قل ولا تقل / الحلقة الثالثة والعشرون بعد المائة

إذا كنا نعاقب من يعتدي على الأثر التأريخي أو البيئة ألا يجدر بنا أن نعاقب من يهدم لغتنا؟

إن اللغة العربية هي أعظم تراث للعرب وأقدسه وأنفسه، فمن استهان بها فكأنما استهان بالأمة العربية نفسها وذلك ذنب عظيم ووهم جسيم أليم. (مصطفى جواد)

فإن من أحب الله أحب رسوله، ومن أحب النبي العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب. ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها وصرف همته اليها. (الثعالبي)

قل: أصْحَت السَّماء
ولا تقل: صَحَت السَّماءُ

كتب الكسائي: “وتقول صحا السكران اذا أفاق بغير الف، وأصْحَت السَّماءُ فهي تُصْحي إصحاءً بالف.” إنتهى

واختلف علماء العربية في ذلك. فقد كتب الجوهري: ” وصَحا من سكره صَحْواً؛ والسَكْرانُ صاحٍ….. وأَصْحَتِ السماءُ، أي انقشع عنها الغَيْم، فهي مُصْحِيَةٌ.” فوافق الكسائي في ذلك. لكن ابن منظور كتب في لسان العرب: “صَحا السكرانُ من سُكْرِه يَصْحُو صَحْواً وصُحُوّاً، فهو صاحٍ، وأَصْحَى: ذَهَب سُكْرُه”. فأجاز أن يقال أصحى السكران. أما ابن فارس فقد كتب في المقاييس: ” الصاد والحاء والحرف المعتل أصلٌ صحيح يدلُّ على انكشاف شيءٍ. من ذلك الصَّحْو….. وروي عن أبي حاتم قال: العامّة تظنُّ أنَّ الصَّحو لا يكون إلاَّ ذهابَ الغَيم، وليس كذلك، إنَّما الصحو ذَهاب البَرْدِ، وتفرُّقُ الغَيم”.

قل: عَلَيَّ بالدَّجاجِ
ولا تقل: عَلَيَّ بالدِّجاجِ

كتب الكسائي: ” وتقول عَلَيَّ بالدَّجاجِ بفتح الدال، قال جرير:

لمَّا تَذَكَّرْتُ بالدَّيرَينِ أرَّقَني              صَوتُ الدّجَاجِ وقَرْعٌ بالنَّواقِيِسِ”

وأضاف المحقق: “وضعها في الفصيح (فصيح ثعلب) باب المفتوح أوله من الأسماء. أما ابن السكيت فقد حكى في اصلاح المنطق الفتح والكسر فيها عن الفراء. غير أنه في موضع آخر وصف الكسر بأنه لغة رديئة. انظر كذلك أدب الكاتب والإقتضاب.”

قل: هو الأمير ابنُ الأمير
ولا تقل: هو الأمير بنُ الأمير

وكتب الصفدي: “ومن ذلك أنهم يحذفون الألف من ابن في كل موضع يقع بعد اسم أو كنية أو لقب، وليس ذلك بمطَّرد، وإنما يحذف الألف من ابن إذا وقع صفة بين علَمين من أعلام الأسماء والكُنَى والألقاب لِيُؤذن بتَنَزُّله مع الاسم قَبْلَه بمنزلة الاسم الواحد لشدة اتصاف الصفة بالموصوف وحلوله محل الجزء منه، ولهذه العلة حذف التنوين من الاسم قبله فقيل عليُّ بن محمد، كما يحذف من الأسماء المركبة في رامهرمز وبعلبك، فما عدا هذا الموطن وجَبَ إثبات الألف فيه، وذلك في خمسة مواطن: أحدها: إذا أُضيفَ ابنٌ الى مُضمَر كقولك: هذا زيدٌ ابنُك. والثاني: إذا أُضيفَ الى غير أبيه كقولك: المعتضد بالله ابن أخي المعتمد على الله. والثالث: إذا نسَبتَ الى الأب الأعلى كقولك: الحسن ابن المهتدي بالله. الرابع: إذا عُدِلَ به عن الصفة الى الخبر كقولك: إن كَعباً ابنُ لُؤَي. الخامس: إذا عُدِل به عن الصفة الى الاستفهام كقولك: هل تميم ابنُ مُرّ? وذلك أنّ ابناً في الخبر والاستفهام بمنزلة المنفصل عن الاسم الأوّل. قلت: والسادس: أن يقع ابن أوّل السطر على كل حال. والسابع: أن يقع ابن بين وصفينِ دون عَلَمين كقول أبي الطيب:

