لماذا ثبت الأسد وسقط مرسي وحمد، ثم ماذا بعد؟

ليس هذا عنوان شماتة بالساقطين وان كانوا يستحقونها. لكنه عنوان واقع يقتضي الدراسة لإستخلاص العبر وقراءة ما يمكن أن يحدث. ذلك لإن ما جرى ويجري في الوطن العربي منذ أكثر من عامين من الخطورة والجسامة ما يجعل من المستحيل أن يفهم أويشرح في مقال أو مقالين. وقد يخطئ المتابع في فهم حقيقة ما يجري ليس فقط بسبب نقص في الموضوعية في جوهر البحث عند عرب اليوم، وهو حقيقة، وإنما للطبيعة المعقدة للمرحلة والتي تشكل في نظري أخطر مرحلة منذ تقسيم المشرق العربي في سايكس بيكو.

فقد اتخذت خطط الغرب منذ الصليبية الأولى حتى اليوم أساليب وأهداف متعددة للهيمنة علينا وكانت كل خططهم تتم ببعض الكلفة المادية والبشرية لهم. إلا أن الإسلام السياسي المتمثل اليوم في “السلفية” و “الإخوان” بشكل عام أغنى الإستكبار الصهيوني عن كلفة تنفيذ مشاريع الهيمنة تلك وذلك بقيام الإسلام السياسي بأحد أمرين، فإما أن يحكم الوطن العربي ويسخره في مصلحة الإستكبار الصهيوني أو إذا عجز عن ذلك أن يخرب أرض العرب بشكل يجعل مقدرتهم على الثبات والتصدي بدرجة من الضعف مما يمكن الإستكبار الصهيوني أن يفرض عليهم ما يشاء. ومن قرأ بعناية كيف بدأ تشكيل السلفية في جزيرة العرب في نهاية القرن الثامن عشر وكيف نشأت حركات الإخوان في القرن العشرين سوف يكتشف أن الإستكبار فكر وأعد أو دعم هذه الحركات السياسية من أجل زيادة الخيارات المتاحة له. ذلك لأن الإستكبار الصهيوني لم يكن جاهلا بحقائق التأريخ التي تقضي أن أرض العرب لا بد لها، ما أن خرجت من ظلام الحكم العثماني،  أن تتطلع لحقها في أن تعيش وفق ما تريده من استقلال وحرية وكرامة وعدالة.  وهذا التطلع لا بد أن يقوده مشروع قومي، وهكذا كان، فولد البعث والقوميون العرب والناصريون… فكانت النتيجة الطبيعية لهذه الولادة أن يعادي الإستكبار الصهيوني كل الحركات القومية وأن يتبنى ويدعم السلفية والإخوان وان كان ذلك بشكل خجول في بعض الأحيان!

فدارت المعارك من خلق إسرائيل 1948 الى غزو قناة السويس 1956 الى هدم الوحدة العربية بين مصر وسورية 1961  الى حرب حزيران 1967 الى إزاحة عبد الناصر 1970 الى حرب التحريك 1973 الى غزو لبنان 1982 الى غزو العراق الأول 1991 الى غزو العراق الثاني 2003 الى حرب جنوب لبنان 2006 الى خراب سورية 2011 الى الى…. فكانت هناك معركة مصيرية واحدة على الأقل في كل عقد!

لكن الإستكبار لم يكن وحده مسؤولاً عما حل بنا فقد ساهمت الحركة القومية بنصيبها في هدم مشروعها ومن تلك المساهمات ما كان متعمدا ومنها ما كان بسذاجة وضعف بصيرة. فمن ذلك دعم البعث في سورية للإنفصال بأعذار هي أوهى من بيت العنكبوت…. ومنها رفض البعث في سورية والعراق الوحدة مع مصر عام 1963 بحجة أن جمال يريد الإنفراد بالسلطة رغم أن البعث لم يكن يمتلك قيادة قادرة على تحمل تلك المسؤولية، وليتهم فعلوا. ومنها تآمر البعث في العراق وسورية الواحد على الآخر ومسارعة كل منهما لإرضاء الرجعية العربية في الجزيرة…. ومنها وقوف البعث في سورية ضد العراق لإعادة الكويت لحضن الإستكبار الصهيوني في عذر أوهى حتى من عذر دعم الإنفصال!

لكن المشروع القومي، رغم كل الحروب والمؤامرات والفشل الذاتي، بقي ثابتاً وصادقاً في جوهره. والشاهد على ذلك ما جرى ويجري في سورية. فبعد أن تمكن الإستكبار الصهيوني من احتلال العراق وتخربيه وسلخه من المشروع القومي في إيجاد نظام مذهبي عرقي طائفي لا علاقة له بالمشروع القومي العربي، تحرك الإستكبار لإنهاء المشروع القومي في سورية.

فحشد كل ما لديه من مال وكلائه في الجزيرة والخليج وأسلحة من مخازنه مباشرة أو من خزائن النظم الوهمية في الجزيرة والخليج ومد بها الغوغاء من الإخوان والسلفية وسخر لهم كل وسائل الإعلام التي تخدمه والمؤسسات الدولية المنافقة وأرسلهم للخراب وقتل الناس وهدم كل ما بنته سورية خلال قرن!

