قل ولا تقل / الحلقة السادسة والعشرون بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

قل: شّهِدْنا إملاكَ فُلان
ولا تقل: شّهِدْنا ملاكَ فُلان

كتب الكسائي: ” وتقول شّهِدْنا إملاكَ فُلان بالألف. وهذا ملاك الأمر باسقاط الألف.”

وأضاف المحقق: “املاك فلان أي تزويجه وعقد نكاحه، انظر فصيح ثعلب وأدب الكاتب. وملاك هو ما يمسك به. انظر فصيح ثعلب. وفي ادب الكاتب: وهو املاك المرأة ولا يقال ملاك.”

وكتب ابن منظور في لسان العرب: “ومِلاكُ الأمر ومَلاكُه: قِوامُه الذي يُمْلَكُ به وصَلاحُه…… والإمْلاك التزويج. ويقال للرجل إذا تزوّج: قد مَلَكَ فلانٌ يَمْلِكُ مَلْكاً ومُلْكاً ومِلْكاً. وشَهِدْنا إمْلاك فلان ومِلاكَه ومَلاكه؛ الأخيرتان عن اللحياني، أي عقده مع امرأته…… وقد أَمْلَكْنا فلاناً فلانَة إذا زَوَّجناه إياها؛ وجئنا من إمْلاكه ولا تقل من مِلاكِه….. وقال الجوهري: لا يقال مِلاك ولا يقال مَلَك بها (* قوله «ولا يقال ملك بها إلخ» نقل شارح القاموس عن شيخه ابن الطيب أن عليه أكثر أهل اللغة حتى كاد أن يكون اجماعاً منهم وجعلوه من اللحن القبيح ولكن جوزه صاحب المصباح والنووي محافظة على تصحيح كلام الفقهاء.)”

وهكذا نجد مرة أخرى ما عانى منه علماء العربية في تعاملهم مع أقوال الفقهاء. فعدد من هؤلاء الفقهاء لم يجيدوا العربية فجاؤا بقول غير دقيق فوجد علماء العربية صعوبة في ذلك فهم عرفوا خطل تلك الأقوال لكنهم في الوقت ذاته لم يرغبوا في تصحيح كلام الفقهاء كما قال شارح القاموس ردا على ما نقله اللحياني وهو السبب نفسه الذي جعل علماء العربية يترددون في الإستشهاد بالحديث المنسوب للرسول (ص) لضعف لغته.

ولا بد من التذكير بان كلمة “ملكة” بمعنى الزواج ما زالت مستعملة اليوم في عدد من بلدان العرب.

قل: بصُرْتُ بهذا الأمر
ولا تقل: أبْصَرتُ هذا الأمر

وكتب الصفدي: “ويقولون: أبْصَرتُ هذا الأمر قبل حدوثه. والصواب أن يقال: بصُرْتُ بهذا الأمر، لأن العرب تقول: أبصرتُ بالعين، وبَصُرت من البصيرة، ومنه قوله تعالى: “بَصُرْتُ بما لمْ تَبْصُروا بِهِ” وعليه فُسِّر قوله تعالى: “فبصَرُك اليومَ حَديد”، أي: علمك نافذ، ومنه: بصير بالعلم.

وقد علق أبو الثناء الآلوسي في كتابه (كشف الطرة ….) على كلام مشابه للحريري سبق أن عرضناه، فكتب:

“(ويقولون: أبصرت هذا الأمر قبل حدوثهِ، والصواب فيهِ: بصرت بضم الصاد وإسقاط الهمزة؛ لأن العرب تقول أبصرت بالعين، وبصرت من البصيرة، ومنهُ: بصرت بما لم تبصروا بهِ، وعليه فسر “فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ” (ق:22)، فقيل أي علمك بما أنت فيهِ اليوم نافذ، وإلى هذا المعنى يشار بقولهم هو بصير بالعلم) فيهِ أن الأمر ليس كما زعم لاستعمال كل منهما بمعنى الآخر، وقال ابن بري: قوله تعالى “فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ” (القصص:11)، بمعنى: أبصرته، وفي المثل لأرينك لمحًا باصرًا، وفسر باصرًا فيهِ بمبصر، كطائع ومطيع ونائل ومنيل وناصب ومنصب.

