض الكلمات العربية أصبحت اليوم تستعمل في عكس معناها تماماً كما هو الحال في الفعل “صمد” وفي الفعل “تقاطع” حتى لم يعد العربي يعرف إذا كان المتحدث يريد مثلاً في استعماله “صمد” أنه ثبت أم سار!

ومما كتبه اليازجي حول استعمال “ناهيك”: ويقولون هو شاعر بليغ ناهيك عن شجاعته أي فضلاً عن شجاعته مثلاً. ولا يستعمل ناهيك بهذا المعنى إنما يقال زيد رجل ناهيك من رجل كما يقال كافيك من رجل وحسبك من رجل أي هو كاف لك فكأنه ينهاك عن طلب غيره”.

أمس انتهيت من قراءة كتاب مذكرات أحد الساسة اللبنانيين المعاصرين. وهو كتاب ممتع لكن ما أحزنني هو ما جاء فيه من أخطاء يبدو أن عدداً منها يخص لبنان ولم ينفع كتاب اليازجي في تغييرها. فقد أكثر الكاتب من الإستعمال الخاطئ لكلمة “ناهيك”، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

ناهيك بتعرض ضباط مسيحيين للإغتيال
ناهيك بتوفير الخدمات التي يتطلبها
ناهيك بزعماء وحلفاء أيضاً
ناهيك بأكثر من عقد من الزمن

وحين فكرت في هذه الإستعمالات وجدت أن الكاتب لا شك يفكر حين يكتب، حتى من دون شعور، بلغة اعلام أجنبية وهذا حال أكثر الكتاب بالعربية اليوم. وهو في هذه الأمثلة يترجم عن الإنكليزية عبارة (Let alone). لكن الترجمة هذه بائسة لأن كلمة ناهيك لا تعني ما تعنيه العبارة الإنكليزية.

فناهي اسم فاعل من الفعل “نهى”. وآخذ ما جاء في مقاييس اللغة لإبن فارس في شرح معنى “ناهيك” فهو لا يختلف كثيراً عما جاء في معاجم العربية الأخرى. فقد جاء في المقاييس في باب “نهي”:

“النون والهاء والياء أصلٌ صحيح يدلُّ على غايةٍ وبلوغ. ومنه أنهيت إليه الخَبر: بلَّغته إياه.
ونِهايةُ كلِّ شيءٍ: غايته.
ومنه نَهَيته عنه، وذلك لأمرٍ يفعله. فإذا نَهَيته فانتهى عنك فتلك غايةُ ما كان وآخِره.
وفلانٌ ناهِيكَ من رجلٍ وَنَهْيُك، كما يقال حسبك، وتأويله أنَّه بِجدِّه وغَنَائه ينهاك عن تطلُّبِ غيره.
وناقة نَهِيَّةٌ: تناهَتْ سِمَناً.
والنُّهْيَة: العقل، لأنَّه ينهَى عن قبيح الفِعل والجمع نهىً.”

وهكذا يتضح أن العرب لم تستعمل “ناهيك” بالمعنى الذي يستعمله العامة اليوم. فاعدل عنه الى الصحيح من القول.

 

قل: عِنْدي وِقْرُ حَطَبٍ
ولا تقل: عِنْدي وَقْرُ حَطَبٍ

كتب الكسائي: ” وتقول عندي وِقْرُ حَطَبٍ ووِقْرُ حنطة. وكل ما يحمل فهو وِقْرٌ بكسر الواو. قال الله تبارك وتعالى: “فالحاملات وقْرا”.

وتقول: في أذنيه وَقْرٌ بفتح الواو وهو رجل مَوْقُورٌ إذا كان به صَمَمٌ. قال الله تعالى: “وفي آذاننا وَقْرٌ”.

 

قل: قد أشْكَلَ علي هذا الأمرُ
ولا تقل: قد شَكَلَ علي هذا الأمرُ

كتب الكسائي: “وتقول: قد أشْكَلَ علي هذا الأمرُ بالألف. قال الشاعر:
وإذا الأمورُ عليك يوماً أشْكَلَتْ         فَلِما يَزِينُكَ لا يَشِينُكَ فاعْمِدِ”

 

قل: أكد الفلسطينيون بأن اسرائيل وراء عملية الإغتيال
ولا تقل: اتهم الفلسطينيون إسرائيل بأنها وراء عملية الاغتيال

كتب عبد الهادي بو طالب: ” مما يستعمله الإعلام العربي خطأ في الحديث عن الانتفاضة وإسرائيل تعبيرات “بتهمة” و”بدعوى” و”بحجة”.
وتَرِدُ هذه التعابيرُ وأمثالُها على ألسنة إعلاميين ملتزمين بإسناد القضية الفلسطينية ولكنها توضع في غير موضعها، مما يعني أنهم يستعملونها بدون تدقيق.
نسمع ونقرأ هذا التعبير: “اتهم الفلسطينيون إسرائيل بأنها وراء عملية اغتيال الشهيد فلان”. في حين أن الاتهام هو نسبة عمل إلى الغير دون ثبوت دليل. والمفروض أن يصدر هذا في مصادر إعلام غير ملتزمة بإسناد الفلسطينيين، إما لأن هذه المصادر ضد الفلسطينيين، أو لأنها محايدة حياداً إيجابياً لصالح إسرائيل.
نقبل أن نسمع صياغة الخبر على هذا النحو من إعلام الولايات المتحدة الأميريكية أو بعض مصادر الإعلام الغربي، ولكنه غير مقبول من مصادر الإعلام العربي الملتزم، إذ أن اغتيال نشطاء المقاومة بالمروحيات والصواريخ الإسرائيلية يتجاوز التهمة إلى حد اليقين بارتكاب جريمة القتل. كما نسمع أيضاً من بعض هذه المصادر الأخيرة: “صرح الرئيس الفلسطيني أنه يُدين إسرائيل بتهمة الاغتيال”. والإدانة تكون بالجرائم، ولا تكون بمجرد التهمة بها.”