العارِضُ الهَتِنُ ابنُ العارِضِ الهَتِنِ ابن العارِض الهَتِنِ ابن العارضِ الهَتِنِ

وكقولك: هو الأمير ابنُ الأمير، أو الفاضل ابن الفاضل”.

قل: بَكِمَ الرجل
ولا تقل: أبكِمَ الرجلُ

كتب الصفدي:”ويقولون: أُبكِمَ الرجلُ، إذا أُرتِجَ عليه في كلامه، الصواب بَكِمَ.”

قل: ما أحسنَ بياضَ هذا الثوب
ولا تقل: ما أبيضَ هذا الثوبَ

كتب الصفدي: “ويقولون في التعجب من الألوان والعاهات: ما أبيضَ هذا الثوبَ وأعورَ هذا الفرس. وذلك غلَطٌ، لأن العرب لم تَبْنِ فعل التعجب إلاّ من الفعل الثلاثي الذي خصّتْه بذلك لخفته. والغالب على أفعل الألوانُ والعيوبُ التي يدركها العِيانُ، فإن أردتَ التعجب من بياض الثوب قلت: ما أحسنَ بياضَ هذا الثوب وما أقبحَ عَوَرَ هذا الفرس. قلت: يجوز أن تقول: ما أبيضَ هذا الطائر، إذا تعجبتَ من كثرة بَيْضِه، لا من بَياضِه.”

وكتب أبو الثناء الآلوسي في ذلك فقال: “ويقولون افعل في التعجب من الألوان والعاهات. نحو قوله: (ما أبيض هذا الثوب، وما أعور هذا الفرس). كما يقولونه في التفضيل منها نحو قولهم: (زيد أبيض من عمر، وهذا أعور من ذاك). والكل لحن مجمع عليه وغلظ مقطوع به لأن العرب لم تبن فعل التعجب إلَّا من الثلاثي وحكُم افعل التفضيل يساوي حكم فعل التعجب فيما يجوز فيه ويمتنع منهُ وحيث امتنع فعل التعجب منها امتنع افعل التفضيل.واشتهر تعليل امتناعه بأن الوصف مما جاء ذكر جاءَ على افعل. فلو صيغ منه اسم تفضيل وقع اللبس في بعض الأحوال، وهو المرضي عند الكثير. ثم إن المسألة مما اختلف فيها، والمذكور مذهب جمهور البصريين، وذهب الكسائي، وهشام إلى جواز بناء اسم التفضيل من الألوان مطلقاً، وأجاز الكوفيون التعجب من السواد والبياض؛ لأنهما أصول الألوان كما ورد في حديث الحوض الذي قال غير واحد من أهل الحديث أنهُ متواتر ماؤه أبيض من الوَرِق بكسر الراء وهو الفضة، وفي بعض شروحه أنهُ لغة قليلة، وأنشدوا عليه:

إذا الرجال شقوا واشتد أكلهم

فأنت أبيضهم سربالَ طباخ

وقوله:

جارية في درعها الفضفاض([1])

أبيض من أخت بني بيّاض

  

