الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 4

انتهيت في الحلقة السابقة للسؤال عن سبب فشل إيران في العراق. لكنه لا بد  لي قبل الدخول في هذا أن أتوقف قليلاً عند ما استجد من حدث تصعيدي خطير في اغتيال الصهيونية لعدد من القادة الإيرانيين والعراقيين قرب مطار بغداد. ويبدو أني بشكل غير مقصود بدأت بكتابة هذه السلسلة، بعد أن أجلتها لمدة عام بسبب انشغالي بمقاضاة أعداء العراق، في وقت يتطلب متابعة مستمرة لإن مستجدات الحدث تكاد تكون يومية.

إن أهم ما يمكن استخلاصه من العدوان العسكري الأخير هو:

أولاً: إن الولايات المتحدة، كما قلت في الحلقات السابقة، ما زالت تحتل العراق وتتصرف فيه كأية قوة محتلة في التأريخ. فهي لا تسأل أحداً عن إذن التحرك فوق أرضه أو سمائه. وهذا يعني كما أسلفت أن أي وضع سياسي في العراق لا قيمة له ما دامت الصهيونية قادرة على ازالة ما لا ترضى عنه بعمل عسكري. والاغتيال الأخير دليل ذلك. ولو كانت إيران تحتل العراق، كما يقول عدد من الجهلة وعدد من المغرضين، لما أمكن لأحد أن يقتل أحد اكبر قادتها على ارض العراق وبطائرات تطير من أرض العراق. وأكتفي بهذا القدر في هذا الموضوع حيث لن أعود لبحث هذه الحقيقة بعد اليوم. ولن أضيع وقتي في حوار حولها.

ثانياً: إن الصهيونية أرادت أن ترسل رسالة ليس فقط لإيران والعراق ولكن لكل العالم مفادها أنها، أي الصهيونية، تمتلك الحق بالتصرف في اغتيال من تشاء، متى تشاء وأينما تشاء. إن سكوت العالم، وعلى الأخص في أوربا وهي وحدها القادرة اليوم على تحديد الطغيان الصهيوني، أمام هذا السلوك الإجرامي يعني أننا وصلنا لوضع جديد في العلاقات الدولية يستخف بكل قواعد العلاقات الدولية التي اتفق عليها العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي شكلت النظام السياسي الدولي الجديد المحدد بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وهو وضع لا يختلف كثيراً عن وضع العالم عشية الحرب العالمية الثانية وسقوط عصبة الأمم.

ثالثاً: إن دعوى من ينادي بأن ينأى العراق عن دائرة الصراع وتسوية الحسابات يبدو وكأنه طلب من يعيش خارج التأريخ والواقع. ذلك لأن البلد المحتل لا يمكن أن يكون خارج صراعات القوة التي تحتله. وقد أثبت اغتيال قاسم سليماني أنه لا يمكن أن يكون العراق حراً في تحقيق هذا الطلب أذا صدقت نية المطالب بالنأي بالنفس. وهذا كان حال فرنسا بعد أن احتلها هتلر في الحرب العالمية الثانية حيث حسمت الحرب العالمية على ارضها. وحتى لو افترضنا، من باب الجدل، أن العراق دولة مستقلة تمتلك السيادة والقرار فإنه، أي العراق، يظل غير قادر على تحقيق النأي عن الصراع وتسوية الحسابات بين الصهيونية وأعدائها ذلك لوجود القواعد العسكرية المنتشرة فوقه والتي تنطلق منها العلميات العسكرية الصهيونية مما يؤدي بالنتيجة لكونها هي، وبالتبعية أرض العراق، هدف أي رد يأتي من أعداء الصهيونية.

رابعاً: إن الصراع الإيراني الصهيوني على العراق حقيقة وليست مجرد أفكار أنتجها عبد الحق لتسويد صفحات مقال. ذلك لأن اغتيال قاسم سليماني على أرض العراق لا علاقة له بالعراق ومشاكله أو مصلحته. بل هو مطلب صهيوني نادت به إسرائيل لسنوات بسبب مساهمة سليماني في دعم حزب الله في لبنان وسورية العربية مما أضر بالمشروع الصهيوني. وقد ثبت هذه الحقيقة كل من رئيس وزراء إسرائيل والرئيس الأمريكي النزق مما يغلق باب الجدل حولها. فالعراق أصبح ساحة الصراع بين الهيمنة الإيرانية والهيمنة الصهيونية على أرض العرب. وهذه الحقيقة لا علاقة لها أين أقف واين يقف الآخرون من هذا الصراع. إنها حقيقة الواقع الذي يجب أن يفهمه ويقره الجميع عند الحديث عن العراق اليوم. إذ لا يكفي الاستنكار ورفع الشعارات والمطالب. بل يجب أن يكون واضحاً أين يقف كل شخص أو مشروع ولماذا يهدف هذا الموقف.

