كيف ستتغير الخريطة السكانية في أرض العرب!

إن الأرض، الواقعة بين صلالة على بحر العرب جنوباً الى ديار بكر شمالاً ومن جبال زغروس  شرقاً الى البحر الأبيض المتوسط غرباً، هي أرض العرب منذ كتب التأريخ. وأستدرك هنا حتى لا يتهمني بقايا القرن العشرين من الماركسيين العرب “بالشوفينة” أو “العفلقية”، وإن كان أغلبهم اليوم يجد أن حكم الشيعة في العراق هو أفضل ما حصل له منذ ألف عام بينما يجد ماركسيو بلاد الشام أن الإخوان المسلمين والقاعدة هم ثوار ما داموا يقاتلون حكم العلويين، فأقول إني لا أعني بهذا أنها لا تضم غيرهم ولا إن العروبة دم وعرق صاف. إنما هي عربية بحكم الإنتماء كما هو الحال في من سكن موسكو وانتمى للروسية أو من سكن شنغهاي وانتمى للصينية.

إن تثبيتي لهذه الحقيقة يجعلني أضع مقدمة ما أبني عليه من أن كل ما وضع من حدود داخل هذه الأرض التي اصطلح على تسميتها “شبه جزيرة العرب” هو خلق مصطنع لا يمت لحقيقة الأرض ولا أهلها. وهذا بالنسبة لي يعني وجوب وحتمية توحيد هذه الأرض حتى اذا رفض من يرفض من سكانها ذلك. فالتأريخ لا تصنعه دوماً رغبات الناس. فمن الطبيعي ألا يرغب القطري غير المنتج، على سبيل المثال، أن يشاركه السوري أو الفلسطيني في مردود الغاز الذي يخرج من ساحل جزيرة العرب. لكن هذا لا يمكن أن يغير من الهدف التأريخي والمتعلق بمصير الأمة في توحيد الأرض. وهكذا توحدت المانيا وهكذا توحدت إيطاليا فلم يسأل لا بسمارك ولا غاريبالدي الناس رأيهم في توحيد البلاد ولم يسأل ماو تسي تونغ شعب الصين رأيه في توحيد الصين الكبيرة. ولست أريد الحديث في هذا هنا لكنه كان لا بد من توضيح المبدأ الذي عشت وأعيش بموجبه وخسرت في سبيله الكثير، حتى عدداً من المعارف، دون ندم.

إن هذه القناعة تقودني للإيمان بأن هذه الأرض ملك كل العرب وما يصيبها يصيب كل العرب اينما كانوا. لذا فإن ما يخطط لها وما ينفذ يهمني أكثر مما قد يهم الأعرابي الذي يسكن على أطرف نجد والذي لم ينتم يوماً لأي شيء.

ليس عندي شك، ومن كان عنده شك فلن يقرأ ما أكتب، في أن الصهيونية التي تمثل اليوم أعلى مراحل الرأسمالية تعد المشروع القومي العربي عدوها الحقيقي. لذلك غزت العراق وحلت جيشه وتقوم اليوم بتخريب جيش سورية العربي. فهي، أي الصهيونية، ليس لديها مشكلة مع الإسلام السياسي فهي في حلف أمني مع تركيا الإسلامية وتقيم أفضل العلاقات مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي كلها سواء من أعلن منهم ذاك ومن لم يعلن. كما انها لا مشكلة عندها مع نظام الإسلام السياسي الفاسد في العراق بشقيه الشيعي والسني. وأكاد أسمع من يقول إن السعودية ودول الخليج ليست إسلامية! لكنها إسلامية، فقد يكون إسلامها مختلفاً عن تعريفك للإسلام لكنها مع ذلك إسلامية ويؤمن الناس بها كذلك. حيث ليس لأحد حق احتكار المفاهيم.

نعود لحديثنا عن معاداة الإستكبار الصهيوني الراسمالي للوجود العربي فنقول إن الصهيونية نجحت، حين فشل العثمانيون في حماية أرض العرب، في استقطاع فلسطين من بلاد الشام بعد أن قسمتها أربعاً. ثم خلقت دويلات وهمية على طول ساحل الخليج وجاءت بالأعراب ووطنتهم فيها وأقنعتهم بجدوى تلك الدويلات حتى أصبح منهم اليوم من يدعي أن جذوره تمتد الى عاد وثمود.

وخلاصة ذلك أن كل ما تم منذ انتهاء الحكم العثماني لجزيرة العرب تم بهدف الإمعان في التقسيم من أجل أن يتسابق هؤلاء الضعفاء الذين لا مرجعية لهم لإرضاء الصهيونية كي تحميهم وتبقي عليهم وعلى مصالحهم البائسة. فتكون لها الغلبة. وهكذا كان. فتم القضاء على المشروع القومي في مصر والعراق وليبيا ويجري ذلك اليوم في سورية.

لكن هذه الهيمنة السياسية والإقتصادية لم تعد كافية. فقد لمست الصهيونية من خلال ما جرى شمال جزيرة العرب وشمال أفريقيا إمكانية نشوء حركة تحرر حقيقية في وقت لاحق تلغي ما لديها من وصاية على جزيرة العرب. فكان لابد من إيجاد سبيل جديد للهيمنة وذلك بالسيطرة المباشرة. وهذه السيطرة لا تتم بالقواعد العسكرية في جزيرة العرب فهي اليوم موجودة في كل بلد من هذه الأرض. ذلك لأن القواعد العسكرية لا تشكل هيمنة دائمة فهي عرضة للألغاء.

وهكذا ولدت الحاجة للتطبيع. فالهدف من التطبيع هو ليس اقامة علاقات ود مع دول مجلس التعاون الخليجي إذ ان ذلك قائم حقاً منذ عقود. فاذا دعي رئيس وزراء اسرائيل لزيارة عاصمة عربية فليس مهماً أن تكون لإسرائيل سفارة في ذلك البلد أم لا. لكن الهدف من التطبيع هو خلق المناخ الذي يسمح للصهاينة أن يسكنوا جزيرة العرب ليحققوا حلم التمكن من الأمة العربية جمعاء فمن تمكن من مكة والمدينة تمكن من الأمة!

وهذا ما يجري الآن. حيث سيفتح حكام مجلس التعاون الخليجي الأبواب أما الصهانية ليأتوا ويسكنوا في جزيرة العرب. وحيث إن الصهاينة يطبعون المال كما يشاؤون فليس هناك مشكلة بضخ أموال طائلة لشراء العقارات إذا سمح القانون أو تأسيس شركات اذا تعذر شراء العقار.

وبعد خمس سنوات من الإستيطان تقوم حملة إعلام غربية منسقة ومركزة تتحدث عن الظلم الواقع في جزيرة العرب بحق الوافدين وعدم منحهم حق التجنس كما هو الحال في أوربا.

ثم تستدعي الصهيونية مجلس الأمن كما فعلت في حق العراق وسورية وليبيا واليمن لبحث هذا الظلم ثم يصدر مجلس الأمن قرار تحت الفصل السابع يلزم دول مجلس التعاون الخليجي بمنح الجنسية لكل وافد مقيم يسكن أو يعمل هناك منذ خمس سنوات.

يومها ستصبح جزيرة العرب أي شيء إلا عربية!

عبد الحق العاني

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image