نحن العرب: من نحن وإلى أين؟ – الجزء السادس

 

دفعاً لعقد النقص الأولى

بنيت بغداد عام 762 م فأصبحت عاصمة الدولة العربية العباسية. وتمكنت في عقود أن تنجب عقولاً وتستقطب عقولاً أخرى حتى أصبحت خلال قرن حاضرة الدنيا. ودخلها الأعاجم من الشرق فكان أكثرهم من الفرس الذين لعبوا دوراً مهماً في إدارة الدولة معتمدين في ذلك على تجربتهم السياسية في الدولة الفارسية التي أسقطها الغزو الإسلامي لبلاد فارس.

وحين ورث المعتصم بن هارون الخلافة (833 م) بعد وفاة المأمون فإن الدولة العباسية دخلت عصراً جديداً أسس لانهيارها بعد قرنين. ذلك ان المعتصم خلاف المأمون كان جاهلاً ويفتقر للحكمة وان كان شجاعاً إلا أن الشجاعة لا تكفي لإدارة دولة عظمى فالحكم يحتاج للإثنين كما قال حكيم الشعراء أبو الطيب:

وكل شجاعة في المرء تغني           ولا مثل الشجاعة في الحكيم

وربما شعر المعتصم بالخوف على سلطته فاعتقد انه إذا قرب الغرباء فإنه سيحفظ ملكه. لذا جاء بالأتراك وسلمهم الجيش. فضجت بغداد بإساءات الجنود الأتراك مما اضطر المعتصم أن يبني سامراء وينقل دار الخلافة اليها.

وقد يسأل سائل ترى لماذا ميزت بين دخول الفرس ودخول الترك للدولة؟ وجواب ذلك أمران أولهما هو ان الفرس الذين دخلوا الإسلام طوعاً أو كرهاً كانوا أبناء دولة متحضرة عرفوا معنى الانتماء والإدارة والتعامل المدني الذي يتطور بحكم التأريخ. أما الأتراك فقد كانوا يومها أبناء قبائل متنقلة لم يعرفوا معنى المدنية أو الانتماء، وينتج عن هذا الفرق أثر كبير في تمكن أي منهما. أما الجواب الثاني فهو ان الفرس دخلوا عالم الإدارة والنصح للخليفة وهكذا كان بالإمكان التخلص منهم بسهولة. فحين شعر أبو حعفر المنصور بخطر ابي مسلم الخراساني أمر بقتله. ثم جاء هارون الرشيد فأوقع بالبرامكة ما أوقع مما سمي لاحقا بنكبة البرامكة. أما خطيئة المعتصم والتي أردها لجهله فكانت أنه أعطى الجيش للأتراك وحين يتمكن قوم من جيش دولة متوسعة الحدود تعيش على خراج ما يأتيها من خارجها فإنهم يتمكنون من الدولة كلها وهكذا كان.

وعلمنا التأريخ أن النهضة الثقافية والفكرية لا تتم إلا في ظروف الاستقرار السياسي والازدهار الاجتماعي والاقتصادي. كما يعلمنا التأريخ ان هذه النهضة لا تضمحل بنسبة طردية مساوية للاضمحلال السياسي لأية دولة مبنية على أسس التوسع والامتداد خارج حدودها الجغرافية. لذا فإن بداية الإنهيار السياسي الذي اسس له المعتصم لم يؤثر على الزخم الذي امتلكه أهل الدولة العباسية في العطاء والإغناء الفكري في كل جوانب المعرفة. وهكذا أنجبت الدولة المتحضرة الكندي في القرن التاسع والمتنبي في القرن العاشر وابن الهيثم في القرن الحادي عشر، على سبيل المثال لا الحصر، حين كانت عوامل الانهيار السياسي تنخر تلك الدولة.

يومها كان الأوربي في سبات التخلف والأمية. وكانت أوربا تتكون من دويلات اقطاعية تتقاتل فيما بينها. وشكل احتلال النورمانديين لإنكلترة عام 1066 م عاملاً حاسماً في الشعور بالمقدرة على القيام بعمل عسكري واسع. والقدرة العسكرية ليست قرينة التحضر فقد أثبت هولاكو المتخلف أنه لم يكن بحاجة للحضارة أو التمدن كي يجتاح الأرض حتى حدود دمشق.

كما ان قيام القبائل التركية السلجوقية التي كانت قد اسلمت للتو في القرن الحادي عشر على التوسع في شرق أوربا قد شكل سبباً لتخوف الأوربي من وصول الإسلام الى قلب أوربا بعد أن وصل أسبانيا.

هكذا ولدت فكرة الدفع عن عقدة النقص الأولى. فكانت الحملات الصليبية التي امتدت بين عامي 1095 حين بدأت أول غزوة صليبية لمنطقتنا وبين عام 1291 حين طرد آخر مسيحي أوربي من بلاد الشام.

لقد عودتنا وقاحة الأوربي أنه يمتلك تفسيراً وتسويغاً لكل غزو قام به منذ ابادة سكان القارة الأمريكية وسكان استراليا الى غزو العراق عبر القرون والقارات. فتارة هو يهديهم للمسيحية وتارة ينقذهم من التخلف وأخرى ينقلهم للديموقراطية. لكنه ينسى في كل الأحوال أن أحداً لم يسأله أو يطلب منه ذلك كما انه لم يكلف نفسه أن يسأل أياً من تلك الشعوب المستضعفة ما الذي كانت تعتقده من غزوه لها وأسبابه. واليكم، ضمن هذا السياق، وصف دائرة المعارف البريطانية للحملات الصليبية:

“الصليبية هى الحملات العسكرية التي بدأها في نهاية القرن الحادي عشر مسيحيو غرب أوربا رداً على قرون من التوسع الإسلامي. وكان هدفها ايقاف التوسع الإسلامي واعادة السيطرة على الأراضي المقدسة في شرق الأبيض المتوسط وغزو الأراضي الوثنية واستعادة الأراضي المسيحية المغتصبة. وقد عدها كثير من المشاركين فيها توبة وتكفيراً عن الذنب.”