أعود الآن لمتابعة حديثي عن سبب فشل إيران آخذاً في ذلك الحديث شيئاً مما استجد.

لا بد أن نتذكر أن إيران، والتي كانت سعيدة للتخلص من المشروع القومي العربي في العراق والذي مثله حزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم العراق ثلاثة عقود والذي ما كان ليزول لولا الغزو الصهيوني، دخلت العراق عن طريق خدمها من قوات بدر. لكن إيران واجهت الحقائق التالية حين دخلت العراق عن طريق عملائها:

  1. إنها لم يكن لها دور في اختيار أعضاء ما سمي بمجلس الحكم من الخونة الذين اختارتهم الصهيونية والذي سيدخلون تأريخ الخيانة كما دخله إبن العلقمي. ذلك لأن اختيار الصهيونية لعدد ممن كانوا يعيشون في إيران أعضاء في مجلس الخيانة ذلك لم يكن بسبب أهمية إيران في القرار وإنما أولاً لكونهم من الشيعة، وهو عرضي، وثانياً لأنهم كانوا على إتصال بالصهيونية سواء أكان ذلك بعلم إيران وموافقتها أم لا. وهذه العلاقة لهم بالصهيونية اضافت عنصراً جديداً من التعقيد في التعامل مع حقيقة ارتباطهم الصهيوني وشعورهم بالولاء المذهبي لإيران.
  1. إنها، أي إيران، لم يكن لها أي دور في التغيير الشامل الذي أدخله الصهاينة للعراق عن طريق تشريع أكثر من مائة قانون غيرت العراق سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً وعسكرياً حيث أصبح لزاماً على من يعمل في العراق أن يتعامل مع الحدث في ظل ذلك التغيير.
  1. إنها لم يكن لها أي دور في صياغة أو تعديل الدستور الذي كتبه الصهاينة للعراق عام 2005 والذي يدعي عدد من الأميين العراقيين اليوم أنهم شاركوا في صياغته ثم تسود الصفحات وتصرف الساعات في الحوار عما كتب أصلاً وما أدخل عليه من تعديل وكأنه حقاً مشروع عراقي أصيل. فلو ان إيران كان لها دور في صياغة دستور عام 2005 في العراق لاعترضت على عدد من مبادئه ليس لأن تلك المبادئ لا تخدم العراق فحسب بل بسبب أنها تفتح باب المشاكل لإيران. ونكتفي بمثال واحد على ذلك لتقريب الصورة. فلو ان إيران كان لها رأي لاعترضت على قيام عراق اتحادي بين العرب والأكراد. ذلك لأن دعم إيران لعراق اتحادي لا بد أن يفتح أعين وشهية شعوب الأزيريين والعرب والأكراد والبلوش للحديث عن إيران اتحادي وهو ما لا تريده ولا تسمح بالحديث عنه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إن فهم هذه الحقائق مهم لفهم الواقع الذي وجدت إيران نفسها تعمل فيه حين وضعت أقدامها في العراق عن طريق مجموعة من الجهلة والمتخلفين والأميين، وهو كل ما كان لديها من العراقيين الذين لجؤوا اليها.

كما إنه كان على إيران أن تتعامل مع المرجعية الدينية في النجف ذلك لأنه قد يبدو غريباً لكثير من العرب أن يكتشفوا أن مرجعية النجف ليست على توافق مع مرجعية إيران الدينية. وسبب ذلك يعود لتأريخ المرجعية في النجف ونشوء ولاية الفقيه وصعودها. فمرجعية النجف التي كان تأريخها السياسي يتأرجح في القرن العشرين حتى حسمه محسن الحكيم في الفتوى ضد الشيوعية والتي أظهرت انحياز المرجعية الكامل سياسياً للصهيونية حين كانت ليست ملزمة على الدخول في معركة الإنحيازات والولاءات. وقد تولى أولاد محسن الحكيم قيادة التعاون مع الصهيونية وتوجوه بالمشاركة في الإعداد للغزو ودخول العراق مع الصهاينة.