فلما جاءَ افعل التفضيل من ذلك جاز بناء صيغتي التعجب لاستواء البابين في أكثر الأحكام فدعوى الإجماع على كون ذلك لحنًا غير صحيحة. نعم توزعوا في الدليل؛ فإنهُ مع كون ذلك ليس بمقيس يحتمل أن يكون أبيض في البيت الأول وصفاً لا افعل تفضيل. وفي البيت الثاني يحتمل أن يكون من البيض المعروف والكلام كناية عن أن أولادها لغير رشدهم كالبيض الذي لا يدري ممَّ حصل كما في كشف المشكل. وأما قوله تعالى: “وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى” [الإسراء:72]؛ أي أشد عمى كما قال أبو عبيدة لمكان قوله تعالى: “وَأَضَلُّ سَبِيلًا” [الإسراء:72]. فأعمى فيه من عمى القلب. الذي يتولد من الضلالة المشار إليه بقوله تعالى: “لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” [الحج:46]؛ وفي الحواشي لا وجه لقوله: (من عمى القلب)؛ لأن الفعل وإن كان ثلاثياً منهما إلَّا أنهُ يقال عمى وعمه قلبه، والأول للبصر وهو في القلب استعارة وتعقب بأنهُ سمع عمى القلب، والأصل الحقيقة. وفي تهذيب الأزهري العمه: التحير. وقال بعضهم العمه: في الرأي، والعمى: في البصر. وأقول يكون العمى في القلب أيضاً. فيقال رجل عم إذا كان لا يبصر بقلبه. انتهى.

فإذ سمع عمى فيما كان غير مرئي بحاسة البصر سواء كان حقيقةً أو مجازاً فالاعتراض من العمى أو التعامي وفي أصول بن السراج بعد ما أورد السؤال بالآية أجيب عنهُ بجوابين. أحدهما أنهُ من عمى القلب، والآخر أن يكون من عمى العين. ولا يراد به أعمى من كذا، بل أنهُ أعمى كما كان في الدنيا. انتهى. وتعقب بأن ذوي العاهات كالعميان يحشرون أصحاء على ما تظافرت به الأخبار. ويشير إليه كما بدأنا أول خلق نعيده. وكما بدأكم تعودون. وكما أجاب عن ذلك المرتضى في الدرر والغرر بأجوبة منها أنهُ إذا كان من عمى البصر فهو كناية عن كونهم لا يهتدون إلى الحجة الصواب وساء الطريق، وإلَّا فهو ظاهر مع كلام آخر لا يخلو عن نظر لمن له بصر. وأما قول المتنبي في صفة الشيب:

ابعد بعدت بياضًا لا بياض له

لأنت أسود في عيني من الظلم

فمن سقطاته التي عدت عليه عند بعض، وتأوله بعض آخر بأن أسود فيه وصف محض مذكر سوداء ومن لتبيين جنس السواد. وليست الداخلة على المفضل عليه ولك أن تقول المتنبي كوفي وقد سمعت مذهب الكوفيين. فلا اعتراض عليه في مثل هذا، ولا يحتاج إلى التأويل. وذكر أبو القاسم بن الفضل ابن محمد النحوي أنك إذا قلت ما أسود زيداً، وما أسمر عمراً، وما أصفر هذا الطائر، وما أبيض هذه الحمامة، وما أحمر هذه الفرس؛ صح من وجه وفسد من آخر. فيفسد إذا أردت بما ذكر التعجب من الألوان. ويصح إذا أردت التعجب من سود زيد، ومن سمر عمرو، ومن صفير الطائر، ومن كثرة بيض الحمامة، ومن حمر الفرس. وهو أن يتخم من أكل الشعير أو تتغير رائحة فيه.”

وفوق كل ذي علم عليم!

وللحديث صلة….


([1]) يقال درع فضفاض أي واسعة كما في القاموس.

Share on FacebookShare on Google+Tweet about this on TwitterShare on LinkedIn

اترك تعليقاً


CAPTCHA Image
Reload Image