واذا كان الأوربي يجرؤ أن يستجلب عطف الناس في القرن العشرين بكلام مزور للتأريخ كهذا فكيف كان حال العامة من الأوربيين في القرن الحادي عشر؟

 فقد تميز القرن الحادي عشر في اوربا بثلاثة مظاهر أولها زيادة ملحوظة في السكان وثانيهما تطور في التجارة البحرية الإيطالية وثالثهما حركة الإصلاح الكريكورية في الكنيسة والتي أعطت البابا سلطة كبيرة في المجتمع الأوربي بشكل عام استمر حتى القرن السادس عشر جعلت سلطة الملوك تتلاشى أمام سلطة البابا. وحيث إن كل قوة ناشئة تطمع في المزيد من الهيمنة فإن البابا اهتدى لطريق يدفع فيه عقدة النقص الأولى والكبرى في أن الأوربي أخذ دينه عنا، وذلك بتحريض الناس للدفاع عن مسيحيي المشرق والحفاظ على الأرض المقدسة. إن مجرد السيطرة على الأرض المقدسة كانت تعني له مشروعية تمثيل الدين المسيحي بل قيادته. إن الإدعاء بأن روما كانت كرسي بطرس لم يكن كافياً لإدعاء الشرعية. كلن لا بد من السيطرة على مهد الدين حيث يمكن بعد ذلك تناسي كون دينهم من عندنا لأن ما عندنا اصبح بايديهم.

لن أكتب عن الحملات الصليبية أو الدولة التي امتدت في أوجها على الساحل الغربي لمنطقتنا من أنطاكية حتى عسقلان ووصلت أطراف دمشق شرقاً فقد سود الأوربيون آلاف الصفحات في ذلك وبعض ما كتب يظهر بطلان الإدعاء بقدسية المشروع. لكني سأكتب عن الهدف الحقيقي للغزو الصليبي لمنطقتنا لتعلق ذلك بالهدف من هذا البحث في من نحن ومن هم أعداؤنا كي نعرف الى أين نحن سائرون.

وأوجز الدرس الذي أخذناه من الغزو الصليبي بما يلي:

  1. إن الإدعاء بأن هدف الحملة الصليبية هو التصدي للإسلام الذي كان يهدد أوربا ليس دقيقاً. فليس من شك ان الإسلام كان يهدد المسيحية في أوربا لكن غزو منطقتنا لم يكن بسبب ذلك. فالغزو الصليبي لمنطقتنا بدأ في وقت لم تكن الدولة الإسلامية في بغداد تمتلك القدرة على مد سيطرتها لساحل البحر الأبيض المتوسط. ذلك ان الدولة السلجوقية كانت متمكنة من جزء من بلاد الشام كما إن الفاطميين كانوا سادة القدس منذ عام 1098 م قبل أن يصلها الصليبيون ويحتلوها ويقتلوا مسلميها ويهودها بنسائهم وأطفالهم. ولو كان هدف الصليبية التصدي للإسلام فقد كانت الدولة الإسلامية الحقيقية والقوية والتي شكلت خطراً على أوربا قائمة في أسبانيا وكان الأجدر التوجه لها للدفاع عن المسيحية وليس غزو شواطئنا. إلا ان الكنيسة لم تكن تهدف لحماية الدين المسيحي كما ادعت وانما كانت تريد احتلال موضع ولادة الدين لسد عقدة النقص.

  2. إن أول شاهد على نفي الهدف في حماية المسيحية في المشرق هو أن بطريك أنطاكية لنصارى المشرق الأرثودوكس والذي كان تأريخياً من نصارى المنطقة عزل طيلة قيام الدولة الصليبية وجيء ببطريك أوربي لاتيني ليحل محله. فاذا كان الهدف حماية المسيحية في المشرق فلماذا يعزل ممثلهم الحقيقي من الطائفة التي سبقت أوربا قروناً في تنصرها ودفاعها عن الدين؟

  3. إن شاهد الهوة بين ميسيحي أوربا ونصارى منطقتنا تمثل أفضل تمثيل بحقيقة تأريخية قامت عند زوال الدولة الصليبية. فقد غادر المنطقة مسيحو أوربا وظل فيها النصارى العرب كما عاد لها عدد من اليهود الذين أجلاهم الحكم الصليبي. فلو كان هناك ذلك التلاحم بين مسيحي أوربا والمشرق الذين يدعون أنهم جاؤا لحمايتهم لرحل هؤلاء مع الأوربيين كما حدث لمسلمي الأندلس الذين رحلوا جميعا عنها بعد سقوط غرناطة عام 1492 م.

إن الحقيقة التي يجب استخلاصها من الغزو والاستيطان الصليبي هو انه جاء سداً لعقدة النقص التي تغرست في نفس الأوربي في أنه أخذ دينه من ابننا فأراد أن يعوض عن ذلك في إدعاء ملكية مهد ابننا.

انسحب آخر الصليبيين لكن ذلك لم يكن نهاية أي شيء بل إنه سرعان ما قاد لنشوء عقدة النقص الثانية.

هذا ما سأحاول بحثه في القادم..

فللحديث صلة…..

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image