لكن الوضع في إيران كان مختلفاً ولأسباب عدة ليس هذا مجال الخوض فيها. إلا أن ما يهمنا هنا هو أن الخميني حين بعث نظرية ولاية الفقيه للوجود فإنه ادرك عن يقين أنها لا يمكن لها أن تنتصر ما دامت الصهيونية تتحكم بالمنطقة فكان طبيعياً أن يكون مشروعه لبناء الدولة الإسلامية القائمة على ولاية الفقيه معاديا للصهيونية. وهكذا كان. وحين ورث علي الخامنئي الولاية فقد وجد نفسه في مواجهة مرجعية السيستاني المهادنة للصهيونية وقد أوجز ذلك الموقف الصعب حين تساءل مرة بقوله إنهم يقولون إنهم يوالون علياً لكنهم لا يتعرضون لأمريكا. وليس صعباً على القارئ أن يفهم ما أراده ومن المقصود!

وهذا الموقف الصعب الذي كان على مرجعية ولاية الفقيه أن تتعامل معه يتضح من حقيقة أن مرجعية ولاية الفقيه ليس لها تقليد ذو قيمة في العراق في الوقت الذي يقدر السيستاني فيه تحريك الملايين كما فعل في الدعوة للتصديق على دستور عام 2005 والذي لو كان الأمر بيد الخامنئي لدعا لرفضه. وهذا يعني بالضرورة أن أغلب جماهير الشيعة في العراق، مهما كان تعاطفهم أو عدمه مع إيران، لم يكونوا في حقيقة الأمر في إمرة الفقيه في إيران بل هم في إمرة مرجعية النجف. وهذه الحقيقة مهمة ويجب ادراكها لمن أراد أن يعرف حقاً ما جرى ويجري في العراق وماذا فعلت إيران أو ماذا كان يجب أن تفعل. فقد دخل العديد من عملاء الصهيونية من الملتحفين بغطاء مظلومية الشيعة من هذا الباب مدعين الولاء لإيران في الوقت الذي كانت فيه أهواؤهم حقا في الجانب المعادي لإيران. ولن أسمي أحداً لكن يكفي أن نلقي نظرة واحدة على أولاء الذين كانوا في الصف الأول من المسؤولين في العراق في أعقاب الغزو وننظر أين انتهى الذين اختفوا منهم عن المسرح السياسي. فهم لم يذهبوا إلى طهران بل تراهم في واشنطون أو لندن أو باريس أو في عاصمة صهيونية أخرى! فإذا كانوا حقاً رجال طهران في العراق فلماذا لم يتقاعدوا في بيت سادتهم الفرس؟

أما أجهزة الدولة الإيرانية فقد كان عليها التعامل مع حقائق جديدة في وجود أجهزة المخابرات الدولية في العراق التي تتحرك بمطلق الحرية. فكان شاغلها الأول هو منع تغلغل هذه الأجهزة في إيران وزعزعة الأمن القلق في أساسه في ظل الحصار الخانق. وهذه الحالة القاهرة قضت بغض النظر عما سواها. ولو أدى ذلك للتعامل مع فاسدين من العراقيين لما كان هناك من ضرر اذا خدم ذلك الأمن القومي الإيراني وحمى ذلك حدود إيران من الاختراق.

وحيث إن العراق لم يكن شيعياً في أغلبيته حيث كان السنة وما زالوا يشكلون قوة حقيقية بينما يشكل الأكراد ليس قوة فحسب بل واقعاً سياسياً أوجده الغزو الأول عام 1991 وشبه الاستقلال الذي تمتعوا به منذ عام 1991 وحى عام 2003. وقد نجح الصهاينة في استغلال هذه الحقائق لإجبار إيران على التعامل كرد فعل وليس مبادرة في أغلب مراحل. فرضخ الإيرانيون لأكراد العراق شريطة عدم قيامهم بتأجيج الشعور بالاستقلال بين أكراد إيران.  فجاز لأكراد العراق الفساد دون أي ضغط إيراني!

فما أن انتهى الصهاينة من تسليح وإطلاق يد الميليشيات الشيعية التي جاءت من إيران بحجة مكافأتها على القتال ضد صدام حسين، كما قال بول بريمر، حتى بدأت بتسليح شباب أهل السنة في الصحوة وما شابهها بحجة حمايتهم من ميليشيات الشيعة! ثم ما لبثت أن بعثت الحياة بتنظيم القاعدة الذي أوجدته في أفغانستان بمال الأعراب لتطلق شذاذ المسلمين من جديد في حرب اساسها اجتثاث الشيعة من المنطقة: حيث لم يرفعوا شعاراً غيره! ولا يخفى على أبسط مراقب أن هدف الصهيونية، من تجميع رجالها القدماء في القاعدة وإعادة تنظيمهم وتمويلهم وتسليحهم ومنحهم ممر العبور من تركيا، كان وما زال من أجل منع قيام محور معاد لإسرائيل يمتد من جبال زغروس حتى الأبيض المتوسط. فالصهيونية ليست سنية ولا شيعية ولا نصرانية وهي تنظر لكل سكان المنطقة من المنظار ذاته من التعالي والاحتقار وليس لها من هدف سوى الهيمنة المطلقة والإذلال وتفعل في سبيل ذلك كل شيء.

