نحن العرب: من نحن وإلى أين؟ – الجزء الأول

مقدمة

حين أقول “نحن العرب” فلا أريد بهذا قوماً يتميزون عن غيرهم بأنهم من عرق واحد. ذلك لأن البحث في اصل الناس ينتهي بالتأريخ المدون ليصبح بعده حديثاً منقولاً لا يخلو من الأسطورة أو الأماني. لذا فلا بد من نقطة بدء يستند لها الباحث في ما يبني عليه ويستنتجه. فالأرض التي تسكنها العرب منذ آلاف السنين والتي لا مانع عندي من تسميتها (الهلال الخصيب) أو (ما بين النهرين)، والتي يحيطها بحر العرب والخليج وشرق نهر دجلة الى منابع الرافدين في آسيا الصغرى شمالاً الى البحر الأبيض المتوسط غرباً، هذه الأرض شهدت أقواماً متعددة تزامن وجودها مع العرب. ويتبين للباحث أن الذي يربط هذه الأقوام هو تشابه في لغاتها يجعلها تقترب من بعضها البعض أحياناً الى حد التطابق. وهذا يقود لإستنتاج عقلي يقضي بأن هذه الأقوام تنبع من جذر واحد.

إن التشابه في اللغة والتزامن في الوجود على أرض واحدة هو الذي قاد للإستنتاج بأن هذه الأقوام هي من نسل سام بن نوح فسميت لذلك بالسامية. وليس مهماً إذا كان هذه الأصل صحيحاً لكي تستقيم التسمية. إذ أن هذا لا يغير من حقيقة اشتراك هذه الأقوام في جذرها الثقافي والتأريخي. وحيث إنه لا يوجد تأريخ مدون من عهد نوح فإنه يصعب إثبات ذلك بالحدث التأريخي المدون، لكن المنقول والمقبول عند سكان المنطقة هو أن إبراهيم (ص) تزوج من امرأة عربية وأخرى عبرية مما يدعم القول بأن هذين القومين كانا متعايشين في الأرض نفسها.

إن من طبيعة التعايش بين الأقوام أن تختلط وتتزاوج ويذوب بعضها في بعض. كما ان ظهور الأديان السامية في المنطقة زاد من نسبة الإختلاط والانصهار حيث إن الاشتراك في الدين جعل الزواج بين الأقوام المختلفة ليس فقط ممكناً ولكن مستحباً.

ثم جاء الإسلام بالقرآن الذي عزز انتشار اللغة العربية على حساب اللغات السامية الأخرى فتضاءل نفوذ عدد من تلك الأقوام حتى كادت تختفي هي ولغاتها بالكامل. فاللغة الآرامية التي كانت لغة الحضارة حتى في الدولة الفارسية والتي كانت لغة السيد المسيح (ص) لم يعد يتكلمها اليوم إلا قليل من الناس. وغَيَّر القرآن، ولأسباب عدة، تلك القاعدة التي سبق وذكرتها في تداخل اللغات السامية فهيمنت اللغة العربية وأصبحت هي المعبر الأوسع عن عائلة اللغات السامية إذا صح القول بوجود تلك العائلة.

وحين قامت الدولة العباسية في المنطقة امتد نفوذها ليغطي منطقة الهلال الخصيب (المنطقة) كلها، بل إمتد أبعد منها. وحيث إن الناس يأتون مركز الدولة التي تحكمهم طمعاً في فرص حياة أفضل فإن الناس توافدت على بغداد وما حولها من كل مشرق الأرض، وليس من مغربها لأن الغرب كان في مرجلة سبات ثقافي. وحيث إن قيود الإنتقال والهجرة التي أوجدها الغرب المعاصر لم تكن معروفة وقتها فإن المنطقة شهدت نزوحاً من كل الأقوام السامية وغير السامية فتداخت جميعها وانصهرت في مجتمع الدولة العباسية. ولم يغير سقوط بغداد بيد هولاكو من تلك الحقيقة، فقد أبقى القرآن على سيادة اللغة العربية في المنطقة بشكل عام.

وقدم سكان المنطقة اثناء نهوض الدولة العباسية للبشرية عطاءً كبيراً في شتى أبواب الفكر والتقدم شأنها في ذلك شأن أية امبراطورية توسعت وسمحت للناس في العمل في ظل رخائها بغض النظر عن ثمن ذلك الرخاء الذي ربما دفعه آخرون. وكانت تلك المساهمة باللغة العربية وحُسبت من رصيد العرب وإن لم تكن المشاركة كلها بالضرورة من صنع العرب. لكن ذلك لم يكن مهماً حيث إن أحداً لم يسأل المشارك عن أصله وانتمائه. ولا يختلف الحال كثيراً عما يحدث اليوم فالألماني الذي صنع الصاروخ الأول في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية عُدَّ أمريكياً وليس ألمانياً!

إن ما لخصته أعلاه مفاده أن المنطقة بهويتها العربية أصبحت تمثل إرث تأريخ وفكر وثقافة الأقوام  السامية التي تعاقبت في المنطقة من زال منها ومن ما زال فيها. فالهُوية العربية التي عرفها العالم منذ ولادة الإسلام والتي لم تتغير كثيرا حتى اليوم هي هُوية المنطقة السامية.

فالعرب اليوم ليسوا من القبائل التي نزحت بعد انحسار العصر الجليدي الأخير لتسكن البادية

وليسوا من أبناء القبائل العربية النقية من نبط العراق الذين نزحوا الى جزيرة العرب وسكنوا حول مكة. إن عرب اليوم هم خليط قبائل متعددة سامية الإنتساب ومن أقوام من خارج المنطقة ومن جذور متعددة استوطنوا المنطقة واختلطوا مع العرب وتزاوجوا وطغت عليهم اللغة العربية كما طغت اللغة الإنكليزية على من سكن شمال القارة الأمريكية.