وقال أبو عبيد في كتاب المجاز: بصرت بهِ وأبصرته بمعنى، وفي الحديث: فبصر بحماره، أي: أبصره، والتبصر يكون بمعنى التأمل. قال الزمخشري في شرح مقاماته التبصر التأمل وطلب الإبصار، وقال زهير:

تبصر خليلي هل ترى من ظعائن”

قل: جلس وسْطَ القوم
ولا تقل: جلس وسَطَ القوم

وكتب عبد الهادي بوطالب: “لا يفرق الكثيرون بينهما ويستعملونهما كما لو كانا يعنيان شيئا واحدا لكن اللغة العربية الفصيحة تُفرِّق. الوسَط (بفتح السين) هو المكان الواقع بين الطرفين. ووسْط (بسكون السين) هو ظرف (مكاني) ونقول: “جلس وسْطَ القوم”. و”حفر بئرا وسْطَ الحديقة”.

وقد جاءت كلمة وسَط في القرآن الكريم: وجعلناكم أمّةً وسَطاً”. وإلى الأمر الواقع بين شيئين (بدون تطرف) أشار شاعر عربي في حكمته القائلة:

خيرُ الأمورِ الوسَطُ

حُبُّ التَّناهي غلَطُ “

وكان الصفدي قد سبقه فكتب في هذا وما شابهه من كلمات وعلق أبو الثناء الآلوسي على كل ذلك فوجدت أن أورد ذلك إتماما للفائدة.

قل: وجدت غَبْناً في الحساب
ولا تقل: وجدت غَبَناً في الحساب

كتب الصفدي: “الغَبْنُ والغَبَن، والمَيْل والمَيَل، والوَسْط والوسَط، والقبْض والقَبَض، والخَلْف والخَلَف، بين كل لفظيتن من هاتين المتجانستين فرقٌ يمتاز معناها فيه بحسب السكون والفتح: فالغَبْن بالسكون يكون في المال، وبالفتح في العقل والرأي، والمَيْل بالسكون من القلب واللسان، وبالفتح فيما يُدرَك، والوَسْط بالسكون ظرف مكان يحل محل بين وبه يفعتَبر، وبالفتح اسم يتعاقب عليه الإعراب، ولهذا يقول النحويون: وسْط رأسهِ دُهْن، ووسَط رأسه صُلْب، والقَبْض بالسكون مصدر قَبَضَ وبالفتح اسم الشيء المقبوض، والخَلْف بالسكون يكون من الطالحين، وبالفتح يكون من الصالحين، وقيل غير ذلك.”

وعلق أبو الثناء الآلوسي فكتب:

(ويسكنون سين حسب في قولهم أعمل على حسْب ذلك، وهم يريدون على قدره ومثله، والصواب في ذلك فتحها) ليحصل المراد (فإنهُ بالفتح لذلك المعنى) وهو فَعَل بمعنى مفعول كنقض بمعنى منقوض (وأما بالسكون فمعناه الكفاية) ومنهُ قوله تعالى عطاء حسابا أي كافيًا، وإلى فتحه في ذلك ذهب الجوهري، ثم قال: وربما سكن في ضرورة، وغيره لم يخصه بالضرورة، كما قال الشهاب  ويناسب هذين اللفظين في اختلاف معنيهما لاختلاف هيئة أوسطها الغَبْن بفتح الغبن المعجمة وسكون الباء الموحدة من تحت والغَبَنُ بفتحهما، فالساكن في المال والمتحرك في العقل والرأي، وهذا مما ذهب إليهِ بعض اللغويين. وفي أمالي ابن الشجري الغَبَن بالفتح يكون في البيع، والأغلب أن يستعمل في الرأي، ويسكن في الرأي وفي القاموس غبنه في البيع يغبنه غبنًا، ويحرك أو بالتسكين في البيع، وبالتحريك في الرأي أي خدَعه. والمَيْلُ باسكان الياء في القلب واللسان والمَيَلُ بفتحها فيما يدركه العيان، وهذا أيضًا فيهِ كلام. قال ابن بري المَيْل بالسكون يكون في القلب واللسان وغيرهما يقال مال عن الحق وعن الطريق مَيْلاً، وكذلك مال عليهِ في الظلم ومال الشيء أيضًا ميلا، وأما المَيَلُ بالتحريك فهو مصدر مال الشيء إذا أعوّج خلقه، فالمَيْل بالسكون عام للمحسوس وغيره، وبالتحريك خاص بالخلقي، وقيل يشمل كل مشاهد ثابت كميل البناء، وفي القاموس المَيَلُ محركة ما كان خلقة، وقد يكون في البناء فما ذكر فيهِ ميل عن سنن الصواب، وحمل القلب واللسان على الأمور المعنوية، وما يدركه العيان على الخلفية كما ترى. والوَسْطُ بالإسكان ظرف يحلّ محلّ بين وبهِ يعتبر، أي بهذا الحلول يعتبر الإسكان فإن كان كان وإلّا فلا. والوَسَطُ بالفتح اسم يتعاقب عليه الإعراب، أشار إلى أن الفرق بينهما من وجهين أحدهما إن ذا السكون ظرف مكاني غير متصرف فلا يأتي إلَّا منصوبًا على الظرفية أو مجرورا بفي وذا الفتح يتصرف، ويتعاقب عليهِ حركات الإعراب، وهذا في المطرد دون النادر لما في الارتشاف من إنهُ يتصرف نادرا وكذا في عمدة الحفاظ، وفي شرح الفصيح للإمام المرزوقي حكى الأخفش إن وسْطا بالسكون ورد مبتدأ خارجًا عن الظرفية في شعر أنشده وثانيهما أن ذا السكون يحلّ محلّ بين بخلاف ذي الفتح، وهذا أيضًا كما في الصحاح، حيث قال: وكل موضع صلح فيهِ بين فهو وسْط، وإن لم يصلح فيهِ فهو وَسَط بالتحريك، وربما سكن وليس بالوجه انتهى.