هذي ليست سوى نظرة عابرة للحقائق التي وجدت إيران نفسها تتعامل معها في العراق وهي لا تمتلك من مفاتح القوة سوى عدد محدود من الأفراد الذين يمكن لها حقاً الإعتماد عليهم. ولو كان قادة المشروع السياسي الشيعي في العراق في جيب إيران لما وقعوا معاهدات الذل والتي سميت، من باب الاستخفاف بالعقول، معاهدات أمنية منحت الصهيونية كل السلطة وأبقت العراق رهينة لها. فلو كان أي من علاوي أو المالكي أو الجعفري أو العبادي أو المنتفجي في جيب إيران لما انتهى الوضع إلى أن تطير الطائرات الصهيونية من أرض العراق لتقتل قادة إيران على أرض العراق. ثم تنتهي بأن تأمر المنتفجي بأن يحمي سفارتها ومواطنيها!

لكن ما قلته أعلاه لا يجيب على السؤال المشروع، ألا وهو لماذا سمحت إيران للفساد أن يستشري في العراق بالشكل الأسطوري الذي هو عليه اليوم؟ وهو أمر لا يمكن لإيران أن تدعي أنها لم تساهم فيه بالرغم من حقيقة أن الصهيونية هي التي جاءت بالفاسدين وسلمتهم العراق. حيث إنه لا بد لإيران من أن ترد عن سبب فشلها في ردع رجالها عن الانشغال بالفساد وحده دون أية مساهمة أخرى في إدارة الدولة إذا لم نقل المساهمة في البناء والتطوير للدولة التي خرجت من ثلاثة عشر عاماً من الحصار وغزو واحتلال مدمرين.

إن علة الفساد ليست ظاهرة عراقية ولا عربية فهي موجودة في بني الإنسان ويحدد انتشار الفساد النظم والقوانين والأعراف السائدة في أي مجتمع. فبقدر قوة هذه الضوابط يجري التحكم بالفساد. وتتحكم بهذه الضوابط ونموها عوامل معقدة لست أدعي الإحاطة بها وحتى لو كنت فليس هذا موضع بحثها. لكن ما يهمنا هنا هو أن ندرك أن غزو أي بلد يعني إنهاء النظم القائمة في البلد المغزو. ولو أراد الغازي أن يضم الأرض له فإنه كان سيأتي بنظمه لتحل فيها. وقد حل الغزو الصهيوني النظام السياسي والاجتماعي في العراق كما أسلفت القول. ولم يأت، عن قصد، ببديل. فأصبح العراق ساحة مكشوفة لأية قاعدة جديدة في التعامل بين الناس. وحين تكون السلطة العسكرية الحاكمة تتطلع للفوضى تحت سمعها وبصرها، وحين تكون المؤسسة الدينية تتطلع لكسب مالي، وحين تكون الجماهير المحرومة والجائعة بسبب الحصار المدمر تحلم بكسب مالي سهل وحين يكون المتعلمون القادمون من أوربا رسل الانتفاع السريع الذي تعلموه من نظم الدعم المالي المفسدة، فحينها يصبح الفساد سنة وقاعدة التعامل بين الناس لأن كل الأطراف المساهمة راغبة فيه، ولا توجد قوة ضده تردعه أو تحدده!! ولأن أحدا لم يكن معنيا ببناء دولة!

ويبقى السؤال قائماً: ما الذي فعلته إيران لتحديد الفساد الذي أوصل العراق لما هو عليه اليوم؟ فهل حاسبت أحداً من رجالها المسؤولين في العراق المحتل عن الفساد أو حاولت ايقافه؟ وان لم تفعل فلماذا؟ إن الإجابة بأنه كان عليها أن تختار بين الدفاع عن أمنها القومي بأية وسيلة وبين إقامة نظام ولو نصف عادل في العراق ليس مقنعاً. إن التضحية بمستقبل العراق ليس في مصلحة العراق ولا حتى في مصلحة إيران. ولا يمكن لإيران أن تتنصل من المسؤولية. إن كل الشواهد التي يراها مراقب الحدث العراقي في السنوات العشر الماضية يدل على مسؤولية إيران المشتركة مع الصهيونية عن ما جري في العراق وما آل اليه الأمر الذي دفع للانتفاضة……

وهذا حديث الحلقة القادمة.

 

 

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image