وكشف الإستكبار الصهيوني مرة أخرى عن جهله وعجزه عن فهم حركات الشعوب القومية وقدرتها… فلم يعتبر بثبات العراق لأكثر من اثني عشر عاما في وجه حصار لا مثيل له في تأريخ البشرية حتى اضطر لغزو العراق ….فصدق عَرّابي العدوان على سورية الذين وعدوه أن سورية ستكون مثل العراق في مدة أقصاها ستة أشهر … وتتابعت أجهزة مخابراته الجاهلة والتي أعمتها الغطرسة على دعم ذلك التوقع…… وحين تبين فشل النبوءة بحتمية سقوط سورية رغم زيادة المال والسلاح عادوا فأعطوا فترة جديدة لإستكمال الخطة لتخريب سورية وسقوط الدولة كي يؤتى بمجموعة جديدة من اللصوص والجهلة والمتخلفين، كما حدث في العراق، لتمكين الإستكبار الصهيوني من الإدعاء بأن “الديموقراطية” جاءت بتعبير الشعب عن حبه ورضوخه للصهيونية!

إلا أنه رغم دخول المؤامرة عامها الثالث ورغم الحصار الجائر ورغم التهجير القسري والخراب الممتد في طول سورية وعرضها، رغم كل ذلك فإن سورية لم تسقط… بل على عكس ذلك لأنها تمكنت من امتصاص الضربة التي أذهلتها أول الأمر ثم استعادت المبادرة …. وها هي اليوم في طريقها لحسم المعركة دون أدنى شك!!

فما الذي حدث في معسكر العدو؟

إن أقل ما يمكن أن يقال عن معسكر العدو أنه يتصرف كمن أضاع طريقه فهو يتخبط في سلوكه وتصريحاته…لكن الأهم من كل ذلك هو ما جرى في تركيا وقطر ومصر …… ونظرا لتعقيد الوضع التركي مما يقتضي بحثاً مستقلاً فسوف أصرف النظر عنه هنا. وقد لا يكون واضحاً للجميع أن ما حدث في هذه الدول له علاقة بسورية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لكن الحقيقة كما سيظهر هي أن ما حدث ويحدث في كل المشرق له علاقة بسورية، تماما كما أن كل ما يحدث اليوم ما كان ليحدث لو أنه لم يتم غزو العراق واحتلاله من قبل الصهيونية.

فأسهل ما يمكن فهمه هو ما حدث في قطر…. ذلك لأن آلية تنفيذ خراب سورية وتفتيتها كانت قد أعدت بتعهد حمد بن جاسم ورجب طيب أردوغان…حيث أكد الأثنان لسيدهما الصهيوني بأنهما يتعهدان بالنتيجة الحتمية لسقوط الدولة السورية، فما كان من السيد الصهيوني إلا أن يقبل ذلك ويبني عليه….. لكنه حين اكتشف فشل التعهد فإنه كان لا بد من أن يدفع أحد ثمن هذا الفشل…. وهكذا كان.  فقد نشرت وكالات أنباء اسرائيلية على علاقة بالموساد منذ أسابيع تفاصيل رسالة نقلها مسؤول أمريكي إلى حاكم قطر وحدد الخبر ليس فقط ما سيحدث بل حددت إسرائيل أن ذلك سيجدث قبل نهاية شهر حزيران….فقد قرر الصهاينة أن يخرج حمد بن جاسم وأميره من السلطة ثمنا للفشل ذلك لأن السيد لا يرضى بعبيد لا يحسنون أداء أدوارهم ويكون الغضب أكبر حين يدعي العبد أنه يقدر على أكثر من أداء الدور حين يتطوع بأفكار ومشاريع أكبر من مقدرته فيفشل فيها….

ولا يمكن المرور على هذا الحدث دون التعليق على تفاهة الأعراب الذين يتصدرون للأدوار السياسية. فكل سياسي في أي مكان في العالم إذا يجري استبعاده بهذا الشكل المهين لا بد أن يمتلك من الكرامة وماء الوجه ما يدفعه للتعليق أو قول شيء عن نفسه وسبب طرده. أما هذا “الحمد” والذي كان حتى قبل أسابيع يتصرف وكأنه جبار الأمة العربية في إدارته للجامعة العربية فإنه لم يعلق بكلمة واحدة على طرده…. أما اليوم فهو لم يعد يقدر أن يتصرف بالجامعة العربية بل ربما لا يستطيع أن يدخل بنايتها، فما هي تلك الجامعة التي عين الصهاينة مديرها ثم طردوه حين أخفق؟؟

إلا أن الأمر في مصر أكثر تعقيدا من قطر وهو ما يجب أن يكون.  ذلك لأن سقوط مرسي لم يكن نتيجة مباشرة لتهجمه البائس على طائفة دينية مما لا يليق برئيس دولة ولا لقطع العلاقات الأول من نوعه بين مصر وسورية…. ولو أن هذا ولا شك أثار حفيظة القوات المسلحة التي أضافته الى سياساته الخرقاء، كما أنه ألب عليه الشارع المصري العروبي الذي لا يمكن أن يتصور مصر وهي تقطع علاقاتها مع سورية العربية بينما هي تجد الأسباب لإبقاء العلاقة مع إسرائيل الصهيونية!