قل: جاء القوم بأجمُعِهم
ولا تقل: جاء القوم بأجمَعِهم

كتب الحريري: “ويقولون : جاء القوم بأجمَعِهم، لتوهمهم أنه أجمع، الذي يؤكد به في مثل قولهم: هو لك أجمع، والاختيار أن يقال: جاء القوم بأجمُعهم بضم الميم لأنه مجموع جمع، فكان على أفْعُل، كما يقال : فرخ وأفرُخ وعبد وأعبُد.

ويدل على ذلك أيضاً إضافته إلى الضمير وإدخال حرف الجر عليه، و”أجمع” الموضوع للتوكيد لا يضاف ولا يدخل عليه الجار بحال. ونظير أجمع قولهم في المثل المضروب لمن كان في خصب ثم صار إلى أمرع منه: وقع الربيع على أربع، يعنى بأربع جمع ربيع.”
كتب الحنفي: “وقال الحريري أيضاً:  يقولون: جاء القومُ بأَجْمَعِهِمْ، بفتح الميم، ظنّاً منهم أَنّهُ أَجْمَعُ الذي يُؤَكّدُ به. وليس كذلك لأنّه لا يدخل عليه الجار، وإنّما هو بضم الميم، جمع كعَبْد وأَعْبُد.”
وكتب أبو الثناء الآلوسي في تعليقه على الحريري: ” (فيقولون جاء القوم بأجمعهم. والاختيار أن يقال جاءوا بأجمعهم بضم الميم؛ لأنهُ (مجموع) لفظ (جمع) فكان على وزن (افعل) كفرخ وأفرخ، وعبد وأعبد. وليس من ألفاظ التأكيد كاجمع في نحو هو لك أجمع. ويدل على ذلك إضافته إلى الضمير، وإدخال الحرف الجار عليه واجمع الموضوع للتأكيد لا يضاف ولا يدخله الجار بحال. ونظير اجمع مضموم الميم أربع بضم الباء في المثل المضروب لمن كان في خصب، ثم صار إلى أمرع منه. وقع الربيع على أربع فهو فيه جمع ربيع). وما ذكر في الفرق بين اجمع واجمع هو ما ذكره أبو علي بعينهِ والذي ذهب إليه معظم النحاة واللغويين جواز ما منعهُ. وهو الأصح. قال ابن بري حكى ابن السكيت في باب ما يضم ويفتح بمعنى جاء القوم بأجمُعهم وأجمَعهم وكذا حكاه الجوهري وغيره. وقال الرضي قد تضاف أجمع إضافة ظاهرة فيؤكد بها لكن بباء زائدة نحو جاءني القوم بأجمعهم. ومثار الخلاف على ما قيل أنهُ لما امتنع صرفه ذهب بعضهم إلى أنهُ للوزن والتعريف. وتعريفه بنية الإضافة وقيل هو نوع آخر من التعريف مستقل فمن أجاز إضافته بناه على الأول ومن منعهُ بناه على الثاني؛ لأنهُ كالعلم فلا يضاف. وأما كونه لا يدخله الجار فقيل؛ لأن دخوله يخرجهُ عن التبعية ولا يخفى ضعفه. فالباء تزاد في بعض ألفاظ التأكيد بلا خلاف نحو جاءَني زيد بنفسه وبعينه على أنهُ بعد السماع لا ينبغي أن يبقى نزاع، وما ألطف قول بعضهم وقد ساعده على ذلك جواز زيادة الباء المذكورة.

بدا وقد كان اختفى وخاف من مراقبه
فقلت هذا قاتل بعينه وحاجبه

 

قل: جاء يطلب الزَّعامةَ
ولا تقل: جاء يطلب الزِّعامةَ

كتب الحنفي: “وكذلك قول بعضهم: الزِّعامة، بكسر الزاي، خَطَأٌ. وإنّما الصواب فتحها. ومثل قولهم: الزِّمَخْشَرِيّ ، فإنَّ الصواب فتح الزاي.”

قل: نحن في سَعَة
ولا تقل: نحن في سِعَة

كتب الحنفي: “قال الجوزي: العامة تقول: نحن في سِعَةٍ، بكسر السين. والصواب فتحها.”
وكتب الفيروزأبادي في القاموس: “وَسِعَه الشيءُ، بالكسر يَسَعُه، كَيَضَعُهُ، سَعَةً، كدَعَةٍ، وزِنَةٍ.
وما أسَعُ ذاكَ: ما أُطيقُهُ. واللهُمَّ سَعْ عَلَيْنا، أي: وَسِّعْ “ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ”: أمرٌ بالقرارِ فيه.
ويقالُ: وسِعَتْ رَحْمَةُ الله كلَّ شيءٍ، ولكلِّ شيءٍ، وعلى كلِّ شيءٍ.
وأوسعَ: صارَ ذا سَعَةٍ، و~ اللَّهُ تعالى عليه: أَغْناهُ، كوَسَّعَ عليه.
{وإِنَّا لمُوسِعُونَ}: أغْنِياءُ قادِرونَ.”

 

 

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

 

 

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image