والكلام فيهما كثير ففي شرح الفصيح النحويون يفصلون بينهما؛ فيقولون وسْط بالتسكين لما أحاط به جوانب من جنسيه، وربما قالوا إذا كان آخر الكلام أو أولا فأجعله وَسَطاً بالتحريك، وإلَّا فسكنه. وصاحب الفصيح ادعى أن وسطا إن كان بعض ما يضاف إليهِ يحرك السين وإن كان غيره يسكن، ألا ترى أن وسط الدار بعضها ووسط القوم غيرهم، وأما تفسير ذي السكون ببين فبين لشيئين متناسبين، ووسط لشيئين متصل أحدهما بالآخر.

وعن الكوفيين كما نقله أبو حيان أنهُ لا فرق بينهما ويجعلونهما ظرفين، وعن بعضهم كما في التقريب أنهُ سوى بينهما؛ فقال هما ظرفان واسمان، وعن الراغب ان وسَطَ الشيء بالفتح ماله طرفان متساويا المقدار، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد نحو وسَط صلب، ووسْطٌ بالسكون يقال في الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين نحو وسْط القوم كذا. وعن ثعلب إن ما كان ذا أجزاء تنفصل قلت فيهِ وسْط بالسكون، وما كان مصمتًا بلا أجزاء قلت فيهِ وسَط بالفتح، فمن الأول أجعل هذه الياقوتة وسْطَ العقد، وهذه الخرزة وسْطَ المسبحة، ولا تقعد وسْطَ القوم. ومن الثاني احتجم وسَطَ رأسك وصلّ وسَطَ الصفة، وعلى هذا القول يكون الوسط الساكن الوسط مستعملًا تارة حيث يحلّ محله بين نحو لا تقعد وسْطَ القوم وأخرى حيث لا يحلّ نحو أجعل هذه الياقوتة وسْط العقد بخلافه على ما تقدم في المتن فلا تغفل.

وفي الروض الأنف الوسط صفة مدح في مقامين في النسب؛ لأن أوسَط القبيلة صميمها وأعرقها فهو جدران لا تضاف إليهِ الدعوة، وفي الشهادة كقوله تعالى “وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطًا” (البقرة: 143) وهذا كناية عن غاية العدالة كأنهُ ميزان لا يميل مع أحد، وظن قوم أن الأوسط الأفضل على الإطلاق؛ ففسروا الصلاة الوسطى بالفضلى وليس كذلك؛ فإنه ليس بمدح ولا ذم كما يقتضيه لفظ التوسط غير أنهم قالوا في المثل أثقل من مغنّ وسط على الذم لأنهُ، كما قال الجاحظ يجثم على القلب، ويأخذ بالأنفاس لأنه ليس بجيد فيطرب ولا برديء فيضحك، وهو تحقيق حقيق بالقبول، ولا ينافيه قولهم، خير الأمور الوسط، حبّ التناهي غلط، فتدبر. والقبْض بإسكان مصدر قبض وبفتحها اسم للشيء المقبوض، ولا كلام في ذلك. والخَلْفُ بالإسكان للطالح وبالتحريك للصالح، وهذا رأي البعض وقد مرّ الكلام على ذلك. وحكى أبو بكر بن دريد قال: سمعت الرياشي يفصل بين قولهم أصابع سهم غَرَب بفتح الراء المهملة، وسهم غَرْب بإسكانها بأن المعنى على الفتح أنهُ لم يدر من رماه، وعلى الإسكان أنهُ رمى به غيره فأصابه، ولم يفرق بين اللفظين سواه.

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image