إن العرب عندي  اليوم هم القوم الذين ينطقون اللغة العربية ويشعرون بالإنتماء للعرب. وقد لا يكون هناك خلاف على من ينطق بالعربية لكن من  الممكن أن يكون هناك خلاف على تعريف معنى وابعاد الإنتماء للأمة العربية.

إن الهدف من هذه المقدمة هو الوصول الى فهم ما تمثله هذه المنطقة لأوربا بشكل عام وما نتج عن هذا من مواقف أوربية طبعت سياساتها لقرون عدة.

قلت أعلاه إن الفكر تطور في منطقتنا في وقت كانت فيه أوربا متأخرة في كل شيء. وقد ولد عن تطور الفكر في منطقتنا وعلى أطرافها فكر سمي لاحقا بالفكر اليوناني والذي هو في حقيقته ناتج عن فكرالهلال الخصيب ومرتبط به. وأعرف أن هذا حديث يحتاج لشرح طويل وبحث عميق، وهذا ليس مكانه. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي ان الفكر اليوناني لا يمكن أن يكون قد ولد فجأة على أطراف منطقتنا وأطراف أوربا حين كانت منطقتنا منتجة في فكرها وكانت أوربا متأخرة دون أثر للفكر فيها. إن العلم والفلسفة والفكر هي نتائج تراكم وليست وليدة الصدفة. وحيث إن أوربا لم يكن فيها شيء يبني عليه اليونانيون القدماء فلا بد أنهم استمدوا ما بنوا عايه من فكر منطقتنا. إن هذه الحقيقة لها أهمية كبرى في فهم  ما حدث لأوربا وما فعلته في منطقتنا في القرون الوسطى وفي القرون التي تلت النهضة الصناعية بشكل خاص. و لعل من شواهد إرتباط الثقافة اليونانية القديمة بثقافة منطقتنا هو أن الأبجدية اليونانية هي أبجدية سامية ويكفي ان نشير إلى انها تبدأ بالأحرف الأربعة الأولى المطابقة للعربية والعبرية وهي (ألفا، بيتا، كاما، دلتا) والتي تقابل العربية (ألف، باء، جيم، دال). ويتفق الباحثون على أن اليونانيين أخذوا الأبجدية عن القوم الذين أسموهم هم بالفنيقيين والذين هم الكنعانيون كما كانوا يعرفون وقتها. وهؤلاء قوم من الأقوام السامية التي تعايشت مع القبائل السامية الأخرى وهم الذين اختصموا مع العبرانيين كما يروي الكتاب المقدس وعرفتهم أوربا من خلال أسفارهم وتجارتهم. كما أن الباحثين استطاعوا تتبع نظريات يونانية إلى أصلها في بلاد ما بين النهرين ولعل أشهرها نظرية الزاوية القائمة والتي تعرف اليوم بنظرية فيثاغورس.

وأنتج اليونانيون القدماء فكراً فلسفياً ما زال أثره قائماً بيننا وما زال الناس يدرسون ويجادلون في ما كتبه أرسطو وأفلاطون. كما وضع اليونانيون قواعد لعلم الطبيعة وأخذوا عن البابليين أسس الرياضيات واضافوا عليها، وفعلوا مثل ذلك لعلم الفلك الذي طوره البابليون قبلهم. فكانت النتيجة هي ان الفكر اليوناني كان عطاء متميزاً للإنسانية. ودَوَّن اليونانيون تراثهم بعناية. وحين أزدهر البحث والفكر في الدولة العباسية فقد قام أهلها، شأنهم في ذلك شأن أي شعب متحضر، بأخذ الفكر عمن سبقهم ودراسته والتوسع فيه. فاهتموا بالفكر اليوناني كما فعلوا بما وصلهم من علوم الهند. وأدرك الخليفة المأمون بن هارون الرشيد قيمة الفكراليوناني فأمر بأوسع عملية ترجمة لتراث اليونان، فكان ذلك. فقادت ترجمة الفكر اليوناني لقفزة في تطور البحث والفكر في المنطقة. فقد ازدهرت الرياضيات والكيمياء وعلم الطبيعة والفلك والطب. وحيث إن فقهاء المسلمين قرروا أن الفلسلفة ليست مستحبة في الإسلام فإن اصحاب الفكر في الإسلام درسوا الفلسفة اليونانية وعبروا عن أفكارهم الفلسفية بالتعليق على الفلسفة اليونانية وليس بالكتابة الصريحة في مواضيع فلسفية.

وهكذا أضاف عرب الدولة العباسية للفكر الإنساني المشترك كثيرا مازال يشهد به حتى أعداء العرب. فالغرب يستعمل كلمة (الجبر) للفرع من علم الرياضيات الذي استنبطه العرب وحين توسعت ثورة المعلومات الرقمية ساد استعمال كلمة (الخوارزميات) تيمناً بالخوارزمي، ويقر الغرب للعبقري العربي (الحسن ابن الهيثم) بانه كان أول من اكتشف (الضويء) الذي سموه (الفوتون)، وكثير كثير مما يتعب الإحصاء.

إن خلاصة كل ذلك هو ان بغداد في القرن العاشر الميلادي كانت وريثة أثينا في الثقافة والفكر كما كانت تلك الأخيرة وريثة أور وبابل على سبيل المثال لا الحصر. إن كل ما فعلته بغداد هو أنها أطرت الثقافة الموروثة لآلاف السنين في منطقة الهلال الخصيب بإطار عربي زاه.

وللحديث صلة…..

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image