لكن سقوط مرسي له علاقة غير مباشرة بسورية من حيث كونه رئيس أكبر دولة عربية يحكمها الإخوان المسلمون…. ففشل الإخوان من الإستمرار بالحكم لمدة عام بعد أن انتظروا وتآمروا لثمانين عاما كي يصلوا،،، هو نكسة لحركة الإخوان المسلمين العالمية التي تمثل مصر قاعدتها، أي بمعنى آخر هي نكسة للإخوان في تونس والمغرب وسورية بشكل خاص…ولما كان الإخوان هم القوة التي تقود التمرد المسلح والمدمر لسورية، فإن فشل الإخوان في مصر له ثلاثة آثار على إخوان سورية.

وأولهما هو زوال الدعم السياسي والمادي بل وربما البشري من مصر والذي عول عليه اخوان سورية خلال العام المنصرم، وهذه ولا بد خسارة كبيرة في وقت يعاني فيه التمرد المسلح من نقص في كل شيء إذا ما قيس بما كان عليه قبل عام حيث يتحرك الجيش السوري وفق خطة استعادة المبادرة والتطهير وفق ما رسمه بكل دقة.

اما الأثر الثاني والذي قد يكون أكثر أهمية فهو في أن فشل إخوان مصر هذا الفشل الذريع في إدارة الدولة يجعل كل إنسان يفكر جدياً في كل ما يدعيه الإخوان وعما إذا كان ما يقولونه صادق أو لمجرد الوصول للحكم….. فهل إن أخوان سورية سيكونون أصدقاء لإسرائيل كا فعل اخوان مصر الذين تحدثوا لعقود عن العدو الصهيوني حتى إذا وصلوا للحكم قالوا للناس إنهم بحاجة للتمكين قبل خوض الحرب وكأن العدو، إذا افترضنا صدقهم،  بجهالتهم وغباوتهم سيجلس ينتظرهم وهم يتمكنون لكي يقاتلوه!

أما الأثر الثالث والذي هو بلا شك الأكثر خطورة فهو أن ثبات سورية أكد أصالة المشروع القومي وعمق تجذره في نفس الإنسان العربي، فرغم كل سلبيات حكم البعث في سورية فإن شعب سورية ذي الحس القومي الصادق أدرك أن هدم نظام البعث سوف يؤدي لهدم الدولة وكل ما يمثله ذلك كما حدث في العراق. وحين أدرك ذلك فإنه سرعان ما ترك الإخوان وعاد للمشروع القومي واثقاً أنه برغم قصوره الحالي فهو أفضل من ظلامة الإسلام السياسي ذلك لأنه قادر على التغيير ما دام ملتصقاً بالأمة وأهدافها. إن خلاصة هذا هو أن سقوط مرسي أثبت بداية النهاية لمشروع الإسلام السياسي المذهبي المفرق، مقابل مقدرة المشروع القومي على الديمومة والتجديد.

ماذا بعد؟

حيث إن سورية في طريقها للحسم العسكري والذي لا بديل عنه، لتطهير الوطن من عصابات الظلام والجهل التي تريد إعادة الأمة للعصر الحجري في الفكر، فلا بد أن تقوم بعمل متمم للعمل العسكري وذلك في المبادرة بعمل قضائي.

وحيث إني لا أريد أن أرهق من ليس له علم بالقانون فإني أوجز سلوكين لا بد لسورية أن تقوم بها الآن بالتزامن مع العمل العسكري حيث إن للإجراء القضائي أثر ضاغط في كل ساحة.

فالطريق الأول هو في مقاضاة حكومة تركيا وحكومة قطر وحكومة آل سعود أمام محكمة العدل الدولية كما فعلت نيكارغوا حين ألغمت الولايات المتحدة مياهها فوجدت المحكمة أن عمل الولايات المتحدة كان عدواناً مخالفا للقانون الدولي. ورغم إن احكام المحكمة غير ملزمة إلا أن اي حكم في صالح سورية سوف يمكن استعمالها في أية مقاضاة أخرى أمام أية محكمة في العالم لتعزيز اية دعوى.

أما الطريق الثاني فهو مقاضاة ” الحمدين” كبداية أمام أية محكمة في أية دولة يمكن المقاضاة أمامها بتهمة دعم الإرهاب وهناك أكثر من دولة في العالم يعطي قانونها الوطني سلطة قضائية عالمية على جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم إرهاب. إن أية دعوى كهذه يمكن أن تجد كلا “الحمدين” مجرما كما أنها ستحكم عليهما بالتعويض المادي لصالح عشرات الآلاف من ضحايا إرهابهم في سورية.

فهل من يستمع في القيادة السورية|

والسلام

د. عبد الحق العاني

خبير في القانون الدولي

9 تموز 2013

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image